الأحد، 9 مارس 2014
احلام فترة النقاهة........نجيب محفوظ
أحلام فترة النقاهة"هو العمل الجديد الذي طلع به صاحب جائزة نوبل للآداب الروائي المصري نجيب محفوظ الذي ما زال يثير الدهشة بالقدرة على اقتناص المفارقة والتقاط ما يثير روح التحفز في قارئه، خاصة ما يتعلق بالموقف من السلطة.
الجمعة، 7 مارس 2014
في تَقْرٍيظِ الحماقة: محاكم تفتيش
كان بوبي فيشر لاعب الشطرنج الشهير، يعمد في كثير من الأحيان؛وهو في أوج اللعب، إلى ارتكاب حماقة لا تخطر على بال.وكان ذلك يربك خصمه الذي يشحذ ذهنه بحثا عن سبب ذلك، أو عن معناه؛لكن دون جدوى.وإذْ يخونه ذكاؤه، يكون فيشر، بحيلته هذه أو تحامقه، قد غنِم شوطا، وفاز على خصمه.
ويُروى عن مياموتو موساشي أستاذ الكاتانا والبوكان أو فن المسايفة أو المصارعة اليابانيّة ـ على ما في هذه الترجمة من قلق العبارة ـ أنّه كان يتعمّد أن يأتي إلى حلبة المباراة متأخّرا، في بلد اُشتُهِر أهله بالدقة والانتظام، وعُرفوا بأنّهم أمناء لمواعيدهم؛ وكان ذلك يثير غضب خصمه، فيفقد الكثير من طاقته، وتكون الغلبة لموساشي.وذات يوم وقد صار قدومه إلى الحلبة متأخّرا أمرا متوقّعا، وصل باكرا على غير عادته. وإذا خصمه، كمن جُرّد من سلاحه، تحت وقع المفاجأة. وكان من الطبيعي أن يفوز موساشي.
في لسان العرب: الحَمِقُ هو الأحمق وهو كذلك الخفيف اللحية. وليكن واضحا أنّني لا أقصد أيّا من رجالات النهضة من خفيفي اللحية. والحُماق: مرض يشبه الجدري. ويسمّي العرب الليالي التي يطلع القمر فيها من أوّل الليل إلى آخره، ب’المُحْمِقات’ إذ قد تكون بلا غيم، فتوهم الانسان أنّ الصباح قد طلع. وهناك التحامق والتحمّق وهو تكلّف الحماقة.. ولا ننسى: الاستحماق من استحمق: أي تكلّف الحماقة…
*يمكن اعتبار الحماقة وهي قلّة العقل أو فساد الرأي، ضربا من غلاظة الذهن كلّما تعلّق الأمر بالذكاء وهي لا تعني ضرورة انحسار الذكاء أو انعدامه، وإنّما الموقف الذي يتصرّف فيه شخص ما دون ذكاء منه. بل قد تكون الحماقة استراتيجيا خطيرة، في مواقف كثيرة. والاستراتيجيا تقوم على تعدّد الاحتمالات أو الأجوبة، فلا نختار أحدها إلاّ استدلاليّا أو بعديّا؛ أي على أساس ما يأتي من التجربة أو يستند إليها. ومن المفيد، في هذه الحال، أن لا نتعجّل الجواب قبليّا أي استنادا إلى مجرّد قبليّة سابقة للتجربة، فنتخيّر الجواب الذي يلوح لنا أكثر ذكاء، وإنّما ينبغي أن نختبر الأجوبة الأخرى التي يتهيّأ لنا أنّها الأكثر حمقا.
الذكاء كما يُعرّفه مارك جينسون، هو مَلَكَةُ الحفاظ على توازن حيّ بين ‘ذكاء’ و’حُمق’.
لكن ما الذي يمكن أن نقوله عن الحمق في مجال الذكاء الجَمعي؟ يجيب البعض بأنّ الأمر يتعلّق بالبلاهة أي ضعف العقل والعَيّ في الحُجّة. ولكن لا ننسى أنّ هناك من يتبالهُ: أي يُري من نفسه البَلَهَ وليس به. والبلاهة في السياق الذي نحن به هو أن يتصرّف الفرد دون ذكاء الجنس الذي ينتمي إليه.
إنّ القدرة على تصوّر أوجه عديدة لنفس المشكل هي إحدى القوى الكبرى المخصوصة بالذكاء الجمعي في مقابل الذكاء الفردي. هذا ما يمكن تقريره بكثير من الاطمئنان.
***
ولكن ماذا لو كانت قوّة الذكاء الجَمعي عند فئة ما هي في مقدرتها على أن تكون حمقاء؟
هذا السؤال أطرحه على نفسي وعليكم، وأنا أتابع هذا التشدّد الديني عند بعضنا، ولا مسوّغ له ولا مبرّر من ثقافة الإسلام.
يتفرّع عن هذا السؤال، سؤال آخر كان قد طرحه كثيرون، أذكر منهم المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في مقال له: شي غيفارا وابن لادن… وسؤال فيه نظر! سؤال يراود اليوم أكثرنا: فما الذي يجعل طائفة من شبابنا يدينون مثلنا بالاسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا، ينزلقون إلى أعمال يأباها العقل ولا يقبلها أيّ شرع ناهيك بالاسلام الذي يجعل دم المسلم على المسلم حراما.
تغيير المنكر أم تغيير الحكم؟
هذا التشدّد الذي يدّعي أصحابه أنّ هدفهم هو تغيير المنكر مسألة قال فيه الفقهاء بمن فيهم ابن تيمية وتلميذه ابن الجوزيّة قولتهم.
فتغيير المنكر من شأن الإمام أي الدولة، وليس عمل الأفراد أو الجماعات. ولو أوكلناه إلى هؤلاء من ذوي الأهواء والميول السلفيّة المتباينة، لبقي المسلمون في حرب أهلية طاحنة منذ معركة صفّين. أما إذا ادّعوا أن منكرهم منكر سياسي يُقصد به تغيير الحكم، وإقامة الحاكمية الإلهية أو سلطة الفقيه فإنهم يتعامون عن أن الاسلام عامّةً والمغاربيّ خاصّة، يدين كلّ نزعة فقهية أو ايكلروسية ولا يعترف بأية رهبانية، حتى أنّ عالما كبيرا هو لويس ماسنيون يعرّف الإسلام من حيث هو: تيوقراطية لائكية أو علمانية. وإلى مثل هذا ذهب جاك بيرك أيضا.
ولم يدّع أي مجتمع إسلامي، ما عدا الغلاة والجماعات المتطرفة، أنه محكوم بواسطة المفسّرين لكلام الله.
***
ما يأتيه هؤلاء المتشدّدون، يكاد يكون صورة ممّا كان تأتيه محاكم التفتيش في اسبانيا مع الموريسكيّين الذين أُجبروا ـ طبقا لأوامر الملوك الكاثوليكيّين ـ على الدخول في المسيحيّة، إذا كانوا يريدون البقاء في اسبانيا. من ذلك ما جاء في كتاب الاب أثنار كاردونا’ الطرد العادل لموريسكيّي اسبانيا’ وقد نشره عام 1612وفيه يسوق الحجج الاجتماعيّة مثل العادات المخصوصة بالأطعمة أو الغاسترونوميا أي فنّ الأكل، والملابس وكل ما يتعلّق بنمط حياة الموريسكيّين، والأسانيد الدينيّة التي تُسوّغ في نظره هذا الطرد.
من ذلك، وأنا أنقل أقواله كما هي في ترجمتها العربيّة:
ـ كانوا[الموريسكيّون] حمقى عند عرض حججهم، وكانوا كالحيوانات، همجيّين في لغتهم، وأزياؤهم مزرية؛فهم يرتدون معظم الوقت سراويل من نسيج خفيف أو لباسا شبيها بمن يعملون في البحر. وكانت ملابسهم رخيصة، وكانوا يتعمّدون أن تكون غير كت متناسقة. وكانت أزياء نسائهم على نفس الوضع.
ـ كانوا همجيّين في مأكلهم، وكانوا يأكلون دائما على الأرض، دون استعمال موائد. ولا شيء يدلّ على أنّهم آدميّون. وكانوا ينامون على نفس الهيئة، على الأرض، على شيء يسمّونه ‘المضربة’، في أركان مطابخهم، أو في أماكن قريبة منها لكي يكونوا مستعدّين لحماقاتهم، والقيام للسّحور.
ـ كانوا يأكلون أصنافا دنيئة مثل عجائن من دقيق أنواع البقول والعدس والفول… وبعد الأكل كانوا يتشوّقون إلى الطعام… وإذا سألتهم:لماذا لا يشربون الخمر ولا يأكلون لحم الخنزير؟ كانوا يجيبون بأنّه ليس للأكلات مذاق واحد، وليست كلّ البطون تتحمّل نفس الأكلات. وهم بذلك إنّما يخفون تطبيقهم لشريعتهم…
ـ كانوا يحبّون السخرية والحكايات والرقص والغناء والتجوّل في البساتين، وكلّ أنواع التسلية الهمجيّة حيث الصخب والضجيج…والجري خلف الثيران… كانوا كسالى متسكّعين، يحبّون الجلوس في الشمس شتاءً، والجلوس في الظلّ صيفا..
ـ كانوا يزيدون مشاجراتهم اشتعالا بالصراخ… وذلك امتثالا لأوامر محمّد. وكانوا يحبّون النساء لدرجة أنّ كلّ أحاديثهم ومؤامراتهم ومشاكلهم تدور حولهنّ. وكانوا في هذا الشأن غير أوفياء في بينهم…
ـ كانوا يزوّجون أبناءهم وهم صغار السنّ، لاعتقادهم أنّ السنّ المناسبة للزواج هي 10أعوام للبنت، و12 عاما للولد. وكان غرضهم التكاثر وزيادة العدد كالحشائش الضارة…يزداد المسلمون والمسلمات كنبات الأسل وشجر الصفصاف…
وفي رسالة أخرى لأسقف سيغوري، نقف على ذات الحجج والأسانيد، من ذلك قوله إنّ الموريسكيّين يخالفون كلّ الوصايا فلا يعتبرون عدم الصيام المسيحي ذنبا…وأنّ الذين أودعوا السجن منهم كانوا مختونين، وهذا ـ والعبارة لهذا القس ـ ما أمر به محمّد تطبيقا لتعاليم موسى لكي يجذب اليهود إلى دينه… وهم يستعملون أسماء المسلمين في بيوتهم وفي اجتماعاتهم السرّية. وهم يتّخذون هذه الأسماء بعد أن يتمّ تعميدهم في الكنيسة الكاثوليكيّة… ومن الواضح أنهم لا يمتنعون عن أكل لحم الخنزير، من باب التقشّف والتوبة عن الذنوب ـ فهم لا يعترفون بأنّهم ارتكبوا ذنبا ـ بل اتباعا لشريعة محمّد. وهذا الامتناع عن أكل الخنزير أخذه محمّد عن اليهود… وما إلى ذلك ممّا لا تتّسع له هذه المقاربة. ولكنّ هذا كلّه يؤكّد أنّ ما كان تأتيه محاكم التفتيش في حق الموريسكيّين، يكاد لا يختلف عمّا يأتيه سلفيّونا في حق التونسيّين: التدخّل في نمط حياتنا وعيشنا المشترك.
***
من حقّنا أن لا نهوّن من خطر التشدّد أيّا كان مصدره لا على نمط حياتنا فحسب، وإنّما على هذه الديمقراطيّة التونسيّة المتعثّرة.ولا ينبغي أن تصرفنا عنه، سذاجة بعضهم السياسيّة أو حماقتهم كما يروّج البعض، إذ لا يدركون أنّ هناك إسلاما اسمه الإسلام التونسي وهو الإسلام المالكي الوسطي.. ولكنَّ للحماقة شأنًا وأيَّ شأن.
_______
*تونس/القدس العربي
الجمعة، 28 فبراير 2014
من كتاب أخبار الحمقى والمغفلين
قرأت في بعض الأيام الماضية كتاب : أخبار الحمقى والمغفلين لابن الجوزي , ووجدته ماتعاً مسلياً مفيداً , وهذا بعض ماتيسر لي اقتباسه
قال ابن الأعرابي: الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت ، فكأنه كاسد العقل والرأي فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر حرب.
- عن إبي إسحاق قال: إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق وإذا بلغك أن حياً مات فصدق وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق.
- وقال علي رضي الله عنه: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش.
- وقال أبو الدرداء: كلنا أحمق في ذات الله…
من محاسن معرفة أخبار الحمقى والمغفلين :
الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك على الشكر.الثاني : ترويح القلوب مطلوب مرغوب .الثالث : العلماء والأفاضل يحبون الملح .عن الأصمعي قال سمعت الرشيد يقول: النوادر تشحذ الأذهان وتفتق الآذان .قال أبو فراس: الرجز: أروح القلب ببعض الهزل ** تجاهلاً مني بغير جـهـل أمزح فيه مزح أهل الفضل ** والمزح أحياناً جلاء العقل l
يكره للرجل أن يجعل عادته إضحاك الناس لأن الضحك لا يذم قليله ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه ، وإنه يكره كثيره لما روي عنه عليه السلام أنه قال: ” كثرة الضحك تميت القلب ”. // أخرجه أحمد والترمذي من رواية أبي هريرة وفيه : ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب/ وراه ابن ماجه : لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ؛ وفي رواة له : …وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب /l
- من صفات الحمقــى :
* من طالت عنقه ورقت فهو صياح أحمق جبان، ومن كان أنفه غليظاً ممتلئاً فهو قليل الفهم ، ومن كان غليظ الشفة فهو أحمق غليظ الطبع...* ومن كان شديد استدارة الوجه فهو جاهل ومن عظمت أذنه فهو جاهل طويل العمر.* وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة* واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم والغباوة والجهل في الطول أكثر.l
قال محمد الشامي:لنـــا جليسٌ تـاركٌ للأدب جليسه مـن قولـه في تعبيغضب جهلاً عند حال الرضى ومنه يرضى عند حال الغضبl
معاتبة الأحمق :- عن الأعمش أنه قال: معاتبة الأحمق نفخ في بليسة.l
لا تجالس الأحمق :
- عن شعبة أنه قال: عقولنا قليلة فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلاً منا ذهب ذلك القليل فإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلاً منه فأمقته.lالحمق في الحيوانات :
- ومن الموصوف بالحمق من الحيوان: الحبارى ، والنعجة ، والبعير ، والطاووس ، والزرافة.
هبنقة الأحمق :- واسمه يزيد بن ثروان ، ويقال: ابن مروان ، أحد بني قيس بن ثعلبة ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف ، وقال: أخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به...فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح ، قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا ؟ =)- وأضل بعيراً فجعل ينادي : من وجده فهو له… فقيل له: فلم تنشده قال: فأين حلاوة الوجدان ، وفي رواية: من وجده فله عشرة… فقيل له: لم فعلت هذا ؟ قال: للوجدان حلاوة في القلب…l
عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الأحمق:- من حمقه أنه قيل له: ما سميت فرسك فقام إليه ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور.قال العنزي:رمتني بنو عجلٍ بداء أبيهم وأي امـــــرىءٍ في الناس أحمق من عجلألبس أبوهم عار عين جواده فصـــــارت به الأمثال تضرب بالجهلlمن حماقات جحا :- وعن أبي بكر الكلبي أنه قال: خرجت من البصرة فلما قدمت الكوفة إذا أنا بشيخ جالس في الشمس فقلت: يا شيخ أين منزل الحكم ؟ فقال لي: وراءك …فرجعت إلى خلفي فقال: يا سبحان الله! أقول لك وراءك وترجل إلى خلفك .- عن أبي الحسن قال رجل لجحا: سمعت من داركم صراخاً … قال: سقط قميصي من فوق… قال: وإذا سقط من فوق ؟ قال: يا أحمق ، لو كنت فيه أليس كنت قد وقعت معه…- وحكي: أن جحا تبخر يوماً فاحترقت ثيابه فغضب وقال: والله لا تبخرت إلا عرياناً.- وحكي: أن جحا دفن دراهم في صحراء وجعل علامتها سحابة تظلها.- ومات أبوه فقيل له: إذهب واشتر الكفن … فقال: أخاف أن أشتري الكفن فتفوتني الصلاة عليه...lمن النساء المنسوبات إلى التغفيل.
*** ريطة الحمقاء- التي نقضت غزلها قال مقاتل بن سليمان: هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب كانت إذا غزلت نقضته قال ابن السائب: اسمها رايطة وقال أبو بكر بن الأنباري: أسمها ريطة بنت عمرو المرية ولقبها الجعرا وهي من أهل مكة وكانت معروفة عند المخاطبين فعرفوها بصنعتها ولم يكن لها نظير في فعلها وكانت متناهية الحمق تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه ثم تأمر خادمها بنقضه قال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن.lمن العقلاء الذين صدرت منهم أفعال الحمقى فاستحقوا الوصف بالحمق :
إبليس يوم أن أمره الله بالسجود لآدم فأبى , وما أصدق القائل :عجبت من إبليس في نخوته ** وخبث ما أظهر من نيتهتــاه على آدم في سجدةٍ ** وصــار قواداً لذريته
lغفلة قابيل:- ثم اتبع إبليس في الغفلة والحمق قابيل، فإن من أعظم التغفيل قوله لمن تقبل قربانه : ( لَأَقْتُلَنَّكَ ) (المائدة : 27 )… وهذا من أسمج الأشياء ، لأنه لو فهم لنظر سبب قبول قربان أخيه ورد قربانه ، ثم من التغفيل أنه حمله على ظهره ولم يهتد لدفنه.lوالقرآن الكريم حدثنا عن بعض المغفلين: ومثل هذا التغفيل: ( حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ ) (الأنبياء : 68 ) ومثله : ( امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) (صـ : 6 ) ومن جنسه : ( أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ ) (البقرة : 258 )lتصرف إخوة يوسف تغفيل : – ومن أعظم التغفيل ما جرى لإخوة يوسف في قولهم ( … فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ) (يوسف : 17 ) ولم يشقوا قميصه ، وقصتهم مع يوسف في قوله إن الصاع يخبرني بكذا وكذا.lتغفيل النصارى :- وقول النصارى إن عيسى إله ، أو ابن إله ، ثم يقرون أن اليهود صلبوه … فادعاؤهم الإلهية في بشر لم يكن فكان ولا يبقى إلا بأكل الطعام ، والإله من قامت به الأشياء لا من قام بها ، فظنهم أنه ابن الإله والبنوة تقتضي البعضية والمثلية وكلاهما مستحيل على الإله ، وقولهم إنه قتل وصلب فيقرون عليه بالعجز عن الدفع عن نفسه وكل هذه الأشياء تغفيل قبيح.lتغفيل الرافضة :ومن أعجب التغفيل أن الرافضة يعلمون إقرار علي على بيعة أبي بكر وعمر واستيلاده الحنفية من سبي أبي بكر وتزويجه أم كلثوم ابنته من عمر وكل ذلك دليل على رضاه ببيعتهما ثم فيهم من يكفرهما وفيهم من يسبهما يطلبون بذلك على زعمهم حب علي وموافقته وقد تركوها وراء ظهورهم.
lثلاث غفلات لجارية الأمين:- ولما حوصر الأمين قال لجاريته: غني… فغنتكليب لعمري كان أكثر ناصراً ** وأيسر جرماً منك ضرج بالدمفاشتد ذلك عليه ثم قال غني غير هذا… فغنت:شكت فراقهم عيني فأرقها ** إن التفرق للأحباب بكاءفقال: لعنك الله أما تعرفين غير هذا ؟ فغنت:إلا لنقل السلطان من ملكٍ ** قد غاب تحت الثرى إلى ملكفقال: قومي فقامت فعثرت بقدح بلور فكسرته فإذا قائل يقول: ” قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ”.// ( قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف : 41 )
lفي ذكر المغفلين من القراء والمصحفين :*** حدثنا إسماعيل بن محمد قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ ” فإن لم يصبها وابل فظل ”// الآية الكريمة : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة : 265 )/… قال: وقرأ ” من الخوارج مكلبين ”….// الآية الكريمة : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (المائدة : 4 ) /l
*** وعن محمد بن جرير الطبري قال: قرأ علينا محمد بن جميل الرازي ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك ”. // الآية الكريمة : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال : 30 ) /
*** قال الدارقطني: وحدثني أنه سمع أبا بكر الباغندي أملى عليهم في حديث ذكره ” وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوياً ” بضم الهاء وياء. // الآية الكريمة : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) (الفرقان : 63 )
*** تشنيعات على ابن أبي شيبة:- قال ابن كامل: وحدثنا أبو شيخ الأصبهاني محمد بن الحسين قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير وإذا بطشتم بطشتم خبازين يريد قوله ” جبارين ”.// الآية الكريمة : (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) (الشعراء : 130 ) /
- عن إبي إسحاق قال: إذا بلغك أن غنياً افتقر فصدق وإذ بلغك أن فقيراً استغنى فصدق وإذا بلغك أن حياً مات فصدق وإذا بلغك أن أحمق استفاد عقلاً فلا تصدق.
- وقال علي رضي الله عنه: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فيها يعيش.
- وقال أبو الدرداء: كلنا أحمق في ذات الله…
من محاسن معرفة أخبار الحمقى والمغفلين :
الأول: أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك على الشكر.الثاني : ترويح القلوب مطلوب مرغوب .الثالث : العلماء والأفاضل يحبون الملح .عن الأصمعي قال سمعت الرشيد يقول: النوادر تشحذ الأذهان وتفتق الآذان .قال أبو فراس: الرجز: أروح القلب ببعض الهزل ** تجاهلاً مني بغير جـهـل أمزح فيه مزح أهل الفضل ** والمزح أحياناً جلاء العقل l
يكره للرجل أن يجعل عادته إضحاك الناس لأن الضحك لا يذم قليله ، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك حتى تبدو نواجذه ، وإنه يكره كثيره لما روي عنه عليه السلام أنه قال: ” كثرة الضحك تميت القلب ”. // أخرجه أحمد والترمذي من رواية أبي هريرة وفيه : ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب/ وراه ابن ماجه : لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ؛ وفي رواة له : …وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب /l
- من صفات الحمقــى :
* من طالت عنقه ورقت فهو صياح أحمق جبان، ومن كان أنفه غليظاً ممتلئاً فهو قليل الفهم ، ومن كان غليظ الشفة فهو أحمق غليظ الطبع...* ومن كان شديد استدارة الوجه فهو جاهل ومن عظمت أذنه فهو جاهل طويل العمر.* وحسن الصوت دليل على الحمق وقلة الفطنة* واللحم الكثير الصلب دليل على غلظ الحس والفهم والغباوة والجهل في الطول أكثر.l
قال محمد الشامي:لنـــا جليسٌ تـاركٌ للأدب جليسه مـن قولـه في تعبيغضب جهلاً عند حال الرضى ومنه يرضى عند حال الغضبl
معاتبة الأحمق :- عن الأعمش أنه قال: معاتبة الأحمق نفخ في بليسة.l
لا تجالس الأحمق :
- عن شعبة أنه قال: عقولنا قليلة فإذا جلسنا مع من هو أقل عقلاً منا ذهب ذلك القليل فإني لأرى الرجل يجلس مع من هو أقل عقلاً منه فأمقته.lالحمق في الحيوانات :
- ومن الموصوف بالحمق من الحيوان: الحبارى ، والنعجة ، والبعير ، والطاووس ، والزرافة.
هبنقة الأحمق :- واسمه يزيد بن ثروان ، ويقال: ابن مروان ، أحد بني قيس بن ثعلبة ومن حمقه أنه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف ، وقال: أخشى أن أضل نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به...فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه فلما أصبح ، قال: يا أخي أنت أنا فمن أنا ؟ =)- وأضل بعيراً فجعل ينادي : من وجده فهو له… فقيل له: فلم تنشده قال: فأين حلاوة الوجدان ، وفي رواية: من وجده فله عشرة… فقيل له: لم فعلت هذا ؟ قال: للوجدان حلاوة في القلب…l
عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل الأحمق:- من حمقه أنه قيل له: ما سميت فرسك فقام إليه ففقأ إحدى عينيه وقال: سميته الأعور.قال العنزي:رمتني بنو عجلٍ بداء أبيهم وأي امـــــرىءٍ في الناس أحمق من عجلألبس أبوهم عار عين جواده فصـــــارت به الأمثال تضرب بالجهلlمن حماقات جحا :- وعن أبي بكر الكلبي أنه قال: خرجت من البصرة فلما قدمت الكوفة إذا أنا بشيخ جالس في الشمس فقلت: يا شيخ أين منزل الحكم ؟ فقال لي: وراءك …فرجعت إلى خلفي فقال: يا سبحان الله! أقول لك وراءك وترجل إلى خلفك .- عن أبي الحسن قال رجل لجحا: سمعت من داركم صراخاً … قال: سقط قميصي من فوق… قال: وإذا سقط من فوق ؟ قال: يا أحمق ، لو كنت فيه أليس كنت قد وقعت معه…- وحكي: أن جحا تبخر يوماً فاحترقت ثيابه فغضب وقال: والله لا تبخرت إلا عرياناً.- وحكي: أن جحا دفن دراهم في صحراء وجعل علامتها سحابة تظلها.- ومات أبوه فقيل له: إذهب واشتر الكفن … فقال: أخاف أن أشتري الكفن فتفوتني الصلاة عليه...lمن النساء المنسوبات إلى التغفيل.
*** ريطة الحمقاء- التي نقضت غزلها قال مقاتل بن سليمان: هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب كانت إذا غزلت نقضته قال ابن السائب: اسمها رايطة وقال أبو بكر بن الأنباري: أسمها ريطة بنت عمرو المرية ولقبها الجعرا وهي من أهل مكة وكانت معروفة عند المخاطبين فعرفوها بصنعتها ولم يكن لها نظير في فعلها وكانت متناهية الحمق تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه ثم تأمر خادمها بنقضه قال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن.lمن العقلاء الذين صدرت منهم أفعال الحمقى فاستحقوا الوصف بالحمق :
إبليس يوم أن أمره الله بالسجود لآدم فأبى , وما أصدق القائل :عجبت من إبليس في نخوته ** وخبث ما أظهر من نيتهتــاه على آدم في سجدةٍ ** وصــار قواداً لذريته
lثلاث غفلات لجارية الأمين:- ولما حوصر الأمين قال لجاريته: غني… فغنتكليب لعمري كان أكثر ناصراً ** وأيسر جرماً منك ضرج بالدمفاشتد ذلك عليه ثم قال غني غير هذا… فغنت:شكت فراقهم عيني فأرقها ** إن التفرق للأحباب بكاءفقال: لعنك الله أما تعرفين غير هذا ؟ فغنت:إلا لنقل السلطان من ملكٍ ** قد غاب تحت الثرى إلى ملكفقال: قومي فقامت فعثرت بقدح بلور فكسرته فإذا قائل يقول: ” قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ”.// ( قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ) (يوسف : 41 )
lفي ذكر المغفلين من القراء والمصحفين :*** حدثنا إسماعيل بن محمد قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ ” فإن لم يصبها وابل فظل ”// الآية الكريمة : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة : 265 )/… قال: وقرأ ” من الخوارج مكلبين ”….// الآية الكريمة : (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (المائدة : 4 ) /l
*** وعن محمد بن جرير الطبري قال: قرأ علينا محمد بن جميل الرازي ” وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك ”. // الآية الكريمة : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال : 30 ) /
*** قال الدارقطني: وحدثني أنه سمع أبا بكر الباغندي أملى عليهم في حديث ذكره ” وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوياً ” بضم الهاء وياء. // الآية الكريمة : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) (الفرقان : 63 )
عن أبي عبيدة قال: كنا نجلس إلى أبي عمرو بن العلاء فنخوض في فنون من العلم ورجل يجلس إلينا لا يتكلم حتى نقوم فقلنا: إما أن يكون مجنوناً أو أعلم الناس! فقال يونس: أو خائف سأظهر لكم أمره...فقال له: كيف علمك بكتاب الله تعالى ؟ قال: عالم به …قال: ففي أي سورة هذه الآية:الحمد الله لا شريك لـــه ** من لم يقلها فـنفسَه ظلمَـا .فأطرق ساعة ثم قال: في حم الدخان...l*** قاضٍ أغفل من الخصمين - ونبأنا في هذا المعنى أن رجلاً قدم ابناً له إلى القاضي فقال: أصلح الله القاضي، إن هذا ابني يشرب الخمر ولا يصلي… فقال له القاضي: ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك عنك ؟ قال: يقول غير الصحيح إني أصلي ولا أشر الخمر…فقال أبوه: أصلح الله القاضي ، أتكون صلاة بلا قراءة ؟ فقال القاضي: يا غلام ،تقرأ شيئاً من القرآن ؟ قال: نعم ، وأجيد القراءة …قال: اقرأ … فقال : بسم الله الرحمن الرحيم :علق القالب ربابــا *** بعدمـا شابت وشاباإن ديـــن الله حق *** لا أرى فيـه ارتيابافقال أبوه: والله أيها القاضي ما تعلم هاتين الآيتين إلا البارحة لأنه سرق مصحفاً من بعض جيراننا… فقال القاضي: قبحكم الله أحدكما يقرأ كتاب الله ولا يعمل به ؟
نصيحة جار لجاره- كان رجل كثير المخاصمة لامرأته وله جار يعاتبه على ذلك فلما كان في بعض الليالي خاصمها خصومة شديدة وضربها فاطلع عليه جاره فقال: يا هذا اعمل معها كما قال الله تعالى: إما إمساك إيش اسمه أو تسريح ما أدري إيش. // الآية الكريمة : ( … فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ …) (البقرة : 229 ) /l*** طالب ذو عفة- حدثنا إسحاق بن وهب قال: كنا عند يزيد بن هرون وكان له مستمل يقال له: بريح...فسأله رجل عن حديث ، فقال يزيد: حدثنا به عدة فصاح به المستملي: يا أبا خالد عدة ابن من ؟ قال: عدة بن فقدتك.l*** خلقت السموات والأرض في ستة أشهر
- وبلغنا أن بعض العرب خطب في عمل وليه فقال في خطبته: إن الله خلق السموات والأرض في ستة أشهر.فقيل له في ستة أيام …فقال: والله أردت أن أقولها ولكن استقللتها.l*** إلحس ما كتبت- حدثنا محمد بن خلف قال: قال بعض الولاة لكاتبه: أكتب إلى فلان وعنفه وقل له: بئس ما صنعت يا خرا.فقال الكاتب: أعزك الله ، لا يحسن هذا في المكاتبة ... قال: صدقت إلحس موضع الخرا بلسانك.l*** مقوم ناقة صالح:
- حدثنا المدائني قال: كان عبد الله بن أبي ثور والي المدينة فخطبهم فقال: أيها الناس اتقوا الله ، وارجوا التوبة، فإنه أهلك قوم صالح في ناقة قيمتها خمسمائة درهم … فسموه مقوم الناقة وعزله الزبير.
*** الحكيم والوزير الركيك :
حضر بعض حكماء الهند مع وزير ملكهم وكان الوزير ركيكاً فقال للحكيم : ما العلم الأكبر ؟ قال : الطب. قال : فإني أعرف من الطب أكثره… قال: فما دواء المبرسم أيها الوزير ؟ قال: دواؤه الموت حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بالأدوية الباردة ليعود حياً … قال: ومن يحييه بعد الموت ؟ قال: هذا علم آخر وجد في كتاب النجوم ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة فإني وجدت في كتاب النجوم أن الحياة للإنسان خير من الموت. فقال الحكيم : أيها الوزير الموت على كل حال خير للجاهل من الحياة .l
*** لا يفرق بين العم والخال
- قال المدائني: استعمل حيان بن حسان قاضي فارس على ناحية كرمان فخطبهم فقال: يا أهل كرمان تعرفون عثيمان بن زياد هو عمي أخو أمي.…فقالوا: فهو خالك إذن .l*** حلف الجار بدل المتهم- وعن أبي بكر الهذلي قال: كان ثمامة بن عبد الله بن أنس على القضاء بالبصرة قبل بلال بن أبي بردة وكان مخلطاً فاستدعت امرأة إلى ثمامة على رجل أودعته شيئاً ولم يكن لها بينة فأراد استحلافه لها فقالت: إنه رجل سوء فيحلف ويذهب حقي ولكن استحلف إسحاق بن سويد فإنه جاره فأرسل إلى إسحاق واستحلفه.
l*** قاضٍ يحكم بالقرعة
- وحكى أبو الخير الخياط عن بعض أصحابه قال: دخلت تاهرت فإذا فيها قاضٍ من أهلها ،وقد أتى رجل جنى جناية ليس لها في كتاب الله حد منصوص ولا في السنة ، فأحضر الفقهاء … فقال: إن هذا الرجل جنى جناية وليس لها في كتاب الله حكم معروف فما ترون ؟ فقالوا بأجمعهم : الأمر لك… قال: فإني رأيت أن أضرب المصحف بعضه ببعض ثلاث مرات ثم أفتحه فما خرج من شيء عملت به قالوا له : وفقت... ففعل بالمصحف ما ذكره ثم فتح فخرج قوله تعالى: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ) (القلم : 16 ) فقطع أنف الرجل وخلى سبيله.l*** الكاتب الأحمق
- وعن الحسين بن السميدع الأنطاكي قال: كان عندنا بإنطاكية عامل من حلب وكان له كاتب أحمق فغرق في البحر شلنديتان من مراكب المسلمين التي يقصد بها العدو فكتب ذلك الكاتب عن صاحبه إلى العامل بحلب بخبرهما : بسم الله الرحمن الرحيم ، إعلم أيها الأمير أعزه الله تعالى إن شلنديتين أعني مركبين قد صفقا من جانب البحر أي غرقا من شدة أمواجه فهلك من فيهما أي تلفوا قال: فكتب إليه أمير حلب: بسم الله الرحمن الرحيم ، ورد كتابك أي وصل وفهمناه أي قرأناه ، أدب كاتبك أي إصفعه ، واستبدل به أي اعزله، فإنه مائق أي أحمق، والسلام أي انقضى الكتاب.
l*** شهادتكم بيوم الفطر تؤدي إلى عقابكم – وعن أبي علي النميري قال: تراءينا هلال شوال فأتينا سوار بن عبد الله لنشهد عنده فقال حاجبه: أنتم مجانين الأمير لم يختضب بعد ولم يتهيأ ولئن وقعت عينه عليكم ليضربنكم مائتين انطلقوا فانصرفنا وصام الناس يوم الفطر.l*** قال أبو أحمد
- وبلغني عن بعض قواد الديلم أنه قال: كاتبي أحذق الناس بأمر الدواب والضياع وشري الأمتعة وما فيه عيب إلا أنه لا يقرأ ولا يكتب.l***وقال بعضهم - رأيت مؤذناً يؤذن ثم عدا فقلت: إلى أين ؟ فقال: إني أحب أعرف إلى أين يبلغ صوتي.l*** عن أبي العيناء قال
- كان المدني في الصف من وراء الإمام ، فذكر الإمام شيئاً فقطع الصلاة وقدم المدني ليؤمهم ،فوقف طويلاً… فلما أعيا الناس سبحوا له ، وهو لا يتحرك، فنحوه وقدموا غيره ، فعاتبوه… فقال: ظننته يقول لي: احفظ مكاني حتى أجيء.l*** كلهم أعداء لا نبالي بهم
- وعن محمد بن خلف قال: مر رجل بإمام يصلي بقوم فقرأ: آلم غلبت الترك… فلما فرغ قلت: يا هذا إنما هو ” غلبت الروم ” فقال: كلهم أعداء لا نبالي من ذكر منهم . // الاية الكريمة : ( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ ) (الروم : 1-2 ) /l*** وعن المدائني قال
- قرأ إمام ولا الظالين بالظاء المعجمة فرفسه رجل من خلفه ، فقال الإمام: آه ضهري… فقال له رجل: يا كذا وكذا خذ الضاد من ضهرك واجعلها في الظالين ، وأنت في عافية…l*** إمام لا يحسب
-وقرأ إمام في صلاته : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه خمسين ليلة أطال الإمام فهرب المصلون: وتقدم إمام فصلى فلما قرأ الحمد افتتح بسورة يوسف فانصرف القوم وتركوه فلما أحس بانصرافهم قال: سبحان الله! ” قل هو الله أحد ” …فرجعوا فصلوا معه. // الآية الكريمة : ( وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً …) (الأعراف : 142 )l*** الكريم لا يرجع في هبته
- وعن الأصمعي أنه قال: مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه فقرأ: والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها …كلمة بلغت منتهاها ،لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها… فقلت له: ليس هذا من كتاب الله . قال: فعلمني فعلمته الفاتحة والإخلاص ثم مررت بعد أيام فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها فقلت له: ما للسورة الأخرى ؟ قال: وهبتها لابن عم لي والكريم لا يرجع في هبته.l
*** دعاء أعرابي حول الكعبة - وعنه أنه قال: حج أعرابي فدخل مكة قبل الناس وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس.l*** طلق امرأته لوجه الله
– وعن الأصمعي قال: خرج قوم من قريش إلى أرضهم وخرج معهم رجل من بني غفار فأصابهم ريح عاصف يئسوا معها من الحياة ثم سلموا فأعتق كل رجل منهم مملوكاً فقال ذلك الأعرابي: اللهم لا مملوك لي أعتقه ولكن امرأتي طالق لوجهك ثلاثاً.l*** أكره أن أثقل على ربي- وكان أعرابي يقول: اللهم اغفر لي وحدي فقيل له: لو عممت بدعائك فإن الله واسع المغفرة …فقال: أكره أن أثقل على ربي .l*** مغفل يعاتب ربه
- وكان لبعض المغفلين حمار فمرض الحمار فنذر إن عوفي حماره صام عشرة أيام ، فعوفي الحمار ، فصام … فلما تمت ، مات الحمار … فقال: يا ربت تلهيت بي ! ولكن رمضان إلى هنا يجيء ، والله …l*** أعرابي يرى سورة الفيل من الطوال
- وصلى أعرابي خلف إمام صلاة الغداة فقرأ الإمام سورة البقرة وكان الأعرابي مستعجلاً ففاته مقصوده فلما كان من الغد بكر إلى المسجد فابتدأ الإمام بسورة الفيل فقطع الأعرابي الصلاة وولى وهو يقول: أمس قرأت البقرة فلم تفرغ إلى نصف النهار واليوم تقرأ الفيل ما أظنك تفرغ منها إلى نصف الليل.l
*** تذاكر قوم قيام الليل وعندهم أعرابي
- فقالوا له: أتقوم بالليل ؟ قال: أي والله … قالوا : فما تصنع ? قال: أبول ، وأرجع أنام. !!l*** أفضل الميتات – وروى أبو عمر الزاهد أن بعض الأعراب قال: اللهم أمتني ميتة أبي! قالوا: وكيف مات أبوك ؟ قال: أكل بذجاً وشرب مشعلاً ونام في الشمس فلقي الله وهو شبعان ريان دفئان.../ البذج الحمل والمشعل الزق./l*** الباء يجب أن تجر دائماً - وعن ميمون بن هرون قال: قال رجل لصديق له: ما فعل فلان بحماره قال: باعه قال: قل باعه قال: فلم قلت بحماره قال: الباء تجر قال: فمن جعل باءك تجر وبائي ترفع .l*** لا لي لو ما حضر
-ولقي رجلاً من أهل الأدب وأراد أن يسأله عن أخيه وخاف أن يلحن فقال: أخاك أخوك أخيك ها هنا فقال الرجل: لا لي لو ما هو حضر.l*** لا يخاطب العامة بالنحو
- قال ابن عقيل: كان شيخنا أبو القاسم بن برهان الأسدي يقول لأصحابه: إياكم والنحو بين العامة فإنه كاللحن بين الخاصة.l*** نحوي عند بائع بطيخ
- وقف نحوي على صاحب بطيخ فقال: بكم تلك وذانك الفاردة فنظر يميناً وشمالاً ثم قال: اعذرني فما عندي شيء يصلح للصفع.l*** ألجاته ضرورة الشعر إلى الطلاق- وحكى بعضهم: قال: اجتمعنا ثلاثة نفر من الشعراء في قرية تسمى طيهاثا فشربنا يومنا ثم قلنا: ليقل كل واحد بيت شعر في وصف يومنا فقلت : نلنا لذيذ العيش في طيهاثافقال الثاني : لما احتثثنا القدح احتثاثـافارتج على الثالث فقال : امرأتـه طالـق ثلاثـاثم قعد يبكي على امرأته ونحن نضحك عليه.l*** القصاص أبو أحمد التمار- وعن محمد بن خلف ، قال أبو أحمد التمار في قصصه: لقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار حتى قال فيه قولاً أستحي والله أن أذكره.l*** يروي العلم ولا يعمل به
- قال ابن خلف: قص قاص بالمدينة فقال: رأى أبو هريرة على ابنته خاتم ذهب فقال: يا بنية لا تتخمي بالذهب فإنه لهب فبينا هو يحدثهم إذ بدت كفه فإذا فيها خاتم ذهب فقالوا له: تنهانا عن لبس الذهب وتلبسه فقال: لم أكن ابنة أبي هريرة.l*** اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف- وعن عبد الرحمن بن محمد الحنفي قال: قال أبو كعب القاص في قصصه: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا …فقالوا له: فإن يوسف لم يأكله الذئب… قال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.- قال: حكاها الجاحظ عن أبي علقمة القاص قال: كان اسم الذئب حجوناً.l*** سورة الإخلاص تحتاج إلى مجلسين- عن العلاء بن صالح قال: كان عبد الأعلى بن عمر قاصاً فقص يوماً فلما كاد مجلسه ينقضي قال: إن ناساً يزعمون أني لا أقرأ من القرآن شيئاً ، وأني لأقرأ منه الكثير بحمد الله … ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم ” قل هو الله أحد ” فارتج عليه فقال: من أحب أن يشهد خاتمة السورة فليحضرنا إلى مجلس فلان .l*** كيف يقضي الأحمق على الشيطان - قال بعض القصاص: يا معشر الناس إن الشيطان إذا سمي على الطعام والشراب لم يقربه فكلوا خبز الأرز المالح ولا تسموا فيأكل معكم ثم اشربوا الماء وسموا حتى تقتلوه عطشاً .l*** كيف استراح من الشك-عن الزهري قال: بلغني عن حجاج الشاعر أنه مر يوماً في درب وفي آخره ميزاب قال: أصابني الزاهد المغفل: عن أبي علي الطائي قال: قرأ رجل عند بعض المتزهدين وكان مغفلاً : ” وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ” فقال: دعنا من آيات الفجار. // الآية الكريمة : (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ) (يوسف : 30 )l*** آية سببت له الخشوع والوجد- عن أبي عثمان الجاحظ قال: أخبرني يحيى بن جعفر قال: كان لي جار من أهل فارس وكان بلحية ما رأيت أطول منها قط وكان طول الليل يبكي ، فأنبهني ذات ليلة بكاؤه ونحيبه وهو يشهق ويضرب على رأسه وصدره ويردد آية من كتاب الله تعالى ، فلما رأيت ما نزل به قلت لأسمعن هذه الآية التي قتلت هذا وأذهب نومي فتسمعت عليه فإذا الآية ” يسألونك عن المحيض قل هو أذى ” فعلمت أن طول اللحية لا يخلف.// الاية الكريمة : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة : 222l*** لا أترك تسبيحاً تعلمته- وعنه قال: أخبرني النظام قال: مررت بناحية باب الشام فرأيت شيخاً قاعداً على باب داره وبين يديه حصى ونوى وهو يسبح ويعد بهما ويقول: حسبي الله …حسبي الله … فقلت: يا عم ليس هذا هو التسبيح … قال: كيف هو التسبيح عندك ؟ قلت: سبحان الله… قال: يا أحمق هذا تسبيح تعلمته بعبادان منذ ستين سنة أسبح به فاتركه لقولك يا جاهل...؟l
*** دعاء المغفل – وقال: رأيت أبا محمد السيرافي وكان طويل اللحية يدعو ربه وقد رفع يديه إلى السماء وهو يقول: يا منقذ الموتى ومنجي الغرقى وقابل التوبات وراحم العثرات أنت تجد من ترحمه غيري وأنا لا أجد من يعذبني سواك .l*** النظر إلى الدنيا بعينين إسراف-كان لأبي العتاهية تلميذ تصوف وتزهد وقير إحدى عينيه وقال: النظر إلى الدنيا بعينين إسراف.l*** ضرب معلم غلاماً فقيل- لم تضربه؟ فقال: إنما أضربه قبل أن يذنب لئلا يذنب.l*** جار الجاحظ-عن أبي العيناء قال: قال لي الجاحظ: كان لنا جار مغفل جداً وكان طويل اللحية فقالت له امرأته: من حمقك طالت لحيتك … فقال: من عير عُير.l*** عن أبي الحسن المدني قال- سرق لأبي الجهم بن عطية حمار فقال: لا والله يا رب ما أخذ حماري غيرك وأنت تعرف موضعه فاردده علي.l*** كذلك قال بعض الأدباء- قال: سئل خطيب : أي أفضل معاوية أم عيسى بن مريم ؟ فقال: لا إله إلا الله أتقيس كاتب الوحي بنبي النصارى.؟l*** تزوج الصغيرة تقليلاً للشر- قال: وأخبرني بعض أصحابنا قال: تزوج رجل امرأة صغيرة فقيل له في ذلك فقال: إنما المرأة شر وكلما أقللت من الشر كان خيراً.l*** عجوز تلعن نفسها- عن الهذيل أنه قال: كان عندنا بالمدينة لحام فجاءته عجوز فقالت: أعطني بدرهم لحماً وطيبه لي وأخبرني باسمك حتى أدعو لك فأعطاها شر لحم ، وقال: اسمي ” من تمد ” … فلما أفطرت العجوز جعلت تمد اللحم فلا تقدر عليه فجعلت تقول: لعن الله من تمد فتلعن نفسها.l*** أمشي وأربح حماراً- عن محمد الداري قال : كان عندنا رجل بدارا وكان فيه غفلة فخرج من دارا ومعه عشرة أحمر فركب واحداً وعدها فإذا هي تسعة فنزل وعدها فإذا هي عشرة … فلا زال كذلك مراراً ، فقال: أنا أمشي وأربح حماراً خير من أن أركب ويذهب مني حمار ، فرأيته يمشي حتى كاد يتلف إلى أن بلغ قريته.l
** أكلت وما شبعت- عن يحيى بن معين قال: اشترى غندر سمكاً فقال لأهله: أصلحوه … ونام فأكل عياله السمك ولطخوا يده به فلما انتبه قال: قدموا السمك … قالوا: قد أكلت… قال: صدقتم ولكني ما شبعت.l*** شيخ من الري يهذي- دخل على حاتم العقيلي شيخ من أهل الري فقال: أنت الذي تروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ؟ قال: قد صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك …فقال له: كذبت إن فاتحة الكتاب لم تكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما نزلت في عهد عمر بن الخطاب.l*** يدغدغ نفسه- قال ابن الفرج: حدثني أبي قال: رأيت إنساناً يدغدغ نفسه ، فقلت له: لم تفعل هذا ؟ قال: اعتممت فأردت أن أضحك قليلاً.l*** لا يحب غيبة الجوز- وعنه: حدثني عبد الرحمن بن محمد قال: اشترى رجل جوزاً وجعل يقلبه فأخذ جوزه في يده فقال: ما أرى في جوفها شيئاً ثم قال: أستغفر الله لا أكون أغتبتها.l*** وعنه: ذكر عن حباب بن العلاء قال- كنت بالمدينة فحضرت قاضياً بها فإذا رجل قد أقبل يقود حماراً ومعه رجل آخر فأخبر أن حماره سرق وأنه وجده مع هذا فسأله القاضي فقال: الحمار لي وهو في يدي ، فقال للمدعي: ألك بينة ! قال: نعم …فقال: أحضهم فقام وركب الحمار ومضى عليه فأقبلت على الذي كان الحمار في يده فقلت له: كيف أعطيته الحمار بعد ما رأيت من دعواه ! فقال: استعاره مني.
l*** ابني لم يختتن من قبل- قال: وأخبرني بعض أهل الأدب قال: أراد رجل أن يختن ابنه ،فقال للحجام: ارفق به فإنه ما اختتن قط.l*** تخشى توديع زوجها الميت- قال عثمان بن عمر: نزل الموت بزوج امرأة ، فقيل لها: لو دخلت على زوجك وودعتيه .؟ قالت: أخاف أن يعرفني ملك الموت .l*** قدم الوكيل غداً- كان لإبراهيم وكيل يقال له: خليل فقدم من ضيعته فقال له: متى قدمت! قال: غداً يا سيدي… قال: فأنت إذن في الطريق.l*** ألف في القابل خير من خمسمائة حاضراًقال: كان عبدان الأسدي الشاعر أحمق : فيقال : إنه كان يأتي ابن بشر فيقول له: أخمسمائة اليوم أحب إليك أم ألف في القابل! فيقول: ألف في قابل فإذا أتاه قابلاً قال له: ألفٌ أحب إليك أم ألفان في القابل! فلم يزل كذلك حتى مات.l*** هربوا من رمضان- عن المدائني عن عمرو بن الحسن قال: خرج أهل بيت من اليمن من منازلهم حتى صاروا إلى شعب من الجبل فاختفوا فيه وقالوا: نهرب من شهر رمضان لا يدخل علينا.l*** الطالقاني فقيه مغفل- قال أبو علي الداراني: كان الطالقاني من أصحاب أبي حنيفة وكان شديد الغفلة فقال يوماً لابن عقيل: كيف مذهبكم في المرأة هل يجوز أن يزوجها ابنها ؟ قال له ابن عقيل: في ذلك تفصيل إن كانت بكراً جاز وإن كانت ثيباً لا يجوز … فقال: ما سمعت هذا التفصيل قط.- قال: وكان الطالقاني يسأل فيقال له: ما تقول في فأرة ميتة مشت على شيء هل ينجس ؟l*** قال البزار- دخلنا إلى أبي حامد وهو عليل فقلنا: كيف تجدك فقال: أنا بخير لولا هذا الجار دخل علي أمس وقد اشتدت بي العلة فقال: يا أبا حامد علمت أن ذنجويه مات! فقلت: رحمه الله….قال: دخلت على المؤمل بن الحسن اليوم وهو في النزع فقال: يا أبا حامد ابن كم أنت! قلت: في السادسة والثمانين قال: أنت إذن أكبر من أبيك يوم مات.l*** أعني أيها الأمير على بناء داري- دخل ربيعة بن عقيل اليربوعي على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين أعني على بناء داري فقال: أين دارك ؟ قال: بالبصرة وهي أكثر من فرسخين في فرسخين فقال له: فدارك في البصرة أم البصرة في دارك؟l*** الخطيب الأحمق- ذكر عن عبد الله بن ظبيان أنه خطب فقال الناس: أكثر الله فينا مثلك …قال: لقد كلفتم ربكم شططا.l*** كيف يعبر الحمقى عن مرادهم- رأى بعض المغفلين صديقاً له فقال: طلبتك اليوم عشرين مرة وهذه الثالثة.l
**رحم الله الإمام جمال الدين أبا الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي
الأحد، 2 فبراير 2014
الجزائر ليلا...لماذا هي واحدة من أسوأ مدن العالم؟
زهية منصر 18 octobre 2011, 12:47
"ليلة في واحدة من أسوإ مدن العالم" قد يبدو هذا عنوانا جيدا لقصة أو رواية أو حتى فيلم سينمائي يمكن أن يرشح لجائزة محترمة، غير أن واقع العاصمة الجزائرية ليلا قد يحيلنا إلى أكثر من قصة ورواية تستحق أن تحول إلى رائعة سينمائية بامتياز.. طرقات خاوية..
أكوام من القمامة تحاصر مداخل العمارات والبنايات وتنتشر في شوارعها الرئيسة.. لا فنادق لا نقل ولا حياة وكأننا في حرب.. في الليل تختفي مظاهر الحياة الطبيعية وتبرز مظاهر الحياة المتوحشة للزوايا الخلفية لمدينة يقال إنها عاصمة البلد. ربما هذا ما أهّل مدينة الجزائر لتكون في المرتبة ما قبل الأخيرة ضمن 140 مدينة في العالم.. يسهل فيها العيش حسب مجلة "ذي اكونوميست" البريطانية التي صنفتها في المرتبة ما قبل الأخيرة قبل مدينة هراري عاصمة زيمبابوي التي احتلت ذيل الترتيب، حيث تقاسمت عاصمة الجزائر المرتبة 138 مع مدينة دكا عاصمة بنغلاديش.
وقد تفوقت على العاصمة مدن كثيرة معروفة بزحمتها وفوضاها مثل القاهرة ولايجوس وكوت ديفوار، وقد اعتمدت مجلة "ذي اكونوميست" في تصنيفها جملة من المقاييس مثل تعقد الإجراءات الإدارية في الحصول على الوثائق، البيروقراطية والاكتظاظ الناتج أساسا على حشر كل الهيئات العمومية والإدارات والمرافق الدبلوماسية في مكان واحد وكذا النقص الفادح المسجل في حظائر السيارات، ويضاف إليها غلاء المعيشة،
ونقص المرافق الخاصة باستقطاب الأجانب، سواء كانوا سياحا أو مستثمرين.
لا أحد سيصدق أن المدينة التي تخلي شوارعها على الساعة الثامنة مساء وتموت فيها الحركة على الساعة العاشرة ليلا هي نفس المدينة التي عبرها القراصنة وفرضت سلطتها على سواحل المتوسط لقرون، وهي نفسها المدينة التي سحرت الفرنسيين حتى أطلقوا عليها اسم المدينة البيضاء وعملوا كل ما بوسعهم للبقاء فيها، وهي أيضا مدينة الإسبان والأتراك والبيزنطيين والرومان التي لم يبق من حضارتها غير أكوام الزبالة والخوف المنتشر عبر الزوايا.
سيدي يحيى.. حتى مملكة الأثرياء تنام باكرا
رغم أن الساعة لم تكن بعد قد غادرت العاشرة ليلا، لكن العاصمة كانت قد أغلقت جميع أبوابها ومقاهيها وانزلقت في سبات عميق بدت شوارعها خالية ومهجورة في صمت يثير المخاوف، على الطريق الرابط بين بن عكنون وحيدرة لم يكن شيء يثير الانتباه غير حواجز رجال الأمن بأضوائها الملونة تمارس روتينها المعتاد الأحياء الراقية في أعالي العاصمة نائمة مطمئنة، منظر المدينة جميل من بعيد تحت أحزمة الأضواء الملونة، وقد غطت الأنوار جميع عيوب النهار. من سيدي يحيى بدأنا جولتنا من هذا الحي الراقي الذي انتشرت حوله الحكايات، بعضها صحيح وبعضها يشبه الخرافة. فقبل أعوام لم يكن سوى رافد لوادي كنيس وغابة يقضي فيها حديثو العهد بالسياقة ساعات تعلم القيادة، قبل أن تقرر البلديات الإسلامية في عهد جبهة الإنقاذ بيعها بالسعر الرمزي، لهذا ربما غنى عنها بعزيز "دراهم بولحية بانوا في سيدي يحيى.." هذا الحي الذي استقطب الشباب الجزائري وفتح عهدا جديدا لما صار يعرف بمملكة الأثرياء الجديدة.. في هذا الحي توجد محلات لأغلب الماركات العالمية والمحلات التجارية الراقية التي قد يصل سعر إيجار أحدها إلى 30 مليونا شهريا مثل المانغو والصفا والمروة وزمزم، في هذه المراكز نجد وكلاء لأرقى الماركات العالمية، من العطور والساعات والألبسة.. مثل شانال وباكورابان وكريستيونديور وبيار كاردان وكانزو وآرماني وتريساري وبالزيليري، حكايات كثيرة تدور حول هذا الحي الذي تنسب له زوايا الظل ونفوذ رجال المال والسياسة في صناعة القرار بالعاصمة.. فقد سحب البساط من تحت "محمية الصنوبر" المعروفة في الأوساط الشعبية بالولاية رقم 49، فقد أضحت سيدي يحيى اليوم مملكة "البڤارين" كما يلقبها العامة من الناس، وهي كلمة تنسب إلى حديثي العهد بالنعمة والثراء الذين يحتسون قهوة بـ200 دينار أو زجاجة ماء بـ150 دينار خاصة إذا كان ذلك رفقة حسناوات قادمات من كل أنحاء البلاد، ورغم أن الخيال الشعبي ذهب بعيدا في أسطرت سلطة هذا الحي الذي تنسب إليه القرارات المهمة لرجال النفوذ المالي والسياسي في الجزائر، غير أن أبسط زيارة للشارع الرئيسي يعطيك انطباعا أنه لا يختلف عن أي حي من أحياء العاصمة، ينام على العاشرة ليلا، إذ لا نجد فيه أي مركز أو مكانا أو مرفقا يعطي الانطباع بأنه يؤسس لحياة ليلية في العاصمة، ماعدا المطاعم والمقاهي مثل "كابوجينو" و"أوثر بارك" التي يجتمع فيها أصحاب المال للسهر.
وهي ربما المقاهي الوحيدة في العاصمة التي يمكن أن تدخلها النساء براحة، أمام المقاهي تركن سيارات فخمة.. وأحاديث تدور هنا عن تجارة من نوع آخر تبدأ بالفتيات وتنتهي عند الكوكايين، لكنها تبقى للبسطاء مجرد حكايات شارع تنبت فيه المحلات والفيلات مثل الفطريات دون أي تخطيط عمراني أو رؤية تؤسس لمدينة حديثة خارج ثقافة البيتزا والوجبات السريعة التي اختصرت مظاهر الحداثة في هذا الحي أو المملكة في الاستهلاك بكل أنواعه.
ونحن نستعد للخروج من الشارع الرئيسي لسيدي يحيى نحو بئر مراد رايس اعترض مراهق طريقنا وهو يطلب منا بفضاضة تسديد مبلغ "الباركينڤ" رغم أننا لم نتوقف إطلاقا في المساحة المتاخمة للرصيف، ولم يكن لنا الوقت الكافي حتى نسأل الشاب عن الجهة التي قررت أن تجعل من المكان موقف سيارات وتمنحه حق استغلاله.. لكنه الواقع المر الذي يتكرر يوميا بالليل والنهار في عاصمة لا تعترف بالقانون.
المجرمون والمدمنون والشواذ يحتلون جمهورية الكارتون
شوارع العاصمة كلها تلبس ثوبا موحشا بالليل يجعل المارة يخشون الوقوف أو المشي، خاصة مع الأخبار الواردة يوميا عن عصابات إجرامية تتخذ من بوابات بعض العمارات المهترئة مقرات للنشاط الاجرامي واعتراض طريق كل من يجرؤ على المشي في شوارع العاصمة بعد الساعة العاشرة ليلا، وهي اللحظة التي يستلم فيها المجرمون والشواذ والمدمنون مفاتيح العاصمة ليقيموا جمهوريتهم إلى غاية الفجر.
بين بئر مراد رايس وسيدي يحيى نصب مجموعة من الشبان والمراهقون طاولات السجائر والكاوكاو وقد انفصلوا عن بعضهم في تجمعات.. البعض كان يدخن والبعض الآخر كان يثرثر.. بين الحين والآخر ترتفع قهقهات الشباب وتتبخر في الهواء الليلي الذي بدأ يتسرب منعشا. ونحن نهبط نحو ديدوش مراد الذي كان إلى وقت قريب يلقب "بقلب العاصمة" لا شيء يثير الانتباه هنا غير بعض المارة وبعض السيارات التي تقطع الليل متسربة وكأنها خائفة من شيء ما.. أمام مبنى سينما "ديبيسي" سابقا كانت أكوام من الأوراق تحترق في منظر يعيد إلى الذهن بعض كليشيهات الأفلام الهندية القديمة.. كانت "سينما الجزائر" وكأنها بيت أشباح.. عمال النظافة يقومون بأشغالهم المعتادة بروتين واضح على حافة الشارع المؤدي إلى البريد المركزي.. الطريق خال تماما والمحلات مغلقة.. وقد تحولت ساحة البريد إلى مرقد للمشردين الذين افترشوا قطع الكارتون وانخرطوا في سبات غير آبهين بما يدور حولهم.. نفس المنظر تكرر أمام حديقة صوفيا. حيث اختار زوار الليل كراسي الانتظار للنوم مقابل حاجز الأمن، ربما بحثا عن الراحة والأمان.
انعطفنا رأسا إلى شارع العربي بن مهيدي.. البناية الشامخة لمتحف الفن الحديث كانت ترثى فنا آخر يرسمه ليل شارع العربي بن مهيدي، وتمثال الأمير عبد القادر يشهد ميلاد جمهورية الكارتون التي أخذت في إقرار قانونها الليلي، لأن آخر فنادق المدينة كانت قد أقفل عند الحادية عشرة تماما. ونحن نعبر مقهى "ميلك بار" الواقع بمحاذاة مكتبة العالم الثالث كانت مجموعات المراهقين بدأت تغزو الشارع.. البعض كان يحمل أكياسا بلاستيكية أو زجاجات فارغة، لم تكن حينها الساعة بعد قد وصلت إلى الحادية عشرة ليلا، لكن العاصمة كانت قد بدأت فصلا من حياة أخرى، أبطالها شباب ومراهقون يسهرون على أكياس البلاستيك وقارورات "الزمبريطو". مع الاقتراب شيئا فشيئا من ساحة بور سعيد تتكاثر أعداد الشباب الذين انقسموا إلى جماعات اتخذت من ساحة المسرح الوطني فضاء لممارسة هواية الحرڤة الافتراضية، لأن الضحكات التي كانت تصدر منهم توحي أن آخرهم كان قد وصل إلى شواطئ إسبانيا بأمان، أما ساحة السكوار فقد تحولت ليلا إلى بورصة أخرى، أبطالها ليسوا بائعي الأوراق النقدية.
الساحة التي تتنازل مؤقتا عن لقب البورصة، تحولت إلى ملاذ للشواذ الذين كانوا يترصدون المركبات في حركات بدت جد طبيعية لسيارات الأمن التي كانت تقطع الطريق نحو ساحة الشهداء، التي تحولت هي أيضا لبورصة تنافس فيها فتيات في عمر الزهور في اصطياد المارة، أما أقواس ساحة الشهداء التي تكتظ نهارا بالبضاعة والسلع الفوضوية فقد تحولت إلى مزبلة عمومية لنفايات أسواق النهار وتجمع المشردين والمنبوذين الذين يحتمون بدفء المخابز ويستأنسون بحواجز رجال الأمن. تركنا ساحة الشهداء غارقة في القمامة وغادرنا نحو باب الوادي وما أدراك ما حي باب الوادي. من يصدق أن هذا الحي الصاخب والشاهد على أحداث مفصلية في تاريخ الجزائر.. هذا الحي الذي كانت لياليه بيضاء ما تزال آثارها ماثلة على الجدران في كتابات تصب لعناتها على الواقع التعيس.. قد فقد الرغبة في الحياة واستسلم للنوم مبكرا. على هذه الجدران تسقط الأقنعة وتفضح السياسيات المتعاقبة على هذه المدينة.. على إحدى الجدران قرأنا الجملة التالية "روما ولا نتوما" لم تكن مجرد شعار على جدار لكنها كانت تختصر تواريخ وأزمنة من السقوط في هذا الحي التاريخي.
في طريق العودة نحو ساحة أول ماي مررنا بشاطئ الكولونيل عباس، لم يكن شيء يثير الاستغراب.. بعض الحركات في الزوايا الخلفية للشاطئ.. كان السكارى يمارسون هوايتهم بأمان، فيما انهمك بعض المشردين في إعداد فراشهم على الرصيف المقابل للبحر قرب "السماكة" حيث تحولت محطة الحافلات إلى فندق مجاني، لم تكن محاولات بلال (مصور الشروق) في ترصد خطاهم وحركاتهم لاقتناص الصورة تلفت انتباههم، فقد واصل المشردون إعداد فراشهم والمجانين في الطواف بساحة السماكة، بينما المدمنون مستمتعون بعوالمهم. في ساحة أول ماي لم تتغير الصورة.. الحي غارق في سباته وأضواء مستشفى مصطفى باشا ترسل إشارتها من بعيد كعيون مسهدة جافاها النوم.
في الخروبة بمحاذاة فرع شركة تطهير العاصمة ومحطة النقل البري تترصد بنات الليل زبائنهن مع التركيز على أصحاب الفخامة الذين تدل عليهم سياراتهم.. من هنا تمر البنات القادمات من مختلف المناطق.. تستقبلهن محطة النقل البري من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية.. غدرت بهن الظروف.. هاربات من البيوت.. ضحايا العنف والأوضاع الاجتماعية يتخذن من مراحيض المحطة صالونات لتبديل ثيابهن وتثبيت الماكياج ليخرجن بعدها لاصطياد الزبائن من الباحثين عن المتعة العابرة. الشارع المتفرع عن الشارع الرئيسي والذي يؤدي إلى القبة وحسين داي يتحول في هذا الوقت إلى محمية تسقط في قبضة المدمنين وقطاع الطرق الذين لا يتوانون في استعمال الأسلحة البيضاء للتهديد وممارسة حرفة النشل والسرقة..
عندما أكملنا تمشيط آخر أحياء العاصمة لم تكن بعد الساعة قد وصلت إلى منتصف الليل.. رغم ذلك فالمدينة كانت قد كشرت عن أنيابها وألغت آخر صفات الآدمية من قاموس شوارعها.. فهي لا تنام باكرا إلا لتستيقظ نزواتها أيضا باكرا.. مدينة قد يكون لها علاقة مع كل شيء إلا أن تكون عاصمة للبلد.
الخميس، 16 يناير 2014
يوم في غرناطة
كانت الساعة الخامسة صباحاً عندما اهتز المنبه معلناً حلول الوقت للانطلاق. ارتديت ملابسي بأقصى سرعة ممكنة. خرجت من الفندق الذي يحيطه من الأمام البحر ومن الخلف سلسلة الجبال، باتجاه محطة انتظار القطار. كان الجو بارداً برودة شديدة، لا وجود لأي لمحة من لمحات الفجر الأولى في تلك المدينة: ماربيا. مرت دقائق قليلة ثم وصلت عائلة مكونة من ثلاثة أفراد من روسيا متجهين إلى غرناطة. كُسر حاجز الصمت معلنا قدوم مواكب متعددة لباصات تتوقف في محطات الانتظار وفي الفنادق لتحمل السياح إلى منطقة واحدة. وصل الباص السياحي في تمام الساعة السادسة صباحاً. كل من على متن الباص سياح من دول مختلفة وإن كانوا في سن متقاربة. كانوا كباراً في السن: فرنسيين وإنجليز وألمان وأمريكيين ومن أمريكا اللاتينية. انطلقنا، وكنت أظن بأننا انطلقنا حقاً إلى المدينة المقصودة، وما حدث أننا وصلنا إلى المدينة المركزية ملقا، ليحمل الباص آخرين سيذهبون معنا. الجميع سيذهب إلى مدينة أبعد من ملقا بساعات قليلة، لكن لماذا لا يتوقف السياح في هذه المنطقة قليلاً؟ تبدو صورة مغرقة في العبثية أن أدعو السياح المرافقين للتوقف في هذه المدينة. ولماذا يقفون في هذه المدينة الحديثة والمميزة؟ ما الذي تحمله حتى يتوقفوا قليلاً؟ مررنا بها مروراً سريعاً، ويبدو أن الأديب والمؤرخ والدبلوماسي الأمريكي واشنطن إيرفينغ لم يمر بهذه المدينة وهو في طريقه إلى غرناطة. لم يذكر في كتاب الحمراء أنه مر من هنا. لكن في كتابه الآخر زارها وهو يبحث عن سجلات غرناطة قائلاً: من يقدر أن يرى ما حصل بك يا ملقا دون أن تغرق عيناه بالدموع وبالحزن المرير المؤلم؟ كان يتحدث عن ذلك الحصار الخانق على ملقا, وعلى تلك المدينة التي أضحت مقبرة هائلة. كانت هذه المنطقة العمود الفقري لغرناطة. إذا انتصرت تهللت غرناطة فرحاً وسعادة, وإن تعرضت لسوء, لن يمر وقت طويل حتى تلحقها غرناطة. في مكان لا أعلمه, وقد يكون الآن معلماً أثرياً أو قد يكون المطار الذي يقدم خدمات ممتازة, وقف الملك فرديناند مع قواته مرحباً بقدوم إيزابيلا التي حضرت وهي محملة بالدعم من قوات و مواد لاقتحام ملقا التي يحرسها المقاتل الذي تحول لأسطورة حامد الذعري. كانت المدينة تأن تحت حصار خانق. حين عاد حامد من هجومه الانتحاري الأخير قامت امرأة بقذف أطفالها أمام جياد حامد قائلة: إدهسهم بحصانك، فنحن لا نستطيع إطعامهم ولا تحمَل بكاءهم الذي يقطع أكبادنا. لا أصدق أن تقوم أي أم بقذف أطفالها هكذا. ولكن، أين العقل في موقف مثل هذا: حين لا تجد الأم ما تطعم به صغارها، وحين لا يجد الكبار إلا الخيول التي تحولت لوجبة نهائية وأخيرة لهم؟ تقف مثل هذه الأم في حصار خانق: تتطلع إلى الأمام وتجد معسكرات فرديناند وإيزابيلا تحمل كل ما لذ وطاب. ولو تطلعت للخلف ستجد الزغل الذي يجمع قواته محاولاً نجدة ملقا في صراع طاحن مع ابن أخيه ملك غرناطة، ببدول الشيكو وهو يحاول منعه من نجدتها مقدماً خدماته كحليف لفرديناند. لم يكن الحصار هو الذي يحمل تلك الذكريات وحسب. شروط الاستسلام التي رفعها الأهالي لم تجد صدى يذكر إذ رفضها فرديناند بكل ما فيها معلناً الموت لمن يرغب أو الأسر، وهذا ما حدث. أكثر من خمسين ألف لم يعد لهم وجود. البعض منهم أصبحوا عبيداً سيقوا إلى نبلاء أوروبا، والبعض زج بهم في سجون محاكم التفتيش مثل حامد الذعري.
ما إن بدأ الفجر بالظهور حتى تحول الطريق العام إلى خط طويل من الباصات السياحية، تحمل السياح من نقاط تجمع محددة. ثم انطلقنا أخيراً في تمام الساعة الثامنة. لم أكن أحمل في ذهني أي أمر أو فكرة عن المدينة المقصودة: غرناطة. كنت أرى بعيني الطريق مخترقاً الجبال الشاسعة الخضراء على امتداد البصر. مرتفعات كان لها شأن في الماضي: على سفوحها كتبت قصائد وملاحم وغزوات وانتصارات وهزائم. ما الذي حدث على سفح ذلك الجبل؟ لم أطرح هذا السؤال في ذهني صراحة ذلك الوقت إذ كنت استمع للمرشد السياحي الذي يتحدث بأربع لغات: يشرح محطات التوقف وأوقات الزيارة والغداء والرحيل من غرناطة. توقفنا الساعة التاسعة صباحاً للإفطار ثم سرنا بعد ثلث ساعة في طريقنا للمدينة. تباشير الوصول كانت معروفة حتى لمن لم يزر غرناطة يوماً، بالجبال التي ترتفع كلما تقدمنا. ها هو المرشد السياحي يتحدث بكلمات مختصرة عن فرديناند وإيزابيلا وأبي عبدالله الصغير. في تمام الحادية عشر ظهراً دخلنا غرناطة. جولة صغيرة في طريقنا إلى ذلك الأثر التاريخي الذي قيل بأن من صنعه كان ساحراً وخبيراً بالكيمياء: الحمراء، والتي وصفها إيرفينغ بكعبة زوار أسبانيا، من الذين ينشدون رؤية الجانب التاريخي والشعري الرومانتيكي لتلك البلاد. كم من أسطورة وتقليد صحيح ووهمي، وكم من رقصة وأغنية عربية وإسبانية حول الحب والحرب والفروسية مرتبطة بهذا الركن التاريخي.
انقسم الجمع المرافق لنا إلى أقسام: مجموعة تذهب مع مرشد يتحدث باللغة الإنجليزية، ومجموعة مع مرشد يتحدث الألمانية .. الخ. عندما وضعت السماعة التي أسمع من خلالها المرشد السياحي تساءلت: ماذا سيقول هذا الرجل -والذي يبدو أنه من سكان غرناطة- عن ذلك الأثر الذي أقرأ أنا من خلال زخارفه ما لا يستطيعه السياح الآخرون؟ هل سيكون معتدلاً في سرده خصوصاً أنه لم يتحدث عن الأثر التاريخي في البداية بقدر ما عاد إلى بدايات الحكم العربي والإسلامي في الأندلس. عن عبدالرحمن الداخل وملوك الطوائف ثم أبو الحسن وأخيه الزغل وببدول الشيكو؟ ثم لماذا الافتراض بأن ما يقوله ليس صحيحاً. قد يكون صادقاً في كل حديثه. هل يجب أن تعجبني الأحداث التاريخية وتنتمي إلى إرثي الديني والثقافي في حالة الانتصار حتى أعلن بأن ما سيقوله هو الحياد؟
لم أزعج ذهني بهذه التساؤلات إلا قليلاً إذ بدأنا في الدخول إلى الحمراء من البوابة الرسمية والتي تدعى باب الشريعة. قصر تاريخي ضخم محاطاً بجبال السيرا نيفادا من كل نواحيه، رمز غرناطة ومصدر هوائها العذب وينابيعها المتفجرة وجداولها المترقرقة. هذا الصرح الجبلي هو الذي يعطي غرناطة بهجة نادراً ما توجد في المدن الجنوبية. الهواء العليل القادم من الجبال والمحمل بشذى السهول يصل إلى الحمراء قبل المدينة الأكثر حراً تحتها. يلعب هذا الهواء الرقيق القادم من سيرا نيفادا بقاعات الحمراء مدخلاً معه عبق الأزهار المجاورة. تسمع صوت الماء صاعداً إلى الأعالي بتصميم هندسي ذكي لم يوجد في عموم أوروبا. الأشجار العالية تحيط بأبراج المراقبة العسكرية. على قمة أحد هذه الأبراج تشاهد ذلك النتوء الصخري الذي يعتبر أعلى منطقة على الأرض الأسبانية. على بعد أميال قصيرة من هذه المنطقة وقف أبي عبدالله الصغير ليلقي النظرة الأخيرة على غرناطة. لم تظهر المدينة بمثل هذا البهاء سابقاً لعينيه، الشمس كانت لامعة في ذلك المناخ الشفاف لدرجة أنها أضاءت كل برج ومنارة ومسجد وهي تستريح بكل مجدها فوق مواقع القتال، بينما الفيغا تحاول أن تزدهر ثانية بخضرة خجولة. شاركه النظرة الأخيرة هذه فرسانه المرافقون بكل ألم على فراق هذا الوطن، مسرح مسراتهم وحبهم وآمالهم. وبينما كانوا يتأملون كل هذا ظهرت نفخة دخان من القلعة على أثر قذيفة مدفع أعقبها صوت ضعيف لامس آذانهم أن ملك المسلمين قد زال عنها للأبد.
ما إن بدأ الفجر بالظهور حتى تحول الطريق العام إلى خط طويل من الباصات السياحية، تحمل السياح من نقاط تجمع محددة. ثم انطلقنا أخيراً في تمام الساعة الثامنة. لم أكن أحمل في ذهني أي أمر أو فكرة عن المدينة المقصودة: غرناطة. كنت أرى بعيني الطريق مخترقاً الجبال الشاسعة الخضراء على امتداد البصر. مرتفعات كان لها شأن في الماضي: على سفوحها كتبت قصائد وملاحم وغزوات وانتصارات وهزائم. ما الذي حدث على سفح ذلك الجبل؟ لم أطرح هذا السؤال في ذهني صراحة ذلك الوقت إذ كنت استمع للمرشد السياحي الذي يتحدث بأربع لغات: يشرح محطات التوقف وأوقات الزيارة والغداء والرحيل من غرناطة. توقفنا الساعة التاسعة صباحاً للإفطار ثم سرنا بعد ثلث ساعة في طريقنا للمدينة. تباشير الوصول كانت معروفة حتى لمن لم يزر غرناطة يوماً، بالجبال التي ترتفع كلما تقدمنا. ها هو المرشد السياحي يتحدث بكلمات مختصرة عن فرديناند وإيزابيلا وأبي عبدالله الصغير. في تمام الحادية عشر ظهراً دخلنا غرناطة. جولة صغيرة في طريقنا إلى ذلك الأثر التاريخي الذي قيل بأن من صنعه كان ساحراً وخبيراً بالكيمياء: الحمراء، والتي وصفها إيرفينغ بكعبة زوار أسبانيا، من الذين ينشدون رؤية الجانب التاريخي والشعري الرومانتيكي لتلك البلاد. كم من أسطورة وتقليد صحيح ووهمي، وكم من رقصة وأغنية عربية وإسبانية حول الحب والحرب والفروسية مرتبطة بهذا الركن التاريخي.
انقسم الجمع المرافق لنا إلى أقسام: مجموعة تذهب مع مرشد يتحدث باللغة الإنجليزية، ومجموعة مع مرشد يتحدث الألمانية .. الخ. عندما وضعت السماعة التي أسمع من خلالها المرشد السياحي تساءلت: ماذا سيقول هذا الرجل -والذي يبدو أنه من سكان غرناطة- عن ذلك الأثر الذي أقرأ أنا من خلال زخارفه ما لا يستطيعه السياح الآخرون؟ هل سيكون معتدلاً في سرده خصوصاً أنه لم يتحدث عن الأثر التاريخي في البداية بقدر ما عاد إلى بدايات الحكم العربي والإسلامي في الأندلس. عن عبدالرحمن الداخل وملوك الطوائف ثم أبو الحسن وأخيه الزغل وببدول الشيكو؟ ثم لماذا الافتراض بأن ما يقوله ليس صحيحاً. قد يكون صادقاً في كل حديثه. هل يجب أن تعجبني الأحداث التاريخية وتنتمي إلى إرثي الديني والثقافي في حالة الانتصار حتى أعلن بأن ما سيقوله هو الحياد؟
لم أزعج ذهني بهذه التساؤلات إلا قليلاً إذ بدأنا في الدخول إلى الحمراء من البوابة الرسمية والتي تدعى باب الشريعة. قصر تاريخي ضخم محاطاً بجبال السيرا نيفادا من كل نواحيه، رمز غرناطة ومصدر هوائها العذب وينابيعها المتفجرة وجداولها المترقرقة. هذا الصرح الجبلي هو الذي يعطي غرناطة بهجة نادراً ما توجد في المدن الجنوبية. الهواء العليل القادم من الجبال والمحمل بشذى السهول يصل إلى الحمراء قبل المدينة الأكثر حراً تحتها. يلعب هذا الهواء الرقيق القادم من سيرا نيفادا بقاعات الحمراء مدخلاً معه عبق الأزهار المجاورة. تسمع صوت الماء صاعداً إلى الأعالي بتصميم هندسي ذكي لم يوجد في عموم أوروبا. الأشجار العالية تحيط بأبراج المراقبة العسكرية. على قمة أحد هذه الأبراج تشاهد ذلك النتوء الصخري الذي يعتبر أعلى منطقة على الأرض الأسبانية. على بعد أميال قصيرة من هذه المنطقة وقف أبي عبدالله الصغير ليلقي النظرة الأخيرة على غرناطة. لم تظهر المدينة بمثل هذا البهاء سابقاً لعينيه، الشمس كانت لامعة في ذلك المناخ الشفاف لدرجة أنها أضاءت كل برج ومنارة ومسجد وهي تستريح بكل مجدها فوق مواقع القتال، بينما الفيغا تحاول أن تزدهر ثانية بخضرة خجولة. شاركه النظرة الأخيرة هذه فرسانه المرافقون بكل ألم على فراق هذا الوطن، مسرح مسراتهم وحبهم وآمالهم. وبينما كانوا يتأملون كل هذا ظهرت نفخة دخان من القلعة على أثر قذيفة مدفع أعقبها صوت ضعيف لامس آذانهم أن ملك المسلمين قد زال عنها للأبد.
في مكان ما حيث أقف، تسلم أبو الحسن الحكم من أبيه. كان يذهب في كل سنة قبل تسلم الحكم إلى قرطبة ومعه الجزية المفروضة على غرناطة. قيل بأن الهمز واللمز وقت تسليم الجزية يثير غضبه. ما إن تسلم الحكم حتى توقف عن دفعها بشكل كامل، موقناً بأن ما لديه الآن كجزية هو السلاح والاحتكام إلى الحرب. ولكي يعلن صراحة حقيقة وجوده وقراره الحازم، شن حملة عسكرية انتهت بسقوط قلعة الزهراء. عندما عاد خرج أحد الدراويش وهو يصرخ: يا هو يا غرناطة، وقت زوالك قد آن!
يكثر الازدحام عند فناء الريحان الكبير وعند قاعة العدل وبهو الأسود المحاط بإثني عشر أسداً في مساحة مقسمة على أربع أقسام. كل قسم كان محاطاً بالورود والأشجار. وعند بهو السفراء الذي يعتبر الأضخم بتصميم هندسي يضفي جمالية لم تعهدها القصور الملكية الباردة في أوروبا، بنقوش في السقف بأشكال من المستطيل والمثلث لا يمكن معرفة مركزها إذ هي متدرجة وتضيء مع أشعة الشمس التي تخترق الغرفة في اتجاهات قياسية أعدت بدقة. على كل جدار، فوق الأسقف، يوجد الشعار الذي أضحى رمزاً لبني نصر: لا غالب إلا الله.
في داخل أحد البيوت الصغيرة يبدو وكأن من كان يسكن هنا كان يعيش في جنة الله. إن أراد فاكهة لا يحتاج منه الأمر إلا مد يد واحدة حتى يقطف الفاكهة التي تنمو في سقف المنزل. يريد ماء؟ يمد كوب الماء فقط وسينزل الماء بارداً كأنه الزلال. على الجهة الأخرى يوجد قصر أقيم بعد سقوط غرناطة، قصر بتصميم روماني مخصص لكارلوس الخامس. لا يلتفت السياح إليه لشذوذه عن القصور المحيطة به ولعدم اكتماله كذلك بفعل الزلازل التي أعاقت إكمال القصر. أسمع المرشد السياحي وهو ينعت فرديناند بالخائن الذي لا يحفظ المواثيق ولا العهود ويتحدث بأسى عن الموريسكيين. بعد جولة استمرت ساعتين ذهبنا إلى منطقة جبلية لمشاهدة الحمراء من الأعلى. من المحتمل أن تكون هذه المنطقة هي آخر ما رأته عينا أبي عبدالله الصغير وهو يغادر الحمراء، للأبد. وقد تكون الجهة المعاكسة التي وقف من خلالها واشنطن إيرفينغ مودعاً الحمراء بعد فترة قضاها في ربوع الحمراء. أين أنا الآن؟ وأين كنت، وما هو ذلك الأثر الذي يحمل الأنات والذكريات والانتصارات والهزائم؟
- 2 -
السقوط، والاغتراب والنفي داخل الوطن، ثم الإقصاء الكامل واقتلاع الجذور: تلك صور كامنة في كل فرد وكل مدينة وقرية ودولة من هذا العالم. كل كيان يحمل الأندلس الخاص به. لم تعد الأندلس محصورة بتلك المنطقة التي كانت ذا إشعاع حضاري لثمانية قرون ثم غابت عن الوجود. من الصور الجمالية الخاصة بالفرد في هذه الأندلس العالمية هي حين يعبر الفرد عن رأيه دون خوف. أن لا يجد من يقمع رأيه وتصادر حريته بالاعتقال والإلغاء. وأن تكون الدولة قائمة على مؤسسات متعددة متحدة في إطار عام يجمع فيما بينها بنظام عادل. لا أن تكون قائمة على مؤسسة واحدة تعيش الرعب والهلع، إذا تعرضت لعواصف من الداخل والخارج تعصف بها وتأخذ معها الأندلس الخاصة بالفرد إلى غياهب المجهول. من الصور المفجعة عن الأندلس العالمية هي الصور المتداولة حالياً لحي في حمص. مباني ومنازل ومحال تعرضت للتدمير بشكل كامل. هذه المباني التي تبدو شعبية لا تحمل أي تحف معمارية وقد لا تملك إرثاً تاريخياً يفد إليه السياح. لكنها عند أهل هذه المنازل والمباني هي أندلس وجنة مخصصة لهم. كم من شاب وفتاة عاشوا في تلك المنازل ولن يستطيعوا بعد الآن أن يشموا تلك الرائحة الملتصقة بهم منذ الطفولة. كم من جدة كانت تنتظر الأحفاد لتوزع عليهم الحلوى أو تنتظر لفتة من زوجها العجوز، أو قد تكون تحمل صورة لزوجها: ليست فوتوغرافية تخلد الزمن الفاني، بل في الجدران والروائح والممرات ودرجات العمارة. أين هم أصحاب تلكم الدار الآن؟ ربما قتلوا، أو هجروا من منازلهم، الأندلس الخاصة بهم، وينتظرون خيمة في صفوف اللاجئين. لم يعد لهم وجود. لا شاهد على تلك الجريمة إلا الحجر الذي لا يتحدث.
يقول واشنطن إيرفينغ في كتاب الحمراء عن سكان غرناطة:
يكثر الازدحام عند فناء الريحان الكبير وعند قاعة العدل وبهو الأسود المحاط بإثني عشر أسداً في مساحة مقسمة على أربع أقسام. كل قسم كان محاطاً بالورود والأشجار. وعند بهو السفراء الذي يعتبر الأضخم بتصميم هندسي يضفي جمالية لم تعهدها القصور الملكية الباردة في أوروبا، بنقوش في السقف بأشكال من المستطيل والمثلث لا يمكن معرفة مركزها إذ هي متدرجة وتضيء مع أشعة الشمس التي تخترق الغرفة في اتجاهات قياسية أعدت بدقة. على كل جدار، فوق الأسقف، يوجد الشعار الذي أضحى رمزاً لبني نصر: لا غالب إلا الله.
في داخل أحد البيوت الصغيرة يبدو وكأن من كان يسكن هنا كان يعيش في جنة الله. إن أراد فاكهة لا يحتاج منه الأمر إلا مد يد واحدة حتى يقطف الفاكهة التي تنمو في سقف المنزل. يريد ماء؟ يمد كوب الماء فقط وسينزل الماء بارداً كأنه الزلال. على الجهة الأخرى يوجد قصر أقيم بعد سقوط غرناطة، قصر بتصميم روماني مخصص لكارلوس الخامس. لا يلتفت السياح إليه لشذوذه عن القصور المحيطة به ولعدم اكتماله كذلك بفعل الزلازل التي أعاقت إكمال القصر. أسمع المرشد السياحي وهو ينعت فرديناند بالخائن الذي لا يحفظ المواثيق ولا العهود ويتحدث بأسى عن الموريسكيين. بعد جولة استمرت ساعتين ذهبنا إلى منطقة جبلية لمشاهدة الحمراء من الأعلى. من المحتمل أن تكون هذه المنطقة هي آخر ما رأته عينا أبي عبدالله الصغير وهو يغادر الحمراء، للأبد. وقد تكون الجهة المعاكسة التي وقف من خلالها واشنطن إيرفينغ مودعاً الحمراء بعد فترة قضاها في ربوع الحمراء. أين أنا الآن؟ وأين كنت، وما هو ذلك الأثر الذي يحمل الأنات والذكريات والانتصارات والهزائم؟
- 2 -
السقوط، والاغتراب والنفي داخل الوطن، ثم الإقصاء الكامل واقتلاع الجذور: تلك صور كامنة في كل فرد وكل مدينة وقرية ودولة من هذا العالم. كل كيان يحمل الأندلس الخاص به. لم تعد الأندلس محصورة بتلك المنطقة التي كانت ذا إشعاع حضاري لثمانية قرون ثم غابت عن الوجود. من الصور الجمالية الخاصة بالفرد في هذه الأندلس العالمية هي حين يعبر الفرد عن رأيه دون خوف. أن لا يجد من يقمع رأيه وتصادر حريته بالاعتقال والإلغاء. وأن تكون الدولة قائمة على مؤسسات متعددة متحدة في إطار عام يجمع فيما بينها بنظام عادل. لا أن تكون قائمة على مؤسسة واحدة تعيش الرعب والهلع، إذا تعرضت لعواصف من الداخل والخارج تعصف بها وتأخذ معها الأندلس الخاصة بالفرد إلى غياهب المجهول. من الصور المفجعة عن الأندلس العالمية هي الصور المتداولة حالياً لحي في حمص. مباني ومنازل ومحال تعرضت للتدمير بشكل كامل. هذه المباني التي تبدو شعبية لا تحمل أي تحف معمارية وقد لا تملك إرثاً تاريخياً يفد إليه السياح. لكنها عند أهل هذه المنازل والمباني هي أندلس وجنة مخصصة لهم. كم من شاب وفتاة عاشوا في تلك المنازل ولن يستطيعوا بعد الآن أن يشموا تلك الرائحة الملتصقة بهم منذ الطفولة. كم من جدة كانت تنتظر الأحفاد لتوزع عليهم الحلوى أو تنتظر لفتة من زوجها العجوز، أو قد تكون تحمل صورة لزوجها: ليست فوتوغرافية تخلد الزمن الفاني، بل في الجدران والروائح والممرات ودرجات العمارة. أين هم أصحاب تلكم الدار الآن؟ ربما قتلوا، أو هجروا من منازلهم، الأندلس الخاصة بهم، وينتظرون خيمة في صفوف اللاجئين. لم يعد لهم وجود. لا شاهد على تلك الجريمة إلا الحجر الذي لا يتحدث.
يقول واشنطن إيرفينغ في كتاب الحمراء عن سكان غرناطة:
أين هم الآن؟ يجيبك شاطئ المغرب في المنفى. وهناك لم يقوموا بأي تأثير يذكر بعد نفيهم إذ كفوا عن التواجد كأمة ذات معالم ولم يتركوا أي اسم محدد خلفهم. رغم أنهم كانوا شعباً تشكل بثمانية قرون. رفض الجميع اعتبارهم إلا لاجئين أو غزاة. لم يبق لهم أي أثر إلا على صخور الحمراء وبعض الآثار الشاهدة على عظمتهم وسيطرتهم كرمز إسلامي في قلب الأرض المسيحية. الدليل الذي لدينا الآن على هؤلاء الشجعان الأذكياء المـتألقين من ذلك الشعب العظيم هو الحمراء: هذا القصر الشرفي لشعب غزا وفتح وحكم وازدهر ثم غاب عن الوجود.
في ثلاثية غرناطة للروائية رضوى عاشور تبدأ الرواية بصورة مفرطة في الشعرية، عن شاب وسيم مقاتل يسمى معاذ ابن أبي غسان. يرفض أن يكون من ضمن الذين قبلوا بتسليم غرناطة: ليس لديه إلا السيف. خرج من غرناطة قبل تسليمها ممتطياً خيله حاملاً سلاحه، محاولاً أن يمسك ذرة من ذرات الكرامة المتمرغة في الأرض تلك الليلة. في الرواية، وُجد بعد أيام غريقاً في نهر. في المخطوطات التي كتبها الراهب أنطونيو آغابيدا ذُكر أن دورية من كتائب المسيحيين كانت تتفقد شواطئ شنيل. فشاهدوا في الغسق محارباً عربياً مدججاً بالسلاح من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. لم يتعرض له أحد إذ تم إعلان الهدنة وقرار التسليم. لكن الكتيبة فوجئت بهذا الرجل وهو يتقدم بسرعة كبيرة وكأنه عازم على اختراق وسطهم فحدث الاشتباك الذي لا مفر منه. لم يتعرض لإصابات عديدة لكثرة الحديد التي يغطي بها جسده. لم يكن – كما يقول الراهب – يقاتل من أي مجد. كان يسعى في إيقاع الموت بخصومه، كطالب ثأر. ظل يقاتل بصورة غربية حتى كُسر سيفه وسقط من حصانه. حين وجد أنه لم يعد يستطيع الدفاع عن نفسه وخوفاً من الأسر، قذف بنفسه إلى نهر شنيل مما جعل دروعه الثقيلة تدفعه إلى قاع النهر ليغرق فيه. يبدأ القارئ بعد تلك الصفحات الشعرية في تتبع سيرة الغرناطي العجوز أبو جعفر وهو يستمع إلى قرار التسليم وغرق ابن أبي معاذ. رغم فقده للأرض التي ولد وتربى عليها إلا إن لديه إيمان بأن من الممكن أن تطل قوات السلطان العثماني لنجدة غرناطة. ذلك الإيمان سقط بالكامل عندما رأى أن أهم جزء لديه في غرناطة، مكتبته الخاصة: الكتب التي كان يقرأ ويكتب عليها ويجلدها تُحرق أمامه من قبل الحاكمين الجدد.
قرأت هذه الثلاثية وصدقاً، لم أتوقع أن تكون كما فكرت مسبقاً. كنت تحت تأثير المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا، وهو نص لم يعجبني على الإطلاق. عندما أغلقت الصفحة الأخيرة من ثلاثية غرناطة ظهر جمال الرواية بأبهى حلة. هي رواية عن غرناطة من خلال عائلة في ثلاثية أجيال متعاقبة. عندما تخطيت المائة صفحة الأولى وجدت النص غارقاً حتى أخمص قدميه في حياة هذه العائلة، عائلة أبو جعفر وأحفاده. كيف يعيشون ويتأقلمون مع الحاكم الجديد والنظام الجديد. يبدأ الأندلس المفجع لهذه العائلة عبر مصادرة الحريات والنفي والإلغاء .. التكيف مع القانون الجديد الذي يجبرهم على حمل أسماء أسبانية والتحدث بالقشتالية. الضرائب تفرض بصورة مستمرة: همسات تظهر بأن هناك ثورات قادمة قد تعيد لهم جنتهم المفقودة. ثم الاقتلاع من الأرض كلياً. كأن لا وجود لهم على هذه الأرض التي ولدوا فيها. عندما يغلق القارئ الصفحة الأخيرة لن يجد أو يتذكر أي بطل من أبطال هذه الرواية، لأن البطل الوحيد والرئيس والذي لم يتحدث هي المدينة ذاتها: غرناطة. الزائر لهذه المدينة والحمراء سيذكر قصيدة أحزان في الأندلس لنزار قباني حين يقول:
قرأت هذه الثلاثية وصدقاً، لم أتوقع أن تكون كما فكرت مسبقاً. كنت تحت تأثير المخطوط القرمزي لأنطونيو غالا، وهو نص لم يعجبني على الإطلاق. عندما أغلقت الصفحة الأخيرة من ثلاثية غرناطة ظهر جمال الرواية بأبهى حلة. هي رواية عن غرناطة من خلال عائلة في ثلاثية أجيال متعاقبة. عندما تخطيت المائة صفحة الأولى وجدت النص غارقاً حتى أخمص قدميه في حياة هذه العائلة، عائلة أبو جعفر وأحفاده. كيف يعيشون ويتأقلمون مع الحاكم الجديد والنظام الجديد. يبدأ الأندلس المفجع لهذه العائلة عبر مصادرة الحريات والنفي والإلغاء .. التكيف مع القانون الجديد الذي يجبرهم على حمل أسماء أسبانية والتحدث بالقشتالية. الضرائب تفرض بصورة مستمرة: همسات تظهر بأن هناك ثورات قادمة قد تعيد لهم جنتهم المفقودة. ثم الاقتلاع من الأرض كلياً. كأن لا وجود لهم على هذه الأرض التي ولدوا فيها. عندما يغلق القارئ الصفحة الأخيرة لن يجد أو يتذكر أي بطل من أبطال هذه الرواية، لأن البطل الوحيد والرئيس والذي لم يتحدث هي المدينة ذاتها: غرناطة. الزائر لهذه المدينة والحمراء سيذكر قصيدة أحزان في الأندلس لنزار قباني حين يقول:
لم يبقَ من غرناطةٍ
ومن بني الأحمر.. إلا ما يقول الراويه
وغيرُ “لا غالبَ إلا الله”
تلقاك في كلِّ زاويه..
لم يبقَ إلا قصرُهم
كامرأةٍ من الرخام عاريه..
تعيشُ –لا زالت- على
قصَّةِ حُبٍّ ماضيه..
كان الحجر شاهداً على وجودهم ونفيهم ورحيلهم لكنه لا يتحدث: مجرد شاهد وشاهد كبير على إلغاءهم للأبد. في الرواية يبقى هذا الحجر صامتاً إذ ليس له أي دور يذكر. مجرد محيط عام يحدد معالم الأندلس الخاصة بهم. في كتب التاريخ أو المتخصصة بأخبار ذلك العصر لن يقرأ القارئ سوى أسماء الحكام والوزراء والشعراء والمقاتلين وغيرهم من الذين يدور ذكرهم. في الثلاثية يُذكر هؤلاء عرضياً كمؤثر في حياة مجموعة كبيرة من البشر وتنطلق الروائية في بناء عالم شعبي مفرط في البساطة حول حياتهم: علاقاتهم مع الغرباء، وعن أي مستقبل سيتجهون إليه بعد أن تم وضعهم في مكان لا يعرف إلى أين سيقودهم. في الجزء الثاني من الثلاثية تم ذكر محاكم التفتيش بشكل مباشر دون الدخول في أسباب تأسيس هذه المحاكم وأسباب وجودها. كانت الضحية هي حفيدة أبي جعفر: سليمة، التي امتهنت مهنة العطارة وأغرقت نفسها في قراءة كتب الطب مما ممكنها لاحقاً من ممارسة هذه المهنة. إلا أن محاكم التفتيش كان لها رأي حول السلوك العام، والخلطات، والكتب الممنوعة بحكم القانون والمتوفرة لديها. يذكرني مشهد الإقصاء الذي تعرضت لها هذه الشخصية بشخصية جان داراك: تعرضوا جميعاً للمحاكمة من قبل محاكم التفتيش، اتهموا بالشعوذة والسحر، وتم حرقهم أمام الناس. واحد من أجمل مشاهد الرواية هي في هروب عليّ في الجزء الثالث بعد طرده وكل سكان غرناطة من المدينة. يهيم في البراري لأيام ويجد نفسه في جبال عالية تذكره بموطنه الذي رحل منه. ها هو الآن في مكان يستطيع فيه أن يصرخ دون خوف. حين يبدأ بالصراخ يجيبه الصدى. وهو المنفي من موطنه لا يذكر مدينته التي طرد منها. يستحضر الأقارب والأحباب، ويصرخ :
يا جدتي، يا مريمة، يا غرناطة. ثم بكى. تلك اللحظة، بدت له غرناطة مستحيلة.
- 3 –
تاريخ هذه الحرب جديرة بأن تعالج بقلم فيلسوف وأن يدرسها حكيم – لا مجرد رجل دين-.
واشنطن إيرفينغ.
إن كان هناك من زائر خاص ومميز لغرناطة لن يكون إلا الأديب والمؤرخ والدبلوماسي الأمريكي واشنطن إيرفينغ. أقام واشنطن في قصر الحمراء لفترة طويلة. كتب – وهو يسكن في هذا المكان – أشهر مؤلفاته: The Chronicles of the Conquest of Granada ( أخبار سقوط غرناطة / دار الإنتشار العربي، وكتاب الحمراء/ مركز نماء الحضاري Tales of the Alhambra.
اعتمد واشنطن في أخبار سقوط غرناطة على وثائق ومخطوطات لرجل دين مسيحي يدعى أنطونيو آغابيدا، والذي كان يسجل ما يحدث في تلك الفترة بنفس عقائدي لا يرى إلا السيف متحد مع الصليب في حرب دينية لإخراج المحمديين الأشرار خارج الأرض المسيحية المقدسة. هذا النتاج المتناثر لآغابيدا في الأديرة ومكتبة الأسكوريال أظهرها واشنطن للعلن بصورة تختلف عن ما كان يطمح إليه الراهب. هناك جزئيات ناقصة لم يسجلها الراهب قام واشنطن بالاستعانة بمراجع عربية وأسبانية لسد الفراغ. ولم يحذف واشنطن تعبيرات الراهب العقائدية تجاه هذه الحروب الضروس، بل أعاد نشرها موضحاً قبل أي تعبير: وهكذا قال الأب المبجل آغابيداً. إلا أن هذه الأقوال مع طبيعة الحدث نفسه يُظهر التعارض الهائل بين ما يقوله المؤرخ الديني وما حدث على أرض الواقع من جرائم. وبعد سرده لبعض الأقوال من مؤرخين مسيحيين يبشرون بالفوز المسيحي والتكفير عن ذنوبهم بعد استعادة غرناطة يقول واشنطن في نهاية مقدمته: قد قلنا ما فيه الكفاية لجذب القارئ المسيحي إلى الساحة ليتبعنا ويقف بجانبنا في هذا النزاع ولا يلومنا في سرد ووصف حقائقه. هذا الكتاب بعيداً عن طبيعة الوصف الحربي بين الطرفين واستعدادات كل طرف إلا أنه جميل و ممتع. يبدأ واشنطن من قرار أبو الحسن إيقاف دفع الجزية إلى نظرة أبي عبدالله الصغير الأخيرة لغرناطة.
كان لواشنطن أسلوب ملفت للنظر في تعامله مع أبي عبدالله الصغير. في اللحظة التي يتخذ فيها الصغير قرار جريئاً يسميه صراحة بأبي عبدالله الصغير. وفي لحظات الهزيمة والسقوط يصفه ببدول الشيكو. لو كان هناك حاكم آخر غير أبي عبدالله الصغير هل كانت ستسقط غرناطة؟ من الصعب النظر إلى تاريخ تلك الفترة بمنظار العصر الحالي إلا أن كل المؤشرات كانت تدل على حتمية السقوط بلا جدال. في غرناطة كان التناحر على أشده: ينتقل الملك من شخص إلى آخر بلمح البصر: عصبيات قبلية تتصارع على أشدها. وفي الجهة الأخرى جهة واحدة تحت مؤسسات متعددة هدفها واحد و رؤيتها واحد. عندما أقام واشنطن في غرناطة وكتب كتاب أخبار سقوط غرناطة وكتاب الحمراء، تتبع واشنطن سيرة أبي عبدالله الصغير من المكان الذي تم تهريبه منه إلى تلك الهضبة التي تسمى آخر ما رآه العرب. لا أظن بأن هناك مؤرخ متعاطف مع أبي عبدالله الصغير أكثر من واشنطن، وتحديداً في فصل تذكرة بأبي عبدالله في كتاب الحمراء. يشير واشنطن أن أبي عبدالله كان يتمتع بشجاعة ينقصها شجاعة خلق الإقدام والثبات إزاء الأيام الصعبة المتقلبة عليه. روحه اللاثورية عجلت بسقوطه وحرمته من عظمة البطولة التي كان بالإمكان أن تعطيه كرامة المصير.
اعتمد واشنطن في أخبار سقوط غرناطة على وثائق ومخطوطات لرجل دين مسيحي يدعى أنطونيو آغابيدا، والذي كان يسجل ما يحدث في تلك الفترة بنفس عقائدي لا يرى إلا السيف متحد مع الصليب في حرب دينية لإخراج المحمديين الأشرار خارج الأرض المسيحية المقدسة. هذا النتاج المتناثر لآغابيدا في الأديرة ومكتبة الأسكوريال أظهرها واشنطن للعلن بصورة تختلف عن ما كان يطمح إليه الراهب. هناك جزئيات ناقصة لم يسجلها الراهب قام واشنطن بالاستعانة بمراجع عربية وأسبانية لسد الفراغ. ولم يحذف واشنطن تعبيرات الراهب العقائدية تجاه هذه الحروب الضروس، بل أعاد نشرها موضحاً قبل أي تعبير: وهكذا قال الأب المبجل آغابيداً. إلا أن هذه الأقوال مع طبيعة الحدث نفسه يُظهر التعارض الهائل بين ما يقوله المؤرخ الديني وما حدث على أرض الواقع من جرائم. وبعد سرده لبعض الأقوال من مؤرخين مسيحيين يبشرون بالفوز المسيحي والتكفير عن ذنوبهم بعد استعادة غرناطة يقول واشنطن في نهاية مقدمته: قد قلنا ما فيه الكفاية لجذب القارئ المسيحي إلى الساحة ليتبعنا ويقف بجانبنا في هذا النزاع ولا يلومنا في سرد ووصف حقائقه. هذا الكتاب بعيداً عن طبيعة الوصف الحربي بين الطرفين واستعدادات كل طرف إلا أنه جميل و ممتع. يبدأ واشنطن من قرار أبو الحسن إيقاف دفع الجزية إلى نظرة أبي عبدالله الصغير الأخيرة لغرناطة.
كان لواشنطن أسلوب ملفت للنظر في تعامله مع أبي عبدالله الصغير. في اللحظة التي يتخذ فيها الصغير قرار جريئاً يسميه صراحة بأبي عبدالله الصغير. وفي لحظات الهزيمة والسقوط يصفه ببدول الشيكو. لو كان هناك حاكم آخر غير أبي عبدالله الصغير هل كانت ستسقط غرناطة؟ من الصعب النظر إلى تاريخ تلك الفترة بمنظار العصر الحالي إلا أن كل المؤشرات كانت تدل على حتمية السقوط بلا جدال. في غرناطة كان التناحر على أشده: ينتقل الملك من شخص إلى آخر بلمح البصر: عصبيات قبلية تتصارع على أشدها. وفي الجهة الأخرى جهة واحدة تحت مؤسسات متعددة هدفها واحد و رؤيتها واحد. عندما أقام واشنطن في غرناطة وكتب كتاب أخبار سقوط غرناطة وكتاب الحمراء، تتبع واشنطن سيرة أبي عبدالله الصغير من المكان الذي تم تهريبه منه إلى تلك الهضبة التي تسمى آخر ما رآه العرب. لا أظن بأن هناك مؤرخ متعاطف مع أبي عبدالله الصغير أكثر من واشنطن، وتحديداً في فصل تذكرة بأبي عبدالله في كتاب الحمراء. يشير واشنطن أن أبي عبدالله كان يتمتع بشجاعة ينقصها شجاعة خلق الإقدام والثبات إزاء الأيام الصعبة المتقلبة عليه. روحه اللاثورية عجلت بسقوطه وحرمته من عظمة البطولة التي كان بالإمكان أن تعطيه كرامة المصير.
من مدونة أرصفة
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)





