الأربعاء، 17 أبريل 2013

المكتب


الكاتب: عمر مناصرية

إنها نفس الأشياء دوما تواجهه، المكتب الصغير، الذي يتداعى كلما أدخل ركبيته معا تحته ليجلس على كرسيه، الأوراق المكدسة نفسها قرب الشباك المفتوح، الأيدي المنتظرة التي لكثرة ما رآها، راح يحفظها عن ظهر قلب: أيدي الحرفيين الخشنة التي تكدح طوال النهار، وأيدي التجار المتملصة، أيدي المعلمين الناعمة، وأيدي الفتيان المقبلين على رحلة الأوراق الشاقة، ....ولذلك لم يكن ينظر إلى الوجوه أو إلى الأعين إلا قليلا، حين يبدأ العمل، أو حين يضطره أحدهم إلى ذلك، أو حين يرى يدين ناعمتين جدا، من تلك الأيدي التي تشي عن نفسها وعن الترف الذي هي فيه.

دخل المكتب. دخل عنوة، كمن يدفعه شخص آخر من الخلف، تأخر ربع ساعة كما اعتاد، دخل حاملا قهوة في كوب ورقي وضعه على المكتب بحذر، قضى عشر دقائق أخرى في ترتيب أشيائه الصغيرة، فتح خزانة قصديرية اللون، طأطأ إليها، لم ينظر حتى إلى الوجوه التي أخذت تحدق إليه بغضب خافت كان يعرف بأنه سرعان ما سيصبح عارما، أخرج أوراقا، أعادها، بحث عن أخرى. لم يجد شيئا، أغلق الخزانة، ثم تناول جرعة من قهوته السميكة المذاق، نظر إلى الأعين المتملصة عنه، والتي كانت قبل جزء من الثانية فقط تخترقه بعنف. نظر إلى الشفاه التي تكاد تنطق. بحث عن مفاتيحه الكثيرة، وجدها على المكتب، بحث عن مفتاح بعينه. أعاد فتح الخزانة، وراح يبحث مرة أخرى.

لم تنطق الشفاه بشيء، فقط من خلال العيون المحمرة، رأى الأشياء على حقيقتها، جلس أخيرًا. مد يده إلى أرواق مصطفة على حافة الشباك. تناول واحدة، نظر إليها سريعا، قال:

- نسخة من بطاقة التعريف، ناقصة.

كاد الرجل الذي يبدو أنه في الأربعين ولا يجيد الحديث في الأماكن الرسمية يختنق. كاد يقول شيئًا، ثم زم شفتيه رغما عنه، خرج من الطابور بعنف ألقى ببعض الأكتاف المندسة بعيدًا عن مكانها، استعادت الأكتاف وضعها. مد يده مرة أخرى إلى القهوة لذيذة المذاق، تناول جرعة صغيرة، صغيرة جدًا، أمتصها كخيط دقيق من بين شفتيه. تناول أوراقا... راح يعمل هذه المرة بلا تعب، كتب في دفتر صغير وسجل أرقامًا، ختم أوراقًا أخرى، مدها إلى أيدي مجهولة، تناولتها بقوة، بشغف، بخوف،...

ما الذي يجعلهم هكذا؟ ما الذي يجعله هكذا؟

في العاشرة، ترك المكتب، خرج إلى مقهى قريب، تناول قهوة أخرى وعاد، ألفى دزينة من الأشخاص معدومي الهوية مكدسة أمامه، نظر إليها بلاخوف، نظر بلا اكتراث، هو لايعرفها بالكاد، إنها وجوه لا غير، وجوه بأعين تحملق وأفواه لا تتكلم. أعاد نفس الحركات، بحث في الخزانة، فتْح وغلْق، جلوس، خروج إلى الرواق للاشيء وعوْد من جديد...

عمل بلا اكتراث تقريبا، غير عابئ بشيء، تجهّم ، لما رأى أن الأشخاص أمامه، أصبحوا أكثر قتامة، أصابه غيظ ليس يدري ما سببه، ولكنه حين رأى وجها أنثويًا يمر في الرواق استيقظ، كمن تذكر شيئا مهما ناداه. "أسما"وتحول كله إلى بشاشة عميقة، خفقت وجنتاه بالحمرة، واستعاد أشياءه الضائعة. اختفى الوجه ثم ظهر بعد قليل ، مطلا من وراء الباب المفتوح، قال:

- تعالي أسما، هل من أخبار؟

دخلت كلها، وقفت قرب مكتبه، مائلة قليلا نحوه، وهي تنظر خلفها، وراحت تقول:

- كالعادة، نحن ننتظر.

وراح يهمهم بشيء ما، لم يرد أن يفصح عنه، نظر إلى الوجوه هذه المرة، وهي تنظر إليه، وهمس بشيء لم يسمعه أحد، فتأوهت الفتاة:

- أوووه.

- نعم.

راح يقلب الأوراق، مرة بعد أخرى، لا يكاد يعيرها انتباها، ثم لبثا يتحدثان عشر دقائق، كان حديثا هامسًا، لا يكاد يرى، كان قد توقف عن فحص الأوراق في مرحلة ما، وركز على وجهها، نظر إلى وجنتيها المستديرتين وشفتيها وعينيها الشقراوين، ملأ عينيه إلى الحافة، ثم قال أخيرًا:

- تُحل المشكلة.

- إن شاء الله.

ونظر خلفه، فأومأ للفتاة التي استدارت بذهول. كان شخص بنظارتين سوداوين، فارع الطول، ببطن خارجة، وبذلة رسمية جدا، يقف في الرواق، مواجها إياهما وهما يتحدثان، كان ينظر إلى الفتاة بغضب، فاعتذرت منه، ثم راحت تهرول في الرواق، ساحبة قدميها ذواتا الحذائين الخفيفين بسرعة ممزوجة بمرح وخوف، عائدة إلى مكتبها، فأومأ هو بتحية إلى السيد ذي الهالة التي لا تقاوم، ولم يبق حوله سوى بعض الأخيلة و رائحة الفتاة القوية التي طغت على رائحة القهوة في فمه.

أشعل سيجارة وأخذ يدخنها بنهم، وراح يصطنع نبرة مختلفة في الحديث هذه المرة، مغلقا عينيه أحيانًا، وتاركًا السيجارة بين شفتيه وهو يتحدث أحيانًا أخرى، وحينئذ كان يضفي على نفسه مسحة من أسطورية، ويتخيل أن الآخرين خلف الشباك، يضفون عليه هالة من رهبة و احترام، تشبه هال السيد قبل قليل، فراح يتحدث بلا توقف" ... رخصة سياقة ناقصة، شهادة ميلاد، ينقصك طابع، اشتر طابع مائة وخمسين وتعال" وأحيانا كان يدل على الأمكنة بنفسه "اذهب إلى ذلك.. ما اسمه؟.. بجانب مقهى المشعشع، ...لا لا... نعم... إنه مقابل الشعابة..."

وفي الحادية عشر أحس بالإعياء. كانت الأشياء هي نفسها أمامه، الرؤوس البعيدة في الشبابيك الأخرى والتي لم يرها منذ الصباح، السماء الصافية في الخارج والتي تظهر رمادية من خلف الزجاج المعتم للأبواب، المنتظرون على الكراسي المعدنية الواسعة، الشيوخ والعجائز الذين ينهون حياتهم مع الأوراق، الفتيان الذي يكتشفون لأول مرة طعم الوثائق، رائحة السجائر، وقع الأحذية الصغيرة الخافتة وهمس الفتيات التي لا يفعلن شيئًا سوى المرور بين المكاتب بروائحهن الغالية الثمن.

لا أحد بالضبط يعرف لم يقوم بهذا العمل. لم يفكر حتى في ذلك كثيرًا. أحيانا، كان يفكر في الأشياء التي قام بها طوال عشرين عامًا، ويقارنها بسنه الآن ثم بوجهه الذي لا يزال يحتفظ ببعض الشباب ، ولكنه حين ينظر إلى داخله، كان يرى هوة مظلمة، شيئا بائدًا، حيوانًا منقرضًا لا يزال يجثم بهيكله هناك. لما مر عقرب الساعة من الحادية عشر والربع راح يتضعضع شيئًا فشيئًا، أمسك بكوب القهوة الورقي وراح يمتصه بقوة، أمسك أوراقًا، ولم يستطع أن يقول شيئًا.

نظر إلى الوجوه التي لا تزال هناك، أمسك ملفًا واحدا آخر، ثم نهض وأراد الخروج، كانت الحادية عشر والنصف، تبرمت الوجوه أمامه، ثم قابل وجها آخر شابا يبتسم له، نظر إلى أوراقه التي بدت قديمة جدًا، طلب منه أوراقاً أخرى، وهم بالخروج، تصاعد الدم إلى وجه الشاب بسرعة، لم يكبح جماحه، وراح يشتم ويبصق ويتلوى " لبارح برك قلتلي جيب هذو برك، وضرك.."

ولم يستطع أحد أن يتحكم في الموقف، صعد الشاب إلى الشباك و أمسك به من ياقته وحاول ضربه، تراجع هو إلى الخلف، تمزق قميصه، تلفظ بكلمات نابية، وأسرع شرطيين إلى الشاب وأمسكا به.

أعتدل هو في مكانه، مسح العرق والخوف، اجتمع بعض الموظفين حوله، وعندما بدأ عقرب الساعة يسعى حثيثا نحو منتصف النهار، كان هو قد انسل من الباب الخلفي للبناية، وفر إلى بيته.

في المساء، حين خرج، التقي ببعضهم في المقهى على جانب الطريق الرئيسية، ناسيا ما حدث له في منتصف النهار، احتسى قهوة أخرى وأدخنة الشواء التي تمرح في كل الأرجاء. اغتاب بعض الموظفين مثله، نظر إلى السيارات الجديدة التي يمتلكها أشخاص من نفس سنّه، تحدث عن الموديلات المفضلة، ثم عن السكنات التي ستوزع. لم يعد يتحدث في السياسة وحين اقترب الليل، وبدأت حركة السيارات والأرجل في الخفوت، راحوا جميعا يتحدثون عن كرة القدم، يثرثرون، يشتمون، ثم لما أحس بالتعب يعاوده، قفل راجعا إلى بيته، ارتقى درج العمارة بإعياء. فتح الباب بمفتاح يحتفظ به وحيدًا في جيب آخر، دخل ونظر إلى العتمة، ثم لفه الصمت.