الخميس، 27 أغسطس 2020

يوميات نائب في الأرياف


«إنني أعيش مع الجريمة في أصفاد واحدة. إنها رفيقي وزوجي أطالع وجهها في كل يوم».

هكذا يكتب الراوي/النائب في مطلع رواية توفيق الحكيم الرائدة «يوميات نائب في الأرياف»، ليبدأ بعدها مشاهداته الواقعية أثناء عمله كممثل للقانون في ريف مصر، ومشاهداته للجرائم المتباينة التي تتراوح بين سرقات صغيرة وخلافات عائلية وحتى جرائم القتل، ويبرز بينها جريمة إطلاق النار على قمر الدولة علوان.

في نهاية الكتاب الصادر عن «مكتبة مصر»، يذكر الناشر بعض آراء النقاد الغربيين في الرواية، إذ يقول الصحفي الفرنسي جان لاكوثور: «الكتاب قبل كل شيء وثيقة (أنثروبولوجية) عظيمة.. وصورة من أكثر الصورة أمانة، وأبلغها تأثيرًا، لمجتمع القرية في مصر».

في مقابل هذه النظرة «الأنثروبولوجية» للرواية، يتحدث غالي شكري في كتابه «ثورة المعتزل» عن واقعية الرواية التي انفصلت عن الحس الرومانسي، الذي اتسمت به كتب الحكيم والروايات العربية قبل «يوميات نائب»، وكيف أثرت واقعية هذه الرواية في الأدب الواقعي الاشتراكي المصري التالي للحكيم.

ورغم وجاهة هذين الرأيين إلا أنهما يغفلان جانبين آخرين مهمين لرواية «يوميات نائب في الأرياف»؛ أولهما الجانب الوجودي في وضع النائب، المغترب الذي سقط على إحدى القرى ويعي تمامًا عبثية موقفه ووظيفته وعبثية القانون الذي يطبقه، هذا الوضع الذي صار يصيبه بالتبلد.

والجانب الآخر هو الجانب البوليسي في القصة، فوسط مشاهدات النائب وأوصافه الواقعية للقرية ومحاولات تطبيق القانون فيها، يظل حجر الأساس في الرواية كلها، أو الهيكل الذي يمسك مفاصلها هو حادث إطلاق النار على قمر الدولة علوان، الجريمة التي تتكشف شيئًا فشيئًا أثناء مُضي الرواية، وينتظر القارئ معرفة معلومة جديدة أو كشف جديد عنها.

حين ننظر لخلفية توفيق الحكيم الثقافية نهتم باطلاعه على الثقافة الفرنسية الرفيعة، ومن ثم الكلاسيكيات الغربية، ونرى متابعة للحركة الفنية المصرية في شبابه، وهي التي كانت في أصلها حركة ترجمة اعتمد عليها المسرح المصري في بداياته، ولكن هناك خلفية أخرى تحدث عنها الحكيم، ففي صباه، ومثلما نقرأ جميعًا في صبانا، كان يقرأ كتب المغامرات والقصص البوليسية، يقول الحكيم للغيطاني في كتاب «توفيق الحكيم يتذكر» إنه قرأ «… حلقات وسلاسل المغامرات التي كانت تطيش بلُبِّي، فبعد سلسلة (زنجومار) جاءت حلقات (فانتوماس)، هذا إلى جانب روايات (روكامبول)».

وكثيرًا ما نتعامل باستهانة مع هذا الجانب من الثقافة حين نتحدث عن الكتاب الكبار، وهذه الاستهانة تمتد إلى النقد الراسخ، ففي كتابها «تاريخ حركة الترجمة الأدبية» تنتقد لطيفة الزيات الفترات التي اهتم بها المترجمون بهذه النوعية من الروايات، روايات «شرلوك هولمز» و«روكامبول» وغيرها، وبدا أنها تعتبر ترجمة هذا النوع «التجاري» انحرافًا عن مسار الترجمة المناسب، قبل أن يعود المترجمون المصريون لترجمة عيون الأدب العالمي.

ولكن رغم ذلك، لم يخل هذا الأدب من تأثير على الأدب المصري الرائد، ولا مفر من ذلك طالما نشأ الأدباء المصريون عليه. فالحكيم هنا يستخدم في روايته الحس البوليسي، ونجيب محفوظ استخدمه كثيرًا في أعماله، هو الذي قال إنه كان يقرأ سلسلة «جونسون» البوليسية التي يترجمها حافظ نجيب. فبخلاف مجموعة قصصية مثل «الجريمة»، استخدم محفوظ عناصر بوليسية في رواية تتسم بالفكر الفلسفي والصوفي مثل «الطريق».

لماذا اتجه الحكيم هذا الاتجاه في «يوميات نائب»؟ بالطبع كان لعمله في النيابة تأثيرًا عليه. ولكن في الرواية نفسها يقول الراوي بحسه الساخر إن حتى الجرائم الجنائية لم تكن تؤثر فيه، ويذكر موقف تعلم فيه من رئيس النيابة أن حجم محضر جريمة القتل يجب أن يكون كبيرًا ولا يصح أن يكون 10 صفحات فقط، أي أن العبرة بوزن المحضر وليس بأهميته أو بأهمية التعرف على الجاني.

إذن لدى الشخصية المبرر الكافي بأن تعتبر الجناية هنا أمرًا عابرًا، النائب نفسه لا يتعاطف –أثناء عمله- مع المجرم بسبب الجوع أو عدم الفهم، يمكن أن تصبح الجريمة هنا مشاهدة وسط المشاهدات، يعلق عليها النائب بحسه الساخر. وأصلًا الرواية العربية كانت فنًا ناشئًا، متأخرة عن المسرح أصلًا، ولن يُلام إذا لم يعزز في روايته حبكة، ناهيك بحبكة بوليسية. ولكن ربما كان الاختيار تلقائيًا، أو تأثر الحكيم بقراءات صباه، ولكن من المرجح أيضًا أن الحكيم أراد أن يظل القارئ منجذبًا للرواية، فكان الاختيار الأمثل هو متابعة هذا الخيط الدرامي المثير، وربما يكون هذا أيضًا ليكسب أرضًا جديدة وقارئًا جديدًا.

بعد المطولات التأملية والواقعية التي كانت تتخلل العمل، يعود الحكيم من آن لآخر ويذكر تطورًا في الأحداث وكشفًا آخر في الجريمة، فبعد إطلاق النار على قمر الدولة علوان نعرف أن هناك شخصية في حياته هي ريم، شقيقة زوجته، الفتاة الصغيرة الجميلة، التي يندهش جميع ممثلي القانون من جمالها، وقبل وفاة قمر الدولة علوان يتفوه باسم «ريم» حتى نتخيل أنها من أطلقت النار عليه. يظل الوضع غامضًا: هل هو في علاقة معها؟ هل يحبها ويمنع جميع من يتقدم لخطبتها؟ وبعدها نعرف أن زوجة قمر الدولة توفت مخنوقة، ما يجعلنا نتصور أركان مكتملة للجريمة، هل كان قمر الدولة وريم في علاقة، وأراد إزاحة زوجته؟ وأخيرًا تغرق ريم في الريَّاح. لتظل سلسلة الجرائم غامضة.

هكذا تظل الرواية جذابة حتى للقارئ العصري، فإذا كنت لا تولي اهتمامًا بوضع الفلاح المصري وطرافة تطبيق القانون الفرنسي عليه، أو وضع النائب بثقافته المختلفة في ريف مصر، أو السخرية من النظام القضائي (لنتخيل عملًا فنيًا يحمل سخرية مشابهة في عصرنا الحالي!)، فما زال لديك خط مثير للاهتمام تود معرفة تطوره باستمرار.

في النهاية لا يشبعك الحكيم بتقديم حل للجريمة، ولا شك أن وجود الحل كان سيقلل كثيرًا من قيمة الرواية. يُحفَظ محضر الجريمة كتعبير عن القانون الشكلي الذي يغلف كل شيء في مصر في ذلك الوقت، وحتى وقتنا هذا.

«يوميات نائب في الأرياف» رواية رائدة في فن القص العربي، وثيقة تاريخية عن عصر ما، تشتمل على حس ساخر للراوي يتميز به الحكيم، وموقف وجودي تقع فيه الشخصية الرئيسية، ولكن تصير الرواية أكثر إمتاعًا حين ننتبه إلى التقنية البوليسية التي استخدمها الحكيم، لتكون الأساس الذي يبني عليه كل شيء آخر.

الأربعاء، 29 يوليو 2020

عدد مرات منع الحج في الاسلام

إن كنت تعتقد أن فیروس كورونا كان السبب الوحید لتعلیق وإلغاء مراسيم الحج والعمرة لعام 1441 ھـ فأنت لست على صواب تماماً، فھناك ُ العدید من الأزمات والأزمان العصیبة التي جعلت من أداء مراسم الحج والعمرة أمراً صعباً على المسلمین مما اضطر المملكة العربیة .السعودیة إلى وقفھا خلال ھذه الفترات فنظراً لتزاید أعداد المصابین بعدوى كورونا في مختلف دول العالم مما أصبح بمثابة طارئة صحیة خطیرة تُھدد حیاة الكثیرین، قامت المملكة العربیة السعودیة باتخاذ عدداً من الإجراءات الوقائیة لمنع انتشار العدوى على أراضیھا ومنھا تعلیق دخول الزائرین إلى أراضي المملكة .لأداء مراسم الحج والعمرة أو زیارة المسجد النبوي الشریف بشكل مؤقت، كأحد الإجراءات الاحترازیة للوقایة من فیروس كورونا وكما ذكرنا فھذه لیست المرة الوحیدة بل توقفت شعائر الحج والعمرة على مر التاریخ حوالي أربعین مرة لظروف عصیبة، والتي نستعرضھا .معكم في المقال الآتي

عدد مرات منع الحج في الاسلام 

أجاز علماء المسلمین في مختلف دول الوطن العربي بجواز تعلیق أداء المسلمین لشعائر الحج والعمرة بموجب أسباب كبرى تستوجب الحفاظ على أرواح المسلمین، كانتشار الأوبئة كما هو حال فیروس كورونا، فقد تعطلت مراسم الحج على مر التاریخ قرابة 40 مرة والتي من أبرزھا:

 حادثة القرامطة وسرقة الحجر الأسود 317 ھـ


كانت ھذه المرة الأولى على مر التاریخ الإسلامي التي یتوقف خلالھا أداء مراسم الحج، حیث خاف الناس من أداء مراسم الحج ھذا . ً العام بسبب القرامطة الذین كانوا یعتقدون أن شعائر الحج واحدة من شعائر عبادة الأصنام خلال الجاھلیة ُ حیث ُ وقف أبو طاھر القرامطي خلال ھذه الحادثة على باب الكعبة منشداً على أعوانه أن یحصدوا أرواح من یقدموا على القیام  بالحج، لیغیر القرامطة على المسجد الحرام ویقتلوا كل من فیه بل وسرقوا الحجر الأسود لیحجبوه عن الناس فیما یزید عن 22 عاماً وحینھا لم یجد المسلمین أمامھم سوى التعلق بأستار الكعبة والاستغاثة بالله عز وجل، لیحیطھم القرامطة بالسیوف من كل جانب .وتختلط دمائھم بأستار الكعبة المشرفة

 حدوث مذبحة على صعید عرفة 251ھـ 



شھدت المملكة العربیة السعودیة في عام 251 ھـ، 865 ُ م على صعید عرفة مذبحة دمویة عظیمة حیث قام إسماعیل بن یوسف العلوي وأتباعه حشود الحجاج على جبل عرفة لیقتلوا منھم أعداداً غفیرة وتسیل دمائھم الطاھرة على الجبل، فتمت تعلیق شعائر الحج .حینھا 

ھجمات الأعراب والفتن الداخلیة 329 ھـ

 

ِ ورد في المراجع التاریخیة حدوث فتنة عظیمة بالعراق من قبل العامة بمدینة بغداد على النصارى، فحدث نھب للبیعة وإحراقھا لتسقط على مجموعة من المسلمین ویھلكوا في الحال .لتنتشر الفتنة وتتعاظم ببلاد العراق ھذا العام فلا یتمكن أھله من الذھاب لأداء شعائر الحج 

وباء الطاعون 357 ھـ خلال ھذا العام استشرى داء الطاعون في مدینة مكة لیموت بھا الكثیر من الناس بل ماتت الجمال التي كانت تحمل فوق ظھورھا الحجاج في الطریق عطشاً فلم یتمكن من بلوغ مكة منھم إلا عدد قلیل والذین مات أغلبھم عند وصولھم لمكة لإصابتھم بمرض . ُ الطاعون، حیث مات ما یزید عن ثمانیة آلاف شخصاً في بلاد الحجاز حینھا، فتوقفت شعائر الحج بسبب الوباء


توقفت رحلات الحج من مصر خلال عام 1213 ھـ أثناء وجود الحملة الفرنسیة بھا وذلك لخطورة الطریق وعدم أمانھا على الحجاجُ   لرحلات الحج بسبب ما عرف بحادثة المحمل المصري فأنقطع الحجاج تماماً من مصر  كما حدث في عام 1344 ھـ   انقطاعاً لم یتمكن أحد منھم من الذھاب إلى مكة 

 قتل الوباء الھندي للكثیر من الحجاج 1246 ھـ
خلال موسم الحج في عام 1246 ھـ، 1831 ً م تفشى في المملكة وباء عظیم أعتقد أنه جاء من بلاد الھند لیتسبب في وفاة ما یزید .عن ثلاثة أرباع أعداد الحجاج آنذاك 
وباء الكولیرا في عام 1846 ُ م
 تفشى وباء الكولیرا بین الحجاج بشكل كبیر لیظل منتشراً طوال موسم الحج في عام 1850م وقد تكرر في الأعوام .1865م ، 1833 ُ م مسبباً توقف شعائر الحج في السعودیة 


انتشار الغلاء 

تعطلت شعائر الحج خلال عام 390 ھـ بسبب انتشار غلاء الأسعار وتفشي الظلم والظلام فلم یتمكن أحد من أھل المشرق ولا أھل مصر من الذھاب للحج بسبب ما شعر بھ المسلمون من فقدان للأمن وانتشار النزاع والخلافات، وذلك قبل أن یتمكن الصلیبیون من .إسقاط القدس واحتلالھا بخمس سنوات فقط
 
ھروب الحجاج من الحجاز إلى مصر خلال عام 1858 ً م 

انتشر بالمملكة وباء شدید دفع الحجاج إلى الفرار من بلاد الحجاز إلى مصر التي أقامت لھم حجراً صحیاً في .منطقة بئر عدن منعاً لتفشي الأمراض والأوبئة 
موت الحجاج بمقدار ألف حاج في الیوم خلال عام 1864 ً م 
تفشى بالمملكة السعودیة وباء خطیر تسبب في وفاة ما یقرب من ألف حاج في الیوم الواحد، لینتشر بالمدینة ُ المنورة ولیصیب الكثیرین مما أضطر مصر إلى بناء حجر صحي بمكة المكرمة في الطریق من مكة إلى المدینة وإرسال الأطباء من .مصر إلى المدینة لعلاج المرضى والمصابین 
وباء الكولیرا وتراكم جثث ضحایاه خلال موسم الحج في عام 1982 م
 تفشى وباء الكولیرا بالمملكة مرة أخرى إلا أنه كان أكثر شدة فأصاب الكثیرین حتى تراكمت . ُ جثث ضحایاه فلم یكن الوقت یساع لدفنھم كلھم، حیث كانت أعداد الوفیات تتزاید في عرفات بل أنھا بلغت ذروتھا من الشدة في من
 وباء التیفوید ُ استشرى وباء التیفوید أو ما عرف بـ الزحار قبیل موسم الحج 1895 ُ م منطلقاً من قافلة تجاریة جاءت من المدینة المنورة لیستمر .ولكن لیس بشدة عند جبل عرفات وینتھي في منى بعد أن توقفت شعائر الحج
 التھاب السحایا انتشر مرض التھاب السحایا في عام 1987 ُ م بالمملكة وكانت خطورته تتمثل في شدته وسرعة انتشار العدوى بین الناس حیث .أصاب وقتھا ما لا یقل عن عشرة آلاف شخصاً 
ارتفاع الأسعار والغلاء ُ انقطع المصریون عن الحج في عھد الخلیفة العزیز بالله الفاطمي بسبب غلاء الأسعار حیث لم یتمكن أحد من أھل المشرق أو أھل مصر من الذھاب للحج في عام 419 ھـ، وحدث ذات الأمر خلال عام 421 ُ ھـ حیث تعطلت شعائر الحج فلم یتمكن من أدائه إلا ُ عدد قلیل من أھل العراق حیث ركبوا جمال الصحراء وصولاً لمكة، بینما كان الأمر أكثر شدة في عام 430 ھـ 
فلم یحج أحداً من .أھل الشام ولا مصر ولا أھل العراق وخراسان






الطقس السيء
حدث خلال عام 427 ھـ وفقاً ُ لما ذكره ابن الأثیر حیث اشتّد البرد في بلاد العراق لدرجة اختلاط المیاه بالأنھار الكبیرة مثل نھر دجلة قد تجمدت من شدة البرد، كما تجمدت السواقي بشكل كامل، ولم یسقط المطر كثیراً فلم یتمكن أھل العراق من الزراعة إلا قلیلاً .فتوقف الذھاب لأداء الحج من أھل العراق وخراسان لنكون بذلك قد عرضنا لكم أبرز الحوادث التي توقفت بھا أداء شعائر
الحج 



الاثنين، 20 يوليو 2020

الرشوة في التاريخ الإسلامي




عندما أراد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان (602-680) استمالة عامله على المدينة عبد الرحمن بن أبي بكر (ت. 666) لمبايعة ابنه    يزيد (647-683)، أرسل إليه مئة ألف درهم، فرفض الأخير أخذها، وقال: "لا أبيع ديني بدنياي"، وخرج إلى مكة ومات فيها قبل أن تتم البيعة ليزيد.
ورغم عدم إتمام هذه الصفقة، إلا أن هذه الرواية التي ذكرها المؤرخ ابن الأثير في كتابه "أسد الغابة في معرفة الصحابة"، واحدة من روايات كثيرة شاهدة على أن الرشوة كانت سُلّماً للاستحواذ على المناصب السياسية في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي.

الأمويون... حاشية ونساء
يروي مبارك حسن ذياب في دراسته "طرق وأساليب دفع الرشوة وأخذها في البلاد العربية الإسلامية لغاية سنة (656 هـ/ 1258 م)"، أن الرشوة لتحقيق الهدف السياسي المراد اتخذت أشكالاً مختلفة، فقُدّمت مثلاً إلى الوزراء والحُجاب وأعضاء الحاشية للتأثير على الخليفة لاتخاذ قرار معيّن
وضرب ذياب مثالاً من العصر الأموي، نقلاً عن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف"، مفاده أن حسان النبطي كان يسعى في تثبيت يوسف بن عمر (ت. 744) على ولاية العراق بينما أراد الوليد بن يزيد (709-744) عزله وتولية غيره، فقال حسان ليوسف: "لا بد لك من إصلاح أمر وزرائه وأصحابه، فقال له يوسف: أنت أعرف بالقوم ومنازلهم، ففرَّق عليهم حسان خمسمئة ألف درهم"، وبذلك تمكّن النبطي من استمالتهم بالأموال فأقنعوا ابن يزيد بالتراجع عن قراره.
وعرضت القصص التاريخية أن البعض كان يتعمّد رشوة نساء لتلبية طلباته، خاصة مَن كنّ مقرّبات من صاحب القرار كالأمهات أو الزوجات أو الجواري أو المحظيات اللواتي يتدخلن للتأثير عليه، علماً أن ما تذكره كتب التاريخ عن تأثيرات بعض النساء في السياسة غير موثوق ويقول البعض إن قصصهنّ كان يجري اختلاقها أو تضخيمها للحط من قدر الرجال، من منطلق ذكوري، فيما يقول بعض آخر إنها ناتجة عن مخيال شعبي يحب الربط بين النساء وحياكة الدسائس.
فقد ذكر البلاذري أن الخليفة يزيد بن عبد الملك (687-724) عُرف عنه حبّه المفرط للجارية حبابة، ولشدة تأثيرها عليه كانت وراء تعيين عمر بن هبيرة الفزاري على ولاية العراق، بعدما تقرّب إليها بالهدايا طالباً منها إقناع يزيد بتوليته.

العصر العباسي... الحُجاب الوسطاء

رغم تفشي ظاهرة الرشوة في العصر العباسي، سعياً للحصول على مناصب في الدولة وأهمها الوزارة، إلا أن الملاحظ أن الحُجاب كانوا أبرز مَن يُتجه إليهم في هذا الأمر.
روى محمد بن علي بن طباطبا العلوي المعروف بابن الطقطقي في كتابه "الفخري في الآداب السلطانية" أن الربيع بن يونس الحاجب توسط ليعقوب بن داود (ت. 802) لنيل الوزارة في عهد الخليفة أبو عبد الله محمد المهدي (754-785)، بعدما وعده ابن داود بمئة ألف دينار إنْ تولى المنصب، فنجح الربيع في إقناع المهدي بذلك.
وبحسب ذياب، لعب الرائش (الوسيط بين الراشي والمرتشي) دوراً في إتمام الكثير من الصفقات، منها ما رواه أحمد بن إسحق اليعقوبي في كتابه "تاريخ اليعقوبي" من أن طاهر بن الحسين كان يرغب في ولاية خراسان، فقدّم للوزير أحمد بن أبي خالد ثلاثة آلاف دينار ليكون وسيطاً بينه وبين عبد الله المأمون بن هارون الرشيد، ونجح في تحقيق ما أراده.
ومسّت الرشوة الخلفاء أنفسهم. دلل الدكتور أحمد عبد الرازق في كتابه "البذل والبرطلة زمن سلاطين المماليك" على ذلك بما رواه محمد بن جرير الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" من أن الخليفة أبو محمد موسى الهادي (764-786) سعى إلى أخذ البيعة لابنه جعفر من هارون الرشيد (766-809)، وعرض عليه مقابل تنازله عن ولاية العهد ألف ألف دينار.
واستعان الخليفة محمد الراضي بالله (907-940) في إدارة شؤون دولته ببعض الوزراء الضعاف الذين كانوا يبذلون له الكثير من المال ليرفعهم إلى مرتبة الوزراء.
يذكر الدكتور عبد الله سالم في دراسته "منصب الوزارة وأحوالها في العصر العباسي الثاني"، المنشورة في العدد السادس من مجلة البحوث الأكاديمية عن جامعة مصراتة، أن أبا علي بن مقلة تقلد الوزارة للمرة الثالثة بعدما دفع للخليفة خمسمئة ألف دينار، غير أنه لم يتمتع بها طويلاً، إذ ثار عليه الجند وعُزل.
كما تمكن أحد التجار الأثرياء ويدعى أبو القاسم البغدادي من تولية أصهاره أبو الشجاع محمد بن الحسين ومؤيد الملك في منصب الوزارة لدى الخليفة المقتدي بأمر الله (1056-1094)، باذلاً الكثير من الرشاوي، حسبما روى خليل بن أيبك الصفدي في "الوافي بالوفيات".
وفي إطار التنافس على منصب الوزارة، لجأ البعض إلى تقديم الرشاوي لنساء كان لهن أثر على أصحاب القرار، مثل السيدة شغب أم الخليفة جعفر المقتدر بالله العباسي (895-932)، فقد ذكر أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في في "المنتظم في تاريخ الأمم والملوك" أنها لعبت دوراً رئيساً في تولي أبو علي محمد بن عبيد الله بن الخاقاني الوزارة سنة 923 بعد أن قدّم لها مئة ألف دينار.
وبحسب أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه في "تجارب الأمم وتعاقب الهمم"، كان لنفس المرأة دور في تولي حامد بن العباس بن الفضل منصب الوزارة في عصر المقتدر، بعد أن وعدها بالمال.
ولعبت أم موسى القهرمانة التي كانت تدير الأمور مع الوزراء أيام المقتدر دوراً مشابهاً، إذ دفع لها ابن أبي البغل أموالاً كثيرة لتقنع المقتدر بتوليه الوزارة، وفق ما ذكر أبو الحسن الصابي في "تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء".
ويلفت عبد الرازق إلى أن كل وزير متى ما تقلد المنصب الذي يسعى إليه كان يضع في اعتباره استرداد ما دفعه بشتى أنواع الوسائل. وذكر ابن طباطبا أن الخاقاني، وزير المقتدر بالله، وُلّي الوزارة لمدة سنتين اشتهر خلالهما بكثرة التولية والعزل، إذ كان يعيّن في المنصب الواحد رجالاً كثيرين واحداً بعد الآخر، ولم يكن ذلك عن قلة تقدير للمسؤولية، بل ليأخذ من كل منهم رشوة.

البويهيون... شراء منصب الوزراة

ظهرت الرشوة بين البويهيين بأكثر من شكل وطريقة، منها الاتفاق المباشر بين الراشي والمرتشي بدون الاستعانة بوسيط بينهما
روى ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" أن أبا علي الطبري، عامل الأهواز وأحد رجال الدولة البويهية، رغب في نيل الوزارة، وعرض في سبيل ذلك على الخليفة معز الدولة البويهي (915-967) مئتي ألف درهم، وحمل منها مئة وثمانين ألف درهم، وقال لمعز الدولة: "بقيت بقية يسيرة إذا ظهر أمري حملتها" إلا أن الخليفة رفض تحقيق رغبته قبل دفع المبلغ المتفق عليه كاملاً.
وحضر الوسيط أيضاً في بعض المواقف، فقد ذكر ابن مسكويه أن شيرزاد بن سرخاب كان مقرّباً من عز الدولة بختيار بن معز الدولة (943-978) ويسمع كلامه ويأخذ برأيه، لذا التجأ إليه أبو الفضل بن الحسين الشيرازي سنة 967 ليكون وسيطاً بينه وبين بختيار لنيل منصب الوزارة، وعرض عليه مبلغاً يدفعه له كل سنة، فتحقق له ما أراده.

الفاطميون... بيع الولايات
لم يشذّ العصر الفاطمي عن سابقيه، فشاعت الرشوة وأصبحت وسيلة لتبوؤ المناصب السياسية. تذكر الدكتورة تيسير محمد شادي في كتابها "الفساد في الدولة الفاطمية سياسياً وإدارياً واجتماعياً واقتصادياً"، أن الصالح طلائع بن رزيك الذي تولى الوزارة في عهد الخليفة الفائز بدين الله (1149-1160)، ثم العاضد لدين الله (1151-1171) كان شرهاً وحريصاً على تحصيل المال، فأخذ في بيع ولايات الأعمال للأمراء بأسعار مقررة عُرفت بـ"البراطيل" أي "الرشاوي"، وجعل لكل ولاية سعراً محدداً، وحدد مدة كل منها بستة أشهر فقط خوفاً من أن يثورو عليه الولاة.

المماليك... سلاطين مرتشون
ربما لم تشع الرشوة في عصر كما شاعت مثل عصر المماليك، فكانت الطريق الوحيد الموصل إلى الوظائف المهمة مثل "النيابة".
في ذلك العصر، برز منصب نائب السلطنة، ويروي عبد الرازق أنه كان بمثابة الرجل الثاني في الدولة لقيامه مقام السلطان أثناء غيابه ولاشتراكه معه في توزيع الإقطاعات وتعيين الموظفين بل وفي الحكم في كل ما يحكم فيه السلطان.
وكان نواب القلعة وأقاليم مصر والشام يولون عن طريق البذل والبرطلة. يذكر تقي الدين المقريزي في "السلوك لمعرفة دول الملوك" أن السلطان الأشرف شعبان استدعى سنة 1376 الأمير صلاح الدين خليل بن عرام، نائب الإسكندرية، فقبض عليه وصادر ممتلكاته، ولم يعده إلى منصبه إلا بعدما تلقى منه مليون درهم.
وسنة 1399، أصدر السلطان الظاهر برقوق مرسوماً سلطانياً بتعيين الأمير فرج الحلبي نائباً للإسكندرية، مقابل رشوة قدرها أربعمئة ألف درهم.
وأعاب المؤرخ ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة في مصر والقاهرة" على السلطان المؤيد شيخ توليته نيابة الإسكندرية سنة 1416 لعلاء الدين قطلوبغا عن طريق الرشوة، وكتب: "صار لا يترقى في هذه الدول إلا من يبذل المال، ولو كان من أوباش السوقة لشره الملوك في جمع الأموال".
أما نيابة دمشق، فكانت دائماً موضع سعي ومزايدة بين أمراء المماليك، نظراً لما كان لمتوليها من سلطة ونفوذ على باقي نيابات المملكة الشامية، لذا اهتم كثيرون من النواب بإهداء السلاطين من حين إلى آخر هدايا نفيسة حتى يحتفظوا بمناصبهم لأطول فترة ممكنة.
ففي سنة 1376، قدِم الأمير سيف الدين بيدمر إلى مصر وبصحبته هدية للملك الأشرف شعبان لم يُعهد بمثلها، فثبّته في منصبه بعد أن كان مهدداً بتركه.
والغريب أن الأشرف عزل بيدمر في السنة التالية، لكن الأخير عقد العزم على العودة إلى نيابته مهما كلفه الأمر، ويبدو أنه نجح في مساعيه بدليل أن مؤرخي تلك الفترة سجلوا توليه هذا المنصب ست مرات آخرها سنة 1381، وذلك عن طريق البذل والبرطلة حسبما روى عبد الرازق.
ويتحدث بردي عن الأمير تنم الحسني الذي اتبع أسلوب المهاداة من أجل الاحتفاظ بوظيفته، ويروي أنه أهدى للسلطان برقوق سنة 1396 هدية جليلة، منها عشرة مماليك صغار، وعشرة آلاف دينار وثلاثمئة ألف درهم فضة، وسيف من الذهب ومئة وخمسين فرساً، فأمر السلطان باستمراره على نيابته لدمشق.
وروى المقريزي أن الأمير سودون بن عبد الرحمن قدّم للسلطان الأشرف برسباي سنة 1426 رشوة كبيرة، هي عبارة من 15 ألف دينار وقماش وفرو بقيمة ثلاثة آلاف دينار، ومع ذلك استدعاه السلطان إلى القاهرة سنة 1429، فاضطر إلى تقديم هدية أخرى، لكن السلطان نصحه بضرورة مهاداة بقية أمراء الدولة أيضاً.
ظل سودون في القاهرة في انتظار أن يأذن له السلطان بالعودة إلى مقر نيابته إلا أن إقامته طالت، وبدأ يدور همس في أرجاء القصر بأن السلطان ينوي عزله وإبقاءه بمصر. عندئذ لم يجد الأمير سوى الاستعانة بسلاح المال، فدفع له 25 ألف دينار، ووعد بمثلها، فأمر الأشرف بعودته إلى مقر نيابته في دمشق.
وتجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن الثقة بشكل أعمى بالقصص التي تعجّ بها الكتب التراثية العربية، إذ لم يكن الكتاب والمؤرخون يتحرّون الدقة في تناقلهم للأخبار ولم يهتموا بالتدقيق فيها، كما أن جزءاً كبيراً من هذه القصص وُضع لتشويه صورة خليفة أو قائد ما أو حقبة ما...







الأحد، 1 أبريل 2018

دار سبيطار.....محمد ديب




المجمع السكني "دار سبيطار" الذي يضم مجموعة كبيرة من السكان معظمهم من الفقراء الذين لا يجدون قوت يومهم، وضمن هذا
التجمع تدور أحداث الرواية "الدار الكبيرة" بطل الرواية الطفل عمر الذي لا يتجاوز الاثني عشر عاما، وأمه "عيني" التي تكافح
لكي تطعم ولدها وابنتاها









يتناول الكاتب أوضاع المجتمع الجزائري من خلال تناول الأشخاص في هذا المجمع السكني وكيف كانوا يعيشون 
ويفكرون ويتعاملون مع بعضهم البعض ,  واقع الإستيطان الإستعماري شديد الوطأة على الشعب , حيث أن هذا 
الإستعمار يتعامل مع المواطنين معاملة دونية  
من هنا تكون المشاعر الوطنية حية لكنها لا تظهر علانية، وذلك بسبب القسوة التي يعامل بها ..المحتل المواطنين، فها هو الأستاذ حسن يتخطى حاجز المحذور ويتكلم للطلاب بالعربية
المحذورة، موضحا لهم بان وطنهم ليس فرنسا "ـ
المحتل المواطنين، فها هو الأستاذ حسن يتخطى حاجز المحذور ويتكلم للطلاب بالعربية المحذورة، موضحا لهم بان وطنهم ليس فرنسا "ـ

وهكذا لم يعلم الصبية ما هو وطنهم" ص25، الصراع بين قول الحقيقة والصمت كان يشكل هاجسا عند المعلم، من هنا قال شيئا ولم يجرؤ على إكماله، وهذه مسألة في غاية الخطورة، لكن القليل الذي قدمه للطلاب جعلهم يعيدوا التفكير فيما يدرس لهم، وهذا كافا، إذا ما أضيف له المعاملة السيئة التي يتلقها المواطنون من المحتل.
فهنا طرح الكاتب بان الأستاذ حسن إنسان يشعر بالخوف وأيضا بالرغبة في التحرر من قبضة الاحتلال وتعاليمه المزيفة، فشخصيات الرواية هي بشرية وليست (سوبر) وهذا ما جعلها اقرب إلى الواقعية، فالرواية هي واقعية بامتياز، لا يوجد فيها إي رمزية ، كما أن أحداثها اقرب إلى الوقائع التاريخية، التي عانى منها الشعب الجزائري.


الرجل السلبي
الكاتب قدم لنا صورة الرجل السلبي، فمن خلال حديث النساء العاملات والمكافحات في سبيل لقمة العيش عن الرجال، كان يصفهم بشكل شبة دائم بالتخاذل والتقاعس وعدم الأقدم على العمل، فها هي "عيني" تتحدث لولدها عمر عن والده بصورة تحمل الحنق والقهر والبؤس، ليس على الوالد وحسب بل على الأوضاع والاستعمار أيضا "ـ هذا كل ما تركه لنا أبوك، ذلك الرجل لا يصلح لشيء، ترك لنا البؤس، غيب وجهه في التراب، وسقطت علي جميع أنواع الشقاء، ... هو الآن هادئ في قبره.. لم يفكر يوما في ادخار قرش واحد.. وها انتم تتشبثون بي كالعلق الذي يمتص الدم ... لقد كنت غبية .. كان ينبغي أن أترككم في الشارع، أن اهرب إلى جبل خال مقفر" ص30، من خلال هذا الكلام نستدل على الحالة المزرية التي تعيشها العائلة، فلا معيل لها سوى المرأة، هي من يوفر الاحتياجات لها، ورغم تواضع هذه المتطلبات وقلتها إلا أن من يستطيع في ظل الاحتلال أن يجلب رغيف الخبز يكون قد أنجز أمرا عظيما.
لم تكن الأم "عيني" تكلم ولدها بهذه الكيفية فقط، بل أيضا تكلمت مع أمها "الجدة" بطريقة اشد وأكثر قسوة، وكأنها ليست ابنتها، بل امرأة من خارج العائلة، "كانت عيني منتصبة على ركبتيها تقذف حقدها في وجه الجدة .. 
ـ ليت الموت يأخذك. لماذا لم ترفضي أن يحملوك إلى هنا؟ 
ـ ماذا كان بوسعي أن افعله يا ابنتي؟
ـ امرأته هي التي أرسلتك إلي، انه مستعد لان يلعق قدميها، أنها هي من تعمل لتطعمه، أما هو فيقضي وقته في التسكع بين المقاهي .. ابن الكلب .. " ص31، صورة أخرى عن الرجل المتعالي على زوجته، القاعد مع القاعدين، بلا عمل أو فعل مفيد، يترك زوجته تعمل. "عيني" تتناول الرجال ـ الزوج والأخ ـ بسلبية، وكأن الرجال في المجتمع الجزائري إبان الاحتلال لم يكونوا يصلحوا إلا للجنس فقط، فهم كسالى أتكالين لا يعملون.
ومع هذا الواقع غير السوي تحمل "عيني" أفكار المجتمع ألذكوري بامتياز، فهي كامرأة شرقية تفكر بان السيادة يجب أن تكون للرجل، رغم أن الواقع يفند هذه الأفكار، فمن خلال زوجها الذي مات دون أن يترك لها قرشا واحد، إلى أخاها القاعد والمتواكل على زوجته، إلى رجال المجمع السكني، الذين لا يصلحون لشيء، ومع كل السلبيات تفكر بالرجل القادم، ابنها عمر، "متى يكبر عمر، ابنها، فيحمل عنها بعض هذا العبء؟ البنت لا يمكن الاعتماد عليها. وإنما يجب إطعامها، حتى إذا شبت عن الطوق أصبح واجبا أن نراقبها مراقبة دقيقة، فهي في سن البلوغ أسوأ من حية، فما أن تغفلي عنها قليلا حتى ترتكب الحماقات. ثم لا بد لك أن تقصدي عروقك حتى تهيئي لها جهازا قبل أن تتخلصي منها" ص72، رغم أن أبطال الرواية هن من النساء، لا أن السرد يؤكد بان أفكار المجتمع ألذكوري الأبوي هي المسيطرة، فهل هذا مقصود من الكاتب؟ أم انه وقع في خلط ـ السرد ـ ولم ينتبه لا إن المتحدث امرأة، فكان لا بد من أن تحمل أفكارها وليس أفكار المجتمع؟
اعتقد بان الرواية الواقعية ترسم الواقع كما هو مع إضافة التحسينات والصور الأدبية والفنية، من هنا كان الكاتب يصر على إعطائنا صورة واقعية عن المجتمع الجزائري والطريقة التي يفكر بها، فهنا كانت المرأة ليست أكثر من منتجة، لا لكنها غير متحررة فكريا، من هنا وجدنها أسيرة المجتمع وأفكاره.
الطفل في ظل الاحتلال والجوع
الأطفال في ظل الاحتلال يكون أكثر من غيرهم عرضة للقمع والسوء المعاملة، إن كانت من المحتل نفسه، أم من الأهل، الذين يعتبرون أطفالهم المتنفس لهم، فتنعكس حالة القمع التي يعانون منها في سلوكهم مع أطفالهم، فنجدهم يفرغون كل الكبت والقهر على هؤلاء الأطفال، وكأنهم ـ الأطفال ـ هم من يقوم يقمع الأهل وليس الآخر المحتل، كما إن الأطفال بطبيعتهم البسيطة يرفضون القمع والاضطهاد مهما كان فاعله، وأيا كانت دافعه، من هنا يقوم عمر بالتمرد على حالة القمع التي تمارسها أمه "عيني" على الجدة فيثور عليها قولا وفعلا، متجاهلا بان من يثور عليها هي أمه، "وهرب. فأسرعت تركض وراءه، لكنه اجتاز فناء البيت بوثبة واحدة..
ـ اخرسي يا ... عاهرة
... ـ يلعن أبوك، يا ملعونة، تلعن أمك.." ص33، اعتقد بان حالة الاجتماعية والاقتصادية وما تشكله من أفكار ومفاهيم عند الأفراد مسألة تلعب دورا حيويا في السلوك، فعمر الذي يعاني الجوع والقهر والفقر وفقدان الأب، لا بد أن يكون بهذه القسوة اتجاه أمه، فهي من خلال معاملتها القاسية للجدة جعلت مشاعر ابنها عمر تتأجج، فهي لم تكن ضد الأم ولكنها ضد سلوكها السيئ.
فبعد أن يغادر البيت تبدأ مشاعر الطفولة تتحرك فيه، ويأخذ في طرح النواقص التي يعاني منها كانسان وكطفل "كان في تلك اللحظات يتمنى لو يعثر على أبيه، أبيه الميت، ولكن الحقيقة التي اكتشفها كانت لا تطاق، أن أباه لن يعود أبدا ألبه، ما من احد يستطيع أن يرد إليه أباه" ص33، حالة الطفل في الحضيض، فكريا وواقعيا، بلا مأوى، جوع، برد، الخوف من القمع والضرب، الحرمان من الأب، كلها تجتمع في حالة عمر، فهو هنا لا يشكل حالة الطفل العادي، بل الطفل غير العادي، الطفل الذي يعيش في ظل الاحتلال والواقع الاجتماعي المتخلف والفقير في ذات الوقت.


صورة الشرطي
لعل الكثير من الأعمال الأدبية، إن كانت رواية أو قصة أو مسرحية أو قصيدة، في مجملها تقدم الصورة السلبية لرجال الشرطة، فهم باستمرار يشكلون أداة القمع والبطش التي تعمل بالناس الشر والقهر، وأقولها بتواضع بأنني لم اقرأ نصا يحمد هؤلاء القساة أبدا، من هنا سنجد حالة طبيعية أن يقدم رجال الشرطة في ظل الاحتلال بصورة سلبية، فها هو الطفل عمر يصاب بالرعب لمجرد أن ذكروا "ـ الشرطة .. الشرطة .. ها هم الشرطة..
وقال بينه وبين نفسه : "ماما" أتوسل إليك، لن اضائقك بعد الآن، احميني، احميني.. تمنى في عنف وحرارة أن تكون أمه "عيني" إلى جانبه" ص38، حالة من الرعب يعاني منها عمر، فهنا الطفل يعكس لنا صورة الرعب التي أوجدوها رجال الشرطة في ذهنه، فهم من خلال سلوكهم القاسي تركوا هذا الإرهاب في الأطفال والمجتمع ككل، "أن رجال الشرطة ينبشون الأوراق التي كان حميد سراج قد جمعها عند أخته، كانوا يجمعون هذه الأوراق، ومن اجل ذلك قلبوا الغرفة عاليها سافلها" ص42، هكذا هم رجال الشرطة، أداة التخريب والتكسير والتحطيم، ويقومون بضرب الناس واعتقالهم، من هنا لا يوجد لهم لا الصورة السلبية، خاصة في المجتمعات التي تعاني من الاحتلال والتخلف.
وها هي فاطمة أخت حميد سراج تقول متحسرة على أخيها، الذي سيكون تحت التعذيب الجسدي والنفسي عند المحتل "ويلي عليك يا أخي .. ما الذي سيقع لك؟ .. ما الذي سيصنعونه بك؟ .. ويلي عليك يا أخي .." ص42، أعمال القمع والاعتقال تترك أثرا بليغا في الشخص المعتقل وزوجته وأبنائه وجيرانه وكل من يشاهد عملية الاعتقال، من هنا تركت هذه العملية أثرا لا يمحى من ذاكرة الطفل عمر، الذي يمثل خلية نشطة، تتأثر ـ سلبا أو إيجابا ـ بكل ما يشاهد ويسمع، "كان عمر حائرا لا يعرف كيف يمكن أن يقدم معونة ما، رجال الشرطة يملأون الدار الكبيرة بحركتهم، ترى متى يذهبون... أصبح عمر لا يطلب قطعة الخبز مغموسة في الماء العين، حين تنصب علينا الكوارث، نذهل عن الجوع، أصبح عمر لا يفكر، لقد تضامن جوعه ـ أصبح جوعه الآن بعيدا، لم يبقى منه فيه إلا ما يشبه غثيانا غامضا لا يهدأ.
اصابه دوارا، كان يمضغ لعابه ويبلعه، أن هذا يولد في نفسه ميلا غريبا إلى القيء، انه لا يجد في نفسه إلا فراغا" ص42 و43، حالة الغثيان تصيب المحبط الخائف غير القادر على الفعل، مهما كان هذا فعل، عمل أو قول.
شدة القمع والقهر والخوف تسبب حالة الغثيان، ذروة الخوف تقع ليس على المعتقل وإنما من شاهد عملية الاعتقال، فما بالنا بأهل المعتقل والمعتقل نفسه!

الطرح الطبقي
في حالة الاحتلال لا بد أن يكون هناك الجوع والفقر هو الطاغي على المجتمع، من هنا لا بد من وجود من يقدم البديل لها الوضع، البديل الذي يبحث في تقديم الحياة الكريمة للمواطن، وتحقيق سبل العيش التي تمثل ابسط الحقوق للإنسان،ة"إن العمال الزراعيين أصبحوا لا يستطيعون أن يعيشوا بهذه الأجور الزهيدة التي يتقاضونها ... يجب أن نتخلص من هذا البؤس .. العمال الزراعيون هم أولى ضحايا الاستغلال الذي يعبث في بلادنا فسادا" ص94، المسألة الاقتصادية من أهم المسائل التي تشغل الأفراد والجماعات، من هنا قدمها محمد ديب بكل وضوح، إن كان من خلال السرد الروائي الذي يعطي مدلولا واضحا عن الحالة الاقتصادية البائسة أم من خلال كلمات الخطيب الذي تحدث بكل صراحة عن الواقع المزري


فكرة الخلاص "القادم من الخارج"
عند العديد من المجتمعات التي تعاني القهر تفكر بطريقة غير سوية، فهي تتجاهل دورها في تحرير ذاتها، وتنتظر القادم من الخارج كي يخلصها مما هي فيه، فهناك فكرة يتداولها بعض الفلسطينيين بان خلاصهم سيكون من جهة الشرق، أن هذا المخلص سيجمع الأمة ويقتل الأعور الدجال، فهنا نجد دعوة بطريقة غير مباشر للانتظار والترقب لقدوم هذا المخلص، وهذا ما فعله الشعب الجزائري إبان الاحتلال الفرنسي، فهم تشبثوا بالقادم الخارجي وجعلوا منه مخلصا "إن هذا الرجل الذي اسمه هتلر قوي قوة هائلة لا يستطيع احد أن يقيس نفسه بقوته، هو ماض يستولي على العالم كله، وسيكون ملك العالم كله، وهذا الرجل يبلغ هذا المبلغ من القوة صديق للمسلمين فمتى وصل إلى شواطئ هذه البلاد أدرك المسلمون كل ما يتمنون، وحظوا بسعادة كبرى، انه سيحرم اليهود من أملاكهم، فهو لا يحبهم، ولسوف يقتلهم، سيكون حامي الإسلام، وسيطرد الفرنسيين، ثم أن الحزام الذي يشد جسمه قد كتب عليه :لا اله إلا الله محمد رسول الله" ص136، التخلف لا يقدم إلا الأفكار المتخلفة، في هذا المشهد الذي تكرر في العراق والسودان واليمن وليبيا وسوريا وكل من راهن على المحرر الخارجي، لا ندري لماذا نحن في المنطقة العربية دائما كنا نتعاطى مع مسألة الخلاص من الظلم أو الاحتلال بالخارج وليس فينا نحن؟ هل تركيبتنا الفكرية هي السبب، أم أن الإيمان له علاقة بهذا الأمر؟

الحبكة والسيطرة على الحدث الروائي
في بداية الرواية ينحدث الكاتب عن الجدة وكيف أنها تشكل عبئا اقتصاديا على "عيني" او على أخيها، لكن في زخمة الاحداث الروايئة ينسى الكاتب هذه الجدة، ويعود الى تذكرنا بها في نهاية الرواية، فالكاتب كان قد نسى شخصبة الجدة لكنه تدارك الامر في النهاية، في المجمل تكمن اهمية مثل هذه الأعمال في تقديمها مادة أدبية بمضمون تاريخي، مما يعطي المتلقي صورة حية عن تلك الفترة من الزمن.

الثلاثاء، 20 فبراير 2018

القصبة....عند الشاوية




يحظى النّاي بمكانة هامة في الموسيقى الشّاوية خاصة التقليدية منها، عكس العصرية أين وظفها عدد قليل من المطربين، خاصة المغني الملتزم عميروش، والمغني الشاب سامي يوراس، تحديدا في أغنيته «أبريذ الغربث»، أي طريق الغربة. لنغمة الناي وقع خاص على الإنسان الشاوي، فهي تذكّره بأعراس الصبا وأمكنة عاش فيها وسكنت وجدانه، وهي أصدق معبّر عن آماله وخيباته. وقد اختارت الكاتبة المرحومة زليخة السعودي «عازف الناي» عنوانا لأحد نصوصها.








من أشهر العازفين على الناي التقليدي محمد بن الزين، رفيق درب – صاحب رائعة «أكر أنوقير» أي قم لنمشي – المرحوم عيسى الجرموني الحركاتي، وسعيد نيسة، عازف المطربة المغتربة حورية عيشي، أما الناي العصري، فلابن قرية تاغيت بولاية باتنة «زوزو»، تجربة مميزة مع المطرب عميروش، هذا الأخير له أغنية بعنوان «أدّمام أباب أو جَواق»، أي «رجاء يا صاحب الناي». تعود المكانة التي يشغلها الناي في الأغنية الشاوية إلى جغرافيا الأوراس الصعبة (تضاريس، مناخ..)، وإلى ما دفعه أبناء هذه المنطقة من ثمن باهظ أثناء مقاومتهم لمختلف قوى الظلام التي احتلت بلاد المغرب الكبير من الرومان إلى الفرنسيس.





حول تاريخ الناي، يوضح الشّاعر والمترجم عادل سلطاني بأن: «..الناي من حيث تاريخيته آلة موسيقية أمازيغية بشهادة الإغريق أنفسهم، ويعتبر إبداعا ليبيا أمازيغيا خالصا وأول من عزف عليه ـ حسب شهادتهم هذه ـ هو سِرْتِسْ الليبي، والناي حسب ذات الشهادة التاريخية دائما ارتبطت تسميته لدى هؤلاء بالليبي، أين اقتبسوا أشعارهم المطوّلة من الليبيين الأمازيغ الذين أثَّرُوا تأثيرا كبيرا في عاداتهم من ملبس وشعر وعزف، وغير ذلك من مظاهر عبادية تعجّ بها أساطيرهم، والناي الذي نطلق عليه بلساننا الشاوي الأوراسي آجَوَاقْ، يمثل لي ولغيري من العارفين به إبداعا أسلافيا شاويا بامتياز، ارتبط بحياة الشاوي البسيطة في الحواضر كما البوادي، ملازما لهم في أفراحهم وأتراحهم، في حلهم وترحالهم، معبّرا بقوة عن العواطف التي تجيش في الصدور، لن يعبر عليها بلسان الحال إلا هذا الصديق الذي اخترعه أجدادنا ليقول الكينونة بكل وضوح وصدق، وتحضرني في هذا السياق قصة سجلها القرن المنصرم، حينما تحكي قصة القصبة آجواق، تلك الآلة التي دفنها الخل الودود، الذي كان ملازما للأسطورة المرحوم عيسى آجرموني، ليخلده التاريخ أيضا أسطورة للوفاء، بعد أن فارق صاحب الحنجرة الماسية التي لا تصدأ الحياةَ، ملتحقا بالرفيق الأعلى، معبرا بدفنها عن الوفاء ليقف التاريخ منتهيا هناك عن العزف بعد رحيل الخل ليشد الرحال بعد هذا الفعل الأبيض إلى الحج ، وأما ما يمثله لي باختصار شديد هو فلسفة الحزن التي تعلمتها من ناي أبي رحمه الله».


وحول سؤال: ماذا يميّز هذه الآلة عن غيرها من الآلات الموسيقية؟

يجيب شاعر بئر العاتر بولاية تبسة قائلا: «هو التصاقها بحياة الشاوي، أين تمثل قيمة ثقافية إبداعية مضافة، تبصم الجو الاجتماعي الأوراسي العام، مشكلة بذلك أيقونة للفرح كما الحزن، حاملة للشجى والشجن والمواجد وللفرح أيضا، وعرسية الحياة والإقبال على البهجة، أين يبصم الوجود الاجتماعي بما يمكن لي أن أسميه هنا بـــ : «عيدية الوجود على مستويي الأنا والنحن»، ونظرا لِقِيمِيَّتِهَا دخلت هذه الآلة مجال الأحاجي العامية الشاوية : «عْلَى اللِّي بَقُّوهْ سَبْعْ بَقَّاتْ هَزُّوهْ تْكَلِّمْ حَطُّوهْ مَاتْ»، هذه الآلة النفخية العجيبة المبتدعة بحس أسلافي راق، حملها يعني الحياة والكينونة والوجود، وتركها يعادل الموت والفناء، فهي كينونة متحركة مفعمة بالنشاط، الذي يعكس حياة الأوراسي، بل تتعدى ذلك فهي روحه الأخرى المنبعثة في حالتي الحزن والفرح، حين احتكاك الهواء المنبعث من الروح على جدرانها الأسطوانية الملساء، المشبعة بزيت شجرة مباركة، تتحكم فيه أنامل فنان مبدع، تتلمذ على خلجات أسلافه الدافئة الصادقة».

الأناشيد الوطنية



كلّ نشيد وطني لأي بلد هو في الأصل قصيدة حماسية تعبّر عن انتماء وهوية قومية.
ووظيفة النّشيد الوطني قبل كلّ شيء هي تمثيل الأوطان في المناسبات الرّسمية، المحلية منها والدولية.
ولكل نشيد في الواقع قصّة تحكي ميلاده والظّروف السياسية والتّاريخية التي كتب فيها، كما نجد أغلب الدّول تقرن نشيدها الوطني بشعار وراية رسميتين ترمزان لهويتها وأصالتها.
النّشيد الهولندي.. الأقدم في العالم
تاريخيًا فإن النّشيد الوطني بمفهومه الحديث الشّائع الآن، أصله ديني محض، فقد وُلد في الكنائس قبل أن يأخذ طابعه المدني الرّاهن رغم وجود استثناءات قليلة، على غرار النشيد الوطني المجري الذي نظرًا لطابعه الدّيني دفع الاتحاد السوفياتي سابقا إلى إلغائه.
ويعتبر النّشيد الوطني الهولندي الذي وُلد مع الإصلاح البروتستانتي ضد المذهب الكاثوليكي، من أقدم الأناشيد الوطنية في العالم، حيث تمّ تأليفه ما بين 1568 و1572 ويسمى«Het Wilhelmus». غير أن الغريب في الأمر أنه لم يصبح رسميا إلا سنة 1932.
أما أحدث نشيد وطني في العالم فهو نشيد دولة جنوب السودان الفتية، حيث تم اعتماده رسميا عام 2011 ويحمل عنوان “يحيا جنوب السودان”!.
وفي الواقع عرفت الأناشيد الوطنية لعدة بلدان مسارات مختلفة في تاريخها، إذ على سبيل المثال نجد النشيد الوطني الياباني “ملكتكم، Kimi ga yo”، الذي كتبه شخص مجهول يعتبر قديما جدًا هو الآخر، فقد كتب حوالي القرن الثالث عشر وتم تلحينه عام 1880 لكنه لم يصبح رسميا إلا في سنة 1999. وهو أقصر نشيد وطني على الإطلاق، حيث يحتوي على خمسة مقاطع شعرية فقط!
القدس.. نشيد وطني لبريطانيا!
والنشيد الوطني الإيطالي لم يصبح رسميا هو الآخر إلا سنة 2005 رغم اعتماده شكليا عام 1946.
والطّريف أن أغلب ألحان الأناشيد الوطنية في أمريكا اللاتينية مقتبسة من موسيقى الأوبرا الإيطالية، والنشيد الوطني البريطاني(المفترض) – ونقول مفترض لأن بريطانيا ليس لها نشيد وطني “رسمي !” – كُتب من طرف مجهول عام 1770 لكنه لم يعزف “رسميا” إلا بعد مضي خمس سنوات. مع التذكير أنه يطلق عليه اسمين “ليحفظ الرب الملكة” و”ليحفظ الرب الملك”!
كما يوجد في هذا البلد الأوروبي نشيد وطني آخر مفترض ومفضل من طرف 55 في المائة من البريطانيين – حسب استفتاء البي. بي. سي – وهو “أرض الأمل والانتصار” الذي يعزف أحيانا في المناسبات الوطنية ومن طرف بعض فرق الروغبي، كما يوجد نشيد وطني ثالث لبريطانيا يحمل عنوانا ملفتا للغاية ويقصدون به بريطانيا وهو.. القدس!
وبالنسبة للنشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” فقد كُتب عام 1792 من طرف “روجي دو ليل”، ولم يتم اعتماده رسميا إلا في عام 1795. وقد اتهم ملحنه بأنه ارتجله وعليه فهو في نظر النّقاد فنان غير محترف! أما النشيد الوطني الصيني فقد اعتمد مؤقتا عام 1949 قبل أن يأخذ طابعا رسميا عام 1982.
ويبقى الغريب في الأمر أن بعض الأناشيد الوطنية لم تكتب باللغة الرسمية للبلد الذي تمثله، بل بلغات أخرى مختلفة وبعضها ميت، كما هو الحال مع النشيد الوطني للفاتيكان الذي كتب باللغة اللاتينية!
ومن أطرف الأمثلة في هذا الموضوع نذكر النشيد الوطني الباكستاني الذي كتب باللغة الفارسية، رغم أن اللغة الرسمية لهذا البلد هي الأوردو، والنشيد الوطني لأنغولا كتب باللغة البرتغالية والنشيد الوطني لموزمبيق وغينيا الاستوائية كتب باللغة الإسبانية، والنشيد الوطني لمالي والكاميرون باللغة الفرنسية، ونشيد ناميبيا كتب باللغة الإنجليزية مثله مثل النشيد الوطني لدولة جنوب السودان الذي ألفه مجموعة من الطلبة، والنشيد الوطني لسنغافورة كتب بلغة مالاوي (سنغافورة لها أربع لغات رسمية) والنشيد الوطني الهندي كتب بالسنسكريتية القديمة.
كما أن هناك من الأناشيد الذي كتب باللغات الرسمية للبلد مجتمعة، على غرار سويسرا المكتوب نشيدها الوطني بالألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية، والنشيد الوطني البلجيكي المكتوب بثلاث لغات هي الرسمية لهذا البلد، والنشيد الوطني لجنوب إفريقيا الذي يعتبر بحقّ أغرب نشيد وطني في العالم، كونه مكتوبا بخمس لغات من بين الإحدى عشرة لغة رسمية للبلاد!
وإذا كان النشيد الوطني لأي بلد من المفروض منطقيًا أن يكتبه شاعر كبير أو معروف فإن عدة أناشيد وطنية دونت بأقلام رؤساء، على غرار ليوبولد سنغور الذي كتب نشيد السينغال، والبوركيني كتبه الرئيس توماس سانكارا ونشيد إفريقيا الوسطى كتبه الوزير الأول بارتيليمي بوغاندا، ونشيد الغابون كتبه رئيس البرلمان أليكا داما..
لحن النشيد الإسرائيلي.. مسروق!
لكن هناك بلدان نشيدها الوطني عبارة عن معزوفة موسيقية بدون كلمات، على غرار النشيد الوطني للبوسنة، الذي أعتمد رسميا عام 1998 والنشيد الوطني الإسباني(رغم وجود أربع لغات رسمية في هذا البلد) ونشيد سان مارينو وكوسوفو، والنشيد الوطني المغربي، الذي لم تدوّن كلماته إلا سنة 1969.
ولا بأس في هذا السياق الإشارة إلى أن لحن النشيد الوطني الإسرائيلي (كتب كلماته شاب مجري سنه 22 عاما!) الذي يحمل عنوان “الأمل Hatikva” والموضوع من طرف صمويل كوهين هو في الأصل مسروق من لحن مولدافي(نسبة إلى مولدافيا)!
ومن الأناشيد الوطنية التي تخلوا أيضا من الكلمات، نجد النشيد الوطني للاتحاد الأوروبي، الذي اعتمد عام 1970 وهو في الحقيقة السيمفونية التاسعة لبيتهوفن التي تحمل عنوان “نشيد الفرح” ولم تكتب كلمات هذا النشيد طبعا تفاديا للحساسية الشديدة والحرب الخفية بين اللغات الأوروبية..

وإذا كان النشيد الوطني السينغالي ودولة إفريقيا الوسطى لحنهما فرنسي فإن النشيد الوطني التونسي لحنه سوري، والنشيد الوطني الجزائري “قسما”(في الأصل كان عنوانه “فاشهدوا”) والذي كتب كلماته الشاعر مفدي زكريا – الذي مات في المنفى بتونس إثر سكتة قلبية(عام 1970) بتاريخ 25 أفريل من عام1955(اعتمد رسميا عام 1963) – بدمه على جدران الغرفة 69 في سجن برباروس، بطلب من عبان رمضان والمتكوّن من خمسة مقاطع تمثل الولايات الخمس التاريخية (قبل إضافة الولاية السادسة في مؤتمر الصومام وهي منطقة الصحراء). هذا النشيد لحنه في الأصل جزائري هو محمد توري ثم التونسي محمد التريكي ثم المصري محمد فوزي، والأخير هو المعتمد الآن رسميا(أتساءل شخصيا عن الصلة بين لحن قسما الافتتاحي والحركة الأولى للحن السيمفونية الخامسة لبيتهوفن المعنونة “ضربات القدر”!). علما بأن الفنان محمد فوزي سجل حقوق هذا العمل في فرنسا، وهو ما يعني أن النشيد الوطني الجزائري هو الوحيد في العالم أجمع الذي تملك حقوقه دولة أجنبية تعتبر عدوة بالأمس!
وحسب سبر للآراء أجري عام 2016 في الدنمارك فإن 80 بالمائة من الذين مسّهم السبر(حوالي 2000 شخص) أكدوا أن “وان. تو. ثري فيفا لالجيري” هو النشيد الوطني الجزائري، و8 في المائة أجابوا بأن “دي. دي” أغنية الشاب خالد هي النشيد الوطني الجزائري!





مفدي زكرياء


النشيد الوطني الفرنسي متّهم بالعنصرية!
وقد قيل الكثير حول المقطع الثّالث من النشيد الوطني الذي يعاتب فرنسا ويذكرها بالحساب على ما اقترفته من جرائم غير إنسانية في حقّ الشعب الجزائري، وفي الحقيقة النشيد الوطني البرتغالي كان هو الآخر يتوعد المستعمر البريطاني بالقول ضد البريطانيين “Contra os bretões” قبل أن يغير المقطع إلى ضدّ المدافع “Contra os canhões“، ولكن لماذا لا ننتقد المقطع العنصري في النشيد الوطني الفرنسي “لامارساييز” الذي يصف الآخرين بأن دمهم نجس وغير نقي مثل دمّ الفرنسيين النبلاء: “‘Qu’un sang impur abreuve nos sillons’؟
وحسب المختصين فإن النشيد الوطني للاتحاد السوفياتي سابقا يعتبر من أجمل الأناشيد الوطنية وأكثرها فخامة وسحرا فنيًا، وقد كتب كلماته ألكسندر ألكسندروف عام 1944 واستمر إلى غاية سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991، ثم استبدل بآخر كتبه ميخائيل غلينكا، غير أن فلاديمير بوتين أعاد عام 2000 استعمال النّشيد القديم، لكن بكلمات جديدة رغم المعارضة الشدّيدة من الروس خارج الوطن.
وبالنسبة للولايات المتحدة الند التقليدي للروس، فإن نشيدها الوطني الذي يعرف بـ”راية النجوم” قد تم اعتماده رسميا من طرف الكونغرس عام 1931 وهو أصلا قصيدة شعرية كتبها فرانسيس سكوت كي عام 1814.
وبالعودة إلى سيمفونية بتهوفن التاسعة” نشيد الفرح” التي اتخذها الاتحاد الأوروبي نشيدا رسميا له، نشير إلى أن هناك أناشيد وطنية لبعض الدول تعتبر من دون مبالغة استثنائية ومثيرة فعلا من ناحية مضمون عناوينها، مثلا نشيد سلوفينيا المسمّى “المُعالج”! ونشيد مولدافيا الذي يحمل عنوان “لغتنا” ونشيد جمهورية التشيك الذي يحمل عنوان “أين وطني؟” ونشيد السينغال بعنوان “الأسد الأحمر”!.
أناشيد بدون عنوان!
وهناك أناشيد وطنية.. بدون عنوان أصلا! كما أن هناك بلدان لها نشيدان وطنيان في وقت واحد، مثلما هو حال الدنمارك والنّرويج والسّويد وتايلاندا وزيلاندا الجديدة، وهناك دول تشترك في نشيد وطني واحد مثل اليونان وقبرص، ولا ننس بأن هناك أناشيد وطنية وضعت لتظاهرات رياضية وسياسية وثقافية وغيرها أشهرها في نظري الألعاب الأولمبية، ونشيد دول الاتحاد الإفريقي المعتمد رسميا عام 1999 ومنظمة الفرانكفونية، وحتى بعض المقاطعات على غرار بروتانيا ، والكيباك لها نشيدها الوطني هي الأخرى، والتي كانت على وشك الانفصال من كندا في استفتاء نظم عام 1995 ولم ينجح بفارق ضئيل جدا قدره 0.5 بالمائة من الأصوات فقط.. فتأمل.

السبت، 1 أبريل 2017

حكايات إسبانية



شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في العالم الإسلامي بجنوبها الذي عُرف بالأندلس.
شهدت الأندلس تنوعاً في سكانها وثقافاتهم وخلفياتهم، فمع من بقي من سكان البلاد، جاء الأمويون، ومن صحبهم من سوريا ومن اليمن، وكذلك انتقل إليها جماعات من شمال إفريقية، فكانت فترة غنية بالتأثيرات المتبادلة، دامت ما يقارب الـ800 عام.
وازدهرت في الأندلس، خاصة في القرن التاسع الميلادي، صناعة الكتب، فكان يقال إن قرطبة "أكثر مدن الله كتباً"، وما كان ذلك إلا انعكاساً للحياة الثقافية الناشطة في البلاد.
هذا الانتاج الثقافي للأندلس، الذي ما زال يغني الثقافة العربية، قد أثّر بالأدب الأوروبي، خاصة الإسباني، وهو موضوع حديثنا.
لابد من الإشارة إلى الدراسات الهامة في العقدين الماضيين التي تناولت الثقافة الأندلسية وتأثرها وتأثيرها بثفافة الممالك الكاثوليكية في الشمال، وبثقافة شمال إفريقيا، إذ تتبع الباحثون معالم هذا التزاوج في عدة مجالات مادية وأدبية. نقدم واحدة منها هنا، ألا وهي الأمثال والملح في الأدب الشفوي والمكتوب.
التأثير في الأدب: ملح وأمثال وأشعار وقصص
يقول الدكتور أحمد السعدني، أستاذ الأدب المقارن، لرصيف22: “بدأت مظاهر التأثير والتأثر بين الثقافة الأوروبية لاسيما الإسبانية والثقافة العربية مع بدايات وجود الدولة العربية الإسلامية في الأندلس. ظهرت واضحة في عدة أشياء من أهمها شعراء التروبادور Troubadour، وهم شعراء وموسيقي القصور في الجنوب الشرقي لفرنسا الذين تأثروا بشعر الموشحات الأندلسية”.
والموشحات هي نوع شعري ظهر في الأندلس نهاية القرن التاسع الميلادي، ويقال أن الكلمة نفسها تروبادور قد أتت من الأصل العربي "طرب".

يوضح السعداني أن كثيراً من الباحثين الأوروبيين يذكرون التأثير الواضح للثقافة العربية الإسلامية في الثقافة والأدب الأوروبي، إذ يذكر الكاتب والمفكر الإسباني بلاسيوس أثر الدين الإسلامي ورسالة الغفران لأبي العلا المعري في "ملحمة الكوميديا الإلهية" لدانتي.
بحسب كتاب "تأثيرات عربية في حكايات إسبانية: دراسات في الأدب المقارن" (2008)، الذي جمع فيه الدكتور عبد اللطيف عبد الحليم مقالات نشرت متفرقة في اللغة الاسبانية للباحث فرناندو دي لاجرانخا، وترجمها للعربية، إن التأثر المتبادل بين الثقافتين في مجال الأدب، يمكن تتبعه في قصص متشابهة، إلا أنه لا يزال فرضيات بحاجة إلى أدلة تاريخية دامغة، ومع ذلك يمكن أن نجد فيه مجالاً غنياً للبحث والتنقيب.
المؤلفات العربية وتأثيرها على الثقافة الإسبانية
أهم الأمثلة على مصادر التأثير هي المؤلفات العربية التي لعبت دوراً ملموساً في مؤلفات الأدب الشعبي الإسباني. وتجمع هذه المؤلفات النوادر والقصص بمفهومها البسيط، والمأثور والأمثال، والحكم والأشعار، وبدأت تظهر في كل مجالات العلوم في الأندلس.
كان أشهرها مؤلفات الأدب دون شك، والتي لا تزال حتى اليوم محط اهتمام القراء في الشعوب العربية، مثل كتاب العقد لابن عبد ربه الأندلسي (940).
ويعتقد الباحثون أن المؤلفات العربية قد تركت أثراً على الثقافة الإسبانية عن طريق الترجمة أو الثقافة الشفوية.
يجد فرناندو دي لاجرانخا تأثر الأدب الإسباني بالمؤلفات الشعبية العربية في أعمال مثل سانتاكروث، خوان دي تيمونيدا، وكتاب "القونت لوقانور" لدون خوان مانويل.
أما الأمثال المتشابهة، فهي بدورها تشير إلى التأثير بين الثقافتين، كما بيّن الباحث غرثية غومث الذي بحث في التقاطع بين الأمثال العربية في حدائق الأزاهر وبين الأمثال الإسبانية لدى الماركيز دي سانتيانا.
تقول الدكتورة نورا علي، الباحثة في مجال الأدب المقارن، لـرصيف22: “أثّر الأدب العربي في الثقافات الغربية تأثيراً واضحاً، إذ نجد العديد من الأعمال الغربية قد أتت على شاكلة الكثير من الأعمال الأدبية العربية".
وتشير علي إلى تقارب الثقافتين الأوروبية والعربية من ثلاث جهات متلاحقة في القرون الوسطى: أولها جهة القوافل التجارية بين آسيا وأوروبا الشرقية والشمالية عن طريق بحر الخزر أو طريق القسطنطينية، والجهة الثانية جهة المواطن التي احتلها الصليبيون وعاشوا فيها زمناً طويلاً في سوريا ومصر وبعض البلدان الأخرى، أما الجهة الثالثة فهي الأندلس وصقلية التي قامت فيها دول المسلمين وانتشر فيها المتكلمون باللغة العربية.
واحدة من الحكايات الذائعة الصيت في الأدب الإسباني. ذكرت في كتاب "القونت لوقانور"، كما في المشهد العاشر من مسرحية دون بدرو كالديرون دي لاباركا "الحياة حلم" من القرن السابع عشر، التي لا تزال مشهورة حتى اليوم، يحفظها معظم الإسبان.

تحكي القصة في نسخة القونت لوقانور أن رجلاً كان متنعماً بثراء وجاه، دارت عليه الدنيا حتى أصبح فقيراً إلى حد العوز. وفي أحد الأيام، لم يجد معه إلا حبات من "الترمس"، فجلس يتذكر عزّه الذي زال، ودمعت عيناه وهو يأكلها. ولكنه حينها رأى رجلاً آخر بجواره يلتقط قشر الترمس الذي يلقيه ويأكله من شدة حاجته.

تختتم القصة في كتاب القونت لوقانور، ببيت شعر يعطي مغزاها: "لاتقنطنْ أبداً من الفقر، فهناك أسوأ منك في العسر".
أما في نسخة كالديرون، فالقصة تحكي عن عالم فقير في أبيات هي التالية: "يحكون أن عالماً/ كان فقيراً بائساً/ يلتقط العشب ويأكله/ قال لنفسه: ترى من الذي يكون أسوأ مني حالاً؟/ حين أدار رأسه/ ألفى إجابة السؤال/ ثمة عالم فقير/ يلتقط العشب الذي يطرحه".
قدّر البعض أصل الحكاية في قصة تماثلها، هي "حكاية الدرويش" عند الشاعر الفارسي الشهير سعدي الشيرازي (1210 ـ 1291 أو 1292)، وهي عن فقير لا يستطيع شراء حذاء، فيجد السلوان عندما يقابل في مسجد في الكوفة فقيراً مبتور القدمين.
رسالة القصة الوعظية هي التواضع في وجه المصائب، ومنها المثل الذي لازال سارياً: "من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته".

وهناك قصة مشابهة عن عبد الرحمن القنازعي الذي يصفه المترجمين بالعالم الزاهد الورع (عاش في القرن العاشر الميلادي)، وصلتنا في كتاب ابن سعيد "المغرب في حلى المغرب"، من القرن الثالث عشر ميلادي، وهو قد نقلها بدوره، كما يدّعي، عن نص لابن بشكوال ضاع ولم يصلنا.
يقول عبد الرحمن القنازعي: "كنت بمصر وشهدت العيد مع الناس، فانصرفوا إلى ما أعدوه، وانصرفت إلى النيل، وليس معي ما أفطر عليه إلى شيء من بقية ترمس بقي عندي في خرقة، فنزلت على الشط، وجعلت آكله، وأرمي بقشره إلى مكان منخفض تحتي، وأقول في نفسي: ترى إن كان اليوم في مصر في هذا العيد أسوأ حالاً مني؟ فلم يكن إلا أن رفعت رأسي، وأبصرت أمامي، فإذا برجل يلقط قشر الترمس الذي أطرحه ويأكله، فعلمت أنه تنبيه من الله عزّ وجل، وشكرته".
يعتقد فرناندو دي لاجرانخا أن قصة القنازعي هي أصل القصة الإسبانية، فهي تختلف ببعض التفاصيل، ولكنها تشبهها في المغزى وبـ"حبات الترمس". كما قد تكون القصة قد وجدت طريقها إلى ابن سعيد متأثرة بالنسخة الإسبانية، عندما نقل قصة القنازعي.


حكايات "التينات الثلاث"
نختار حكاية ثانية لتتبع التأثير العربي بالأدب الإسباني، وهي قصة "التينات الثلاث"، من حكايات لويس دي نبيدو في "كتاب النوادر".




تحكي القصة أنه في أحد الأعياد، وضع ثلاث تينات على مائدة الكونكستور دييجو دي روخاس (1544) (وكونكستور هو لقب يطلق على الجنود الفاتحين، والمغامرين، والمستكشفين الإسبان بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر). كانت له شهية في التهامها، ولكنه اضطر لاستخدام المرحاض، وحين عاد وجد أن أحد الغلمان قد التهم إحداها، وحين سأله: "قل لي كيف أكلتها، ألم تخش شيئاً؟" فهم الغلام السؤال حرفياً، وعاود فعلته فأكل تينة ثانية ليبين لروخاس كيف أكلها، بدهشة، فأخذ دييجو دي روخاس التينة الباقية، ليأكلها قبل أن يلتهمها الغلام!
يرى فرناندو دي لاجرانخا أن للقصة حكاية مشابهة في كتاب "حدائق الأزاهر في مستحسن الأجوبة والمضحكات والحكم والأمثال والحكايات والنوادر" لابن عاصم الغرناطي (1426).
كما تتكرر القصة عند الكاتب براويلو فوث (1865) في كتابه "حياة بدرو سابوتو"، وتتشارك مع القصة العربية بتفاصيل أكثر (منها إرسال التين إلى الملك)، ولكنها تأخذ صبغة هزلية، وهي أطول من نظيرتها العربية.
يشير الباحث إلى أن هذه الحكايات، وكذلك الأمثال والنوادر، من الممكن أن تكون قد تنقلت بين الثقافتين بالطريق الشفوي على يد الموريسكيين، الذين اعتنقوا الدين المسيحي بعد الإسلامي، والذين عاشوا في شبه الجزيرة الأيبيرية ثمّ رُحّلوا إلى شمال أفريقيا، فكانوا، على قساوة تجربتهم، جسوراً بين الثقافتين.

حكاية الجامع
يحدد فرناندو دي لاجرانخا حكايات عربية في كتاب ملتشور دي سانتاكروث "الأيكة الإسبانية" (Floresta Espanola)، ويتتبع أصولها العربية، من أقوال مأثورة وحكايات معروفة.

عظمة الأندلس من تنوّع سكانها وتمازج ثقافاتهم: محلية، شمال أفريقية، ومشرقية بدأت مع من عبروا مضيق جبل طارقرد
يشير كيف تتغير تفاصيل القصص: فبدلاً من دخول الجامع، تدخل شخصيات القصة الكنيسة، وبدلاً من شخصية الخليفة المأمون على سبيل المثال، نجد الملك الموقر، ويستبدل الثري الذي فقد كل شيء في النسخة الإيبيرية العالم الفقيه الذي عانى الفقر، كما رأينا في قصة "الترمس".
"حكاية الجامِع" هي إحدى القصص الفكاهية التي وردت في كتاب "الأيكة الإسبانية"، وهذا نصها: "سأل عريف تلميذاً: كم عدد بنات عمك، فأجابه باللاتينية: أربع "أوانٍ" كل واحدة ذات مذاق لذيذ".
ولهذه الحكاية مقابل في الأدب العربي، يشبهها في صغرها وفي مقصدها، في كتاب "الأذكياء" لأبي الفرج بن الجوزي (1200).
تقول الحكاية: "قال الجاحظ، قلت لأبي سعد الطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: رغيفين، وقطعة لحم"، وكذلك "قال المبرد، قِيل لطفيلي: كم اثنين في اثنين؟ فقال أربعة أرغفة"، وثالثة "قال أبوهفان: قِيْل لطفيلي: كم أربعة في أربعة؟ قال: ستة عشر رغيفاً"!
إن تتبع سيرة الحكايات والأمثال في تنقلها بين الثقافة العربية والإسبانية لا يخدم عنوان المقالة، إذ تضيع فكرة "الأصل" في شبكة غنية من التأثيرات المتبادلة، حضنتها الثقافة العربية الغنية. ومع أن الأندلس وممالك الشمال قد شهدت صراعات سياسية وحروب عديدة، إلا أنها في حياتها الثقافية، كانت تتناقل القصص والفكاهة والنوادر.

حسين علي