الجمعة، 5 يوليو 2013

الدكتاتور


ظاهرة الدكتاتوريين شكلت مادة دسمة للباحثين وتطرح اسئلة على كتاب كثيرين ومراكز ابحاث ومعاهد جامعية لا سيما في الاشهر التي تلت حلول الربيع العربي مع الاطاحة بمجموعة من الدكتاتورين العرب. ظاهرة ما عاد بالإمكان الوقوف معها على الحياد على نحو ما عبرت عنه "The Econimist" او صحف ومجلات غريبة عديدة، افردت ملفات كثيرة في محاولة الاجابة عما يوفر لتلك الظاهرة اسباب الحضور والبقاء حتى بعد وفاة اصحابها وتحديد الاطار العام الذي يدفع الناس لقبول الذل والهوان والفساد ثم الاسباب التي تدفع بالناس ذاتها إلى التمرد وتجاوز الخوف والايمان الجديد بضرورة مقاومة الاستبداد وتغيير الاحوال. هذا إلى حد دفع مؤرخين ومنهم روجر اوين في جامعة "هارفرد" إلى عنونة كتاب له "صعود وسقوط الرؤساء العرب مدى الحياة".كان هذا بعد موجة الثورات العربية التي بدأت في كانون الاول 2010.
الصحف والمجلات الغربية تسلط اضواء كاشفة على الانظمة الاستبدادية قديمها وجديدها وعلى ميراثها الذي يقتصر على الفساد والدموع والدماء وعقدة التاريخ والجغرافيا والاجتماع. ومن تقارير صادمة احيانا وقاسية في مجتمعات متمزقة وأغلبيات صامتة تخاف من النظام وتخاف أكثر مما سيليه.الاستنتاج الاولي ان حكم الدكتاتوريين الجدد في نهاياته لاسيما مع موجة الثورات العربية التي تكتسح الشرق الاوسط مقارنة لزلازل سياسية حدثت في اوروبا العام 1848 وكما الحال في شرق اوروبا والاتحاد السوفياتي العام 1989. اذ ان الاحباط حيال النظم السياسية المغلقة والفاسدة والبعيدة في الاستجابة لمتطلبات شعوبها قد افضى على عمليات تمرد على السلطة وسقوط النظم الدكتاتورية.على الرغم من ان هذه النظم تبدو غالباً مستعصية على الاهتزاز وتكرس استراتيجية كثيرة تستخدمها للبقاء وعوامل ضرورية مساعدة من سلطات شخصية على حساب المؤسسات الرسمية وايديولوجيات تبنيها لا هدف لها الا الحفاظ على السلطة الشخصية مع الاحتفاظ ببعض الجوانب الشكلية من الديموقراطية والاصلاح مع السيطرة على الانتخابات والاحزاب السياسية مع احتكار المساعدة والاستثمار الاجنبيين.

مجلة "لونوفيل اوبزرفاتور" الفرنسية خصصت في عددها الاخير تحقيقاً حول "المرضى الكبار الذين يحكمون" وحول نسيج الدكتاتوريين وتصرفاتهم وقصصهم وفسادهم يعيشون ويستمرون على الفوضى والاذلال والاحباط عند الناس قبل ان ينقادوا إلى القتل والجنون ومع ذلك مازالوا يملكون اسباب بقائهم واستمراريتهم إلى اليوم حيث لا يولد المرء دكتاتوراً، بل يصير دكتاتوراً. والهيمنة تغري اولاً المجانين او اصحاب الميول إلى التطرف، ومنها إذا أصيب المرء بالتطرف فقد اسمه الحقيقي وصار اسماً آخر. اذاً التطرف هو الطريق الاساس نحو هذا الجنون العنفي الذي يبدأ عادة بإنجازات كثيرة ومن ثم في المرحلة الثانية الخروج إلى الاحتراق.
والامثال كثيرة من مثل موسوليني رجل المسرح، ورسام الكاريكاتير كيف صار معجباً بالفاشية. والذهاب إلى جنوب روما ومنها إلى شواطئ "سابوديا" حيث موراثيا وبازولين بنوا فيلاتهم مروراً بالقرى والاحياء المنتشرة في المنطقة من سنوات الثلاثينات وحيث مات الكثير من الناس من مرض الملاريا.(...) وقريباً من مثال آخر هو صدام حسين الذي دأب على تعذيب شعبه وارتكاب المجازر والقيام بالحروب العبثية، الرجل القوي في العراق منذ بداية السبعينات والذي قام بالمقابل بثورات مهمة صناعية وزراعية وثقافية على صعيد المصانع والطرقات والجسور وبدخل قومي فردي شهري بحدود 2000 دولار، مما سمح ببروز طبقة متوسطة وتدشين بحيرات بطول 60 كلم في قلب الصحراء. انه هو صدام حسين نفسه المدرسة الثقافية العراقية، والهندسة والعمارة والرسم والنحت والموسيقى والمتحف الوطني لحفظ تراث تاريخ بلاد ما بين النهرين وهو الحاكم العنيف جداً لشعبه والسخرية التاريخية الكبيرة حيث الاله الجديد يصير صدام حسين نفسه الدكتاتور الفاسد.
كيف تصبح دكتاتوراً؟
ليس الأمر بالسهل سلوك الاتجاه ليكون المرء سلطوياً ليس بمعنى ان تستعرض حضوراً كلا، كيف تصير دكتاتورياً حقيقياً أي "الرجل الذي يتكلم"، الذي يملكه التعذيب ويقتل الأذكياء والمثقفين، ويقلص حضور الشعب إلى شبه العدم.الجنون بالتأكيد يحتاج إلى شروحات كبيرة يملك جاذبيتها، جنون العظمة، علم النفس، بارانويا، فقدان التوازن، علم الأعصاب، علم الهرمونات المضطربة.. كلها أمراض تحكمنا بالنهاية.انظروا هتلر، انظروا إلى عينيه المتقدتين المجنونتين، صوته، شاربيه، يتحرك مثل برغشة سوداء.. القذافي البدوني مثل ديك الحبش المنتفخ وماوتسي تونغ خلف قناع من الهدوء.الدكتاتور جوزف ستالين زعيم الاتحاد السوفياتي الذي حكم من عام 1922 وحتى العام 1953 وهو الذي لقب بأبي "الأفراح الانسانية" و"نابغة الاناني"، أمضى عمره مع آلاف التماثيل التي صنعت له والتي تم تدميرها وتخريبها في الفترة المناهضة الستالينية وكان على علاقة حميمة بالقصور والمشروبات الروحية والسجائر.
الدكتاتور محمد رضا بهلوي الذي حكم ايران من عام 1941 وحتى عام 1979 والذي لقب نفسه بـ "ملك الملوك" وابن الجنس الاري" الذي صرف باحتفالية 2500 عام على الملكية مئة مليون دولار كان ذلك العام 1971 حيث كان اهالي القرى يعيشون في اسوأ درجة من الفقر...
عيدي أمين
عيدي أمين رئيس جمهورية اوغندا السابق الذي حكم من عام 1971 وحتى عام 1979 وقد صرف ملايين الدولارات على حياته الارستقراطية وكان يملك 30 خليلة في قصره إلى زوجاته الخمس...الدكتاتور كيم جونغ - ابن زعيم كوريا الشمالية، الذي يلقب بـ "القائد الفريد" وهو نجل كيم ايل - سونع رئيس كوريا الشمالية.
الدكتاتور فرديناند ماركسوس الرئيس الاسبق للفيليبين من عام 1965 وحتى العام 1985 قام بتحويل مليارات الدولارات من الخزينة ليسجلها باسمه لدى البنوك الأجنبية أما زوجته ايملدا فكانت مبذرة إلى حد يصعب فهمه وكانت تملك 888 حقيبة نسائية بالإضافة إلى الف و60 زوج حذاء.
الدكتاتور صدام حسين الذي حكم العراق منذ العام 1979 وحتى العام 2003 كان يملك حماما من الذهب ويملك أكثر من الف و200 سيارة فاخرة.
الدكتاتور موبوتو الرئيس السابق للكونغو قدرت ثروته بحدود 5 مليار دولار ما يعادل قيمة القروض الدولية على الكونغو. وكان مولعاً بالقصور والمشروبات الكحولية والزوارق الترفيهية وزوجية بابي لادوا كانت تملك اكثر من الف طقم من الثياب.
الدكتاتور سوهارتو رئيس جمهورية اندونيسيا والذي حكم عام 1965 إلى العام 1998 وقبل أن يرتقي إلى هذه المسؤولية كان يعمل لدى احد البنوك وكان أكبر زعيم مختلس في تاريخ بلده وقدرت صحيفة "تايم الاسيوية" في العام 1999 ثروته بأنها تبلغ 15 مليار دولار.



تشاوشيسكو رئيس جمهورية رومانيا الأسبق من عام 1967 حتى العام 1968 وعلى الرغم من انه كان يتقاضى مرتب شهري بحدود ثلاثة الاف دولار فقد تمكن من شراء اكثر من 15 قصرا ومجموعة سيارات وزوارق وثياب وبنى قصرا على حساب تخريب مئات الالاف من منازل القرويين.وفي الوقت الذي كانت تعيش فيه شعوب هؤلاء الحكام العذاب والفقر والحاجة، كان ابناءهم ونساؤهم يتنازعون في صرف أموالهم غير الشرعية.التركيبةالدكتاتور هو نتيجة خطأ في الجنات الوراثية (DNA) ومرض غير مرئي في التصوير الجيني او شكل من أشكال الانطواء او التوحد او نتيجة فقدان عاطفة الامر مثل حالة ايفان الرهيب تتجه وفاة الوالدين وبشكل رهيب وحياة طفل مجنح، شبه ملاك تعيش حالة الخوف من الاغتيال، يعذب العصافير ويرميها من الجدران العالية او كيم ايل يونغ، رمز رجل القصر الدموي (...) وباستثناء هؤلاء الدكتاتوريين المعاصرين تبرز ظاهرة جمال عبد الناصر المختلفة تماماً. المطربة الكبيرة كوكب الشرق أم كلثوم غنت لناصر الكبير الذي حظي بإعجاب ضخم من الشعب المصري والعربي قاطبة وانجز مشروعاته الثلاثة الكبيرة في بناء الجيش والسد العالي والاصلاح الزراعي ما تزال الانجازات الثلاثة الأخيرة المتوارثة إلى الان من القيادة المصرية الحديثة. ظاهرة ثانية هي ظاهرة كمال أتاتورك "أبو الاتراك" الامبراطور العلماني ونموذج التحديث التركي وفرض قواعده على المجتمع التركي. فيديل كاسترو نموذج دكتاتوري آخر، وأنجز بلحيته الطويلة/الثورية وسيجاره الذي ثار من اجل البؤساء والفقراء في كوبا بوجه العالم الرأسمالي.. كل هؤلاء بشكل وآخر بطاركة قدموا حياتهم في الصراع الكبير من اجل "الاستقلال والحرية وقدموا انفسهم كأبطال تحرير حقيقيين وأحبتهم شعوبهم حباً أعمى.
الدكتاتوريون تغذوا من إحباط شعوبهم
الدكتاتور بداية هو مرجع وملاذ. المانيا في العام 1930 كانت مشبعة بالذل من خسارة الحرب في العام 1916 وأتت النجدة من هتلر في محاولة ملأ الفراغ والاحباط وانعدام الثقة.. الدكتاتور يظهر اذا، هو الذي يتكلم، الرجل القوي، الأقوى من الجميع. هو الذي يجسد النظام هو الذي يقول الخير أو الشر، يهدأ الشارع، يجسد الحلم والجنون يسود (...) كل الدكتاتوريين هم جماعة مقصومة منتهكة الحياة العادية ومتأكدة ان العالم يريد الموت وإذا ما ارتكبوا الجرائم فهذا يجعل منهم مختلفين وأقوياء. ولكن بالسر، فالدكتاتوريون يرتجفون مثل أوراق الشجر. الكل يجري حولهم، القوى الظلامية تصارع بعضها البعض. ستالين كان مهووساً بفكرة الخيانة. فيديل كاسترو تصدى لمجموعة كبيرة من الاغتيالات. أتاتورك تعرّض للخيانة. حافظ الأسد تمكن من بناء نظام ميكافيلي، الكل في خدمته. الكل يجري في خدمته تحت ستار مجتمع ممزق عميقاً في ظل صراع مرير، صراع انفصل فيه الأخ عن أخيه. مستاء من الحياة اليومية الباهتة. الكل يعملون في ذلك القطاع العام الضخم ولا يتقاضون سوى أجور زهيدة.





الأسد وابنه بشار
حكم الأسد الأب كما ابنه بشار الأسد بقبضة حديد مبنية على منطق مليء بالأخطاء. أولاً فهو يخلق بين فشل أحد تطبيقات النظام الديموقراطي بطريقة وتطبيقات خاطئة. فهو يعتبر أن الحاكم الدكتاتوري أقدر من الحاكم المنتخب بطريقة ديمقراطية وأقدر على اتخاذ القرارات الإصلاحية اللازمة على الرغم من كونها صعبة وغير محببة لعامة الشعب. فقط القرارات محببة لأن من اتخذ القرار هو حاكم مستعبد.نظام الأسد دكتاتوري بما يفوق خيال الناس ولأنه كان وحشياً جداً جاءت عملية خلعِه من الحكم صعبة جداً.اللافت أن الدكتاتوريين هؤلاء حققوا نتائج انتخابية عالية جداً بنسبة 99% من الأصوات. وفي مناطق قريبة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك انتخب بنسبة 88,6%، عبدالعزيز بوتفليقة أعيد انتخابه في الجزائر للمرة الثالثة على التوالي بنسبة اقتراع بلغت 90,2%، بول غوغان في رواندا (93%)، اسماعيل عمر غولي فاز كمرشح وحيد في (Dijiboutien) شبه أصوات بلغت (100%).


بشار الأسد ابن حافظ الأسد فاز في دورة الانتخابات الأخيرة بنسبة اقتراع بلغت 97,6% ولم يترك لخصومه سوى 2,4% من الأصوات! وفيما اعتبره نضجاً كبيراً في العملية السياسية في سوريا وألق الديموقراطية فيها".
حياتهم العاطفية

أما الحياة العاطفية للدكتاتوريين فهي مضطربة وتظهر حتى أن الأشياء المخيفة هم أيضاً كائنات تستحق الضعف والعطف والحنان هتلر وستالين أمضيا كثيراً من الوقت مع العشيقات أكثر من مراجعة النصوص السياسية. ديان دوكري زوجة أسامة ابن لادن وصفت أسامة بغول من النعومة كأنك أمام غزال صغير في الصحراء. عشيقة فيديل كاسترو الألمانية ماريتا لورينز تحدثت عن كاسترو الرومنطيقي والطفل الكبير الذي يحب اللعب على سجادة الصالون مع نماذج مختلفة من السيارات(...). لكن لماذا نتحملهم؟ يجيب ايتيان دولا بوتيي العام 1576 "لأن هذا ما يديرونه لمصالحهم".وما على الشعوب إلا أن ننتظر انبلاج فجر الحرية والرغبة بالحرية تعطي قوة الثورة. بعض الآخرين ينشقون صامتين. الدكتاتوريون يصيرون أمراً ممكناً لأن عندنا جميعاً مضطهدين لأنفسنا. وبانتظار أزمة اقتصادية حادة، أو ضعف الأسواق، أو ضعف شرعية النظام أو التدخل الخارجي أو الخوف من الخارج أو قوى غير مرئية أو الفوضى.. نعم الفوضى! إذاً يظهر الدكتاتور "هو الذي يتكلم". قوي. هذا يحدث الخوف، كلا؟
لكنه أرخبيل لا ينتهي: دكتاتور ودكتاتور، في بيلاروسيا على أبواب أوروبا، في زيمبابوي، في سوازيلند، في تركمانستان وأيضاً في سوريا.
في بيلاروسيا آخر الدكتاتوريين في أوروبا ألكسندر لوكاشينكو منذ العام 1994 يحكم بيلاروسيا بمساعدة موسكو التي تغذي بيلاروسيا بالغاز. في زيمبابوي وعلى مدى 32 عاماً يحكم روبرت موكايا (88 عاماً) كبطل تحرير سابق..ليس بعيداً عن زيمبابوي يحكم ميسواتي الثالث (43 عاماً) غارقاً في الثراء والقلادات الذهبية وشراء السيارات والبذخ والفساد والنساء.
في سوريا ورث بشار الأسد السلطة عن والده حافظ الأسد منذ العام 2000 كنظام دكتاتوري دموي بامتياز ولأن الدم يرث الدم بلغت حصيلة القتلى في الثورة السورية منذ حادثة تعذيب أطفال درعا نحو 25 ألف قتيل إلى الآن.بدوره، سابرامرات نيازوف أب التركمان يمسك بلده بيد من حديد، طبيب الأسنان السابق يقود الجمهورية السوفياتية السابق وأعيد انتخابه بنسبة 97,14% ولا يخفي ولعه بالمسرح والسينما والأوبرا.بالتأكيد تقلّص عدد الطغاة مثل هتلر وستالين وبول بوت وبنوشيه والخميني وغيرهم من أسماء تعزز مقولة "الدكتاتورية تدور حول الدكتاتور" وفي منطق مليء بالأخطاء عن صورة القائد المزخرفة كبطل تحرير أو الغموض والقوة في أروقة القصور الرئاسية. لكن الدكتاتوريات لا تحكم بنفسها، وتحتاج إلى تضافر الجهود لإدارة شؤون البلاد والمحافظة على النظام وحماية حدود الدولة وإدارة الاقتصاد.. وهذه أمور ليست سهلة على الدكتاتور كما هي للقائد المنتخب بطريقة ديموقراطية أو "الدكتاتورية المثالية" سواء في أروقة الكرملين أو في فيلا بن علي الساحلية أو القذافي في باب العزيزة المحطم أو جمهورية موبوتو سيسيكو من مجاميع دوفاليه (هايتي) أو الجماعات العشائرية أو سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا أو إدوار شيفرنادزه (جورجيا).. كل هذه الأنظمة تبدو مع مرور الوقت أكثر فأكثر بقايا غير مأسوف عليها من القرن العشرين ومؤشراً لما يمكن أن يحمله المستقبل للإنسانية.يقول ألكسيس دي توكفيل معلقاً على الثورة الفرنسية: "إن أخطر وقت تمر به الحكومات السيئة عندما تبدأ عملية إجراء الإصلاحات". ما كان صحيحاً في القرن الثامن عشر قد يكون صحيحاً في القرن الواحد والعشرين.هل سيؤمن الكوريون الشماليون فعلاً بعد اليوم أن كيم يونغ ايل يمكنه تغيير الجو كيفما يشاء؟ هل سيؤمن الليبيون بعد القذافي أن الكتاب الأخضر كان كتاباً سياسياً وفلسفياً عبقرياً؟ هل سيؤمن التركمان أن كتاب سابرامرات نيازوف هو كتاب مقدّس؟ تعزيز الانضباط داخل المجتمع صار أمراً صعباً، المعتقدات الشخصية لم تعد ذات طبيعة استراتيجية كما أيام ستالين. تغيّرت الوظيفة السياسية، لم تعد تحتاج لدكتاتور لإتمامها.الدكتاتورية في سبيلها إلى الزوال لكن السؤال ما الذي سيفعله العالم الليبرالي الغربي في ربيع ديموقراطي غربي لدعم الديموقراطية في العالم العربي. هذا ليس كل شيء: "الحكام الدكتاتوريون سيسقطون في بعض الأحيان على الرغم من المساعدات الأميركية وليس بسببها".



أغنى رجل - قصة للروائي الصيني ها جن












ها جن Ha Jin : كاتب صيني معارض يقيم في الولايات المتحدة. يكتب القصة و الرواية. من أهم أعماله نفايات الحروب، تحت الراية الحمراء، محيط من الكلمات، حياة حرة، و غير ذلك. له أيضا مجموعتان شعريتان. يعتمد في مجمل أعماله على الأسلوب الساخر و اللغة الشاعرية و تحليل الشخصيات.


الترجمة من مجموعته القصصية تحت الراية الحمراء


















كان لي وان أغنى رجل في بلدتنا. في السابق عمل طبيبا في الجيش، ثم انتقل منه عام 1963. و بعد ذلك، أصبح طبيبا في مستوصف المنطقة، حيث تعمل زوجته ممرضة. و عرف هناك بلقب تين ثاوزاند ( عشرة آلاف) و هذه إشارة للمبلغ الذي يحتفظ به في البنك. قبل ذلك بسنوات، كان له لقب مختلف: فقد أطلق عليه الناس اسم ثاوزاند ( ألف ) ، لأن مدخراته في تلك الفترة لم تكن قد وصلت لخمسة أعداد.
كان لي بائسا. و كل البلدة تعلم كم هو متقلب. و توجد حوله عدة تناقضات: كان يستعمل رماد الصودا كمعجون أسنان و كصابون للتنظيف، و قد سن لزوجته قانونا يقضي أن لا تضع حين تطهو المعكرونة ما يزيد على أربع فتافيت من القريدس الجاف، و عوضا عن شراء علبة سجائر يشتري أربع أو خمس لفافات في كل مرة، و يخزن في البيت إأراق الذرة ليستعملها كورق مراحيض. و طبعا، التقتير فضيلة. كل شخص يعلم كما ورد في الصفحة الأخيرة من كتاب حبوب البيوت ما يلي : لو وفرت من كل وجبة لقمة، في نهاية العام سيكون لديك عدة قيراطات.
و لكن بالنظر لدخله الشهري الذي يبلغ 110 يوان، و هذا تقريبا يعادل ضعف دخل العامل العادي، يجب على لي أن يبسط يده كل البسط.
و ما كان عليه أن يجادل بائعي البيض و الخضار في السوق كما لو أنه يشتري ثورا، ومع أن الواجب يهيب تقديم خدمة لأحد الجيران، بين فترة و أخرى، كأن يقدم قلم رصاص لولد في يوم عيد الطفولة أو أن يمنح عجوزا قضيب سكر قصب في منتصف مهرجان الخريف ، فهو لا يفعل شيئا من ذلك. و كان عليه أن يتعلم كيف يصبح معطاء. في الواقع بنظره إن العطاء شيء صعب حتى على رجل ميسور الحال.
إن قلة من الرجال تثري دون أن يكونوا أنانيين و متعجرفين. و لي وان ليس استثناء.
مع أنه قميء بطبيعته، فهو مستعد للمباهاة. كان لديه أفضل بارودة ذات ماسورتين، و لم يكن لها ثان، و لديه كاميرا ألمانية، و دراجة نارية نوع يلو ريفير. و كان يوجد رجل آخر في ديسماونت فورت لديه دراجة نارية، و لكن هذا الرجل، و الذي يعمل في معمل هارفيست فيرتيلايزر ، من بين الأغبياء. كان يمتطي الدراجة للتباهي و يقول للنساء اللواتي لا يعرفهن إنه مهندس. أما في حالة لي، إن هذه الممتلكات التي تحت يده تنم عن ثراء محسوس. و لكنه لم يسمح لأحد بلمس دراجته و لم يقبل أن يمتطيها غيره.
و كما نعلم إنه من غير التمييز بين الراقي و المتخلف لا يوجد مجال للخلاف، و من غير الفروق الطبيعية بين الغني و الفقير كل شخص يكون مطمئنا و مستقرا. هذه الحكم القديمة درر ثمينة. و لكن كل البلدة تكره لي، الذي بمباهاته و تقتيره حول حياة الناس لحمل ثقيل. لقد اتفقوا جميعا أنه يستحق أن يكون عقيما.
و حينما اندلعت الثورة الثقافية، حاولت المؤسستان الشعبيتان الأقوى في البلدة، جماعة الماويين و حلقة أفكار زيدونغ، ضم لي إليهما، ليس لأنه غني و لكن لأنه كان سابقا ضابطا في القوى الثورية. أضف لذلك إنه طبيب، و يفيد المؤسسات الشعبية، و لا سيما حينما تكون هناك حراب و سيوف و بواريد و قنابل و ألغام موجهة ضد الأعداء. لقد رفض لي الانضمام لأي من المؤسستين، و تسبب له ذلك بحساسية مفرطة. وكما قال الرئيس ماو:" إن لم تكن في صف الشعب، فأنت عدوه".
و بالطبع بدأ بعض الرجال من حلقة أفكار ماو زيدونغ في التفكير كيف يعاقبون لي وان. و لم يكن ذلك سهلا، لأن لي من عائلة فلاحين فقراء، و عضو في الحزب، و يبدو أنه أحمر ظاهرا و باطنا. و بالرغم من ذلك، وضعوا عينهم عليه و كلفوا شابا، هو تونا في، بتحضير ملف عنه و تجميع قرائن ضده.
لقد كانت المشكلة باختصار أن البلدة كلها مشغولة في التحضير للثورة، ولا تحتمل رجلا يمتطي دراجة نارية في عطلة الأسبوع، لينطلق بها إلى الجبل و على ظهره بارودة براقة يصيد بها الطيور؟.
و في إحدى الأمسيات جاء تونغ إلى مبنى الحلقة و أعلن بصوت مضطرب أمام معاون المدير، جياو ليومنغ، و بحضور عدد من رجال آخرين، قائلا:" لقد انتهينا من موضوع لي ثاوزند في هذه المرة".
و ألقى على الطاولة كرة ملفوفة من الورق الأبيض و بدأ يفكها.
ثم ظهر أمامهم شعار ماو و لكنه مكسور. و صدمهم أن يشاهدوا رقبة الرئيس مفصولة عن وجهه المبتسم. و سأل جياو بدهشة بالغة:" من أين حصلت على هذا؟".
قال تونغ مفتخرا:" ألقاه لي ثاوزاند في النفايات قرب مطعم فكتوري. و رأيته يفعل ذلك بعيني هاتين". يا لها من جريمة نكراء. و قرروا جميعا إدانة لي وان في تلك الأمسية.
ترك لي العمل في المستوصف متأخرا في ذلك اليوم بعد معالجة عامل حجارة. و كان ينتظره ستة رجال أمام باب بيته. و لحظة ظهوره في زاوية الشارع توجهوا إليه و هم يقولون:" نحن هنا لنرافقك إلى اجتماع".
لحس لي شفته العليا و قال:" أي اجتماع؟".
" اجتماع إدانة ضدك".
" ضدي؟ و لكنني لست معاديا للثورة، أليس كذلك؟".
" بل أنت معاد. توقف عن النفاق. كلنا نعلم أنك كسرت شعار الرئيس ماو".
" كلا، أنا لم أفعل! كان مصنوعا من البورسلان. و وقع على ارض إسمنتية بالصدفة".
لم يكن يوجد جدوى من الجدال. قبضوا عليه و قادوه إلى بنسيون كارتير، حيث مقر الحلقة. فكر لي: قف بظهر منتصب. لن أخشى و لو بمقدار حبة خردل. فقد مر بتجارب في الجيش و لديه صداقات مع كبار الضباط في المقاطعة. لماذا يخاف من هؤلاء الجنود الأقزام و الزاحفون على بطونهم؟. تبعهم بمنتهى الهدوء و دخن سيجارة حضرها بنفسه خلال الطريق.
أدخلوه لغرفة الطعام، حيث يجتمع حوالي مائة شخص. و مر لي بعاصفة من الهتافات الحماسية حتى أصبح في المقدمة، و أجبر على حمل لوحة كتب عليها بحروف كبيرة و بالحبر الأسود:" الثورة المضادة الراهنة".
و أعلن مدير الحلقة لين شو بصوت مرتفع:" أيها الرفاق، وجدنا هذا في النفايات اليوم". و رفع يده بالشعار المكسور. و تابع:" اقترف المجرم لي وان جريمة. لا شك أنه يكره من فترة طويلة قائدنا العظيم".
صاحت امرأة متوسطة العمر كانت بين الجموع:" سحقا للثورة المضادة و اللعنة على لي ثاوزاند". و تبعها الموجودون و هم يلوحون بقبضاتهم المرفوعة. لقد فهموا أن لي مختلف عنهم ليس بالثروة فقط و لكن بالمظهر. و هذا زاد من قناعتهم بشره و لؤمه.
غير أن لي ليس فريسة سهلة. فقد رسم على شفتيه ابتسامة لامبالاة و قال بصوت مرتفع:" تقولون إنني معاد للثورة؟ يا لها من نكتة. أين كنتم تختبئون حينما خاطرت بحياتي و قاتلت أشباح الأمريكيين في كوريا؟ ماذا قدمتم لبلدنا و للحزب؟ دعوني أخبركم، لقد حصلت على تزكية و امتياز مرتين. بيدي هاتين أنقذت مئات الثوار، و هم لا زالوا أصدقاء لي". و مد يديه اللتين تشبهان شفرات مروحة صغيرة.
صاح أحد الموجودين بعبارة طالما كررها الرئيس ماو و هي: " لا تتكئ على ماضيك الزاهي. ماذا فعلت في الوقت الحاضر".
و صفع جاو وجه لي و قال من بين أسنانه:" خذ هذه اللطمة. لو تابعت ثرثرتك لكسرت لك جمجمتك. اللعنة عليك. أنت اليوم صاحب أملاك و عقارات".
و صاح رجل يقول:" سحقا لصاحب الأملاك لي وان". و تابع الحشد الهتاف وراءه بنفس النغمة وبصوت حزين.
فاجأت الصفعة لي و كذلك العبارة الجديدة التي لم يسمعها من قبل، و حافظ على عينيه المنغوليتين منكستين للأرض. و مع ذلك تدبر أمره ليقول:" لست مجرما. هذا حادث. كنت أضع الشعار على صدري خلال العمل. و لكنه سقط على الأرض الإسمنتية تلقائيا بينما كنت أغسل يدي".
سأله لين:" من رأى ذلك؟".
" لا أحد، و لكن أقسم بالحزب أن كل كلمة ذكرتها صحيحة"،
قال عدة أشخاص دفعة واحدة:" لا تستمع له فهو كاذب". لقد أثار حفيظتهم صوت لي البارد في مثل هذه الظروف يسقط أي شخص على ركبتيه و يطلب الرحمة، و لكن لي الذي لم توجه له إدانة قبل الآن، لم تكن لديه فكرة عن التذلل وحسن التصرف. ثم دخل أربعة رجال في أيديهم هراوات طويلة و حبال. اقتربوا من الصفوف الأمامية و وقفوا على الطرفين. سأل جياو:" ألن تعترف بجريمتك؟".
مع أن لي ارتعب منهم قال:" لا شيء عندي لأعترف به. أنا عاشق للرئيس ماو و أضحي بحياتي في سبيله. فكيف يمكن لي أن أكرهه؟ لقد خلص قبيلتي من الموت. و أبي و أجدادي عملوا أقنانا في الحقول. و لكنه خلصهم من ذلك! فكيف لي أن أكرهه؟".
صاح المدير لين قائلا:" توقف عن النفاق. صوت الحقيقة أعلى من الكلمات. أثبت لنا أنك تحب الرئيس ماو، عليك اللعنة".
" نعم أثبت لنا ذلك".
" قدم لنا الدليل".
و فورا خيم الهدوء و السكينة على الغرفة، و ركزت العيون نظراتها على وجه لي البدين، كما لو أنهم ينتظرون منه أن ينشد أغنية عاطفية، أو يرقص رقصة ولاء و تأييد، أو أن يفعل شيئا يمكن له أن يدلل على مشاعره الصامتة. في الخارج، بدأ حصان بالصهيل و بضرب حوافره على الأرض.
انتصب لي بقامته قليلا و ابتسم. ثم نظف حلقه و قال:" حسنا، دعوني أخبركم بشيء. من أربع سنوات أرسلت بطاقات تموين، خمسين كيلو بالكامل، للرئيس ماو. كنتم جميعا تتضورون من الجوع، أليس كذلك؟. و أنا أيضا. و لكن بعكسكم كنت في كل وجبة آكل أقل من الآخرين و احتفظت بقسائم التموين للرئيس ماو. لأنني أحبه و لم أرغب أن يتضور من المجاعة مثلنا. و هذه حقيقة أكيدة. و يمكن أن تتأكدوا من وحدتي العسكرية السابقة. لو لفظت كلمة واحدة كاذبة اقطعوا لي رأسي".
و اهتاج الحشد. و لم يتمكن العديد منهم كبت ضحكاته، و هم يقولون يا لغباء لي . كيف تسنى له أن يفكر أن الرئيس ماو بحاجة لقسائم طعامه، و لكن لم يقل أحد إنه لا يحب الرئيس. و اضطرب زعماء الحلقة بهذا التحول، و لم يتوقفوا عن القهقهة. و صاح الزعيم لين و يداه تحيطان بفمه:" الهدوء من فضلكم. انتباه لو سمحتم".
و لدهشة الناس اقترب هو مينغتيان، و هو أستاذ شاب في المدرسة الإعدادية، من الصف الأمامي. وشعر لي بالتوتر من مرأى هذا الشخص القصير صاحب النظارات، و كما يذكر حاول في الماضي أن يقترض منه كاميرته الألمانية، و لكنه رفض طلبه.
التفت هو إلى الحضور و قال:" لا تغتروا به. هذه من شيم المضادين للثورة أيضا"، ثم استدار إلى لي و قال:" تعتقد أنك ذكي جدا و لا أحد يتكهن بنواياك، أليس كذلك؟. من الواضح أنك أرسلت القسائم لتدين الرئيس ماو. كانت غايتك أن تقول له انظر كلنا نتضور من المجاعة لأنك أنت القائد".
صاح لي قائلا:" كلا، كنت أجوع لأنني عاشق للرئيس ماو".
و لكن هو قال للحاضرين:" انظروا، كيف يستعمل الكلمات؟ إنه يلوم الرئيس ماو. لقد جاع لأنه يحب الرئيس ماو. لو لم يكن محبا له، لما تعرض لغائلة المجاعة".
لزم الناس الصمت، و برزت على وجوههم ملامح الاضطراب و الاهتمام، ثم لعن لي الشاب بقوله:" لعنك الله يا بيضة السلحفاة".
فصاح لونغ في:" أغلق فمك البذيء".
و تكلم هو مجددا فقال:" لدي إثبات على ما أقول. من أربع سنوات أرسل القسائم، و في العام التالي جاء إلينا. و اعتقد أن الزعماء في بيكين لن يفهموا لعبته؟. كانوا يشاهدون ما بداخله. و لذلك مع أنه طبيب برتبة ضابط أعفي من مهامه و أرسل إلينا ليعمل في عيادة تافهة".
غاضت الملامح من وجه لي و بدأ يرتعش. كان كأنه تلقى ضربة على الرأس بمطرقة، و أصابه الدوار و لم يعرف كيف يرد. و سالت الدموع على خديه، ثم قال هو بصوت مستقر:" يا رفاق.. أقترح إرسال شخص لوحدته العسكرية ليعرف حقيقته".
فناح لي و انفجر بالبكاء و هو يقول:" آه، أخبرونا أن الرئيس ماو يحصل على نفس الحصة التموينية! آه، آه". و غلبه البكاء حتى غاب صوته. و أخيرا اقتنع الناس أنه فعلا ثعلب بشكل إنسان. و انبثقت الهتافات و اللعنات الواحدة بعد الأخرى. و بدأ الرجال يضربونه بالهراوات.
" آه، اتركوا لي حياتي! أقر أنني مضاد للثورة، أعترف لكم. لا تضربوني".
" اضربوه!".
" اسلخوا جلده عن عظمه".
في تلك الليلة أودع لي في السجن داخل اصطبل يوجد خلف البنسيون، و ذهبت جماعة إلى بيته لمصادرة كل مقتنياته و دفتر شيكاته.
من اليوم التالي و ما بعده، أصبحت الدراجة و الكاميرا مشاعا و لكل عضو في الحلقة الحق في استعمالهما ( و تعلمت دستة من الرجال كيفية امتطاء الدراجة)، أما البارودة فقد أودعت في أمانات الفصائل المسلحة التابعة للحلقة. و طبعا، استمتع العديد منهم بإطلاق النار و صيد الطيور و الأرانب البرية في الجبال.
و بعد شهر أرسل لي وان إلى قرية سي نيست لإصلاحه. و من حسن حظه، لم يرسل إلى الحقول ليعمل بصفة يد عاملة. و هناك خدم بصفة طبيب حافي القدمين لخمس سنوات و من غير أجر. و خلال هذا الوقت، كتب ما يزيد على مائة رسالة لإدارة المقاطعة و مناطقية شينيانغ العسكرية، يطلب فيها إعادة التأهيل.
في بداية السنة السادسة اتضحت قضيته. باعتبار أنه رجل متنقل لا شك أنه غير مضاد للثورة. و استدعته القرية، و أعيدت له الأشياء المصادرة، لكن الدراجة كانت قد تحطمت و لا تعمل، و عدسة الكاميرا ناقصة، و إحدى إسطوانتي البارودة قد انفجرت. و مع ذلك أصبح أغنى، بسبب دفتر الشيكات الذي أعيد إليه.
أضف لذلك، أنه تلقى مبلغا من المال كجعالة تغطي عمله في القرية عن الأعوام الخمس السابقة. و فورا تضاعفت مدخراته. و في اليوم الذي أودع به النقود في مصرف الشعب، بدأ الموظف هناك بنشر الخبر في البلدة. و في غضون أسبوع، تبدل لقب لي و أصبح تين ثاوزاند ( عشرة آلاف) و قد أسعده ذلك جدا. كم كان الرب في السماء ظالما و غير عادل. لقد أصبح لي أغنى رجل مجددا، فسعر الفائدة وحده كان أكبر من ما يجنيه أي عامل من كد يمينه. هذه مفارقة، أليس كذلك؟. هذا ما تبادر لذهن الجميع.
و شرع لي يحتقر البلدة كلها. و لم يتمكن من الانسجام مع أحد. و اشترى دراجة جديدة و كاميرا أخرى، من صناعة شنغهاي. و توقف عن الصيد بالنار و تحول لصيد السمك، فاشترى قضيبي صيد من الفولاذ و شبكة متينة من النايلون. و في هذه الأيام يفكر بشراء قارب مطاطي. و قرر أن لا يقرض كاميرته لأحد، و أن لا يسمح لأحد بامتطاء دراجته. و استمر على عادته في مجادلة الباعة الجوالين في السوق و مع المتسكعين في الشارع. و بدأ الناس يتكلمون عن طباعه الغريبة و لا إباليته. و سرا، كان بعضهم يتمنون لو تدخل على الساحة حركة سياسية معارضة.