السبت، 1 أبريل، 2017

حكايات إسبانية


شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في العالم الإسلامي بجنوبها الذي عُرف بالأندلس.
شهدت الأندلس تنوعاً في سكانها وثقافاتهم وخلفياتهم، فمع من بقي من سكان البلاد، جاء الأمويون، ومن صحبهم من سوريا ومن اليمن، وكذلك انتقل إليها جماعات من شمال إفريقية، فكانت فترة غنية بالتأثيرات المتبادلة، دامت ما يقارب الـ800 عام.
وازدهرت في الأندلس، خاصة في القرن التاسع الميلادي، صناعة الكتب، فكان يقال إن قرطبة "أكثر مدن الله كتباً"، وما كان ذلك إلا انعكاساً للحياة الثقافية الناشطة في البلاد.
هذا الانتاج الثقافي للأندلس، الذي ما زال يغني الثقافة العربية، قد أثّر بالأدب الأوروبي، خاصة الإسباني، وهو موضوع حديثنا.
لابد من الإشارة إلى الدراسات الهامة في العقدين الماضيين التي تناولت الثقافة الأندلسية وتأثرها وتأثيرها بثفافة الممالك الكاثوليكية في الشمال، وبثقافة شمال إفريقيا، إذ تتبع الباحثون معالم هذا التزاوج في عدة مجالات مادية وأدبية. نقدم واحدة منها هنا، ألا وهي الأمثال والملح في الأدب الشفوي والمكتوب.

التأثير في الأدب: ملح وأمثال وأشعار وقصص

يقول الدكتور أحمد السعدني، أستاذ الأدب المقارن، لرصيف22: “بدأت مظاهر التأثير والتأثر بين الثقافة الأوروبية لاسيما الإسبانية والثقافة العربية مع بدايات وجود الدولة العربية الإسلامية في الأندلس. ظهرت واضحة في عدة أشياء من أهمها شعراء التروبادور Troubadour، وهم شعراء وموسيقي القصور في الجنوب الشرقي لفرنسا الذين تأثروا بشعر الموشحات الأندلسية”.
والموشحات هي نوع شعري ظهر في الأندلس نهاية القرن التاسع الميلادي، ويقال أن الكلمة نفسها تروبادور قد أتت من الأصل العربي "طرب".
يوضح السعداني أن كثيراً من الباحثين الأوروبيين يذكرون التأثير الواضح للثقافة العربية الإسلامية في الثقافة والأدب الأوروبي، إذ يذكر الكاتب والمفكر الإسباني بلاسيوس أثر الدين الإسلامي ورسالة الغفران لأبي العلا المعري في "ملحمة الكوميديا الإلهية" لدانتي.
بحسب كتاب "تأثيرات عربية في حكايات إسبانية: دراسات في الأدب المقارن" (2008)، الذي جمع فيه الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم مقالات نشرت متفرقة في اللغة الاسبانية للباحث فرناندو دي لاجرانخا، وترجمها للعربية، إن التأثر المتبادل بين الثقافتين في مجال الأدب، يمكن تتبعه في قصص متشابهة، إلا أنه لا يزال فرضيات بحاجة إلى أدلة تاريخية دامغة، ومع ذلك يمكن أن نجد فيه مجالاً غنياً للبحث والتنقيب.

المؤلفات العربية وتأثيرها على الثقافة الإسبانية

أهم الأمثلة على مصادر التأثير هي المؤلفات العربية التي لعبت دوراً ملموساً في مؤلفات الأدب الشعبي الإسباني. وتجمع هذه المؤلفات النوادر والقصص بمفهومها البسيط، والمأثور والأمثال، والحكم والأشعار، وبدأت تظهر في كل مجالات العلوم في الأندلس.
كان أشهرها مؤلفات الأدب دون شك، والتي لا تزال حتى اليوم محط اهتمام القراء في الشعوب العربية، مثل كتاب العقد لابن عبد ربه الأندلسي (940).
ويعتقد الباحثون أن المؤلفات العربية قد تركت أثراً على الثقافة الإسبانية عن طريق الترجمة أو الثقافة الشفوية.
يجد فرناندو دي لاجرانخا تأثر الأدب الإسباني بالمؤلفات الشعبية العربية في أعمال مثل سانتاكروث، خوان دي تيمونيدا، وكتاب "القونت لوقانور" لدون خوان مانويل.
أما الأمثال المتشابهة، فهي بدورها تشير إلى التأثير بين الثقافتين، كما بيّن الباحث غرثية غومث الذي بحث في التقاطع بين الأمثال العربية في حدائق الأزاهر وبين الأمثال الإسبانية لدى الماركيز دي سانتيانا.
تقول الدكتورة نورا علي، الباحثة في مجال الأدب المقارن، لـرصيف22: “أثّر الأدب العربي في الثقافات الغربية تأثيراً واضحاً، إذ نجد العديد من الأعمال الغربية قد أتت على شاكلة الكثير من الأعمال الأدبية العربية".
وتشير  علي إلى تقارب الثقافتين الأوروبية والعربية من ثلاث جهات متلاحقة في القرون الوسطى: أولها جهة القوافل التجارية بين آسيا وأوروبا الشرقية والشمالية عن طريق بحر الخزر أو طريق القسطنطينية، والجهة الثانية جهة المواطن التي احتلها الصليبيون وعاشوا فيها زمناً طويلاً في سوريا ومصر وبعض البلدان الأخرى، أما الجهة الثالثة فهي الأندلس وصقلية التي قامت فيها دول المسلمين وانتشر فيها المتكلمون باللغة العربية.
واحدة من الحكايات الذائعة الصيت في الأدب الإسباني. ذكرت في كتاب "القونت لوقانور"، كما في المشهد العاشر من مسرحية دون بدرو كالديرون دي لاباركا "الحياة حلم" من القرن السابع عشر، التي لا تزال مشهورة حتى اليوم، يحفظها معظم الإسبان.


 

تحكي القصة في نسخة القونت لوقانور أن رجلاً كان متنعماً بثراء وجاه، دارت عليه الدنيا حتى أصبح فقيراً إلى حد العوز. وفي أحد الأيام، لم يجد معه إلا حبات من "الترمس"، فجلس يتذكر عزّه الذي زال، ودمعت عيناه وهو يأكلها. ولكنه حينها رأى رجلاً آخر بجواره يلتقط قشر الترمس الذي يلقيه ويأكله من شدة حاجته.
تختتم القصة في كتاب القونت لوقانور، ببيت شعر يعطي مغزاها: "لاتقنطنْ أبداً من الفقر، فهناك أسوأ منك في العسر".
أما في نسخة كالديرون، فالقصة تحكي عن عالم فقير في أبيات هي التالية: "يحكون أن عالماً/ كان فقيراً بائساً/ يلتقط العشب ويأكله/ قال لنفسه: ترى من الذي يكون أسوأ مني حالاً؟/ حين أدار رأسه/ ألفى إجابة السؤال/ ثمة عالم فقير/ يلتقط العشب الذي يطرحه".
قدّر البعض أصل الحكاية في قصة تماثلها، هي "حكاية الدرويش" عند الشاعر الفارسي الشهير سعدي الشيرازي (1210 ـ 1291 أو 1292)، وهي عن فقير لا يستطيع شراء حذاء، فيجد السلوان عندما يقابل في مسجد في الكوفة فقيراً مبتور القدمين.
رسالة القصة الوعظية هي التواضع في وجه المصائب، ومنها المثل الذي لازال سارياً: "من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته".
وهناك قصة مشابهة عن عبد الرحمن القنازعي الذي يصفه المترجمين بالعالم الزاهد الورع (عاش في القرن العاشر الميلادي)، وصلتنا في كتاب ابن سعيد "المغرب في حلى المغرب"، من القرن الثالث عشر ميلادي، وهو قد نقلها بدوره، كما يدّعي، عن نص لابن بشكوال ضاع ولم يصلنا.
يقول عبد الرحمن القنازعي: "كنت بمصر وشهدت العيد مع الناس، فانصرفوا إلى ما أعدوه، وانصرفت إلى النيل، وليس معي ما أفطر عليه إلى شيء من بقية ترمس بقي عندي في خرقة، فنزلت على الشط، وجعلت آكله، وأرمي بقشره إلى مكان منخفض تحتي، وأقول في نفسي: ترى إن كان اليوم في مصر في هذا العيد أسوأ حالاً مني؟ فلم يكن إلا أن رفعت رأسي، وأبصرت أمامي، فإذا برجل يلقط قشر الترمس الذي أطرحه ويأكله، فعلمت أنه تنبيه من الله عزّ وجل، وشكرته".
يعتقد فرناندو دي لاجرانخا أن قصة القنازعي هي أصل القصة الإسبانية، فهي تختلف ببعض التفاصيل، ولكنها تشبهها في المغزى وبـ"حبات الترمس". كما قد تكون القصة قد وجدت طريقها إلى ابن سعيد متأثرة بالنسخة الإسبانية، عندما نقل قصة القنازعي.

حكايات "التينات الثلاث"

نختار حكاية ثانية لتتبع التأثير العربي بالأدب الإسباني، وهي قصة "التينات الثلاث"، من حكايات لويس دي نبيدو في "كتاب النوادر".












 تحكي القصة أنه في أحد الأعياد، وضع ثلاث تينات على مائدة الكونكستور دييجو دي روخاس (1544) (وكونكستور هو لقب يطلق على الجنود الفاتحين، والمغامرين، والمستكشفين الإسبان بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر). كانت له شهية في التهامها، ولكنه اضطر لاستخدام المرحاض، وحين عاد وجد أن أحد الغلمان قد التهم إحداها، وحين سأله: "قل لي كيف أكلتها، ألم تخش شيئاً؟" فهم الغلام السؤال حرفياً، وعاود فعلته فأكل تينة ثانية ليبين لروخاس كيف أكلها، بدهشة، فأخذ دييجو دي روخاس التينة الباقية، ليأكلها قبل أن يلتهمها الغلام!
يرى فرناندو دي لاجرانخا أن للقصة حكاية مشابهة في كتاب "حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر" لابن عاصم الغرناطي (1426).
كما تتكرر القصة عند الكاتب براويلو فوث (1865) في كتابه "حياة بدرو سابوتو"، وتتشارك مع القصة العربية بتفاصيل أكثر (منها إرسال التين إلى الملك)، ولكنها تأخذ صبغة هزلية، وهي أطول من نظيرتها العربية.
يشير الباحث إلى أن هذه الحكايات، وكذلك الأمثال والنوادر، من الممكن أن تكون قد تنقلت بين الثقافتين بالطريق الشفوي على يد الموريسكيين، الذين اعتنقوا الدين المسيحي بعد الإسلامي، والذين عاشوا في شبه الجزيرة الأيبيرية ثمّ رُحّلوا إلى شمال أفريقيا، فكانوا، على قساوة تجربتهم، جسوراً بين الثقافتين.

حكاية الجامع

يحدد فرناندو دي لاجرانخا حكايات عربية في كتاب ملتشور دي سانتاكروث "الأيكة الإسبانية" (Floresta Espanola)، ويتتبع أصولها العربية، من أقوال مأثورة وحكايات معروفة.

عظمة الأندلس من تنوّع سكانها وتمازج ثقافاتهم: محلية، شمال أفريقية، ومشرقية بدأت مع من عبروا مضيق جبل طارقرد

يشير كيف تتغير تفاصيل القصص: فبدلاً من دخول الجامع، تدخل شخصيات القصة الكنيسة، وبدلاً من شخصية الخليفة المأمون على سبيل المثال، نجد الملك الموقر، ويستبدل الثري الذي فقد كل شيء في النسخة الإيبيرية العالم الفقيه الذي عانى الفقر، كما رأينا في قصة "الترمس".
"حكاية الجامِع" هي إحدى القصص الفكاهية التي وردت في كتاب "الأيكة الإسبانية"، وهذا نصها: "سأل عريف تلميذاً: كم عدد بنات عمك، فأجابه باللاتينية: أربع "أوانٍ" كل واحدة ذات مذاق لذيذ".
ولهذه الحكاية مقابل في الأدب العربي، يشبهها في صغرها وفي مقصدها، في كتاب "الأذكياء" لأبي الفرج بن الجوزي (1200).
تقول الحكاية: "قال الجاحظ، قلت لأبي سعد الطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: رغيفين، وقطعة لحم"، وكذلك "قال المبرد، قِيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين؟ فقال أربعة أرغفة"، وثالثة "قال أبوهفان: قِيْل لطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: ستة عشر رغيفاً"!
إن تتبع سيرة الحكايات والأمثال في تنقلها بين الثقافة العربية والإسبانية لا يخدم عنوان المقالة، إذ تضيع فكرة "الأصل" في شبكة غنية من التأثيرات المتبادلة، حضنتها الثقافة العربية الغنية. ومع أن الأندلس وممالك الشمال قد شهدت صراعات سياسية وحروب عديدة، إلا أنها في حياتها الثقافية، كانت تتناقل القصص والفكاهة والنوادر.

حسين علي


الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

حيزية......



(حيزيَّة، وسْعيِّدْ)، قصة حب جزائرية بدوية صحراوية، حدثت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في بلدة (سيدي خالد)، التابعة لولاية بِسْكْرَة، بوابة الصحراء الكبرى، عروس منطقة الزيبان في جنوب شرق الجزائر. وهي تشبه قصص العذريين في التراث العربي القديم، أو قصة روميو وجوليت، وغيرها. وبما أن لقصة (حيزيَّة)، نواة تاريخية واقعية حقيقية، إلاَّ أن الرواة سَرَدوها بأساليب مختلفة، مما جعل القصَّة تتأرجح بين حدّين: حَدُّ الواقع، وحدّ الأسطرة. وبقيت هذه السرديات، مجرد احتمالات وتوقعات ورغبات. لكنَّ أهم سرديتين لقصة حيزية، هما: سردية محمد بن قيطون، باللهجة الجزائرية 1878م. وسردية عزالدين المناصرة، وهي قصيدة من نوع الشعر التفعيلي الحرّ الحديث، باللغة الفصحى، عام 1986، وعنوانها: (حيزيَّة عاشقة من رذاذ الواحات). وهما سرديتان متناقضتان في شرح أسباب موت حيزيَّة. طبعاً ظلت الذاكرة الجمعية الشعبية الجزائرية، تردد سردية ابن قيطون، ثمَّ انتشرت القصة في البلدان (المغاربية)، بوساطة بعض المطربين الجزائريين الذين غنوا قصيدة حيزية لإبن قيطون، مثل: (عبد الحميد عبابسة، ورابح درياسة، وخليفي أحمد، والبارعمر). لكن شهرة (قصة حيزية)، عربياً، عالمياً، تعود إلى قصيدة الشاعر المناصرة، لأسباب عديدة. بل استطاعت هذه القصيدة اختراق الوجدان الجماعي الجزائري الحديث نفسه، خصوصاً طلبة وطالبات الجامعات الجزائرية، إضافة إلى قطاع المثقفين.


سردية محمد بن قيطون، 1878م

ولدت (حيزية بنت أحمد بوعكاز) الذاودية من قبائل بني هلال، عام (1855م) في بلدة (سيدي خالد) من أعمال بسكرة. ويؤكد المؤرخ الجزائري (محمد العربي حرز الله)، بأن (حيزية) هي أميرة تنتمي إلى عائلة (بوعكاز) التي هي من فروع عرش (الذواودة)، وأنَّ بوعكاز هو لقب الأمير علي بن الصخري، الذي أصبح أمير (منطقة الزاب) عام 1496م، بعد أن كلَّفة (الزيّاينون)، بهذه الإمارة (إمارة العرب). كما يؤكد (محمد العربي حرز الله)، أن سبب شهرة (قصة حيزية) يعود إلى عدة عوامل، منها: (جماليات قصيدة محمد بن قيطون، وعالمية قصيدة عز الدين المناصرة، ومأساة حيزية الدرامية). ويقول موقع (الجزائر تايمز): (الشاعر المناصرة هو أول من أدخل قصة حيزيَّة في الشعر العربي الحديث منذ (1986). وهو أيضاً أوّل من أشهر (حيزيَّة) خارج الجزائر، عربياً وعالمياً). طبعاً تعتمد الذاكرة الجزائرية على ترداد ما ورد في قصيدة حيزية للشاعر الشعبي اللهجي الجزائري محمد بن قيطون، وهي قصة في قصيدة، كان العائق أمام وصولها إلى خارج الدائرة المغاربية، هو صعوبة كلماتها باللهجة الجزائرية. القصة تقول بأن (حيزية، وابن عمها سْعيّد) تحابا، إلى درجة العشق، ثمَّ تزوجها بعد قصة حب، لكن الموت فرَّق بينهما، حيث مرضت حيزيَّة مرضاً خطيراً، توفيت بعده مباشرة، وذهب العاشق (سْعيد) بعد وفاتها إلى الشاعر الشعبي محمد بن قيطون، وطلب منه أن يرثي (حيزية)، لكي يريح نفسه من الهموم، فكتب محمد بن قيطون قصيدة حيزيَّة باللهجة الجزائرية، سارداً فيها مأساة حيزية وسعيد، فاشتهرت القصة في البادية الجزائرية. وفي رواية أخرى أن حيزية لم تتزوج سعيد، لأن عمه، والدها، منع هذا الحب الصامت، وأنها ماتت قهراً على حبيبها. وتاه العاشق في الصحراء حيث هام على وجهه منعزلاً عن الناس. ويقول الشاعر محمد بن قيطون في نفس النص بأنه كتب القصيدة (1878م)، عام وفاة حيزية.


وهكذا حفظ لنا (ابن قيطون) هذه القصة من الضياع من خلال قصيدته (عزُّوني يا ملاحْ ... في رايس لبْنات ... سكْنَتْ تحت اللحودْ ... ناري مقْديا).
- إذن هناك ثلاث شخصيات من (سيدي خالد) هي: (حيزية، وسْعيّد، والشاعر ابن قيطون). فالشاعر هو الذي سرد القصة في قصيدته: ولد عام (1843)، وتوفي (1907). أما (حيزية) فقد ولدت عام (1855) وتوفيت (1878)، أي أنها عاشت (23 عاماً فقط). أول من نشر قصيدة ابن قيطون عن (حيزية)، هو (عبد الحميد حجيّات) في (مجلة آمال، عدد 4، نوفمبر، ديسمبر، 1969، الجزائر). أما (السعيد بحري)، عام 2009، فقد نشر النص بعد أن أجرى مقارنة بين نص (حجيّات)، ونص (محمد عيلان)، ونشر النص مشروحاً كملحق لديوان (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات ).

سردية عز الدين المناصرة (1986م)


 يؤكد الشاعر الفلسطيني الشهير (عز الدين المناصرة)، أنَّ (حيزية) أميرة حقيقية من أميرات منطقة (الزاب)، وأن اسمها الحقيقي هو (حيزية بنت أحمد بوعكّاز) من قبيلة (الذواودة) المتفرعة من قبيلة بني هلال. وينفي الشاعر المناصرة أن تكون (حيزيَّة) ابنةً لأحمد باي، لأن أحمد باي بطل المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، توفي مسموماً عام (1850م)، أي قبل ميلاد حيزية بخمس سنوات. والمعروف أن (أبناء صولة، وهم فرقة من الذواودة، حكموا قسنطينة في القرن الخامس عشر الميلادي – أحمد بن المبارك بن العطار: تاريخ قسنطية – ص: 19). كذلك يتوقع الشاعر المناصرة، مفاجأة أخرى، وهي أن يكون الشاعر محمد بن قيطون هو العاشق الحقيقي لحيزية، وليس (سْعيّد) لأن فارق العمر ليس فارقاً مستحيلاً، فهو من مواليد (1843)، وهي من مواليد (1855م)، وقيل أيضاً (1852). وإنما أراد ابن قيطون أن يروّج للحكاية للتغطية على أسباب عشائرية!!.
دخل (الشاعر المناصرة) في قصيدته (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات) في مبارزة شعرية وسردية مع سردية ابن قيطون (عزّوني يا ملاح). وكان من نتيجة هذه المبارزة ولادة سردية جديدة، ما دامت سردية ابن قيطون لم تحسم الأمر. (سردية المناصرة)، هي سردية التحدّي والمقاومة، حيث طرحت احتمالات متنوعة منحت النص صبغة التعددية. بل تكاد سردية المناصرة تشي بسردية أخرى مختفية، وكأنها جرح قديم في روحه المعذبة القلقة المقاومة، ولا غرابة، فهو (شاعر مقاومة عالمي)، وصفه الروائي الجزائري الراحل (الطاهر وطار(2004)) بأنه (أحد عمالقة الشعر العربي الحديث)، وأنه (إنسان نبيل عظيم)، وأنه (عاش في الجزائر (1983 - 1991)، وأحبَّها بشرف النبيل، فأحبَّته بهيبة الكبير). هو أيضاً صاحب قصائد ترددها ملايين العرب، مثل: جفرا، وبالأخضر كفّناه، يتوهج كنعان، يا عنب الخليل، لا أثق بطائر الوقواق، حصار قرطاج ... الخ. وهكذا كانت قصيدة (المناصرة)، قراءة جديدة لقراءة قديمة، وهي تناصٌ يتفوق على التناص، لأنها تخلق عالماً جديداً (حيزية أخرى)، بأساليب جديدة.
- عام (1986)، زار (الشاعر المناصرة)، مدينة بسكرة للمشاركة في مهرجان محمد العيد آل خليفة الشعري كعادته في كل عام. لكنه هذه المرَّة طلب من أصدقائه الجزائريين أن يوصلوه إلى بلدة (سيدي خالد) لزيارة قبر حيزيَّة. وبالفعل قرأ (الفاتحة) أمام قبرها، وأدلى بملاحظة حول ضرورة ترميم القبر. وغادر إلى قسنطينة، حيث يعيش. قيل إنه بكى عند قبر حيزية لأنه عندما زار القبر، تذكَّر حبيبته (جفرا)، التي اغتالتها نيران طائرة إسرائيلية في بيروت عام 1976. بعد أسبوع تقريباً، فوجئ القراء بقصيدته المذهلة منشورة في الصحف الجزائرية. والمفاجأة أنها بعنوان: (حيزية عاشقة من رذاذ الواحات). ثم قرأها لأول مرة في المسرح الجهوي في قسنطينة عام 1986.
- بالنسبة للشاعر المناصرة، نشأ (سْعيّد بن الصغير)، في منزل عمّه يتيماً، وتربى مع (حيزيَّة) منذ الطفولة، لكن عندما كبرا، تعمق العشق بينهما، فاضُطر عمُّه إلى عزل (سْعيّد) في خيمة بعيدة، خوفاً من كلام الناس، لكن (سْعيّد، حيزيَّة)، كانا يلتقيان سرّاً في غابة النخيل، يتناجيان، ويبحثان عن حلّ لمشكلتهما. وظل هذا العشق يزداد نيراناً بين الطرفين، وحاول والدها تزويجها بأشخاص من فرسان القبيلة، لكن حيزية رفضت ذلك. ذات مَّرة تسللت (حيزيَّة) في الغسق، راكبة فرسها، بعد أن تلثمت، واتجهت باتجاه غابة النخيل، وعندما رآها (سْعيّد) مقبلة ملثمة، لم يعرفها، وظنَّ أن الفارس الملثم هو (عدّو)، يراقبهما، فأطلق النار عليها خطأ، فقتلها. إذن هي أشبه بقصة ديك الجن الحمصي.
أصيب (سعيد) بحالة ندم بعد دفنها في مقبرة سيدي خالد. وهام على وجهه في الصحراء، حتى ذهب إلى ابن قيطون، ولكي يريحه نفسياً، كتب القصيدة في رثاء حيزية. ويتوجس الشاعر المناصرة بأن (سْعيد) لا وجود له وأنه من اختراع ابن قيطون، وأن العاشق ربما يكون ابن قيطون نفسه. لكن المناصرة يصف قصيدته بأنها: (رعوية)، وأن حيزية كانت تتنقل مع أهلها من سيدي خالد إلى (بازر - العلمة). لم تمت (حيزية عز الدين المناصرة) كما تقول قصيدته، لكنه قتلها في النص، وأبعدها في الواقع إلى (باريس) حيث اختفت إلى الأبد في سرديته الشعرية. أما النص فيقول إنها تحوَّلت إلى إيقونة في الصحراء الجزائرية، وقبرها علامة.




    عزوني يا ملاح في رايس البنات              سكنت تحت اللحود ناري مقديا
    يــاخي أنـــا ضرير بيــــا ما بيــا               قلبي سافر مع الضامر حيزيــا
    1- الوقوف على الطلل والحنين
    يا حسراه على قبيل كنا في تاويل              كي نوار العطيل شاون نقضيــــا
    ما شفنا من دلال كي ظي الخيـال               راحت جدي الغزال بالزهد عليــا
    و إذا تمشي قبـال تسلب العقـــال               أختي باي المحال راشق كميـــــــا 
    جاب العسكر معاه و القمان وراه               طلبت ملقـــاه كل الاخر بهديـــــــا 
    ناقل سيف الهنود يومي غي بـاليـد             يقسم طرف الحديد و اللي صميـــا 
    مــا قتل من عباد من قوم الحســــاد            يمشي مشي العنــــاد بالفنطازيـــا 
    ما نشكرش البــــاي جرد ياغــــــناي           بنت احمد بالباي شكري و غنايـــا 
    2- النسيب و الوصف
    طلقت ممشوط طاح بروايح كي فــــاح           حاجب فوق اللماح نونين بريــــــــــا 
    عينك قرد الرصاص حربي في قرطاس          سوري قياس في يدين الحربيــــــــــا 
    خدك ورد الصباح و قرنفل وضــــــاح           الدم عليـــــه ساح وقت الصحويــــــا 
    الفم مثل عــــاج المضحـــــك لعـــــــاج          ريقك سـي النعاج عسله الشهايـــــــــا
    شوف الرقبة خيار من طلعت جمـــــــار         جعبـــــة بلار و العواقيد ذهبيــــــــــا 
    صدرك مثل الرخـــــــام فيه اثنين تـــــوام        من تفـــــــــاح السقام مسوه يديـــــــا 
    بدنك كاغط يبان القطن و الكتــــــــــــــان         و الا رهدان طاح ليلـــة ضلميــــــــا 
    طلقت بشرور مــــال و مخبل تخبــــــــال        على الجوف تدلال ثنيــة عن ثنيـــــــا 
    شوف السيقـــــــان بالخلاخل يا فطـــــــان       تسمع حس النقران فوق الريحيــــــــــا 
    في بــارز حاطين انصبـح ع الزيــــــــن          واحنا متبسطين في حال الدنيــــــــا
    نصبح في الغزال نصرش للفــــــــــــال           كي اللي ساعي المال و كنوزهريـــا
    ما يسواش المال نقحات الخلخــــــــــال          كـي نجبى عن الاحيال نلقى حيزيــة 
    تسحوج في المروج بخلاخيل تســـوج           عقلي منها يروج قلبي و اعضايـــــا 
    في التل مصيفين جينـا محدوريـــــــــن           للصحراء قـــاصدين انا والطوايـــا
    و جحـاف مغلقين و البـارود ينيــــــن            الأزرق بي يميل لسـاحة حيزيـــــــــا 
    ساقوا جحــــاف الدلال حطوا في أزال            سيدي الأحسن قبال والزرقاء هيـــــا 
    قصدوا سيدي سعيد والمتكـعوك زيــــد           و مدوكال الجريد فيهــا عشيـــــــــــا 
    رقوا شاو الصباح كي هبوا الريــــاح             سيدي محمد قناق و أرضه معفيــــــــا
    منه ساقوا جحاف حطوا في المخراف           الأزرق لكــان ساف يتهوى بيـــــــــــــا
    بن صغير قصاد بموشــم الأعضـــاد             بعد ان قطعوا الواد جاو مع الحنيـــــــــا
    حطوا رؤوس الطوال في ساحة الأرمال        وطني جلال هي عنــــــاق المشيـــــــــا
    منها رحلوا الناس حطـوا في البسباس         بن الهريمك قيــاس بأختي حيزيـــــــــا 
    ماذا درنا عراس، الأزرق في المرداس         يدرق بي خلاص كي الروحانيـــــــــا 
    في كل ليلة نزيد عندي عرس جديد             في كل نهار عيد عندي زهويــــــــــــا
    تاقت طول العلام جــوهر في التبسـام           و تمعنـي فـي الكلام و تفهم فيـــــــــــا 
    بنت حميدة تبـان كضي الومــــــــان             نخلــة بســــــتان غي وحدها شعويــــــــا
    وزند عنهـــا الريح قلعهــــا بالميــــح           مـــا نحسبها اطيح دايم محضيـــــــــــا
    واضرن ذيك المليح دار لها تسريــح            حرفهـــــا للمسيح ربي مولايــــــــــــــــا 
    3- حضور المنية

    في واد "يتل" نعيد حاطين سمـاط فـــريد             رايســة الغيد ودعتني يا خويــــــــــــــــا 
    في ذا الليلــة وفات عادت في الممــــات               كحل الرمقات ودعت دار الدنيــــــــــــا 
    لضيتها لصدري ماتت في حجــــري                   و دمعة بصري على خدودي مجريــــــــا 
    واسكن راسي جـذاب نجري في الاعـلاب             ما خليت شعـــاب من كاف و كديــــــــــا
    خطفت عقلي راح مصبوغـــة الألمـاح                بنت النـــــاس الملاح زادتني كيــــــــــــــا
    حطوهــــا في كفــان بنت على الشـــان               زادتني حمان نفضت مخ حجايـــــــــــا 
    داروها في النعاش مصبوغـة الارماش               راني وليت باص واش اللي بيـــــــــــا 
    جابوهــــا في جحاف حومتها تنظـــاف               زينة الأوصاف سبتي طويلة الرايـــــــا 
    في حومتهـــا خراب كي مرضى الكوكـاب            زيد قدح في سحاب ضيق العشويـــــــا
    حومتهــــا بالحرير كمخـة فوق سريــــر             وانـــــــــا نشبر مهلكتني حيزيــــــــــا
    كثرت عني هموم من صافي الخرطـــوم             مــــا عدت شي نقوم في دار الدنيــــا 
    ماتت موت الجهاد مصبوغة الأثــــمــــاد            قصدوا بهـــــا بلاد خالد مسميــــــــا 
    عشات تحت اللحـاد موشومة الأعضــــاد           عين الشراد غـابت على عينيــــــــــا 
    ياحفــــار القبور ســــايس ريــــم القـــــــور         لا تطيحش الصخورعلى اللي بيا 
    داروها في القبر والشــــــــــــــــاش معجر          تضوي ضي القمر ليلة عشريــــا
    داروها في اللحود ، الزين المقدود                   جبارة بين سدود وسواقي حيا
    قسمتك بالكتــــاب و حروف الوهـــــــاب             لا تطيح التراب فوق أم مرايـــــــا
    لوان تجي للعناد ننطح تلث عقـــــــــــــاد             نديها بالزنـــــاد عن قوم العديــــــا 
    واذا نحلف و راس مصبوغة الأنعـــــاس            مـا نحسبشي الناس لو تجي ميـــــا 
    لوا أن تجي للذراع نحلف ما تمشــــي ذراع         ننطح صرصور قاع باسم حيزيـــا 
    لو أن تجي للنقـــــار نسمع كان و صـار             لن نديها قمـار و الشهود عليــــــــــا 
    لو أن تجي للزحــــام نفتن عنهــا اعـــوام           نديهـا بالدوام نابو سهميـــــــــــــــا 
    كي عـــاد أمر الحنين رب العــــالميــــن             لا لقيت لهــــا من اين نقلب حيـــــا 
    صبري صبري عليك نصبر أن نـاتيـــــــك           نتفكر فيك يا ختي غير انتيــــــــــــــــا 
    4- موت الفرس بعد الحبيبة
    هلكني يــــــا ملاح الأزرق كي يتــــلاح               بعد اختي غي زياد يحيا في الدنيـــــا
    عودي في ذا التلول رعـــى كل خيــــــــــول          و اذا والى الهول شـــــاو المشليــا 
    ما يعمل ذا الحصان في حرب الميــــــــدان           يخوح شــــــاو القران امــــه ركبيــــا 
    آش لعب في الزمول اعقاب المرحــــــول             انا عنه نجول بيـا مــــــا بيـــــــــا 
    بعد شهر مــــا يدوم عندي ذا الملجــــوم              نهــــــار ثلاثين يوم وراء حيزيـــا 
    توفى ذا الجواد ولــــى في الاوهـــــــــــاد             بعد اختي ما زاد يحيــا في الدنيــــا 
    صدوا صد الـــوداع و اختي قـــــــــاع                 طاح من يدي سراح الازرق آه ديــا 
    ربي اجعل الحيــاة ووراها الممـــــات                 منهم روحي فنـــات الاثنين رزيـا 
    5- الصورة الجنائزية
    نبكي بكـي الفراق كبكي العشـــــــــــــــاق              زادت قلبــــي حراق خوضت مايـــا 
    يــــا عيني واش بيك اتنوح لا تشكبــــــل              زهو الدنيـــا يديك ما تعفى ش عليــا 
    زادت قلبي عذاب مصبوغـة الأهـــداب                 سكنت تحــــت التراب قرة عينيــــــا 
    نبكي و الراس شاب عن مبروم النــــاب               فرقـــــة الأحباب مـــا تصبر عينيـــا
    الشمس الى ضوات طلعت و تمســـات                  سخفت بعد أن سوات وقت الضحويــا 
    القمر الى يبان شعشع في رمضـــــــان                 جــاه الميســـان طلب وداع الدنيــــــــا 
    هذا درتو مثيل عن رايســــة الجيـــل                   بنت احمد صيل شايعـــــة ذواديـــــــــا 
    هذا حكم الا له سيدي مول الجــــاه                     ربي نزل قضـــــاه و ادى حيزيــــــــــا
    صبرني يـــــا الله قلبي مــات ابـــداه                    حب الزينــــة اداه كي صدت هيــــــــــا 
    6 - رثاء الحبيبة
    تسوى ميتين عــود من خيـل الجويـــد                و ميــــة فرس زيد غير الركبيـــــــــــا
    تسوى من الابل عشر مايـة مثيــل                    تسوى غابــــة النخيل عند الزابيــــــــــــا
    تسوى خط الجريـد قريب و بعيــــد                    تسوى بر العبيد حاوســـــا بالفيــــــــــا
    تسوى مال التلول و الصحرا و الزمول               مــــا مشات القفول عن كل ثنيـــــــــــــا 
    تسوى اللي راحلين و اللي في البرين                 تسوى اللي حاطين عادوا حضريــــــــا 
    تسوى كنوز المال بهيـة الــــخلخال                   و اذا قلت قلال زيــــــد البلديــــــــــــــا 
    تسوى مال النجوع و الذهب المصنوع               تســـــــــــوى نخل الدروع عند الشاويـا 
    تسوى اللي في البحوروالبادي وحضور              اعقب جبل عمور و اصفا غردايــا 
    تسوى تسوى مزاب و سواحـل الزاب                حاشا ناس القباب خاطي انا الوليــــا 
    تسوى خيـل الشليل و نجمة الليــل                    فاختي قليل قليل طبـي و دوايـــــــا 
    نستغفـــــر للجليـل يرحم ذا القليـل                    يغفر للي يعيل سيدي و مولايــــــــــا
    ثلاثة و عشرين عـام في عمر أم حرام               منها راح الغرام ما عاد شي يحيـــــا
    عزوني يــــا اسلام في ريمـــــة الاريــــام            سكنت دار الظلام ذيك الباقيــا 
    عزوني يا صغار في عارم الاوكــــار                 ما خلات غير دار عادت مسميـــا
    عزوني يــــا رجال في صافي الخلخـــــال            داروا عنهــــا حيال للسـاع مبنيـــــا 
    عزوني يــــا حباب فيها فرس ديـــــــاب             مـــــا ركبوها ركاب من غير انايــا 
    بيدي درت الوشــام في صدر أم حــزام               مختـم تختام في زنود طوايــــــــــــا 
    ازرق عنق الحمام ما فيهشي تلـطام                  مقدود بــــلا قلام من شغل يديــــــــــا 
    درتــــه بين النهود نزلتـــــه مقــدود                  فوق سرار الزنود حطيت سمايــــــا
    حتى في الساق زيد درت وشــام جريد               ما قديتـو باليد ذا حال الدنيـــــــــــا
    سعيد في هواك مـــــا عادش يلقـــــاك                كي يتفكر اسماك تديـــه غميـــــــــا
    اغفـــــــــر لي يا حنين انا و الاجمعين                راه سعيد حزين بيــه الطوايــــــــــــــا
    ارحم مول الكلام و اغفر لام حزام                    لاقيهم فالمنـام يا عالي العليــــــــا 
    و اغفر اللي يقول رتب ذا المنــــــزول                ميمين و حاودال جاب المحكيـــــا 
    يــا علام الغيوب صبّر ذا المســــــــــلوب            نبكي الغريب و نشف العديــــــــا 
    مـا ناكلش الطعـام سامط في الافـــــــوام              و احرم حتى المنـام وخطى عينيـــــــا 
    بين موتها و الكلام غي ثلاث أيـــــــــام               بقاتني بالسلام و مــا ولات ليــــــــــا 
    تمت يـا سامعين في الالف و ميتـــــين                كمل التسعين ، زيد خمسة باقيـــا 
    كلمـة براس الصغير قلنهـــــــا تفكــــــــير            شهر العيد الكبير فيــه الغنايـــــا 
    في خــالد بن سنـان بن قيطون فـــــــلان              قالت على اللي زمـــان شفناها حيــــا



















































    الأربعاء، 9 مارس، 2016

    عوج بن عناق













    هو عوج بن عنق أو عوق ... وهو حفيد آدم من ابنته عنق بنت آدم أول عاهرة فى التاريخ ...واختلفت الروايات كعادة أهل التأويل في تحديد نسبه، وأشهرها ما نقله (عبد الملك العاصمي)في كتابه "سمط النجوم العوالي" فقال: "أمه عنق بنت آدم لصُلبه، وقيل اسمها عناق،وهي أول بغيّ على وجه الأرض من ولد آدم. عملت السحر وجاهرت بالمعاصي.

    لما بغت، خلق الله لها أسودا كالفيلة وذئابا كالإبل ونسورا كالحمّر فسلّطهم عليها فقتلوهاوأكلوها".استحسنها إبليس وتقرّب منها، "فسارت معه إلى عند قابيل بن آدم وولده، فلم تمنع من جاءها عن نفسها (أى كانت تمارس الدعارة) حتى حملت بعوج، وأراد الله أنيجعله حديثاً في الأرض فولدته أعظم منها".

    لم تعلم عناق ممن حملت، فنُسب عوج إليها، "فربّته حتى عَظم وقوي وبقي يطوف الأرض جبلا جبلا".قيل إن طوله "ثلاثة ألاف وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع"، وقيل إنه كان يحتجز{يحتجب}السحاب ويشرب منها، "وكان يضرب بيده فيأخذ الحوت من قاع البحر ثم يرفعه إلى السماء فيشويه بعين الشمس فيأكله". نجا من الطوفان في زمن نوح، وحارب العديد من الأنبياء،وكانت نهايته حين رفع الجبل ليرمي عسكر موسى بالجبل، "فجعله الله طوقاً في عنقه، وقتله موسى "


    أهم النصوص القرآنية التى تحدثت عنه 

     النص القرآني الأول :

    " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْفَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" ( سورة القمر 54 : 9 – 17 )

    ويقول القرطبي فى تفسيره للنص :

    {جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} أي جعلنا ذلك ثوابا وجزاء لنوح على صبره على أذى قومه وهو المكفور به؛ فاللام في {لِمَنْ} لام المفعول له؛ وقيل: {كُفِرَ} أي جحد؛ ف {مَنْ} كناية عن نوح. وقيل: كنايةعن الله والجزاء بمعنى العقاب؛ أي عقابا لكفرهم بالله تعالى. وقرأ يزيد بن رومان وقتادة ومجاهدوحميد {جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} بفتح الكاف والفاء بمعنى: كان الغرق جزاء وعقابا لمن كفر بالله،




    وما نجا من الغرق غير عوج بن عنق؛ كان الماء إلى حجزته. وسبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشبة الساج لبناء السفينة فلم يمكنه حملها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام فشكر الله له ذلك، ونجاه من الغرق. وفي رواية أخرى نقلها العاصمي، جاء عوج إلى نوح مستغيثاً ليحمله في السفينة، فخاف نوح منه، "فقال له عوج: لا بأس عليك يا نوح مني، دعني امشي مع سفينتك، فإني أعلم أن سفينتك لا تسعني ولا تحملني. فأوحى الله إلى نوح : ذر عوجا ولا تخف منه فانه لا قدرة له عليك. فقال له نوح: ضع يدك على مؤخرة السفينة فإن الله قد أمرني بذلك. فبلغ الماء ركبتيه " .

    النص القرآني الثاني :

    " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (2 قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) " ( سورة المائدة 5 : 24 – 26 ) .

    تفسير الطبري :

    في شرح سورة المائدة، تتكرّر قصة موسى مع عوج في العديد من كتب التفسير، تبعاً لرواية نقلها الطبري. نقرأ في تاريخ ابن الاثير: " ثم إنّ الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسير ببني إسرائيل إلى أريحا بلد الجبّارين، وهي أرض بيت المقدس، فساروا حتى كانوا قريباً منهم، فبعث موسى اثني عشر نقيباً من سائر أسباط بني إسرائيل، فساروا ليأتوا بخبر الجبّارين، فلقيهم رجل من الجبّارين يقال له: عوج بن عناق، فأخذ الاثني عشر، فحملهم وانطلق بهم إلى امرأته فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنّهم يريدون أن يقاتلونا. وأراد أن يطأهم برجله، فمنعته امرأته وقالت: أطلقهم ليرجعوا ويخبروا قومهم بما رأوا. ففعل ذلك، فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض: إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل بخبر هؤلاء لا يقدموا عليهم، فاكتموا الأمر عنهم. وتعاهدوا على ذلك ورجعوا، فنكث عشرة منهم العهد وأخبروا بما رأوا، وكتم رجلان منهم، وهما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنّا ختن موسى {زوج أخته}، ولم يخبروا إلاّ موسى وهارون. فلمّا سمع بنو إسرائيل الخبر عن الجبّارين امتنعوا عن المسير إليهم، فقال لهم موسى: " يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) " ، " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22). " قَالَ رَجُلَانِ { وهما يوشع وكالب } مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) " قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) فغضب موسى، فدعا عليهم، فقال: " قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) وكانت عجلة من موسى، فقال الله تعالى " قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ " (26) .... تاه شعب إسرائيل في الصحراء أربعين سنة، ولما خرج من التيه، التقى موسى بعوج وقضى عليه. ينقل الطبري حديثين يشهدان لهذه الخاتمة.

    الحديث الأول :

    مصدره نوف، وفيه : "كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجاً فأصاب كعبه، فسقط ميتاً، فكان جسراً للناس يمرُّون عليه".

    الحديث الثاني :

    مصدره ابن عباس، وفيه: "كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسراً لأهل النيل سنة".

    في رواية مشابهة نقلها القرطبي في تفسيره، اقتلع عوج "صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها، فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السلام، وطوله عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، وترقّى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله"

    في صياغة أخرى لهذه القصة نقلها الأشبهي في كتابه "المستطرف في كل فن مستظرف"،

    أتى عوج بقطعة من الجبل، واحتملها على رأسه ليلقيها على معسكر بني إسرائيل، " فبعث الله طيراً في منقاره حجر مدوّر، فوضعه على الحجر الذي على رأسه، فانثقب من وسطه وانخرق في عنقه".

    أما تفسير الطبري للنص فيقول :

    قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قولُ من قال: إن"الأربعين" منصوبة بـ"التحريم" وإنّ قوله:"محرمة عليهم أربعين سنة"، معنيٌّ به جميع قوم موسى، لا بعض دون بعض منهم. لأن الله عز ذكره عمَّ بذلك القوم، ولم يخصص منهم بعضًا دون بعض. وقد وفَى الله جل ثناؤه بما وعدهم به من العقوبة، فتيَّههم أربعين سنة، وحرَّم على جميعهم، في الأربعين سنة التي مكثوا فيها تائهين، دخولَ الأرض المقدَّسة، فلم يدخلها منهم أحد، لا صغير ولا كبير، ولا صالح ولا طالح، حتى انقضت السنون التي حرَّم الله عز وجَل عليهم فيها دخولها. ثم أذن لمن بقي منهم وذراريهم بدخُولها مع نبي الله موسى والرجلين اللذين أنعمَ الله عليهما، وافتتح قرية الجبارين، إن شاء الله، نبيُّ الله موسى صلى الله عليه وسلم، وعلى مقدّمته يوشع، وذلك لإجماع أهل العلم بأخبار الأوَّلين أن عوج بن عناق قتلَه موسى صلى الله عليه وسلم. فلو كان قتلُه إياه قبل مصيره في التيه، وهو من أعظم الجبارين خلقًا، لم تكن بنو إسرائيل تجزَع من الجبارين الجزعَ الذي ظهر منها. ولكن ذلك كان، إن شاء الله، بعد فناء الأمة التي جزعت وعصت ربها، وأبت الدخول على الجبارين مدينَتهم. وبعدُ: فإن أهل العلم بأخبار الأوّلين مجمعون على أن بلعم بن باعور،كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى. ومحالٌ أن يكون ذلك كان وقوم موسى ممتنعون من حربهم وجهادهم، لأن المعونة إنما يحتاج إليها من كان مطلوبًا، فأما ولا طالب، فلا وجه للحاجة إليها.

    11698 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نوف قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، ( أنظر في المطبوعة"عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر) فضرب عوجًا فأصاب كعبه، فسقط ميتًا، فكان جسرًا للناس يمرُّون عليه. (أنظر الأثر: 11698- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223. )

    11699 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، (أنظر في المطبوعة "عشرة أذرع" في المواضع الثلاثة ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكلاهما صواب فإن"الذراع" ، مؤنثة ، وقد تذكر.) فوثب فأصاب كعب عوج فقتله، فكانَ جسرًا لأهل النيل سنة. ( أنظر الأثر: 11699- رواه أبو جعفر في تاريخه 1: 223.... هذا ، وكل ما رواه أبو جعفر من أخبار عوج ، وما شابهه مما مضى في ذكر ضخامة خلق هؤلاء الجبارين ، إنما هي مبالغات كانوا يتلقونها من أهل الكتاب الأول ، لا يرون بروايتها بأسًا. وهي أخبار زيوف لا يعتمد عليها ). ومعنى:"يتيهون في الأرض"، يحارون فيها ويضلُّون= ومن ذلك قيل للرجل الضال عن سبيل الحق:"تائه". وكان تيههم ذلك: أنهم كانوا يصبحون أربعين سنة كل يوم جادِّين في قدر ستة فراسخ للخروج منه، فيمسون في الموضع الذي ابتدأوا السير منه.

    11700 - حدثني بذلك المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع. ( أنظر الأثر: 11700- انظر الأثر السالف رقم: 11690.)

    11701 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا في تيههم. القول في تأويل قوله جل ثناؤه : { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }

    قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"فلا تأس"، فلا تحزن. يقال منه:"أسِيَ فلان على كذا يأسىَ أسًى"، و"قد أسيت من كذا"، أي حزنت، ومنه

    قول امرئ القيس:

    وُقُوفًا بِهَا صَحْبي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ... يَقُولُونَ: لا تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّل (ديوانه: 125 ، من

    معلقته المشهورة.) يعني: لا تهلك حزنًا. وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

    11702 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: "فلا تأس" يقول: فلا تحزن.

    11703 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا تأس على القوم الفاسقين"، قال: لما ضُرب عليهم التّيه، ندم موسى صلى الله عليه وسلم، فلما نَدِم أوحى الله إليه:"فلا تأس على القوم الفاسقين"، لا تحزن على القوم الذين سمَّيتهم"فاسقين"، فلم يحزن. أنظر الأثر: 11703- هو بعض الأثر السالف قديمًا رقم: 991. وأسقط ناشر المطبوعة الأولى: "فلم يحزن" ، لأنها كانت في المخطوطة: "فلا تحزن" ، فظنها تكرارًا فحذفها ، وهي ثابتة كما كتبتها في الأثر السالف: 991.

    ويقول بن كثير فى تفسيره للنص :

    فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ } أي: المطهرة. قال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله : { ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ } قال: هي الطور وما حوله. وكذا قال مجاهد وغير واحد. وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد البقال، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: هي أريحا. وكذا ذكر غير واحد من المفسرين.

    وفي هذا نظر؛ لأن أريحا ليست هي المقصود بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر، حين أهلك الله عدوهم فرعون، [اللهم] إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس، كما قاله -السدي فيما رواه ابن جرير عنه-لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغَوْر شرقي بيت المقدس.

    وقوله تعالى: { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل: أنه وراثة من آمن منكم. { وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ } أي: ولا تنكلوا عن الجهاد { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة -التي أمرتنا بدخولها وقتال أهلها- قوما جبارين، أي: ذوي خلَقٍ هائلة، وقوى شديدة، وإنا لا نقدر على مقاومتهم ولا مُصَاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها دخلناها وإلا فلا طاقة لنا بهم . وقد قال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان قال: قال أبو سعيد قال عِكْرَمَة، عن ابن عباس قال: أمرَ موسى أن يدخل مدينة الجبارين. قال: فسار موسى بمن معه حتى نزل قريبًا من المدينة -وهي أريحا- فبعث إليهم اثني عشر عينًا{ جاسوساً }، من كل سبط منهم عين، ليأتوه بخبر القوم. قال: فدخلوا المدينة فرأوا أمرًا عظيماً من هيئتهم وجُثَثهم وعِظَمِهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار. وينظر إلى آثارهم، فتتبعهم فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتى التقت الاثنى عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال لهم الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم. قال: فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وفي هذا الإسناد نظر. (تفسير الطبري (10/173)) .

    وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثني عشر رجلاً (نقيباً) - وهم النقباء الذين ذكر الله، فبعثهم ليأتوه بخبرهم، فساروا، فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم حتى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل، فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قَدْر فاكهتهم فلما أتوهم قالوا: يا موسى، { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون } . رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد، حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال: رأيت أنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء، لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق . وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأنه كان فيهم عوج بن عنق، بنت آدم، عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع، تحرير الحساب! وهذا شيء يستحي من ذكره. ثم هو مخالف ما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله [تعالى] خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن". (رواه البخاري في صحيحه برقم (3326) ورواه مسلم في صحيحه برقم (2841) من حديثأبي هريرة، رضي الله عنه.) ثم قد ذكروا أن هذا الرجل كان كافراً، وأنه كان ولد زِنْية { بنت آدم عاهره !!!! } ، وأنه امتنع من ركوب السفينة، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته وهذا كذب وافتراء، فإن الله ذكر أن نوحاً دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال { رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } [ سورة نوح71 : 26 ] وقال تعالى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ } (14) [ سورة الشعراء 26 : 119-120 ] وقال تعالى: [قَال] (15) { لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ } [ هود 11 : 43 ] وإذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر وولد زنية؟! هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: "عوج بن عنق" نظر، والله أعلم. وقوله: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله موسى، عليه السلام، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة،وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقاب ..

    وقرأ بعضهم: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخَافُونَ } أي: ممن لهم مهابة وموضع من الناس. ويقال: إنهما "يوشع بن نون" و "كالب بن يوفنا"، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطية، والسُّدِّي، والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف، والخلف، رحمهم الله، فقالا { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: متى توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلدة التي كتبها الله لكم. فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا. { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون } وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء. ويقال: إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم، سجد موسى وهارون، عليهما السلام، قُدام ملأ من بني إسرائيل، إعظاما لما هموا به، وشَق "يوشع بن نون" و "كالب بن يوفنا" ثيابهما ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما. وجرى أمر عظيم وخطر جليل. وما أحسن ما أجاب به الصحابة، رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاءوا لمنع العِير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف، في العُدة والبَيْض واليَلب، فتكلم أبو بكر، رضي الله عنه، فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أشيروا عليَّ أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ [رضي الله عنه] كأنك تُعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو اسْتَعرضْتَ بنا هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك، وما تخلَّف منا رجل واحد، وما نَكْرَه أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصُبُر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة الله فَسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونَشَّطه ذلك. (انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/615) .) وقال أبو بكر بن مَرْدُويَه : حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد عن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار إليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: إذًا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } والذي بعثك بالحق لو ضَرَبْت أكبادها إلى بَرْكالغمَاد لاتبعناك.ورواه الإمام أحمد، عن عبيدة بن حميد، الطويل، عن أنس، به. ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد به، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حماد، عن مَعْمَر بن سليمان، عن حميد، به. (المسند (3/105)

    وسنن النسائي الكبرى برقم (11141) ومسند أبي يعلى الموصلي (6/407).وقال ابن مَرْدُويه: أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسخ، عن عتبة بن عبد السلمي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ألا تقاتلون؟" قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. (ورواه أحمد في مسنده (4/183) من طريق الحسن بن أيوب به) . وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي، رضي الله عنه، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحْمَسِي، عن طارق -هو ابن شهاب-: أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى فقال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله-هو ابن مسعود-رضي الله عنه: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به: أتى رسول الله وهو يدعو على المشركين، فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك، وسره بذلك. (المسند (1/389) ) وهكذا رواه البخاري "في المغازي" وفي "التفسير" من طرق عن مخارق، به. ولفظه في "كتاب التفسير" عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن [نقول] امض ونحن معك فكأنه سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال البخاري: ورواه وَكِيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق؛ أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحُدَيبية، حين صَدّ المشركون الهَدْي وحِيلَ بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب (صحيح البخاري برقم (3952، 4609) . .. بالهَدْي فناحِرُه عند البيت". فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون. فلما سمعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك. (تفسير الطبري (10/186) وهذا. إن كان محفوظا يوم الحديبية، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بَدْر. وقوله: { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال غضب عليهم موسى عليه السلام، وقال داعيا عليهم: { رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي } أي: ليس أحد يطيعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما دعوتَ إليه إلا أنا وأخي هارون، { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } قال العَوْفِي، عن ابن عباس: يعني اقض بيني وبينهم. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم، وقال غيره: افرق: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر ("لعله حبينة بن طريف العكلي". انظر: حاشية تفسير الطبري (10/188). يَا رب فافرق بَيْنَه وبَيْني ... أشدّ ما فَرقْت بَيْن اثنين ... وقوله تعالى: { [قَالَ] فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ

    [فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ]

    لما دعا عليهم موسى، عليه السلام، حين نكَلُوا عن الجهاد حكم الله عليهم بتحريم دخولها

    قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت

    أمور عجيبة، وخوارق كثيرة، من تظليلهم بالغَمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ومن إخراج

    الماء الجاري من صخرة صماء تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه انفجرت من

    ذلك الحجر اثنتا عشرة عينا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله

    بها موسى بن عمران. وهناك أنزلت التوراة، وشرعت لهم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها:

    قبة الزمان. قال يزيد بن هارون، عن أصبغ بن زيد عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن

    جبير: سألت ابن عباس عن قوله: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ } الآية.

    قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام

    في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى وهذا قطعة من حديث "الفتون"، ثم كانت وفاة هارون،

    عليه السلام، ثم بعده بمدة ثلاثة سنين مات موسى الكليم، عليه السلام، وأقام الله فيهم

    "يوشع بن نون" عليه السلام، نبيا خليفة عن موسى بن عمران، ومات أكثر بني إسرائيل

    هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهم أحد سوى "يوشع" و "كالب"، ومن هاهنا

    قال بعض المفسرين في قوله: { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } هذا وقف تام، وقوله:

    { أَرْبَعِينَ سَنَةً } منصوب بقوله: { يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ } فلما انقضت المدة خرج

    بهم "يوشع بن نون" عليه السلام، أو بمن بقي منهم وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني،

    فقصد بهم بيت المقدس فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تَضَيَّفَتِ الشمس

    للغروب، وخَشي دخول السبت عليهم قال "إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليَّ"،

    فحبسها الله تعالى حتى فتحها، وأمر الله "يوشع بن نون" أن يأمر بني إسرائيل،

    حين يدخلون بيت المقدس، أن يدخلوا بابها سُجّدا، وهم يقولون: حطّة، أي: حط

    عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حَبَّة

    في شَعْرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة.

    وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العَدَنِيُّ، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد،

    عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قوله: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ } قال :

    فتاهوا أربعين سنة، فهلك موسى وهارون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت

    الأربعون سنة ناهضهم "يوشع بن نون"، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها،

    وهو الذي قيل له: "اليوم يوم الجمعة" فهَمُّوا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي

    إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: "إني مأمور وإنك مأمورة" فوقفت حتى

    افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأت فقال: فيكم الغلول،

    فدعا رءوس الأسباط، وهم اثنا عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول

    عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه

    مع القربان، فأتت النار فأكلتها.

    وهذا السياق له شاهد في الصحيح. وقد اختار ابن جرير أن قوله: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ }

    هو العامل في "أربعين سنة"، وأنهم مَكَثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا

    يهتدون لمقصد. قال: ثم خرجوا مع موسى، عليه السلام، ففتح بهم بيت المقدس. ثم احتج

    على ذلك قال: بإجماع علماء أخبار الأولين أن عوج بن عنق" قتله موسى، عليه السلام، قال:

    فلو كان قتله إياه قبل التيه لما رهبت بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنه كان بعد التيه.

    قال: وأجمعوا على أن "بلعام بن باعورا" أعان الجبارين بالدعاء على موسى، قال: وما ذاك إلا

    بعد التيه؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه هذا استدلاله، ثم قال:

    حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قَيْس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس

    قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب فأصاب

    كعب "عوج" فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة.

    وروي أيضا عن محمد بن بَشّار، حدثنا مُؤَمَّل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن نَوْف

    البِكالي قال: كان سرير "عوج" ثمانمائة ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه

    عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب "عوجا" فأصاب كعبه، فسقط ميتا، وكان

    جسْرًا للناس يمرون عليه.

    وقوله تعالى: { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } تسلية لموسى، عليه السلام، عنهم، أي:

    لا تتأسف ولا تحزن عليهم فمهما حكمت عليهم، به فإنهم يستحقون ذلك.

    وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله ونكولهم عن طاعتهما،

    فيما أمرهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم، ومقاتلتهم، مع أن

    بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو

    يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا وقد شاهدوا ما أحل الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال

    والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لتَقَرَّ به أعينهم وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون

    عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعُدَدهم،

    فظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل،

    هذا وهم في جهلهم يعمهون، وفي غَيِّهم يترددون، وهم البُغَضَاء إلى الله وأعداؤه، ويقولون

    مع ذلك: { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة 5 : 18 ] فقبح الله وجوههم التي مسخ منها

    الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود،

    وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.

    أما القرطبي فى تفسيره فيقول :

    قوله تعالى: { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } أي عظام الأجسام طوال، وقد تقدم؛ يقال:

    نخلة جبارة أي طويلة. والجبار المتعظم الممتنع من الذل والفقر. وقال الزجاج: الجبار من

    الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد؛ فأصله على هذا من الإجبار وهو الإكراه؛

    فإنه يجبر غيره على ما يريده؛ وأجبره أي أكرهه. وقيل: هو مأخوذ من جبر العظم؛ فأصل الجبار

    على هذا المصلح أمر نفسه، ثم استعمل في كل من جر لنفسه نفعا بحق أو باطل. وقيل: إن جبر العظم

    راجع إلى معنى الإكراه. قال الفراء: لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين؛ جبار من أجبر ودراك

    من أدرك. ثم قيل: كان هؤلاء من بقايا عاد. وقيل: هم من ولد عيصو بن إسحاق، وكانوا من الروم،

    وكان معهم عوج الأعنق، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا؛ قاله ابن

    عمر، وكان يحتجن السحاب أي يجذبه بمحجنه ويشرب منه، ويتناول الحوت من قاع البحر

    فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله. وحضر طوفان نوح عليه السلام ولم يجاوز ركبتيه

    وكان عمره ثلاثة آلاف وستمائة سنة، وأنه قلع صخرة على قدر عسكر موسى ليرضخهم بها،

    فبعث الله طائرا فنقرها ووقعت في عنقه فصرعته. وأقبل موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع؛

    وعصاه عشرة أذرع وترقى في السماء عشرة أذرع فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع فقتله.

    وقيل: بل ضربه في العرق الذي تحت كعبه فصرعه فمات ووقع على نيل مصر فجسرهم سنة.

    ذكر هذا المعنى باختلاف ألفاظ محمد بن إسحاق والطبري ومكي وغيرهم. وقال الكلبي: عوج

    من ولد هاروت وماروت حيث وقعا بالمرأة فحملت. والله أعلم ...

    - { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }

    25- { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }

    26- { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }

    قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } تبيين من الله تعالى أن

    أسلافهم تمردوا على موسى وعصوه؛ فكذلك هؤلاء على محمد عليه السلام، وهو تسلية له؛

    أي يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، واذكروا قصة موسى. وروي عن عبدالله بن

    كثير أنه قرأ { يَا قَوْمِ اذْكُرُوا } بضم الميم، وكذلك ما أشبهه؛ وتقديره يا أيها القوم.

    { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ } لم ينصرف؛ لأنه فيه ألف التأنيث. { وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً } أي تملكون

    أمركم لا يغلبكم عليه غالب بعد أن كنتم مملوكين لفرعون مقهورين، فأنقذكم منه بالغرق؛

    فهم ملوك بهذا الوجه، وبنحوه فسر السدي والحسين وغيرهما. قال السدي: ملك كل واحد منه

    نفسه وأهله وماله. وقال قتادة: إنما قال: { وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً } لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدم

    من بني آدم. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن القبط قد كانوا يستخدمون بني إسرائيل، وظاهر

    أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضا مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت الأمم في معنى

    التمليك فقط. وقيل: جعلكم ذوي منازل لا يدخل عليكم إلا بإذن؛ روي معناه عن جماعة من أهل

    العلم. قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل أحد بيته إلا بإذنه فهو ملك. وعن الحسن أيضا وزيد

    بن أسلم من كانت له دار وزوجة وخادم فهو ملك؛ وهو قول عبدالله بن عمرو كما في

    صحيح مسلم عن أبي عبدالرحمن الحبلي قال: سمعت عبدالله بن عمرو بن العاص وسأله رجل

    فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك

    منزل تسكنه؟ قال: نعم. قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادما. قال: فأنت من الملوك.

    قال ابن العربي: وفائدة هذا أن الرجل إذا وجبت عليه كفارة وملك دار وخادما باعهما في الكفارة

    ولم يجز له الصيام، لأنه قادر على الرقبة والملوك لا يكفرون بالصيام، ولا يوصفون بالعجز

    عن الإعتاق. وقال ابن عباس ومجاهد: جعلهم ملوكا بالمن والسلوى والحجر والغمام، أي

    هم مخدومون كالملوك. وعن ابن عباس أيضا يعني الخادم والمنزل؛ وقاله مجاهد وعكرمة

    والحكم بن عيين، وزادوا الزوجة؛ وكذا قال زيد بن أسلم إلا أنه قال فيما يعلم - عن النبي صلى

    الله عليه وسلم: "من كان له بيت - أو قال منزل - يأوي إليه وزوجة وخادم يخدمه فهو ملك" ؛

    ذكره النحاس. ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك؛ وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: "من

    أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"

    قوله تعالى: { وَآتَاكُمْ } أي أعطاكم { مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ } والخطاب من موسى

    لقومه في قول جمهور المفسرين؛ وهو وجه الكلام. مجاهد: والمراد بالإيتاء المن والسلوى

    والحجر والغمام. وقيل: كثرة الأنبياء فيهم، والآيات التي جاءتهم. وقيل: قلوبا سليمة من

    الغل والغش. وقيل: إحلال الغنائم والانتفاع بها.

    قلت: وهذا القول مردود؛ فإن الغنائم لم تحل لأحد إلا لهذه الأمة على ما ثبت في الصحيح؛

    وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى تعزز

    وتأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنقذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع من شأنه.

    ومعنى { مِنَ الْعَالَمِينَ } أي عالمي زمانكم؛ عن الحسن. وقال ابن جبير وأبو مالك: الخطاب

    لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وهذا عدول عن ظاهر الكلام بما لا يحسن مثله. وتظاهرت

    الأخبار أن دمشق قاعدة الجبارين. و { الْمُقَدَّسَةَ } معناه المطهرة. مجاهد: المباركة؛ والبركة

    التطهير من القحوط والجوع ونحوه. قتادة: هي الشام. مجاهد: الطور وما حوله. ابن عباس

    والسدي وابن زيد: هي أريحاء. قال الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض: الأردن. وقول قتادة يجمع

    هذا كله. { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أي فرض دخولها عليكم ووعدكم دخولها وسكناها لكم. ولما

    خرجت بنو إسرائيل من مصر أمرهم بجهاد أهل أريحاء من بلاد فلسطين فقالوا: لا علم لنا بتلك

    الديار؛ فبعث بأمر الله اثني عشر نقيبا، من كل سبط رجل يتجسسون الأخبار على ما تقدم، فرأوا

    سكانها الجبارين من العمالقة، وهم ذوو أجسام هائلة؛ حتى قيل: إن بعضهم رأى هؤلاء النقباء

    فأخذهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يده وقال:

    إن هؤلاء يريدون قتالنا؛ فقال لهم الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا؛ على ما تقدم.

    وقيل: إنهم لما رجعوا أخذوا من عنب تلك الأرض عنقودا فقيل: حمله رجل واحد، وقيل: حمله

    النقباء الاثنا عشر.

    قلت: وهذا أشبه؛ فإنه يقال: إنهم لما وصلوا إلى الجبارين وجدوهم يدخل في كم أحدهم رجلان

    منهم، ولا يحمل عنقود أحدهم إلا خمسة منهم في خشية، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع

    حبه خمسة أنفس أو أربعة.

    قلت: ولا تعارض بين هذا والأول؛ فإن ذلك الجبار الذي أخذهم في كمه - ويقال: في حجره - هو

    عوج بن عناق وكان أطولهم قامة وأعظمهم خلقا؛ على ما يأتي من ذكره إن شاء الله تعالى.

    وكان طول سائرهم ستة أذرع ونصف في قول مقاتل. وقال الكلبي: كان طول كل رجل منهم

    ثمانين ذراعا، والله أعلم. فلما أذاعوا الخبر ما عدا يوشع وكالب بن يوفنا، وامتنعت بنو

    إسرائيل من الجهاد عوقبوا بالتيه أربعين سنة إلى أن مات أولئك العصاة ونشأ أولادهم، فقاتلوا

    الجبارين وغلبوهم

    قوله تعالى: { وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ } أي لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين.

    وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، والمعنى واحد.

    قوله تعالى: { وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا } يعني البلدة إيلياء، ويقال: أريحاء أي حتى يسلموها لنا من غير

    قتال وقيل:قالوا ذلك خوفا من الجبارين ولم يقصدوا العصيان؛ فإنهم قالوا: { فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا

    فَإِنَّا دَاخِلُونَ }

    قوله تعالى: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } قال ابن عباس وغيره: هما يوشع وكالب بن

    يوقنا ويقال ابن قانيا، وكانا من الاثني عشر نقيبا. و { يَخَافُونَ } أي من الجبارين. قتادة:

    يخافون الله تعالى. وقال الضحاك: هما رجلان كانا في مدينة الجبارين على دين موسى؛ فمعنى

    { يَخَافُونَ } على هذا أي من العمالقة من حيث الطبع لئلا يطلعوا على إيمانهم فيفتنوهم

    ولكن وثقا بالله. وقيل: يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم. وقرأ مجاهد وابن جبير { يُخَافُونَ }

    بضم الياء، وهذا يقوي أنهما من غير قوم موسى. { أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا } أي بالإسلام أو باليقين

    والصلاح. { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } قالا لبني إسرائيل لا يهولنكم

    عظم أجسامهم فقلوبهم ملئت رعبا منكم؛ فأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، وكانوا قد علموا أنهم

    إذا دخلوا من ذلك الباب كان لهم الغلب. ويحتمل أن يكونا قالا ذلك ثقة بوعد الله. ثم قالا: { وَعَلَى

    اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } مصدقين به؛ فإنه ينصركم. ثم قيل على القول الأول: لما قالا هذا

    أراد بنو إسرائيل رجمهما بالحجارة، وقالوا: نصدقكما وندع قول عشرة! ثم قالوا لموسى:

    { إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا } وهذا عناد وحَيْدٌ عن القتال، وإِياسٌ من النصر. ثم جهلوا صفة

    الرب تبارك وتعالى فقالوا { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ } وصفوه بالذهاب والانتقال، والله متعال عن ذلك.

    وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة؛ وهو معنى قول الحسن؛ لأنه قال: هو كفر منهم بالله، وهو الأظهر

    في معنى الكلام. وقيل: أي إن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا، وقتاله معك - إن كنت رسوله -

    أولى من قتالنا؛ فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر؛ لأنهم شكوا في رسالته. وقيل المعنى: أذهب أنت

    فقاتل وليعنك ربك. وقيل: أرادوا بالرب هارون، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه.

    وبالجملة فقد فسقوا بقولهم؛ لقوله تعالى: { فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي لا تحزن عليهم.

    { إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } أي لا نبرح ولا نقاتل. ويجوز { َقَاعِدُينَ} على الحال؛ لأن الكلام قد تم قبله.

    قصة عوج بن عنق فى التراث :

    يظهر عوج بن عوق وهو يتهاوى صريعا أمام موسى في نسخة عربية مزوّقة من كتاب

    "جامع التواريخ" تعود إلى عام 1314، مصدرها تبريز، وهي من محفوظات مكتبة أدنبرج.

    في نسخة فارسية من هذا الكتاب أُنجزت في عام 1318، نرى موسى وهو يتقدّم شاهراً

    عصاه، بينما يرفع عوج الصخرة التي انثقبت وتحوّلت إلى طوق حول عنقه.

    تتكرّر الصورة في العديد من نسخ كتاب "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"، كما في

    نسخة من نسخ " قصص الأنبياء" المحفوظة في سرايا توبكابي، في اسطنبول. يتغير المشهد

    في نسخة من "تاريخ حافظ أبرو" أنجزت في النصف الأول من القرن الخامس عشر. على

    وجه الورقة الثالثة والعشرين، يقف عوج بن عوق وسط مياه الطوفان، محاولا منع سفينة نوح

    من التقدّم. جاء في كتاب "الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل": "لما دخل نوح ومن معه السفينة،

    فتح الله عز وجل عيون الماء ففارت الأرض من البحار، وأمطر الله من السماء ماء فارتفع الماء،

    وجعلت الفلك تجري بهم كموج، كالجبال. وعلا الماء على رؤوس الجبال أربعين ذراعاً، فهلك كل

    من على وجه الأرض من حيوان ونبات سوى عوج ابن عناق. ولم يغرقه الطوفان، ولا

    بلغ بعض جسده، وطلب السفينة ليغرقها، وكان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً

    وثلث ذراع. وعاش ثلاثة آلاف سنة، وعمّر إلى زمان فرعون، وقطع صخرة على قدر عسكر

    موسى عليه السلام ليطرحها عليهم، وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ، فأرسل الله طيرا

    فنقر الصخرة، فنزلت من رأسه إلى عنقه ومنعته الحركة، فوثب موسى وكانت وثبته عشرة

    أذرع، وطوله مثل ذلك، وطول عصاه مثل ذلك، ولم يلحق سوى عرقوبه (أي ركبته)

    فقتله وتركه بموضعه، وردم عليه بالصخر والرمل، فكان كالجبل العظيم في صحراء مصر"

    حكايات إسبانية

    شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في الع...