الأحد، 1 أبريل 2018

دار سبيطار.....محمد ديب



المجمع السكني "دار سبيطار" الذي يضم مجموعة كبيرة من السكان معظمهم من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، وضمن هذا التجمع تدور أحداث الرواية "الدار الكبيرة" بطل الرواية الطفل عمر الذي لا يتجاوز الاثني عشر عاما، وأمه "عيني" التي تكافح لكي تطعم ولدها وابنتاها،


 يتناول الكاتب أوضاع المجتمع الجزائري من خلال تناول الأشخاص في هذا المجمع السكني، وكيف كانوا يعيشون ويفكرون ويتعاملون مع بعضهم البعض، واقع الاستعمار الاستيطاني شديد الوطأة على الشعب، حيث أن هذا الاستعمار يتعامل مع المواطنين بطريقة الغائية ودونية، من هنا تكون المشاعر الوطنية حية لكنها لا تظهر علانية، وذلك بسبب القسوة التي يعامل بها المحتل المواطنين، فها هو الأستاذ حسن يتخطى حاجز المحذور ويتكلم للطلاب بالعربية المحذورة، موضحا لهم بان وطنهم ليس فرنسا "ـ ليس صحيحا ما يقال لكم من أن فرنسا هي وطنكم" ص25، مثل هذه الكلمات كانت تكلف الإنسان وظيفته وأيضا الاعتقال والتعذيب على يد أشرس احتلال "الاستيطاني" من هنا نجد المعلم يشعر بأنه أقدم على شيء خطير جدا، ويظهر هذا عليه " وسيطر على الأستاذ حسن على نفسه. ولكنه ظل يبدو مضطربا خلال بضع دقائق. كان يلوح عليه انه يهم بان يقول شيئا آخر أيضا. لكن ما عساه يقول ... أليس ثمة قوة اكبر منه تمنعه من أن يقول ما يريد قوله.

وهكذا لم يعلم الصبية ما هو وطنهم" ص25، الصراع بين قول الحقيقة والصمت كان يشكل هاجسا عند المعلم، من هنا قال شيئا ولم يجرؤ على إكماله، وهذه مسألة في غاية الخطورة، لكن القليل الذي قدمه للطلاب جعلهم يعيدوا التفكير فيما يدرس لهم، وهذا كافا، إذا ما أضيف له المعاملة السيئة التي يتلقها المواطنون من المحتل.
فهنا طرح الكاتب بان الأستاذ حسن إنسان يشعر بالخوف وأيضا بالرغبة في التحرر من قبضة الاحتلال وتعاليمه المزيفة، فشخصيات الرواية هي بشرية وليست (سوبر) وهذا ما جعلها اقرب إلى الواقعية، فالرواية هي واقعية بامتياز، لا يوجد فيها إي رمزية ، كما أن أحداثها اقرب إلى الوقائع التاريخية، التي عانى منها الشعب الجزائري.


الرجل السلبي
الكاتب قدم لنا صورة الرجل السلبي، فمن خلال حديث النساء العاملات والمكافحات في سبيل لقمة العيش عن الرجال، كان يصفهم بشكل شبة دائم بالتخاذل والتقاعس وعدم الأقدم على العمل، فها هي "عيني" تتحدث لولدها عمر عن والده بصورة تحمل الحنق والقهر والبؤس، ليس على الوالد وحسب بل على الأوضاع والاستعمار أيضا "ـ هذا كل ما تركه لنا أبوك، ذلك الرجل لا يصلح لشيء، ترك لنا البؤس، غيب وجهه في التراب، وسقطت علي جميع أنواع الشقاء، ... هو الآن هادئ في قبره.. لم يفكر يوما في ادخار قرش واحد.. وها انتم تتشبثون بي كالعلق الذي يمتص الدم ... لقد كنت غبية .. كان ينبغي أن أترككم في الشارع، أن اهرب إلى جبل خال مقفر" ص30، من خلال هذا الكلام نستدل على الحالة المزرية التي تعيشها العائلة، فلا معيل لها سوى المرأة، هي من يوفر الاحتياجات لها، ورغم تواضع هذه المتطلبات وقلتها إلا أن من يستطيع في ظل الاحتلال أن يجلب رغيف الخبز يكون قد أنجز أمرا عظيما.
لم تكن الأم "عيني" تكلم ولدها بهذه الكيفية فقط، بل أيضا تكلمت مع أمها "الجدة" بطريقة اشد وأكثر قسوة، وكأنها ليست ابنتها، بل امرأة من خارج العائلة، "كانت عيني منتصبة على ركبتيها تقذف حقدها في وجه الجدة .. 
ـ ليت الموت يأخذك. لماذا لم ترفضي أن يحملوك إلى هنا؟ 
ـ ماذا كان بوسعي أن افعله يا ابنتي؟
ـ امرأته هي التي أرسلتك إلي، انه مستعد لان يلعق قدميها، أنها هي من تعمل لتطعمه، أما هو فيقضي وقته في التسكع بين المقاهي .. ابن الكلب .. " ص31، صورة أخرى عن الرجل المتعالي على زوجته، القاعد مع القاعدين، بلا عمل أو فعل مفيد، يترك زوجته تعمل. "عيني" تتناول الرجال ـ الزوج والأخ ـ بسلبية، وكأن الرجال في المجتمع الجزائري إبان الاحتلال لم يكونوا يصلحوا إلا للجنس فقط، فهم كسالى أتكالين لا يعملون.
ومع هذا الواقع غير السوي تحمل "عيني" أفكار المجتمع ألذكوري بامتياز، فهي كامرأة شرقية تفكر بان السيادة يجب أن تكون للرجل، رغم أن الواقع يفند هذه الأفكار، فمن خلال زوجها الذي مات دون أن يترك لها قرشا واحد، إلى أخاها القاعد والمتواكل على زوجته، إلى رجال المجمع السكني، الذين لا يصلحون لشيء، ومع كل السلبيات تفكر بالرجل القادم، ابنها عمر، "متى يكبر عمر، ابنها، فيحمل عنها بعض هذا العبء؟ البنت لا يمكن الاعتماد عليها. وإنما يجب إطعامها، حتى إذا شبت عن الطوق أصبح واجبا أن نراقبها مراقبة دقيقة، فهي في سن البلوغ أسوأ من حية، فما أن تغفلي عنها قليلا حتى ترتكب الحماقات. ثم لا بد لك أن تقصدي عروقك حتى تهيئي لها جهازا قبل أن تتخلصي منها" ص72، رغم أن أبطال الرواية هن من النساء، لا أن السرد يؤكد بان أفكار المجتمع ألذكوري الأبوي هي المسيطرة، فهل هذا مقصود من الكاتب؟ أم انه وقع في خلط ـ السرد ـ ولم ينتبه لا إن المتحدث امرأة، فكان لا بد من أن تحمل أفكارها وليس أفكار المجتمع؟
اعتقد بان الرواية الواقعية ترسم الواقع كما هو مع إضافة التحسينات والصور الأدبية والفنية، من هنا كان الكاتب يصر على إعطائنا صورة واقعية عن المجتمع الجزائري والطريقة التي يفكر بها، فهنا كانت المرأة ليست أكثر من منتجة، لا لكنها غير متحررة فكريا، من هنا وجدنها أسيرة المجتمع وأفكاره.
الطفل في ظل الاحتلال والجوع
الأطفال في ظل الاحتلال يكون أكثر من غيرهم عرضة للقمع والسوء المعاملة، إن كانت من المحتل نفسه، أم من الأهل، الذين يعتبرون أطفالهم المتنفس لهم، فتنعكس حالة القمع التي يعانون منها في سلوكهم مع أطفالهم، فنجدهم يفرغون كل الكبت والقهر على هؤلاء الأطفال، وكأنهم ـ الأطفال ـ هم من يقوم يقمع الأهل وليس الآخر المحتل، كما إن الأطفال بطبيعتهم البسيطة يرفضون القمع والاضطهاد مهما كان فاعله، وأيا كانت دافعه، من هنا يقوم عمر بالتمرد على حالة القمع التي تمارسها أمه "عيني" على الجدة فيثور عليها قولا وفعلا، متجاهلا بان من يثور عليها هي أمه، "وهرب. فأسرعت تركض وراءه، لكنه اجتاز فناء البيت بوثبة واحدة..
ـ اخرسي يا ... عاهرة
... ـ يلعن أبوك، يا ملعونة، تلعن أمك.." ص33، اعتقد بان حالة الاجتماعية والاقتصادية وما تشكله من أفكار ومفاهيم عند الأفراد مسألة تلعب دورا حيويا في السلوك، فعمر الذي يعاني الجوع والقهر والفقر وفقدان الأب، لا بد أن يكون بهذه القسوة اتجاه أمه، فهي من خلال معاملتها القاسية للجدة جعلت مشاعر ابنها عمر تتأجج، فهي لم تكن ضد الأم ولكنها ضد سلوكها السيئ.
فبعد أن يغادر البيت تبدأ مشاعر الطفولة تتحرك فيه، ويأخذ في طرح النواقص التي يعاني منها كانسان وكطفل "كان في تلك اللحظات يتمنى لو يعثر على أبيه، أبيه الميت، ولكن الحقيقة التي اكتشفها كانت لا تطاق، أن أباه لن يعود أبدا ألبه، ما من احد يستطيع أن يرد إليه أباه" ص33، حالة الطفل في الحضيض، فكريا وواقعيا، بلا مأوى، جوع، برد، الخوف من القمع والضرب، الحرمان من الأب، كلها تجتمع في حالة عمر، فهو هنا لا يشكل حالة الطفل العادي، بل الطفل غير العادي، الطفل الذي يعيش في ظل الاحتلال والواقع الاجتماعي المتخلف والفقير في ذات الوقت.


صورة الشرطي
لعل الكثير من الأعمال الأدبية، إن كانت رواية أو قصة أو مسرحية أو قصيدة، في مجملها تقدم الصورة السلبية لرجال الشرطة، فهم باستمرار يشكلون أداة القمع والبطش التي تعمل بالناس الشر والقهر، وأقولها بتواضع بأنني لم اقرأ نصا يحمد هؤلاء القساة أبدا، من هنا سنجد حالة طبيعية أن يقدم رجال الشرطة في ظل الاحتلال بصورة سلبية، فها هو الطفل عمر يصاب بالرعب لمجرد أن ذكروا "ـ الشرطة .. الشرطة .. ها هم الشرطة..
وقال بينه وبين نفسه : "ماما" أتوسل إليك، لن اضائقك بعد الآن، احميني، احميني.. تمنى في عنف وحرارة أن تكون أمه "عيني" إلى جانبه" ص38، حالة من الرعب يعاني منها عمر، فهنا الطفل يعكس لنا صورة الرعب التي أوجدوها رجال الشرطة في ذهنه، فهم من خلال سلوكهم القاسي تركوا هذا الإرهاب في الأطفال والمجتمع ككل، "أن رجال الشرطة ينبشون الأوراق التي كان حميد سراج قد جمعها عند أخته، كانوا يجمعون هذه الأوراق، ومن اجل ذلك قلبوا الغرفة عاليها سافلها" ص42، هكذا هم رجال الشرطة، أداة التخريب والتكسير والتحطيم، ويقومون بضرب الناس واعتقالهم، من هنا لا يوجد لهم لا الصورة السلبية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الاحتلال والتخلف.
وها هي فاطمة أخت حميد سراج تقول متحسرة على أخيها، الذي سيكون تحت التعذيب الجسدي والنفسي عند المحتل "ويلي عليك يا أخي .. ما الذي سيقع لك؟ .. ما الذي سيصنعونه بك؟ .. ويلي عليك يا أخي .." ص42، أعمال القمع والاعتقال تترك أثرا بليغا في الشخص المعتقل وزوجته وأبنائه وجيرانه وكل من يشاهد عملية الاعتقال، من هنا تركت هذه العملية أثرا لا يمحى من ذاكرة الطفل عمر، الذي يمثل خلية نشطة، تتأثر ـ سلبا أو إيجابا ـ بكل ما يشاهد ويسمع، "كان عمر حائرا لا يعرف كيف يمكن أن يقدم معونة ما، رجال الشرطة يملأون الدار الكبيرة بحركتهم، ترى متى يذهبون... أصبح عمر لا يطلب قطعة الخبز مغموسة في الماء العين، حين تنصب علينا الكوارث، نذهل عن الجوع، أصبح عمر لا يفكر، لقد تضامن جوعه ـ أصبح جوعه الآن بعيدا، لم يبقى منه فيه إلا ما يشبه غثيانا غامضا لا يهدأ.
اصابه دوارا، كان يمضغ لعابه ويبلعه، أن هذا يولد في نفسه ميلا غريبا إلى القيء، انه لا يجد في نفسه إلا فراغا" ص42 و43، حالة الغثيان تصيب المحبط الخائف غير القادر على الفعل، مهما كان هذا فعل، عمل أو قول.
شدة القمع والقهر والخوف تسبب حالة الغثيان، ذروة الخوف تقع ليس على المعتقل وإنما من شاهد عملية الاعتقال، فما بالنا بأهل المعتقل والمعتقل نفسه!

الطرح الطبقي
في حالة الاحتلال لا بد أن يكون هناك الجوع والفقر هو الطاغي على المجتمع، من هنا لا بد من وجود من يقدم البديل لها الوضع، البديل الذي يبحث في تقديم الحياة الكريمة للمواطن، وتحقيق سبل العيش التي تمثل ابسط الحقوق للإنسان،ة"إن العمال الزراعيين أصبحوا لا يستطيعون أن يعيشوا بهذه الأجور الزهيدة التي يتقاضونها ... يجب أن نتخلص من هذا البؤس .. العمال الزراعيون هم أولى ضحايا الاستغلال الذي يعبث في بلادنا فسادا" ص94، المسألة الاقتصادية من أهم المسائل التي تشغل الأفراد والجماعات، من هنا قدمها محمد ديب بكل وضوح، إن كان من خلال السرد الروائي الذي يعطي مدلولا واضحا عن الحالة الاقتصادية البائسة أم من خلال كلمات الخطيب الذي تحدث بكل صراحة عن الواقع المزري


فكرة الخلاص "القادم من الخارج"
عند العديد من المجتمعات التي تعاني القهر تفكر بطريقة غير سوية، فهي تتجاهل دورها في تحرير ذاتها، وتنتظر القادم من الخارج كي يخلصها مما هي فيه، فهناك فكرة يتداولها بعض الفلسطينيين بان خلاصهم سيكون من جهة الشرق، أن هذا المخلص سيجمع الأمة ويقتل الأعور الدجال، فهنا نجد دعوة بطريقة غير مباشر للانتظار والترقب لقدوم هذا المخلص، وهذا ما فعله الشعب الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي، فهم تشبثوا بالقادم الخارجي وجعلوا منه مخلصا "إن هذا الرجل الذي اسمه هتلر قوي قوة هائلة لا يستطيع احد أن يقيس نفسه بقوته، هو ماض يستولي على العالم كله، وسيكون ملك العالم كله، وهذا الرجل يبلغ هذا المبلغ من القوة صديق للمسلمين فمتى وصل إلى شواطئ هذه البلاد أدرك المسلمون كل ما يتمنون، وحظوا بسعادة كبرى، انه سيحرم اليهود من أملاكهم، فهو لا يحبهم، ولسوف يقتلهم، سيكون حامي الإسلام، وسيطرد الفرنسيين، ثم أن الحزام الذي يشد جسمه قد كتب عليه :لا اله إلا الله محمد رسول الله" ص136، التخلف لا يقدم إلا الأفكار المتخلفة، في هذا المشهد الذي تكرر في العراق والسودان واليمن وليبيا وسوريا وكل من راهن على المحرر الخارجي، لا ندري لماذا نحن في المنطقة العربية دائما كنا نتعاطى مع مسألة الخلاص من الظلم أو الاحتلال بالخارج وليس فينا نحن؟ هل تركيبتنا الفكرية هي السبب، أم أن الإيمان له علاقة بهذا الأمر؟

الحبكة والسيطرة على الحدث الروائي
في بداية الرواية ينحدث الكاتب عن الجدة وكيف أنها تشكل عبئا اقتصاديا على "عيني" او على أخيها، لكن في زخمة الاحداث الروايئة ينسى الكاتب هذه الجدة، ويعود الى تذكرنا بها في نهاية الرواية، فالكاتب كان قد نسى شخصبة الجدة لكنه تدارك الامر في النهاية، في المجمل تكمن اهمية مثل هذه الأعمال في تقديمها مادة أدبية بمضمون تاريخي، مما يعطي المتلقي صورة حية عن تلك الفترة من الزمن.

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

القصبة....عند الشاوية




يحظى النّاي بمكانة هامة في الموسيقى الشّاوية خاصة التقليدية منها، عكس العصرية أين وظفها عدد قليل من المطربين، خاصة المغني الملتزم عميروش، والمغني الشاب سامي يوراس، تحديدا في أغنيته «أبريذ الغربث»، أي طريق الغربة. لنغمة الناي وقع خاص على الإنسان الشاوي، فهي تذكّره بأعراس الصبا وأمكنة عاش فيها وسكنت وجدانه، وهي أصدق معبّر عن آماله وخيباته. وقد اختارت الكاتبة المرحومة زليخة السعودي «عازف الناي» عنوانا لأحد نصوصها.








من أشهر العازفين على الناي التقليدي محمد بن الزين، رفيق درب – صاحب رائعة «أكر أنوقير» أي قم لنمشي – المرحوم عيسى الجرموني الحركاتي، وسعيد نيسة، عازف المطربة المغتربة حورية عيشي، أما الناي العصري، فلابن قرية تاغيت بولاية باتنة «زوزو»، تجربة مميزة مع المطرب عميروش، هذا الأخير له أغنية بعنوان «أدّمام أباب أو جَواق»، أي «رجاء يا صاحب الناي». تعود المكانة التي يشغلها الناي في الأغنية الشاوية إلى جغرافيا الأوراس الصعبة (تضاريس، مناخ..)، وإلى ما دفعه أبناء هذه المنطقة من ثمن باهظ أثناء مقاومتهم لمختلف قوى الظلام التي احتلت بلاد المغرب الكبير من الرومان إلى الفرنسيس.





حول تاريخ الناي، يوضح الشّاعر والمترجم عادل سلطاني بأن: «..الناي من حيث تاريخيته آلة موسيقية أمازيغية بشهادة الإغريق أنفسهم، ويعتبر إبداعا ليبيا أمازيغيا خالصا وأول من عزف عليه ـ حسب شهادتهم هذه ـ هو سِرْتِسْ الليبي، والناي حسب ذات الشهادة التاريخية دائما ارتبطت تسميته لدى هؤلاء بالليبي، أين اقتبسوا أشعارهم المطوّلة من الليبيين الأمازيغ الذين أثَّرُوا تأثيرا كبيرا في عاداتهم من ملبس وشعر وعزف، وغير ذلك من مظاهر عبادية تعجّ بها أساطيرهم، والناي الذي نطلق عليه بلساننا الشاوي الأوراسي آجَوَاقْ، يمثل لي ولغيري من العارفين به إبداعا أسلافيا شاويا بامتياز، ارتبط بحياة الشاوي البسيطة في الحواضر كما البوادي، ملازما لهم في أفراحهم وأتراحهم، في حلهم وترحالهم، معبّرا بقوة عن العواطف التي تجيش في الصدور، لن يعبر عليها بلسان الحال إلا هذا الصديق الذي اخترعه أجدادنا ليقول الكينونة بكل وضوح وصدق، وتحضرني في هذا السياق قصة سجلها القرن المنصرم، حينما تحكي قصة القصبة آجواق، تلك الآلة التي دفنها الخل الودود، الذي كان ملازما للأسطورة المرحوم عيسى آجرموني، ليخلده التاريخ أيضا أسطورة للوفاء، بعد أن فارق صاحب الحنجرة الماسية التي لا تصدأ الحياةَ، ملتحقا بالرفيق الأعلى، معبرا بدفنها عن الوفاء ليقف التاريخ منتهيا هناك عن العزف بعد رحيل الخل ليشد الرحال بعد هذا الفعل الأبيض إلى الحج ، وأما ما يمثله لي باختصار شديد هو فلسفة الحزن التي تعلمتها من ناي أبي رحمه الله».


وحول سؤال: ماذا يميّز هذه الآلة عن غيرها من الآلات الموسيقية؟

يجيب شاعر بئر العاتر بولاية تبسة قائلا: «هو التصاقها بحياة الشاوي، أين تمثل قيمة ثقافية إبداعية مضافة، تبصم الجو الاجتماعي الأوراسي العام، مشكلة بذلك أيقونة للفرح كما الحزن، حاملة للشجى والشجن والمواجد وللفرح أيضا، وعرسية الحياة والإقبال على البهجة، أين يبصم الوجود الاجتماعي بما يمكن لي أن أسميه هنا بـــ : «عيدية الوجود على مستويي الأنا والنحن»، ونظرا لِقِيمِيَّتِهَا دخلت هذه الآلة مجال الأحاجي العامية الشاوية : «عْلَى اللِّي بَقُّوهْ سَبْعْ بَقَّاتْ هَزُّوهْ تْكَلِّمْ حَطُّوهْ مَاتْ»، هذه الآلة النفخية العجيبة المبتدعة بحس أسلافي راق، حملها يعني الحياة والكينونة والوجود، وتركها يعادل الموت والفناء، فهي كينونة متحركة مفعمة بالنشاط، الذي يعكس حياة الأوراسي، بل تتعدى ذلك فهي روحه الأخرى المنبعثة في حالتي الحزن والفرح، حين احتكاك الهواء المنبعث من الروح على جدرانها الأسطوانية الملساء، المشبعة بزيت شجرة مباركة، تتحكم فيه أنامل فنان مبدع، تتلمذ على خلجات أسلافه الدافئة الصادقة».

الأناشيد الوطنية






كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية.

ووظيفة النّشيد الوطني قبل كلّ شيء هي تمثيل الأوطان في المناسبات الرّسمية، المحلية منها والدولية.

ولكل نشيد في الواقع قصّة تحكي ميلاده والظّروف السياسية والتّاريخية التي كتب فيها، كما نجد أغلب الدّول تقرن نشيدها الوطني بشعار وراية رسميتين ترمزان لهويتها وأصالتها.

النّشيد الهولندي.. الأقدم في العالم

تاريخيًا فإن النّشيد الوطني بمفهومه الحديث الشّائع الآن، أصله ديني محض، فقد وُلد في الكنائس قبل أن يأخذ طابعه المدني الرّاهن رغم وجود استثناءات قليلة، على غرار النشيد الوطني المجري الذي نظرًا لطابعه الدّيني دفع الاتحاد السوفياتي سابقا إلى إلغائه.

ويعتبر النّشيد الوطني الهولندي الذي وُلد مع الإصلاح البروتستانتي ضد المذهب الكاثوليكي، من أقدم الأناشيد الوطنية في العالم، حيث تمّ تأليفه ما بين 1568 و1572 ويسمى«Het Wilhelmus». غير أن الغريب في الأمر أنه لم يصبح رسميا إلا سنة 1932.

أما أحدث نشيد وطني في العالم فهو نشيد دولة جنوب السودان الفتية، حيث تم اعتماده رسميا عام 2011 ويحمل عنوان “يحيا جنوب السودان”!.

وفي الواقع عرفت الأناشيد الوطنية لعدة بلدان مسارات مختلفة في تاريخها، إذ على سبيل المثال نجد النشيد الوطني الياباني “ملكتكم، Kimi ga yo”، الذي كتبه شخص مجهول يعتبر قديما جدًا هو الآخر، فقد كتب حوالي القرن الثالث عشر وتم تلحينه عام 1880 لكنه لم يصبح رسميا إلا في سنة 1999. وهو أقصر نشيد وطني على الإطلاق، حيث يحتوي على خمسة مقاطع شعرية فقط!

القدس.. نشيد وطني لبريطانيا!

والنشيد الوطني الإيطالي لم يصبح رسميا هو الآخر إلا سنة 2005 رغم اعتماده شكليا عام 1946.

والطّريف أن أغلب ألحان الأناشيد الوطنية في أمريكا اللاتينية مقتبسة من موسيقى الأوبرا الإيطالية، والنشيد الوطني البريطاني(المفترض) – ونقول مفترض لأن بريطانيا ليس لها نشيد وطني “رسمي !” – كُتب من طرف مجهول عام 1770 لكنه لم يعزف “رسميا” إلا بعد مضي خمس سنوات. مع التذكير أنه يطلق عليه اسمين “ليحفظ الرب الملكة” و”ليحفظ الرب الملك”!

كما يوجد في هذا البلد الأوروبي نشيد وطني آخر مفترض ومفضل من طرف 55 في المائة من البريطانيين – حسب استفتاء البي. بي. سي – وهو “أرض الأمل والانتصار” الذي يعزف أحيانا في المناسبات الوطنية ومن طرف بعض فرق الروغبي، كما يوجد نشيد وطني ثالث لبريطانيا يحمل عنوانا ملفتا للغاية ويقصدون به بريطانيا وهو.. القدس!

وبالنسبة للنشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” فقد كُتب عام 1792 من طرف “روجي دو ليل”، ولم يتم اعتماده رسميا إلا في عام 1795. وقد اتهم ملحنه بأنه ارتجله وعليه فهو في نظر النّقاد فنان غير محترف! أما النشيد الوطني الصيني فقد اعتمد مؤقتا عام 1949 قبل أن يأخذ طابعا رسميا عام 1982.

ويبقى الغريب في الأمر أن بعض الأناشيد الوطنية لم تكتب باللغة الرسمية للبلد الذي تمثله، بل بلغات أخرى مختلفة وبعضها ميت، كما هو الحال مع النشيد الوطني للفاتيكان الذي كتب باللغة اللاتينية!

ومن أطرف الأمثلة في هذا الموضوع نذكر النشيد الوطني الباكستاني الذي كتب باللغة الفارسية، رغم أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي الأوردو، والنشيد الوطني لأنغولا كتب باللغة البرتغالية والنشيد الوطني لموزمبيق وغينيا الاستوائية كتب باللغة الإسبانية، والنشيد الوطني لمالي والكاميرون باللغة الفرنسية، ونشيد ناميبيا كتب باللغة الإنجليزية مثله مثل النشيد الوطني لدولة جنوب السودان الذي ألفه مجموعة من الطلبة، والنشيد الوطني لسنغافورة كتب بلغة مالاوي (سنغافورة لها أربع لغات رسمية) والنشيد الوطني الهندي كتب بالسنسكريتية القديمة.

كما أن هناك من الأناشيد الذي كتب باللغات الرسمية للبلد مجتمعة، على غرار سويسرا المكتوب نشيدها الوطني بالألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية، والنشيد الوطني البلجيكي المكتوب بثلاث لغات هي الرسمية لهذا البلد، والنشيد الوطني لجنوب إفريقيا الذي يعتبر بحقّ أغرب نشيد وطني في العالم، كونه مكتوبا بخمس لغات من بين الإحدى عشرة لغة رسمية للبلاد!

وإذا كان النشيد الوطني لأي بلد من المفروض منطقيًا أن يكتبه شاعر كبير أو معروف فإن عدة أناشيد وطنية دونت بأقلام رؤساء، على غرار ليوبولد سنغور الذي كتب نشيد السينغال، والبوركيني كتبه الرئيس توماس سانكارا ونشيد إفريقيا الوسطى كتبه الوزير الأول بارتيليمي بوغاندا، ونشيد الغابون كتبه رئيس البرلمان أليكا داما..

لحن النشيد الإسرائيلي.. مسروق!

لكن هناك بلدان نشيدها الوطني عبارة عن معزوفة موسيقية بدون كلمات، على غرار النشيد الوطني للبوسنة، الذي أعتمد رسميا عام 1998 والنشيد الوطني الإسباني(رغم وجود أربع لغات رسمية في هذا البلد) ونشيد سان مارينو وكوسوفو، والنشيد الوطني المغربي، الذي لم تدوّن كلماته إلا سنة 1969.

ولا بأس في هذا السياق الإشارة إلى أن لحن النشيد الوطني الإسرائيلي (كتب كلماته شاب مجري سنه 22 عاما!) الذي يحمل عنوان “الأمل Hatikva” والموضوع من طرف صمويل كوهين هو في الأصل مسروق من لحن مولدافي(نسبة إلى مولدافيا)!

ومن الأناشيد الوطنية التي تخلوا أيضا من الكلمات، نجد النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد عام 1970 وهو في الحقيقة السيمفونية التاسعة لبيتهوفن التي تحمل عنوان “نشيد الفرح” ولم تكتب كلمات هذا النشيد طبعا تفاديا للحساسية الشديدة والحرب الخفية بين اللغات الأوروبية..


وإذا كان النشيد الوطني السينغالي ودولة إفريقيا الوسطى لحنهما فرنسي فإن النشيد الوطني التونسي لحنه سوري، والنشيد الوطني الجزائري “قسما”(في الأصل كان عنوانه “فاشهدوا”) والذي كتب كلماته الشاعر مفدي زكريا – الذي مات في المنفى بتونس إثر سكتة قلبية(عام 1970) بتاريخ 25 أفريل من عام1955(اعتمد رسميا عام 1963) – بدمه على جدران الغرفة 69 في سجن برباروس، بطلب من عبان رمضان والمتكوّن من خمسة مقاطع تمثل الولايات الخمس التاريخية (قبل إضافة الولاية السادسة في مؤتمر الصومام وهي منطقة الصحراء). هذا النشيد لحنه في الأصل جزائري هو محمد توري ثم التونسي محمد التريكي ثم المصري محمد فوزي، والأخير هو المعتمد الآن رسميا(أتساءل شخصيا عن الصلة بين لحن قسما الافتتاحي والحركة الأولى للحن السيمفونية الخامسة لبيتهوفن المعنونة “ضربات القدر”!). علما بأن الفنان محمد فوزي سجل حقوق هذا العمل في فرنسا، وهو ما يعني أن النشيد الوطني الجزائري هو الوحيد في العالم أجمع الذي تملك حقوقه دولة أجنبية تعتبر عدوة بالأمس!

وحسب سبر للآراء أجري عام 2016 في الدنمارك فإن 80 بالمائة من الذين مسّهم السبر(حوالي 2000 شخص) أكدوا أن “وان. تو. ثري فيفا لالجيري” هو النشيد الوطني الجزائري، و8 في المائة أجابوا بأن “دي. دي” أغنية الشاب خالد هي النشيد الوطني الجزائري!






مفدي زكرياء


النشيد الوطني الفرنسي متّهم بالعنصرية!

وقد قيل الكثير حول المقطع الثّالث من النشيد الوطني الذي يعاتب فرنسا ويذكرها بالحساب على ما اقترفته من جرائم غير إنسانية في حقّ الشعب الجزائري، وفي الحقيقة النشيد الوطني البرتغالي كان هو الآخر يتوعد المستعمر البريطاني بالقول ضد البريطانيين “Contra os bretões” قبل أن يغير المقطع إلى ضدّ المدافع “Contra os canhões“، ولكن لماذا لا ننتقد المقطع العنصري في النشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” الذي يصف الآخرين بأن دمهم نجس وغير نقي مثل دمّ الفرنسيين النبلاء: “‘Qu’un sang impur abreuve nos sillons’؟

وحسب المختصين فإن النشيد الوطني للاتحاد السوفياتي سابقا يعتبر من أجمل الأناشيد الوطنية وأكثرها فخامة وسحرا فنيًا، وقد كتب كلماته ألكسندر ألكسندروف عام 1944 واستمر إلى غاية سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، ثم استبدل بآخر كتبه ميخائيل غلينكا، غير أن فلاديمير بوتين أعاد عام 2000 استعمال النّشيد القديم، لكن بكلمات جديدة رغم المعارضة الشدّيدة من الروس خارج الوطن.

وبالنسبة للولايات المتحدة الند التقليدي للروس، فإن نشيدها الوطني الذي يعرف بـ”راية النجوم” قد تم اعتماده رسميا من طرف الكونغرس عام 1931 وهو أصلا قصيدة شعرية كتبها فرانسيس سكوت كي عام 1814.

وبالعودة إلى سيمفونية بتهوفن التاسعة” نشيد الفرح” التي اتخذها الاتحاد الأوروبي نشيدا رسميا له، نشير إلى أن هناك أناشيد وطنية لبعض الدول تعتبر من دون مبالغة استثنائية ومثيرة فعلا من ناحية مضمون عناوينها، مثلا نشيد سلوفينيا المسمّى “المُعالج”! ونشيد مولدافيا الذي يحمل عنوان “لغتنا” ونشيد جمهورية التشيك الذي يحمل عنوان “أين وطني؟” ونشيد السينغال بعنوان “الأسد الأحمر”!.

أناشيد بدون عنوان!

وهناك أناشيد وطنية.. بدون عنوان أصلا! كما أن هناك بلدان لها نشيدان وطنيان في وقت واحد، مثلما هو حال الدنمارك والنّرويج والسّويد وتايلاندا وزيلاندا الجديدة، وهناك دول تشترك في نشيد وطني واحد مثل اليونان وقبرص، ولا ننس بأن هناك أناشيد وطنية وضعت لتظاهرات رياضية وسياسية وثقافية وغيرها أشهرها في نظري الألعاب الأولمبية، ونشيد دول الاتحاد الإفريقي المعتمد رسميا عام 1999 ومنظمة الفرانكفونية، وحتى بعض المقاطعات على غرار بروتانيا ، والكيباك لها نشيدها الوطني هي الأخرى، والتي كانت على وشك الانفصال من كندا في استفتاء نظم عام 1995 ولم ينجح بفارق ضئيل جدا قدره 0.5 بالمائة من الأصوات فقط.. فتأمل.

السبت، 1 أبريل 2017

حكايات إسبانية


شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في العالم الإسلامي بجنوبها الذي عُرف بالأندلس.
شهدت الأندلس تنوعاً في سكانها وثقافاتهم وخلفياتهم، فمع من بقي من سكان البلاد، جاء الأمويون، ومن صحبهم من سوريا ومن اليمن، وكذلك انتقل إليها جماعات من شمال إفريقية، فكانت فترة غنية بالتأثيرات المتبادلة، دامت ما يقارب الـ800 عام.
وازدهرت في الأندلس، خاصة في القرن التاسع الميلادي، صناعة الكتب، فكان يقال إن قرطبة "أكثر مدن الله كتباً"، وما كان ذلك إلا انعكاساً للحياة الثقافية الناشطة في البلاد.
هذا الانتاج الثقافي للأندلس، الذي ما زال يغني الثقافة العربية، قد أثّر بالأدب الأوروبي، خاصة الإسباني، وهو موضوع حديثنا.
لابد من الإشارة إلى الدراسات الهامة في العقدين الماضيين التي تناولت الثقافة الأندلسية وتأثرها وتأثيرها بثفافة الممالك الكاثوليكية في الشمال، وبثقافة شمال إفريقيا، إذ تتبع الباحثون معالم هذا التزاوج في عدة مجالات مادية وأدبية. نقدم واحدة منها هنا، ألا وهي الأمثال والملح في الأدب الشفوي والمكتوب.

التأثير في الأدب: ملح وأمثال وأشعار وقصص

يقول الدكتور أحمد السعدني، أستاذ الأدب المقارن، لرصيف22: “بدأت مظاهر التأثير والتأثر بين الثقافة الأوروبية لاسيما الإسبانية والثقافة العربية مع بدايات وجود الدولة العربية الإسلامية في الأندلس. ظهرت واضحة في عدة أشياء من أهمها شعراء التروبادور Troubadour، وهم شعراء وموسيقي القصور في الجنوب الشرقي لفرنسا الذين تأثروا بشعر الموشحات الأندلسية”.
والموشحات هي نوع شعري ظهر في الأندلس نهاية القرن التاسع الميلادي، ويقال أن الكلمة نفسها تروبادور قد أتت من الأصل العربي "طرب".
يوضح السعداني أن كثيراً من الباحثين الأوروبيين يذكرون التأثير الواضح للثقافة العربية الإسلامية في الثقافة والأدب الأوروبي، إذ يذكر الكاتب والمفكر الإسباني بلاسيوس أثر الدين الإسلامي ورسالة الغفران لأبي العلا المعري في "ملحمة الكوميديا الإلهية" لدانتي.
بحسب كتاب "تأثيرات عربية في حكايات إسبانية: دراسات في الأدب المقارن" (2008)، الذي جمع فيه الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم مقالات نشرت متفرقة في اللغة الاسبانية للباحث فرناندو دي لاجرانخا، وترجمها للعربية، إن التأثر المتبادل بين الثقافتين في مجال الأدب، يمكن تتبعه في قصص متشابهة، إلا أنه لا يزال فرضيات بحاجة إلى أدلة تاريخية دامغة، ومع ذلك يمكن أن نجد فيه مجالاً غنياً للبحث والتنقيب.

المؤلفات العربية وتأثيرها على الثقافة الإسبانية

أهم الأمثلة على مصادر التأثير هي المؤلفات العربية التي لعبت دوراً ملموساً في مؤلفات الأدب الشعبي الإسباني. وتجمع هذه المؤلفات النوادر والقصص بمفهومها البسيط، والمأثور والأمثال، والحكم والأشعار، وبدأت تظهر في كل مجالات العلوم في الأندلس.
كان أشهرها مؤلفات الأدب دون شك، والتي لا تزال حتى اليوم محط اهتمام القراء في الشعوب العربية، مثل كتاب العقد لابن عبد ربه الأندلسي (940).
ويعتقد الباحثون أن المؤلفات العربية قد تركت أثراً على الثقافة الإسبانية عن طريق الترجمة أو الثقافة الشفوية.
يجد فرناندو دي لاجرانخا تأثر الأدب الإسباني بالمؤلفات الشعبية العربية في أعمال مثل سانتاكروث، خوان دي تيمونيدا، وكتاب "القونت لوقانور" لدون خوان مانويل.
أما الأمثال المتشابهة، فهي بدورها تشير إلى التأثير بين الثقافتين، كما بيّن الباحث غرثية غومث الذي بحث في التقاطع بين الأمثال العربية في حدائق الأزاهر وبين الأمثال الإسبانية لدى الماركيز دي سانتيانا.
تقول الدكتورة نورا علي، الباحثة في مجال الأدب المقارن، لـرصيف22: “أثّر الأدب العربي في الثقافات الغربية تأثيراً واضحاً، إذ نجد العديد من الأعمال الغربية قد أتت على شاكلة الكثير من الأعمال الأدبية العربية".
وتشير  علي إلى تقارب الثقافتين الأوروبية والعربية من ثلاث جهات متلاحقة في القرون الوسطى: أولها جهة القوافل التجارية بين آسيا وأوروبا الشرقية والشمالية عن طريق بحر الخزر أو طريق القسطنطينية، والجهة الثانية جهة المواطن التي احتلها الصليبيون وعاشوا فيها زمناً طويلاً في سوريا ومصر وبعض البلدان الأخرى، أما الجهة الثالثة فهي الأندلس وصقلية التي قامت فيها دول المسلمين وانتشر فيها المتكلمون باللغة العربية.
واحدة من الحكايات الذائعة الصيت في الأدب الإسباني. ذكرت في كتاب "القونت لوقانور"، كما في المشهد العاشر من مسرحية دون بدرو كالديرون دي لاباركا "الحياة حلم" من القرن السابع عشر، التي لا تزال مشهورة حتى اليوم، يحفظها معظم الإسبان.


 

تحكي القصة في نسخة القونت لوقانور أن رجلاً كان متنعماً بثراء وجاه، دارت عليه الدنيا حتى أصبح فقيراً إلى حد العوز. وفي أحد الأيام، لم يجد معه إلا حبات من "الترمس"، فجلس يتذكر عزّه الذي زال، ودمعت عيناه وهو يأكلها. ولكنه حينها رأى رجلاً آخر بجواره يلتقط قشر الترمس الذي يلقيه ويأكله من شدة حاجته.
تختتم القصة في كتاب القونت لوقانور، ببيت شعر يعطي مغزاها: "لاتقنطنْ أبداً من الفقر، فهناك أسوأ منك في العسر".
أما في نسخة كالديرون، فالقصة تحكي عن عالم فقير في أبيات هي التالية: "يحكون أن عالماً/ كان فقيراً بائساً/ يلتقط العشب ويأكله/ قال لنفسه: ترى من الذي يكون أسوأ مني حالاً؟/ حين أدار رأسه/ ألفى إجابة السؤال/ ثمة عالم فقير/ يلتقط العشب الذي يطرحه".
قدّر البعض أصل الحكاية في قصة تماثلها، هي "حكاية الدرويش" عند الشاعر الفارسي الشهير سعدي الشيرازي (1210 ـ 1291 أو 1292)، وهي عن فقير لا يستطيع شراء حذاء، فيجد السلوان عندما يقابل في مسجد في الكوفة فقيراً مبتور القدمين.
رسالة القصة الوعظية هي التواضع في وجه المصائب، ومنها المثل الذي لازال سارياً: "من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته".
وهناك قصة مشابهة عن عبد الرحمن القنازعي الذي يصفه المترجمين بالعالم الزاهد الورع (عاش في القرن العاشر الميلادي)، وصلتنا في كتاب ابن سعيد "المغرب في حلى المغرب"، من القرن الثالث عشر ميلادي، وهو قد نقلها بدوره، كما يدّعي، عن نص لابن بشكوال ضاع ولم يصلنا.
يقول عبد الرحمن القنازعي: "كنت بمصر وشهدت العيد مع الناس، فانصرفوا إلى ما أعدوه، وانصرفت إلى النيل، وليس معي ما أفطر عليه إلى شيء من بقية ترمس بقي عندي في خرقة، فنزلت على الشط، وجعلت آكله، وأرمي بقشره إلى مكان منخفض تحتي، وأقول في نفسي: ترى إن كان اليوم في مصر في هذا العيد أسوأ حالاً مني؟ فلم يكن إلا أن رفعت رأسي، وأبصرت أمامي، فإذا برجل يلقط قشر الترمس الذي أطرحه ويأكله، فعلمت أنه تنبيه من الله عزّ وجل، وشكرته".
يعتقد فرناندو دي لاجرانخا أن قصة القنازعي هي أصل القصة الإسبانية، فهي تختلف ببعض التفاصيل، ولكنها تشبهها في المغزى وبـ"حبات الترمس". كما قد تكون القصة قد وجدت طريقها إلى ابن سعيد متأثرة بالنسخة الإسبانية، عندما نقل قصة القنازعي.

حكايات "التينات الثلاث"

نختار حكاية ثانية لتتبع التأثير العربي بالأدب الإسباني، وهي قصة "التينات الثلاث"، من حكايات لويس دي نبيدو في "كتاب النوادر".












 تحكي القصة أنه في أحد الأعياد، وضع ثلاث تينات على مائدة الكونكستور دييجو دي روخاس (1544) (وكونكستور هو لقب يطلق على الجنود الفاتحين، والمغامرين، والمستكشفين الإسبان بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر). كانت له شهية في التهامها، ولكنه اضطر لاستخدام المرحاض، وحين عاد وجد أن أحد الغلمان قد التهم إحداها، وحين سأله: "قل لي كيف أكلتها، ألم تخش شيئاً؟" فهم الغلام السؤال حرفياً، وعاود فعلته فأكل تينة ثانية ليبين لروخاس كيف أكلها، بدهشة، فأخذ دييجو دي روخاس التينة الباقية، ليأكلها قبل أن يلتهمها الغلام!
يرى فرناندو دي لاجرانخا أن للقصة حكاية مشابهة في كتاب "حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر" لابن عاصم الغرناطي (1426).
كما تتكرر القصة عند الكاتب براويلو فوث (1865) في كتابه "حياة بدرو سابوتو"، وتتشارك مع القصة العربية بتفاصيل أكثر (منها إرسال التين إلى الملك)، ولكنها تأخذ صبغة هزلية، وهي أطول من نظيرتها العربية.
يشير الباحث إلى أن هذه الحكايات، وكذلك الأمثال والنوادر، من الممكن أن تكون قد تنقلت بين الثقافتين بالطريق الشفوي على يد الموريسكيين، الذين اعتنقوا الدين المسيحي بعد الإسلامي، والذين عاشوا في شبه الجزيرة الأيبيرية ثمّ رُحّلوا إلى شمال أفريقيا، فكانوا، على قساوة تجربتهم، جسوراً بين الثقافتين.

حكاية الجامع

يحدد فرناندو دي لاجرانخا حكايات عربية في كتاب ملتشور دي سانتاكروث "الأيكة الإسبانية" (Floresta Espanola)، ويتتبع أصولها العربية، من أقوال مأثورة وحكايات معروفة.

عظمة الأندلس من تنوّع سكانها وتمازج ثقافاتهم: محلية، شمال أفريقية، ومشرقية بدأت مع من عبروا مضيق جبل طارقرد

يشير كيف تتغير تفاصيل القصص: فبدلاً من دخول الجامع، تدخل شخصيات القصة الكنيسة، وبدلاً من شخصية الخليفة المأمون على سبيل المثال، نجد الملك الموقر، ويستبدل الثري الذي فقد كل شيء في النسخة الإيبيرية العالم الفقيه الذي عانى الفقر، كما رأينا في قصة "الترمس".
"حكاية الجامِع" هي إحدى القصص الفكاهية التي وردت في كتاب "الأيكة الإسبانية"، وهذا نصها: "سأل عريف تلميذاً: كم عدد بنات عمك، فأجابه باللاتينية: أربع "أوانٍ" كل واحدة ذات مذاق لذيذ".
ولهذه الحكاية مقابل في الأدب العربي، يشبهها في صغرها وفي مقصدها، في كتاب "الأذكياء" لأبي الفرج بن الجوزي (1200).
تقول الحكاية: "قال الجاحظ، قلت لأبي سعد الطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: رغيفين، وقطعة لحم"، وكذلك "قال المبرد، قِيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين؟ فقال أربعة أرغفة"، وثالثة "قال أبوهفان: قِيْل لطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: ستة عشر رغيفاً"!
إن تتبع سيرة الحكايات والأمثال في تنقلها بين الثقافة العربية والإسبانية لا يخدم عنوان المقالة، إذ تضيع فكرة "الأصل" في شبكة غنية من التأثيرات المتبادلة، حضنتها الثقافة العربية الغنية. ومع أن الأندلس وممالك الشمال قد شهدت صراعات سياسية وحروب عديدة، إلا أنها في حياتها الثقافية، كانت تتناقل القصص والفكاهة والنوادر.

حسين علي


الثلاثاء، 7 فبراير 2017

حيزية......



(حيزيَّة، وسْعيِّدْ)، قصة حب جزائرية بدوية صحراوية، حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في بلدة (سيدي خالد)، التابعة لولاية بِسْكْرَة، بوابة الصحراء الكبرى، عروس منطقة الزيبان في جنوب شرق الجزائر. وهي تشبه قصص العذريين في التراث العربي القديم، أو قصة روميو وجوليت، وغيرها. وبما أن لقصة (حيزيَّة)، نواة تاريخية واقعية حقيقية، إلاَّ أن الرواة سَرَدوها بأساليب مختلفة، مما جعل القصَّة تتأرجح بين حدّين: حَدُّ الواقع، وحدّ الأسطرة. وبقيت هذه السرديات، مجرد احتمالات وتوقعات ورغبات. لكنَّ أهم سرديتين لقصة حيزية، هما: سردية محمد بن قيطون، باللهجة الجزائرية 1878م. وسردية عزالدين المناصرة، وهي قصيدة من نوع الشعر التفعيلي الحرّ الحديث، باللغة الفصحى، عام 1986، وعنوانها: (حيزيَّة عاشقة من رذاذ الواحات). وهما سرديتان متناقضتان في شرح أسباب موت حيزيَّة. طبعاً ظلت الذاكرة الجمعية الشعبية الجزائرية، تردد سردية ابن قيطون، ثمَّ انتشرت القصة في البلدان (المغاربية)، بوساطة بعض المطربين الجزائريين الذين غنوا قصيدة حيزية لإبن قيطون، مثل: (عبد الحميد عبابسة، ورابح درياسة، وخليفي أحمد، والبارعمر). لكن شهرة (قصة حيزية)، عربياً، عالمياً، تعود إلى قصيدة الشاعر المناصرة، لأسباب عديدة. بل استطاعت هذه القصيدة اختراق الوجدان الجماعي الجزائري الحديث نفسه، خصوصاً طلبة وطالبات الجامعات الجزائرية، إضافة إلى قطاع المثقفين.


سردية محمد بن قيطون، 1878م

ولدت (حيزية بنت أحمد بوعكاز) الذاودية من قبائل بني هلال، عام (1855م) في بلدة (سيدي خالد) من أعمال بسكرة. ويؤكد المؤرخ الجزائري (محمد العربي حرز الله)، بأن (حيزية) هي أميرة تنتمي إلى عائلة (بوعكاز) التي هي من فروع عرش (الذواودة)، وأنَّ بوعكاز هو لقب الأمير علي بن الصخري، الذي أصبح أمير (منطقة الزاب) عام 1496م، بعد أن كلَّفة (الزيّاينون)، بهذه الإمارة (إمارة العرب). كما يؤكد (محمد العربي حرز الله)، أن سبب شهرة (قصة حيزية) يعود إلى عدة عوامل، منها: (جماليات قصيدة محمد بن قيطون، وعالمية قصيدة عز الدين المناصرة، ومأساة حيزية الدرامية). ويقول موقع (الجزائر تايمز): (الشاعر المناصرة هو أول من أدخل قصة حيزيَّة في الشعر العربي الحديث منذ (1986). وهو أيضاً أوّل من أشهر (حيزيَّة) خارج الجزائر، عربياً وعالمياً). طبعاً تعتمد الذاكرة الجزائرية على ترداد ما ورد في قصيدة حيزية للشاعر الشعبي اللهجي الجزائري محمد بن قيطون، وهي قصة في قصيدة، كان العائق أمام وصولها إلى خارج الدائرة المغاربية، هو صعوبة كلماتها باللهجة الجزائرية. القصة تقول بأن (حيزية، وابن عمها سْعيّد) تحابا، إلى درجة العشق، ثمَّ تزوجها بعد قصة حب، لكن الموت فرَّق بينهما، حيث مرضت حيزيَّة مرضاً خطيراً، توفيت بعده مباشرة، وذهب العاشق (سْعيد) بعد وفاتها إلى الشاعر الشعبي محمد بن قيطون، وطلب منه أن يرثي (حيزية)، لكي يريح نفسه من الهموم، فكتب محمد بن قيطون قصيدة حيزيَّة باللهجة الجزائرية، سارداً فيها مأساة حيزية وسعيد، فاشتهرت القصة في البادية الجزائرية. وفي رواية أخرى أن حيزية لم تتزوج سعيد، لأن عمه، والدها، منع هذا الحب الصامت، وأنها ماتت قهراً على حبيبها. وتاه العاشق في الصحراء حيث هام على وجهه منعزلاً عن الناس. ويقول الشاعر محمد بن قيطون في نفس النص بأنه كتب القصيدة (1878م)، عام وفاة حيزية.


وهكذا حفظ لنا (ابن قيطون) هذه القصة من الضياع من خلال قصيدته (عزُّوني يا ملاحْ ... في رايس لبْنات ... سكْنَتْ تحت اللحودْ ... ناري مقْديا).
- إذن هناك ثلاث شخصيات من (سيدي خالد) هي: (حيزية، وسْعيّد، والشاعر ابن قيطون). فالشاعر هو الذي سرد القصة في قصيدته: ولد عام (1843)، وتوفي (1907). أما (حيزية) فقد ولدت عام (1855) وتوفيت (1878)، أي أنها عاشت (23 عاماً فقط). أول من نشر قصيدة ابن قيطون عن (حيزية)، هو (عبد الحميد حجيّات) في (مجلة آمال، عدد 4، نوفمبر، ديسمبر، 1969، الجزائر). أما (السعيد بحري)، عام 2009، فقد نشر النص بعد أن أجرى مقارنة بين نص (حجيّات)، ونص (محمد عيلان)، ونشر النص مشروحاً كملحق لديوان (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات ).

سردية عز الدين المناصرة (1986م)


 يؤكد الشاعر الفلسطيني الشهير (عز الدين المناصرة)، أنَّ (حيزية) أميرة حقيقية من أميرات منطقة (الزاب)، وأن اسمها الحقيقي هو (حيزية بنت أحمد بوعكّاز) من قبيلة (الذواودة) المتفرعة من قبيلة بني هلال. وينفي الشاعر المناصرة أن تكون (حيزيَّة) ابنةً لأحمد باي، لأن أحمد باي بطل المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، توفي مسموماً عام (1850م)، أي قبل ميلاد حيزية بخمس سنوات. والمعروف أن (أبناء صولة، وهم فرقة من الذواودة، حكموا قسنطينة في القرن الخامس عشر الميلادي – أحمد بن المبارك بن العطار: تاريخ قسنطية – ص: 19). كذلك يتوقع الشاعر المناصرة، مفاجأة أخرى، وهي أن يكون الشاعر محمد بن قيطون هو العاشق الحقيقي لحيزية، وليس (سْعيّد) لأن فارق العمر ليس فارقاً مستحيلاً، فهو من مواليد (1843)، وهي من مواليد (1855م)، وقيل أيضاً (1852). وإنما أراد ابن قيطون أن يروّج للحكاية للتغطية على أسباب عشائرية!!.
دخل (الشاعر المناصرة) في قصيدته (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات) في مبارزة شعرية وسردية مع سردية ابن قيطون (عزّوني يا ملاح). وكان من نتيجة هذه المبارزة ولادة سردية جديدة، ما دامت سردية ابن قيطون لم تحسم الأمر. (سردية المناصرة)، هي سردية التحدّي والمقاومة، حيث طرحت احتمالات متنوعة منحت النص صبغة التعددية. بل تكاد سردية المناصرة تشي بسردية أخرى مختفية، وكأنها جرح قديم في روحه المعذبة القلقة المقاومة، ولا غرابة، فهو (شاعر مقاومة عالمي)، وصفه الروائي الجزائري الراحل (الطاهر وطار(2004)) بأنه (أحد عمالقة الشعر العربي الحديث)، وأنه (إنسان نبيل عظيم)، وأنه (عاش في الجزائر (1983 - 1991)، وأحبَّها بشرف النبيل، فأحبَّته بهيبة الكبير). هو أيضاً صاحب قصائد ترددها ملايين العرب، مثل: جفرا، وبالأخضر كفّناه، يتوهج كنعان، يا عنب الخليل، لا أثق بطائر الوقواق، حصار قرطاج ... الخ. وهكذا كانت قصيدة (المناصرة)، قراءة جديدة لقراءة قديمة، وهي تناصٌ يتفوق على التناص، لأنها تخلق عالماً جديداً (حيزية أخرى)، بأساليب جديدة.
- عام (1986)، زار (الشاعر المناصرة)، مدينة بسكرة للمشاركة في مهرجان محمد العيد آل خليفة الشعري كعادته في كل عام. لكنه هذه المرَّة طلب من أصدقائه الجزائريين أن يوصلوه إلى بلدة (سيدي خالد) لزيارة قبر حيزيَّة. وبالفعل قرأ (الفاتحة) أمام قبرها، وأدلى بملاحظة حول ضرورة ترميم القبر. وغادر إلى قسنطينة، حيث يعيش. قيل إنه بكى عند قبر حيزية لأنه عندما زار القبر، تذكَّر حبيبته (جفرا)، التي اغتالتها نيران طائرة إسرائيلية في بيروت عام 1976. بعد أسبوع تقريباً، فوجئ القراء بقصيدته المذهلة منشورة في الصحف الجزائرية. والمفاجأة أنها بعنوان: (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات). ثم قرأها لأول مرة في المسرح الجهوي في قسنطينة عام 1986.
- بالنسبة للشاعر المناصرة، نشأ (سْعيّد بن الصغير)، في منزل عمّه يتيماً، وتربى مع (حيزيَّة) منذ الطفولة، لكن عندما كبرا، تعمق العشق بينهما، فاضُطر عمُّه إلى عزل (سْعيّد) في خيمة بعيدة، خوفاً من كلام الناس، لكن (سْعيّد، حيزيَّة)، كانا يلتقيان سرّاً في غابة النخيل، يتناجيان، ويبحثان عن حلّ لمشكلتهما. وظل هذا العشق يزداد نيراناً بين الطرفين، وحاول والدها تزويجها بأشخاص من فرسان القبيلة، لكن حيزية رفضت ذلك. ذات مَّرة تسللت (حيزيَّة) في الغسق، راكبة فرسها، بعد أن تلثمت، واتجهت باتجاه غابة النخيل، وعندما رآها (سْعيّد) مقبلة ملثمة، لم يعرفها، وظنَّ أن الفارس الملثم هو (عدّو)، يراقبهما، فأطلق النار عليها خطأ، فقتلها. إذن هي أشبه بقصة ديك الجن الحمصي.
أصيب (سعيد) بحالة ندم بعد دفنها في مقبرة سيدي خالد. وهام على وجهه في الصحراء، حتى ذهب إلى ابن قيطون، ولكي يريحه نفسياً، كتب القصيدة في رثاء حيزية. ويتوجس الشاعر المناصرة بأن (سْعيد) لا وجود له وأنه من اختراع ابن قيطون، وأن العاشق ربما يكون ابن قيطون نفسه. لكن المناصرة يصف قصيدته بأنها: (رعوية)، وأن حيزية كانت تتنقل مع أهلها من سيدي خالد إلى (بازر - العلمة). لم تمت (حيزية عز الدين المناصرة) كما تقول قصيدته، لكنه قتلها في النص، وأبعدها في الواقع إلى (باريس) حيث اختفت إلى الأبد في سرديته الشعرية. أما النص فيقول إنها تحوَّلت إلى إيقونة في الصحراء الجزائرية، وقبرها علامة.




    عزوني يا ملاح في رايس البنات              سكنت تحت اللحود ناري مقديا
    يــاخي أنـــا ضرير بيــــا ما بيــا               قلبي سافر مع الضامر حيزيــا
    1- الوقوف على الطلل والحنين
    يا حسراه على قبيل كنا في تاويل              كي نوار العطيل شاون نقضيــــا
    ما شفنا من دلال كي ظي الخيـال               راحت جدي الغزال بالزهد عليــا
    و إذا تمشي قبـال تسلب العقـــال               أختي باي المحال راشق كميـــــــا 
    جاب العسكر معاه و القمان وراه               طلبت ملقـــاه كل الاخر بهديـــــــا 
    ناقل سيف الهنود يومي غي بـاليـد             يقسم طرف الحديد و اللي صميـــا 
    مــا قتل من عباد من قوم الحســــاد            يمشي مشي العنــــاد بالفنطازيـــا 
    ما نشكرش البــــاي جرد ياغــــــناي           بنت احمد بالباي شكري و غنايـــا 
    2- النسيب و الوصف
    طلقت ممشوط طاح بروايح كي فــــاح           حاجب فوق اللماح نونين بريــــــــــا 
    عينك قرد الرصاص حربي في قرطاس          سوري قياس في يدين الحربيــــــــــا 
    خدك ورد الصباح و قرنفل وضــــــاح           الدم عليـــــه ساح وقت الصحويــــــا 
    الفم مثل عــــاج المضحـــــك لعـــــــاج          ريقك سـي النعاج عسله الشهايـــــــــا
    شوف الرقبة خيار من طلعت جمـــــــار         جعبـــــة بلار و العواقيد ذهبيــــــــــا 
    صدرك مثل الرخـــــــام فيه اثنين تـــــوام        من تفـــــــــاح السقام مسوه يديـــــــا 
    بدنك كاغط يبان القطن و الكتــــــــــــــان         و الا رهدان طاح ليلـــة ضلميــــــــا 
    طلقت بشرور مــــال و مخبل تخبــــــــال        على الجوف تدلال ثنيــة عن ثنيـــــــا 
    شوف السيقـــــــان بالخلاخل يا فطـــــــان       تسمع حس النقران فوق الريحيــــــــــا 
    في بــارز حاطين انصبـح ع الزيــــــــن          واحنا متبسطين في حال الدنيــــــــا
    نصبح في الغزال نصرش للفــــــــــــال           كي اللي ساعي المال و كنوزهريـــا
    ما يسواش المال نقحات الخلخــــــــــال          كـي نجبى عن الاحيال نلقى حيزيــة 
    تسحوج في المروج بخلاخيل تســـوج           عقلي منها يروج قلبي و اعضايـــــا 
    في التل مصيفين جينـا محدوريـــــــــن           للصحراء قـــاصدين انا والطوايـــا
    و جحـاف مغلقين و البـارود ينيــــــن            الأزرق بي يميل لسـاحة حيزيـــــــــا 
    ساقوا جحــــاف الدلال حطوا في أزال            سيدي الأحسن قبال والزرقاء هيـــــا 
    قصدوا سيدي سعيد والمتكـعوك زيــــد           و مدوكال الجريد فيهــا عشيـــــــــــا 
    رقوا شاو الصباح كي هبوا الريــــاح             سيدي محمد قناق و أرضه معفيــــــــا
    منه ساقوا جحاف حطوا في المخراف           الأزرق لكــان ساف يتهوى بيـــــــــــــا
    بن صغير قصاد بموشــم الأعضـــاد             بعد ان قطعوا الواد جاو مع الحنيـــــــــا
    حطوا رؤوس الطوال في ساحة الأرمال        وطني جلال هي عنــــــاق المشيـــــــــا
    منها رحلوا الناس حطـوا في البسباس         بن الهريمك قيــاس بأختي حيزيـــــــــا 
    ماذا درنا عراس، الأزرق في المرداس         يدرق بي خلاص كي الروحانيـــــــــا 
    في كل ليلة نزيد عندي عرس جديد             في كل نهار عيد عندي زهويــــــــــــا
    تاقت طول العلام جــوهر في التبسـام           و تمعنـي فـي الكلام و تفهم فيـــــــــــا 
    بنت حميدة تبـان كضي الومــــــــان             نخلــة بســــــتان غي وحدها شعويــــــــا
    وزند عنهـــا الريح قلعهــــا بالميــــح           مـــا نحسبها اطيح دايم محضيـــــــــــا
    واضرن ذيك المليح دار لها تسريــح            حرفهـــــا للمسيح ربي مولايــــــــــــــــا 
    3- حضور المنية

    في واد "يتل" نعيد حاطين سمـاط فـــريد             رايســة الغيد ودعتني يا خويــــــــــــــــا 
    في ذا الليلــة وفات عادت في الممــــات               كحل الرمقات ودعت دار الدنيــــــــــــا 
    لضيتها لصدري ماتت في حجــــري                   و دمعة بصري على خدودي مجريــــــــا 
    واسكن راسي جـذاب نجري في الاعـلاب             ما خليت شعـــاب من كاف و كديــــــــــا
    خطفت عقلي راح مصبوغـــة الألمـاح                بنت النـــــاس الملاح زادتني كيــــــــــــــا
    حطوهــــا في كفــان بنت على الشـــان               زادتني حمان نفضت مخ حجايـــــــــــا 
    داروها في النعاش مصبوغـة الارماش               راني وليت باص واش اللي بيـــــــــــا 
    جابوهــــا في جحاف حومتها تنظـــاف               زينة الأوصاف سبتي طويلة الرايـــــــا 
    في حومتهـــا خراب كي مرضى الكوكـاب            زيد قدح في سحاب ضيق العشويـــــــا
    حومتهــــا بالحرير كمخـة فوق سريــــر             وانـــــــــا نشبر مهلكتني حيزيــــــــــا
    كثرت عني هموم من صافي الخرطـــوم             مــــا عدت شي نقوم في دار الدنيــــا 
    ماتت موت الجهاد مصبوغة الأثــــمــــاد            قصدوا بهـــــا بلاد خالد مسميــــــــا 
    عشات تحت اللحـاد موشومة الأعضــــاد           عين الشراد غـابت على عينيــــــــــا 
    ياحفــــار القبور ســــايس ريــــم القـــــــور         لا تطيحش الصخورعلى اللي بيا 
    داروها في القبر والشــــــــــــــــاش معجر          تضوي ضي القمر ليلة عشريــــا
    داروها في اللحود ، الزين المقدود                   جبارة بين سدود وسواقي حيا
    قسمتك بالكتــــاب و حروف الوهـــــــاب             لا تطيح التراب فوق أم مرايـــــــا
    لوان تجي للعناد ننطح تلث عقـــــــــــــاد             نديها بالزنـــــاد عن قوم العديــــــا 
    واذا نحلف و راس مصبوغة الأنعـــــاس            مـا نحسبشي الناس لو تجي ميـــــا 
    لوا أن تجي للذراع نحلف ما تمشــــي ذراع         ننطح صرصور قاع باسم حيزيـــا 
    لو أن تجي للنقـــــار نسمع كان و صـار             لن نديها قمـار و الشهود عليــــــــــا 
    لو أن تجي للزحــــام نفتن عنهــا اعـــوام           نديهـا بالدوام نابو سهميـــــــــــــــا 
    كي عـــاد أمر الحنين رب العــــالميــــن             لا لقيت لهــــا من اين نقلب حيـــــا 
    صبري صبري عليك نصبر أن نـاتيـــــــك           نتفكر فيك يا ختي غير انتيــــــــــــــــا 
    4- موت الفرس بعد الحبيبة
    هلكني يــــــا ملاح الأزرق كي يتــــلاح               بعد اختي غي زياد يحيا في الدنيـــــا
    عودي في ذا التلول رعـــى كل خيــــــــــول          و اذا والى الهول شـــــاو المشليــا 
    ما يعمل ذا الحصان في حرب الميــــــــدان           يخوح شــــــاو القران امــــه ركبيــــا 
    آش لعب في الزمول اعقاب المرحــــــول             انا عنه نجول بيـا مــــــا بيـــــــــا 
    بعد شهر مــــا يدوم عندي ذا الملجــــوم              نهــــــار ثلاثين يوم وراء حيزيـــا 
    توفى ذا الجواد ولــــى في الاوهـــــــــــاد             بعد اختي ما زاد يحيــا في الدنيــــا 
    صدوا صد الـــوداع و اختي قـــــــــاع                 طاح من يدي سراح الازرق آه ديــا 
    ربي اجعل الحيــاة ووراها الممـــــات                 منهم روحي فنـــات الاثنين رزيـا 
    5- الصورة الجنائزية
    نبكي بكـي الفراق كبكي العشـــــــــــــــاق              زادت قلبــــي حراق خوضت مايـــا 
    يــــا عيني واش بيك اتنوح لا تشكبــــــل              زهو الدنيـــا يديك ما تعفى ش عليــا 
    زادت قلبي عذاب مصبوغـة الأهـــداب                 سكنت تحــــت التراب قرة عينيــــــا 
    نبكي و الراس شاب عن مبروم النــــاب               فرقـــــة الأحباب مـــا تصبر عينيـــا
    الشمس الى ضوات طلعت و تمســـات                  سخفت بعد أن سوات وقت الضحويــا 
    القمر الى يبان شعشع في رمضـــــــان                 جــاه الميســـان طلب وداع الدنيــــــــا 
    هذا درتو مثيل عن رايســــة الجيـــل                   بنت احمد صيل شايعـــــة ذواديـــــــــا 
    هذا حكم الا له سيدي مول الجــــاه                     ربي نزل قضـــــاه و ادى حيزيــــــــــا
    صبرني يـــــا الله قلبي مــات ابـــداه                    حب الزينــــة اداه كي صدت هيــــــــــا 
    6 - رثاء الحبيبة
    تسوى ميتين عــود من خيـل الجويـــد                و ميــــة فرس زيد غير الركبيـــــــــــا
    تسوى من الابل عشر مايـة مثيــل                    تسوى غابــــة النخيل عند الزابيــــــــــــا
    تسوى خط الجريـد قريب و بعيــــد                    تسوى بر العبيد حاوســـــا بالفيــــــــــا
    تسوى مال التلول و الصحرا و الزمول               مــــا مشات القفول عن كل ثنيـــــــــــــا 
    تسوى اللي راحلين و اللي في البرين                 تسوى اللي حاطين عادوا حضريــــــــا 
    تسوى كنوز المال بهيـة الــــخلخال                   و اذا قلت قلال زيــــــد البلديــــــــــــــا 
    تسوى مال النجوع و الذهب المصنوع               تســـــــــــوى نخل الدروع عند الشاويـا 
    تسوى اللي في البحوروالبادي وحضور              اعقب جبل عمور و اصفا غردايــا 
    تسوى تسوى مزاب و سواحـل الزاب                حاشا ناس القباب خاطي انا الوليــــا 
    تسوى خيـل الشليل و نجمة الليــل                    فاختي قليل قليل طبـي و دوايـــــــا 
    نستغفـــــر للجليـل يرحم ذا القليـل                    يغفر للي يعيل سيدي و مولايــــــــــا
    ثلاثة و عشرين عـام في عمر أم حرام               منها راح الغرام ما عاد شي يحيـــــا
    عزوني يــــا اسلام في ريمـــــة الاريــــام            سكنت دار الظلام ذيك الباقيــا 
    عزوني يا صغار في عارم الاوكــــار                 ما خلات غير دار عادت مسميـــا
    عزوني يــــا رجال في صافي الخلخـــــال            داروا عنهــــا حيال للسـاع مبنيـــــا 
    عزوني يــــا حباب فيها فرس ديـــــــاب             مـــــا ركبوها ركاب من غير انايــا 
    بيدي درت الوشــام في صدر أم حــزام               مختـم تختام في زنود طوايــــــــــــا 
    ازرق عنق الحمام ما فيهشي تلـطام                  مقدود بــــلا قلام من شغل يديــــــــــا 
    درتــــه بين النهود نزلتـــــه مقــدود                  فوق سرار الزنود حطيت سمايــــــا
    حتى في الساق زيد درت وشــام جريد               ما قديتـو باليد ذا حال الدنيـــــــــــا
    سعيد في هواك مـــــا عادش يلقـــــاك                كي يتفكر اسماك تديـــه غميـــــــــا
    اغفـــــــــر لي يا حنين انا و الاجمعين                راه سعيد حزين بيــه الطوايــــــــــــــا
    ارحم مول الكلام و اغفر لام حزام                    لاقيهم فالمنـام يا عالي العليــــــــا 
    و اغفر اللي يقول رتب ذا المنــــــزول                ميمين و حاودال جاب المحكيـــــا 
    يــا علام الغيوب صبّر ذا المســــــــــلوب            نبكي الغريب و نشف العديــــــــا 
    مـا ناكلش الطعـام سامط في الافـــــــوام              و احرم حتى المنـام وخطى عينيـــــــا 
    بين موتها و الكلام غي ثلاث أيـــــــــام               بقاتني بالسلام و مــا ولات ليــــــــــا 
    تمت يـا سامعين في الالف و ميتـــــين                كمل التسعين ، زيد خمسة باقيـــا 
    كلمـة براس الصغير قلنهـــــــا تفكــــــــير            شهر العيد الكبير فيــه الغنايـــــا 
    في خــالد بن سنـان بن قيطون فـــــــلان              قالت على اللي زمـــان شفناها حيــــا



















































    دار سبيطار.....محمد ديب

    المجمع السكني "دار سبيطار" الذي يضم مجموعة كبيرة من السكان معظمهم من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، وضمن هذا التجمع تدور ...