الخميس، 17 يوليو 2014

دون كيخوتي دي لا مانتشا

دون كيخوتي دي لا مانتشا (بالإسبانية: Don Quijote de la Mancha) رواية للأديب الإسباني ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا، نشرها على جزئين بين أعوام 1605 و1615. اشتهرت الرواية بين العرب بالعديد من الأسماء مثل دون كيشو ودون كيخوته وضون كيخوتي ودون كيخوط ودون كيخوطي كما تلفظ بالإسبانية تعد واحدة من بين أفضل الأعمال الروائية المكتوبة قبل أي وقت مضى، واعتبرها الكثير من النقاد بمثابة أول رواية أوروبية حديثة وواحدة من أعظم الأعمال في الأدب العالمي والتي تم ترجمتها إلى العديد من اللغات الأجنبية. يحمل الجزء الأول اسم العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا، وظهر عام 1605،بينما ظهر الجزء الثاني عام 1615 تحت عنوان العبقري الفارس دون كيخوتي دي لا مانتشا. وحُبس ثيربانتس في السجن الملكي في إشبيلية بين شهري سبتمبر وديسمبر من عام 1597 بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه الودائع المالية. وزُعم أن ثيربانتس كان مختلسًا للمال العام بعد ثبوت وجود مخالفات في حساباته. وفي السجن، وُلدت رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا، كما أشار في مقدمة العمل. ولكنه في الوقت ذاته لم يتضح مقصده من كونها تمت كتابتها وهو سجين أم استلهمته الفكرة هناك فحسب. وتعد رواية دون كيخوتي أول عمل يزيل الغموض حول تقاليد الفروسية لمعالجتها الصورية للأمر. وبرهنت الرواية على بداية الواقعية الأدبية كجزءًا من الجماليات النصية وبداية انطلاق النوع الأدبي للرواية الحديثة المسمى بالرواية متعددة الألحان، والتي ستحدث تأثيرًا كبيرًا في وقت لاحق على الأعمال الروائية الأوروبية، من خلال تناول ما تم تسميته بالكتابة غير المشروطة والتي تمكن الفنان من إظهار كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وكوميدي في محاكاة ساخرة حقيقية لجميع الأنواع الأدبية. ووضعت الرواية بجزئيها الكاتب ميغيل دي ثيربانتس على خارطة تاريخ الأدب العالمي جنبًا إلى جنب مع كل من دانتي أليغييري وويليام شكسبير وميشيل دي مونتين وتم اعتبارهما من منظري الأدب الغربي في رائعة هارولد بلوم المجمع الغربي.

وفي عام 2002، وبناء على طلب هيئة الكتب النرويجية فقد تم عمل قائمة بأفضل الأعمال الأدبية على مر العصور بتصويت مئة كاتب من الكتاب العمالقة من أربعة وخمسين دولة مختلفة. وظهرت الأعمال مرتبة ترتيبًا أبجديًا دون غلبة لعمل على آخر، ولكن باستثناء وحيد كان لصالح رواية دون كيخوتي التي تصدرت القائمة باعتبارها أفضل عمل أدبي تم كتابته في التاريخ في ذلك الوقت. وتعد الرواية واحدة من أكثر الكتب التي تم نشرها وترجمتها على مر التاريخ.
وتدور أحداث الرواية حول شخصية ألونسو كيخانو، رجل نبيل قارب الخمسين من العمر يقيم في قرية في إقليم لامانتشا، وكان مولعًا بقراءة كتب الفروسية والشهامة بشكل كبير. وكان بدوره يصدق كل كلمة من هذه الكتب على الرغم من أحداثها غير الواقعية على الإطلاق. فقد ألونسو عقله من قلة النوم والطعام وكثرة القراءة ويقرر أن يترك منزله وعاداته وتقاليده ويشد الرحال كفارس شهم يبحث عن مغامرة تنتظره، بسبب تأثره بقراءة كتب الفرسان الجوالين، وأخذ يتجول عبر البلاد حاملًا درعًا قديمة ومرتديًا خوذة بالية مع حصانه الضعيف روسينانتي حتى أصبح يحمل لقب دون كيخوتي دي لا مانتشا، ووُصف بـ فارس الظل الحزين. وبمساعدة خياله الفياض كان يحول كل العالم الحقيقي المحيط به، فهو يغير طريقته في الحديث ويتبنى عبارات قديمة بما كان يتناسب مع عصر الفرسان. فيما لعبت الأشخاص والأماكن المعروفة دورًا هي الأخرى بظهورها أمام عينيه ميدانًا خياليًا يحتاج إليه للقيام بمغامراته. وأقنع جاره البسيط سانشو بانثا بمرافقته ليكون حاملًا للدرع ومساعدًا له مقابل تعيينه حاكمًا على جزيرة وبدوره يصدقه سانشو لسذاجته. كما يحول دون كيخوتي بمغامراته الفتاة القروية جارته إلى دولثينيا، السيدة النبيلة لتكون موضع إعجابه وحبه عن بعد دون علمها.


البنية والمحتوى والأسلوب والمصادر

لوحة منحوتة للعبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا في مقر دار نشر خوان دي لا كويستا في 87 شارع أتوتشا في مدريد، حيث طبعت النسخة الأولى عام 1604 في الذكرى المئوية الثالثة لصدور الكيخوتي.
تتكون الرواية من جزئين، الأول تحمل اسم العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا ونشرت عام 1605؛ بينما نشرت الجزء الثاني عام 1615 تحت عنوان العبقري الفارس دون كيخوتي دي لا مانتشا. ووضعت الرواية بجزئيها الكاتب ميغيل دي ثيربانتس على خارطة تاريخ الأدب العالمي جنبًا إلى جنب مع كل من دانتي أليغييري وويليام شكسبير وميشيل دي مونتين وتم اعتبارهما من منظري الأدب الغربي في رائعة هارولد بلوم المجمع الغربي.
وطبعت النسخة الأولى في مدريد دار نشر خوان دي لا كويستا بنهاية عام 1604. وخرجت لسوق المبيعات في يناير 1605، ولكن كان بها العديد من الأخطاء اللغوية نتيجة للسرعة التي تطلبها توقيع العقد. وأُعيد طباعتها مرة أخرى في نفس دار النشر، بحيث ظهرت بالفعل نسختين مختلفتين نوعًا ما في العام ذاته. وكان يشتبه في إمكانية وجود رواية قصيرة، والتي عرفت فيما بعد باسم الروايات النموذجية. وتم الكشف عن الطبعة تحت اسم العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا، وقد فقدت هذه الطبعة، إلا أن بعض الكتاب مثل فرانثيسكو لوبيث دي أوبيداولوبي دي بيجا، من بين الأدلة الأخرى، قد أشاروا إلى شهرة هذا الجزء. وربما تم كتابتها في مخطوطة تحوي الجزء الأول عام 1604. وروى الكاتب الموريسكي إبراهيم طايبيلي من طليطلة، والذي عرف سابقًا باسم خوان بيريث وواحدًا من أشهر الكتاب في تونس عقب الطرد النهائي للعرب عام 1611، أنه قام بزيارة لأحد منافذ بيع الكتب في ألكالا وحصل هناك على الرسائل العائلية وساعة الأمراء لأنطونيو دي جيبارا والتاريخ الإمبراطوري والقيصري لبيدرو ميخيا كتاب عصر النهضة الإسباني. وفي نفس ذات المشهد، كان يسخر من كتب الفروسية وأشار إلى دون كيخوتي باعتبارها العمل المهم في ذلك الوقت. وهو بدوره ما سمح للإسباني خايمي أوليبر آسين بإضافة بعض البيانات عن احتمالية وجود نسخة سابقة للعمل متنازع عليها قبل عام 1605.
كان من المعروف اهتمام ثيربانتس بأعمال تيار الرومانسية، وشعوره بالاستياء نتيجة عدم تحقيقهم لنجاح يذكر داخل المسرح مقارنة بالنجاح الباهر الذي لاقته أعمال لوبي دي بيجا في ذلك الوقت ومنها الفاصل التمثيلي الرومانسي، والذي نشر في وقت سابق للكيخوتي، والذي يعتقد أنه كان مصدر الإلهام لثيربانتس في كتابة روايته الشهيرة. وكانت حبكة العمل صالحة لهذه الفرضية، حيث أظهرت أن البطل قد أصيب بالجنون جراء قراءته لكتب الفروسية مثلما فعل بطل القطعة المسرحية في كوميديا دي بيجا حيث أصيب بالجنون بعد اعتقاد في أبطالالرومانسية وترك أسرته باحثًا عن المغامرات. وعلى خلفية ذلك، تم المضي قدمًا في إضافة بعض الأعمال، والتي من المحتمل أن يكون استوحها ثيربانتس لكتابة العمل، مثل تيرانتي الأبيض لجوان مارتورل والمورغنتي للويجي بولشي وأورلاندو الهائج للودوفيكو أريوستو. فيما أشار آخرون أن ثيربانتس ربما يكون استوحها من الحمار الذهبي للوكيوس أبوليوس.
وانقسم الجزء الأول إلى أربعة مجلدات، ولاقي نجاحًا باهرًا وتم ترجمتها إلى كل اللغات الأوروبية، إلا أن الكاتب لم يجن فائدة اقتصادية جراء هذا النجاح لوجود العديد من الطبعات المقرصنة. فقط احتفظ ثيربانتس بامتياز طباعة الرواية فيمملكة قشتالة، بينما كانت الممالك المجاورة تطبعها بسعر أرخص ثم تبيعها في قشتالة. ومن جانب آخر، افترضت بعض الانتقادات ذات الطابع النيو أرسطوطالي الموجهة للصيغة المسرحية الجديدة التي سنها لوبي دي بيجا والطريقة المستوحاة لعمل الفواصل التمثيلية افتراض سوء النية من قبل أتباع الكاتب نفسه؛ والذي كان حتى ذلك الحين صديقًا لثيربانتس. ودفع النجاح الباهر للكيخوتي ألونسو فرنانديث دي أبيليانيدا إلى انتحال دور المؤلف للجزء الثاني من العمل وقام بنشره فيطراغونة عام 1614؛مما دفع ثيربانتس إلى إصدار الجزء الثاني من الرواية ليظهر بين أيدي القراء عام 1615. وفي مقدمة العمل أساء أبيليانيدا إلى ثيربانتس بشكل كبير، واصفًا إياه بالشخص الحسود في رد على الشكوى المنسوبة للوبي دي بيجا. ولم تصل معلومات عن ماهية فيرنانديث دي أبيليانيدا. فيما الإسباني ارتأى مارتين دي ريكير أحد أتباع ثيربانتس، أنه ربما يكون شخصية حقيقية في إشارة إلى العسكري خيرونيمو دي باسامونتي، زميل ثيربانتس ومؤلف كتاب سيرة ذاتية، الذي تضرر من نشر الجزء الأول من الرواية، حيث ظهر في الفصل الثاني والعشرين من الجزء الأول باسم خينيس دي باسامونتي. والرواية في الواقع لم تكن سيئة، حيث كانت مستوحاة مما كتبه ثيربانتس في الجزء الأول. إلا أنها في الواقع لم تكن لتقارن مع ما كتبه ثيربانتس نفسه في الجزء الثاني بعدها بعام.وبدوره عمل ثيربانتس على توظيف بطل روايته بشكل صحيح والذي عرف بأمر انتحال شخصيته من قبل أحد الأشخاص.
جزءا الرواية هما أشبه بالنظرية وعكسها. حيث يظهر دون كيخوتي في الجزء الأول منها كمبدع فانتازي حقيقي تشبع من قراءة نصوص فروسية قديمة، فينطلق ليسن قوانين الفروسية من جديد، مدافعًا عن العدالة والحب في عالمٍ آثم؛ حيث يقاتل طواحين الهواء والأغنام وبنات صاحب الخان. ويقول كارلوس فوينتيس، في مقالته عن دون كيخوتي: «إنها فن يُحيي ما قتله التاريخ».
الجزء الأول

تماثيل صغيرة لدون كيخوتي (يسارًا) وسانشو بانثا (يمينًا).
بدأ الجزء الأول بمقدمة يسخر بها الكاتب من سعة المعرفة المتحذلقة مع بعض القصائد الفكاهية التي تمدح أعمال الكاتب نفسه كنوع من التمهيد، والذي برره الكاتب قائلًا أنه لم يجد أحدًا يريد أن يمتدح عمله هذا أكثر من غيره، وذلك وفقًا لما جاء في رسالة لوبي دي بيجا. في الواقع، كانت عبارة عن كتابة غير مشروطة، بعيدة عن قواعد الكتابة المعيارية، مع مزج كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وكوميدي والتي تعمل بدورها على تطوير هذه الأنواع الأدبية، وعلى سبيل المثال جريسوستومو والراعية مارثيلا والفضولي الوقح وتاريخ الأسير والخطاب عن الأسلحة والرسائل ورواية العصر الذهبي.
تبدأ الرواية بوصف شخصية ألونسو كيخانو، واحد من النبلاء ناهز الخمسين من عمره يعيش في إقليم لا مانتشا في القرن السادس عشر لم يتزوج. فقد عقله جراء قراءته لكتب الفروسية وقلة النوم والطعام ويقرر أن يترك منزله وعاداته وتقاليده ويشد الرحال كفارس شهم من العصور الوسطى يبحث عن مغامرة تنتظره. وقرر أن يتسلح بدرع قديمة مرتديًا خوذة بالية مع حصانه الضعيف روسينانتي وخيلت له النزل المتواضعة كأنها قلاع وقصور شاهقة الارتفاع لمنازلتها. وقد وُصف بـ فارس الظل الحزين. وقد صادفه الكثير من الحظ في مغامراته الفكاهية حيث كان الشخصية الرئيسية التي تدفعها جوهر الخير والمثالية، وتبحث عن تقويم الأخطاء التي ارتكبها الآخرون ومساعدة الفئات المحرومة وتعيسة الحظ من الأرامل واليتامى والمساكين، معيدًا بذلك دور الفرسان الجوالين.وارتبط حب جارته السيدة دولثينيا من بلدية التوبوسو حبًا أفلاطونيًا، ودولثينيا في الواقع هي فتاة قروية حسنة المظهر.
يروي المؤلف في كتابه هذا ما حدث لنبيل كان يعيش في إقليم لا مانتشا الإسباني، ولا يملك سوى درع ورمح وفرس. إلا أن هذا لم يمنعه من أن ينصب نفسه فارسًا متجولًا برفقة فلاح بسيط من جيرانه يدعى سانشو بانثا، معتقدًا أن من واجبه محاربة الظلم والظلام في كافة بقاع الأرض. كان سانشو بانثا ضخم البنية على عكس صاحبه دون كيخوتي الهزيل، وتظهر العديد من المفارقات الفكاهية بدءًا من الشكل الجسماني للرجلين وتستمر طيلة الرواية. شخصية دون كيخوتي من النماذج الإنسانية العليا وهي شخصية مغامرة حالمة تصدر عنها قرارات لا عقلانية، أما رفيقه سانشو بانثا فيمثل بدن الإنسان، هذا الرفيق الأصيل للروح. ويعد الحديث القائم على مدار الرواية بين كل من السيد دون كيخوتي، المؤمن بالفروسية، مع خادمه سانشو من أكثر الحوارات سحرًا ومتعة في الأدب. حيث بدأت شخصيتهم في التكشف رويدًا رويدًا وتربطها صداقة قائمة على الاحترام المتبادل.
قاتل دون كيخوتي ضد العديد من العملاقة من وجهة نظره مثل طواحين الهواء والذي توهم أنها شياطين ذات أذرع هائلة حيث أعتقد أنها مصدر الشر في الدنيا، فهاجمها غير مبالٍ إلى صراخ تابعه وتحذيره له، حيث رشق رمحه تجاهها فرفعته أذرعها في الفضاء ودارت به وطرحته أرضًا فرضت عظامه. ومن ناحية أخرى، يكمل مسيرته ويعتقد بوجود زحف جيش جرار يملأ الجو غبارًا وضجيجًا، فيندفع بجواده ليخوض المعركة التي أتاحها له القدر حتى يثبت شجاعته ويخلد اسمه. ولكنه في الحقيقة كان قطيعًا من الأغنام، وتسفر المعركة عن قتل عدد من الأغنام وعن سقوط دون كيخوتي نفسه تحت وابل من أحجار الرعاه يفقد على أثرها بعض أضراسه. إضافة إلى العديد من المعارك الوهمية التي وقعت له مع الرجل الباسكي المشاكس والرجل الذي كان يجلد نادله وبعض الرهبان البينديكتين الذين كانوا برفقة تابوت إلى مدفنه بمدينة أخرى.وفي تقليدًا لأماديس دي جاولا، يقرر أن يكفر عن ذنبه في سييرا مورينا. وفي نهاية المطاف، يقوم بعض جيرانه بالقاء القبض عليه، ويقومون بإعادته إلى قريته داخل قفص.
الجزء الثاني

غلاف الطبعة الأولى من الجزء الثاني العبقري الفارس دون كيخوتي دي لا مانتشا، مدريد، خوان دي لا كويستا عام 1615.
ويدافع ثيربانتس في مقدمة الجزء الثاني بطريقة ساخرة عن الاتهامات التي وجها له أبيليانيدا مناصر لوبي دي بيجا وآسف لصعوبة فن القص. ويتناول في الرواية عدة مستويات مختلفة من الواقع عند إدراجه إصدار الجزء الأول بداخلها ولاحقًا أبوكريفا الجزء الثاني. ودافع ثيربانتس على عدم العقلانية التي ظهرت في الجزء الأول مثل ظهور حمار سانشو من جديد بعد اختفاءه في ظروف غامضة جراء سرقته من قبل خينيس دي باسامونتي ومصير الأموال التي تم العثور عليها في حقيبة سفر في سييرا مورينا.
ولذلك، فإنه في الجزء الثاني أدرك كل من دون كيخوتي وسانشو شهرتهما بعد النجاح الباهر الذي حققته مبيعات الجزء الأول من مغامراتهما سويًا. وعلى خلفية ذلك، فإن بعضًا من الشخصيات التي تظهر تباعًا كان نتاج قراءة العمل والاعتراف بهم. وعلاوة على ذلك، فقد تنبأ ثيربانتس نفسه بإن عمله دون كيخوتي سيحقق نجاحًا باهرًا ويظهر أن الرواية بإمكانها أن تصبح من كلاسيكيات الأدب وأن شخصية النبيل دون كيخوتي ستتحول على مر العصور إلى رمزًا لمدينة لا مانتشا.
كان ثيربانتس متداخلًا في السرد، بوصفه راوي وشخصية داخل النص في آن واحد، ويشرح ما فُقد من النصوص الأصلية للرواية كمصدر أدبي نُسب إلى كاتب عربي مسلم يدعى سيدي حامد بن الجيلي من اختراع ثيربانتس نفسه، إلا أنه استطاع استعادته حتى يتمكن من طرحه للترجمة من جديد. وتبدأ الرواية بغرض دون كيخوتي المجدد وعودته إلى المغامرات وما يلزمها من تحضيرات. وأقنع جاره البسيط سانشو بانثا بمرافقته ليكون حاملًا للدرع ومساعدًا له مقابل تعيينه حاكمًا على جزيرة وبدوره يصدقه سانشو لسذاجته. وهذه الجزيرة هي هبة سيمنحها إياه بعض الدوق المهتمين بالسخرية من رفقيه بانثا والتي تحمل اسم باراتاريا. ويبرز سانشو ذكائه في حكمه للجزيرة وشخصيته المسالمة والبسيطة على حد سواء. ولذلك سوف يتخلى عن منصبه والذي يبدو فيه محاصرًا بالكثير من المخاطر، ومن قبل الدكتور بيدرو ريثيو دي تيرتافويرا والذي لا يتركه يأكل أي شيء. وفي آخر الرواية يعود دون كيخوتي إلى رشده، مريضًا ويموت من الحزن بين تعاطف وودموع الكل. وعندما تروى القصة، تتداخل بعض العناصر لصرف الانتباه عن الحبكة الأصلية. وتحل مكانها المحادثات الشيقة بين الفارس ورفقيه حامل درعه، والتي يظهر بها دون كيخوتي وهو يفقد مثالياته تدريجيًا، متاثرًا بسانشو بانثا. وبدأ في تغيير اسمه، مرورًا من كونه عبقريًا نبيلًا إلى عبقريًا فارسًا من فارس الظل الحزين إلى فارس لوس ليونس. وعلى العكس من ذلك، انتهح سانشو بانثا مثاليات سيده في سبيل هدف واحد منصب نحو كونه حاكم جزيرة. وفي 31 أكتوبر عام 1615، أهدى ثربانتس هذا الجزء مع روايته البيزنطية الأخيرة التي تحمل اسم أعمال بيرسيليس وسيخيسموندا لسيده السابق كونت ليموس السابع بيدرو فيرنانديث دي كاسترو وأندرادي.
التفاعل النصي

الاحتفاء بالذكرى المئوية الرابعة لدون كيخوتي أمام مسقط رأسه في ألكالا دي إيناريس.
لاقت رواية الكيخوتي، مثلها مثل العديد من الأعمال الكلاسيكية، نقدًا كثيرًا إضافة إلى العديد من التأويلات الأدبية. وعرض ميغيل دي ثيربانتس عام 1615 على لسان سانشو التقرير الأول عن انطباع القراء، ومن بينهم ظهرت العديد من الأراء التي تقول أنه شخص مجنون ولكنه مضحك؛ شجاع ولكنه سيء الحظ؛ مهذب ولكنه وقح. ويحمل العمل في طياته الاتجاه الهزلي والجاد. ومع ذلك، فإن الرواية تم استقبالها في وقتها بوصفها كتاب ذو طابع ترفيهي، مثل كتاب مبهج مليء بالنكات ومحاكاة ساخرة لكتب الفروسية. وخلاصة القول، أن الكاتب أراد أن يقدم عملًا ذا بعد عميق قادرًا على عكس المجتمع وتصويره في ذلك الوقت جنبًا إلى جنب مع السلوك الإنساني.
وكانت أوروبا قد قرأت رواية دون كيخوتي باعتباره نص هجائي. فيما فضل الإنجليز ترجمتها عام 1612 على يد توماس شيلتون. وسلك الفرنسيون نفس الطريق وقاموا بترجمتها عام 1614 بفضل نسخة سيزار أودين، على الرغم من أن قصة الفضول الوقح قد تم ترجمتها في وقت سابق عام 1608. وبدأ الإيطاليون بترجمتها عام 1622؛ والألمان عام 1648والهولنديون عام 1657 وكان ذلك في الإصدار المصحوب بصورة توضيحية.
وكان تفسير الرواية السائد في القرن الثامن عشر أنها عمل ذو طابع تعليمي: الكتاب هو عمل هجائي يبرز العديد من مساوئ المجتمع المختلفة، ويهدف في الوقت ذاته إلى تصحيح الذوق الذي دمرته كتب الفروسية. وجنبًا إلى جنب مع الأراء السابقة، ما زال البعض يرون أن الرواية ما هي إلا عمل ترفيهي يهدف للتسلية فقط ودون أي دلالة مؤثرة. وأسهم الإصدار المصحوب بصورة توضيحية إلى ظهور الطبعات النقدية الأولى للعمل، والأكثرها تميزًا والتي أغلبها لم يكن بالإسبانية بل كان بالإنجليزية، وقد أحرجت نسخة جون بول الرائعة كل الإسبان، والذين من المفترض أن يكونوا من مناصري ثيربانتس، الذين لم يتمكنوا من إظهار نسخة مماثلة لجودة الإنجليزية وبالمثل لم يستغلوا فرصة اقتناء النسخة الأصلية بين أيديهم. وأشارت المثالية الكلاسيكية الحديثة إلى العديد من مساوئ هذا العمل الروائي، وخصوصًا، توجهها بعكس اتجاه الذوق السليم، مثلما أردف بالنتين دي فوروندا؛ وبالمثل كانت عكس اتجاه أرثوذكسية الأسلوب الجيد. فيما أبرز كاتب الحركة الكلاسيكية الحديثة الإسباني دييجو كليمينثين هذا الجانب بشكل خاص في القرن التاسع عشر.
وسرعان ما بدأت القراءات المتعمقة والجادة للعمل في الظهور. وأكدت واحدة من القراءات الأكثر تشويقًا، والأقل تناولًا حتى الآن، أن رواية دون كيخوتي ما هي إلا محاكاة ساخرة للسيرة الذاتية المخطوطة يدويًا من قبل سان إجناثيو دي لويولا، والتي حاول اليسوعيون إخفاؤها. وفي عام 1675، اعتبر اليسوعي الفرنسي رينيه رابين أن دون كيخوتي تتضمن إهانة موجهة إلى دوق ليرما القوي. ووفقًا للقراءة المشار إليها، فإنه عندما ظهر بطل الرواية دون كيخوتي وهو يقاتل طواحين الهواء والأغنام، فإن ذلك كان بمثابة نقد لطريقة دوق ليرما في خفض قيمة عملتي الذهب والفضة مع إضافة عملة أخرى من النحاس، والتي عرفت من وقتها باسم عملة الطاحونة والصوف. وبالتالي كانت هجاءًا موجهًا إلى القومية الإسبانية. وظهرت هذه القراءة، والتي جعلت من ثيربانتس شخصًا معاديًا لوطنه وصولًا إلى كونه ناقدًا للمثالية ولدوره العسكري، في آواخر القرن الثامن عشر في أعمال فولتير وهوراس ولپول وجورج غوردون بايرون. ويرى غوردون بايرون أن دون كيخوتي قد وجهت ضربة قاسمة للفروسية في إسبانيا، فيما حول هنري فيلدنغ، والد توم جونس، دون كيخوتي إلى رمزٍ للنبل ونموذجٍ رائعٍ من المفارقات السردية والرقابة على العادات الاجتماعية. وأعلنت المؤشرات الأولية لتيار الرومانسية بكل وضوح أنها تقترب من تغيير الذوق العام الذي من شأنه أن ينحي جانبًا الواقعية المبتذلة بمثالياتها ورغباتها. وكتب الأديب الإسباني خوسيه كادالسو في رسائله المغربية عام 1789 أنه يتضح في دون كيخوتي أن المعنى الحرفي شيء والحقيقي أمرٌ أخر مختلف كليًا.
وقد حاول تيار الرومانسية الألماني إيجاد المعنى الحقيقي للعمل. وأشار فريدريش شليجل في عمله إلى الموقع الرائد لدون كيخوتي في تتويج الفن الرومانسي في حواره مع الشعر عام 1800. وبعدها بعامين، قام الفيلسوف الألماني فريدريش شيلينج في عمله فلسفة الفن بتفسير المصطلحات الأكثر حداثة وتأثيرًا، معتمدًا على المواجهة بين المثالية والواقعية، والتي حولت دون كيخوتي إلى مقاتلًا تراجيديًا ضد الواقع الفظ والعدائي في دفاعه عن مثالية غير قابلة للتطبيق.وانطلاقًا من تلك اللحظة، ارتأى الرومانسيون الألمان مثل شيلينج وجان باول ولودفيغ تيك أن البطل في العمل ما هو إلا صورة بطولة مثيرة للشفقة. فيما أردف الشاعر هاينرش هاينه عام 1837 في مقدمة النسخة الألمانية من العمل في ذلك الوقت أنه قرأ دون كيخوتي بجدية تامة في أحد أركان حديقة بالاتينو دوسلدورف، وقد أضفى عليه طابعًا سوداويًا. وقد ساعدت دون كيخوتي بدلًا من كونها مصدرًا للضحك في الانتقال من الكتابة الملحمية الهزلية إلى الرواية الأكثر حزنًا. وأصبحت شخوص عمل ثيربانتس محل دراسة العديد من الفلاسفة مثل هيغل وشوبنهاور في مجالاتهم الميتافيزيقية.

التماثيل البرونزية لدون كيخوتي وسانشو بانثا في ألكالا دي إيناريس مسقط رأس ثيربانتس.
وبدأ تيار الرومانسية في التفسير المجازي أو الرمزي للرواية، وانتقل إلى المستوى الثاني من القراءة الساخرة. ولم يرَ الشاعر الإنجليزي صامويل تايلر كولريدج ما حدث للفارس حتى مات مهمومًا وحزينًا أمرًا يدعو للاستمتاع. وكان دون كيخوتي على ما يبدو رمزًا جوهريًا حيًا للفكر والحس الأخلاقي، إلا أنه في الوقت ذاته كان محكومًا عليه بالفشل لغياب الفطرة السليمة. وأعرب الكاتب الإنجليزي وليم هازلت في تعليق له عام 1815 عن أن الشفقة والمشاعر غالبًا ما يظهرا متخفيين وراء مزحة حبكة العمل، وهو بدوره ما يؤدي إلى إثارة الضحك، غير أنه في الواقع يجب أن يثير البكاء. وامتد تفسير دون كيخوتي بالعمل ذي الطابع الحزين حتى مطلع القرن العشرين. وضمنها الشاعر النيكاراجواني روبين دارييو في عمله الابتهال إلى الله، والتي دعا فيها رب أرباب الأحزان والمنكوبين؛ وجعله أيضًا شخصية محورية تنتحر في قصته دون كيخوتي التي ألفها في نفس العام، وقد جسد فيها الحرب الأمريكية الإسبانية وهزيمة إسبانيا عام 1898. ولم يكن من الصعب أن يفضي التفسير الرومانسي للرواية في نهاية الأمر إلى وجه الشبه بين الشخصية ومؤلفها. وتمت قراءة المصاعب والمتاعب التي واجهت شخصية الكيخوتي على أنها استعارة لحياة ثيربانتس المتعثرة، وأن دون كيخوتي كان قناعًا يهدف إلى إظهار الشبه بين الشخصية ومؤلفها، حيث كانا عاجزين ومحبطين عى حد سواء. فيما تخيل الشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي ألفريد دي فيجن أن ثيربانتس كان يحتضر عندما أعلن عن رغبته في رسم صورة لفارس الظل الحزين بقلمه.
وخلال القرن التاسع عشر، تحولت الشخصية التي أبدعها ثيربانتس إلى رمز للخير والتضحية والتضامن والحماس. وقد مثلت شخصية الفاتح الراغب في سلك مسارات جديدة. وأشار الروائي الروسي إيفان تورغينيف في مقاله المميز هاملت ودون كيخوتي عام 1860، والذي قام فيه بعمل مواجهة بين الشخصيتين كنماذج إنسانية متباينة، إلى الشخصية المنفتحة والمتحررة في مواجهة الشخصية المكتئبة والمتأملة. ويجسد دون كيخوتي كل ما يتبع الأخلاقيات المسيحية بشكل تام، أكثر من كونه إيثارًا. ويرى كل من الكتاب الروس ليو تولستوي وألكسندر بوشكين ونيقولاي غوغول في شخصية دون كيخوتي بطلًا مدافعًا عن الحق بكل قوة ومرآة الشر في العالم.
وقبل أن يرفع الشاعر الإنجليزي -الأمريكي ويستن هيو أودن من شأن النبيل دون كيخوتي إلى مراتب القداسة، قارنه الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي مع يسوع المسيح، حتى يؤكد على أن «أفضل الشخصيات الجيدة في الأدب المسيحي على مر العصور هو وبدون شك دون كيخوتي».
ولم تكن سنوات أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر في عصر الرومانسية هي فقط من قدمت نقدًا شديدًا لدون كيخوتي، بل كانت نقطة انطلاق لمجال الفكر السياسي أيضًا. وجاءت فكرة الفيلسوف الألماني يوهان جوتفريد هردر في أن الفن يعبر عن روح الشعب، والتي انتشرت بدورها في كل أوروبا ووجدت في أعمال بعض المؤلفين أمثال الإسكتلندي توماس كارليل والفرنسي هيبوليت تين، والذين ارتأيا أن رواية دون كيخوتي قد عكست قيم القومية التي تولدت بداخلها وتركت أثرًا لدى الشعب. ولكن ما هي هذه القيم؟ يرى الرومانسيون المحافظون أنها الامتناع عن التقدم والدفاع في وقت ما، إضافة إلى بعض القيم السامية التي عفا عنها الزمن وقيم الفروسية في القرون الوسطى والإمبراطورية الإسبانبة تحت لواء الملك فيليب الثاني. بينما يرى الليبراليون أنها الصراع ضد تعنت الإمبراطورية الإسبانية القاتمة والتي لا مستقبل لها. واستمرت تلك القراءات السياسية بشكل قوي لعقود، حتى جاء النظام المنبثق من الحرب الأهلية الإسبانية وقد رجح كفة الأولى، مضفيًاصبغة قومية تقليدية.
واستعاد القرن العشرين التفسير الهزلي للرواية كالذي أردفه القراء الأوائل، ولكنه لم يتوقف عن التفسير المجازي لها. وازدادت القراءات التي لا معنى لها، إلا أن العديد من الكتاب قد تجاوز ذلك وأتخذ نهجًا خاصًا تجاه الأمر بداية من فرانس كافكا ومرورًا بخورخي لويس بورخيس حتى ميلان كونديرا. واخترع الأديب الألماني توماس مان على سبيل المثال في كتابه رحلته مع دون كيخوتي عام 1934 فارسًا مجردًا من المثاليات ومتهجمًا على الآخرين وشريرًا استنادًا إلى شهرته الكبيرة؛ أما الروسي فلاديمير نابوكوف فقد حاول وضع الأمور في نصابها الطبيعي في خطاباته الشهيرة والمثيرة للجدل.
وربما كانت المشكلة الرئيسية في أن رواية دون كيخوتي كانت تتألف من جزئين يصعب تقليصهما إلى طبعة واحدة تتفق في المغزى. وقد سبب المجنون الذي ظهر عام 1605 مع خوذته البالية من الورق المقوى الكثير من الضحك أكثر من التأوهات، ولكن الحكيم الذي ظهر عام 1615، والذي كان في حيرة من كثرة الأوهام التي تحاك ضده، طالب القارىء بتجاوز معنى كلماته ومغامراته والذهاب إلى ما هو أبعد من الكوميديا الأولية والدعابات. وتكثر التفسيرات الفلسفية والمدافعة عن العمل في القرن العشرين. وقد بدأت التفسيرات الخفية في ذلك القرن في أعمال نيكولاس دياث دي بينخومييا مثل مكتب بريد أوجاندا عام 1861 وبريد الكيفي عام 1866 ورسالة مارلين عام 1875. وقد تصدر بينخومييا سلسلة القراءات الانطباعية عن دون كيخوتي غير الواضحة تمامًا؛ وقد عرّف بطل رواية ثيربانتس على أنه مفكر جمهوري حر. وقد تبعه كل من بنينو باييول، والذي عُرف باسم بولينوس، وتيودوميرو إيبانيس وفيلينسيانو أورتيجا وأدولفو سالدياس وبالدوميرو بيليجاس. وفي عام 1967، أكدت الفرنسية دومينيك أوبيار أن رواية دون كيخوتي هي كتاب يمكن قرائته بالإسبانية والعبرية على حد سواء. وارتأت أن دون كيخوتي، والتي تعني بالآرامية الحقيقة، قد تم كتابتها في سياق الاهتمامالمسكوني. وأنها كانت بمثابة تخليدًا لإسبانيا التي كانت ملتقى للأديان السماوية الثلاثة، وأن ثيربانتس كان قد اقترح مشروعًا مستقبليًا ثقافيًا شاملًا يرتكز على قوة الفعل.
الواقعية في دون كيخوتي


طواحين الهواء في كامبو دي كرايبتانا في لا مانتشا.
يفترض الجزء الأول إحراز تقدم ملحوظ في فن القص، مكونًا عنصرًا خيالًا من المستوى الثاني، حيث تؤثر الشخصية على مجرى الأحداث. وكان من المعتاد في كتب الفروسية أن يكون للحدث أهمية أكبر من الشخصيات ذاتها في ذلك الوقت. وأن الشخصيات كانت مدفوعة بعامل الرغبة الجمة، مع اعتمادهم على الحبكة، وهي سرد من المستوى الأول. ومع ذلك، فإن الأحداث تقدم متشابكة فيما بينها إلى حد ما، وتظهر بوصفها جزءًا لا يتجزأ من بنية متجانسة إلى حد ما ومتنوعة وأحيانًا تبدو متنافرة، ويمكن التعرف من خلالها على الفواصل التي يتم معالجتها وروايات النموذجية المدرجة والخطابات والقصائد... إلخ.
ويظهر الجزء الثاني أكثر باروكية، وقد حقق تقدمًا روائيًا أكثر مما أعتقده ثيربانتس نفسه بخصوص البنية السردية: تظهر الأحداث مدمجة بشكل أكثر وتتناول نوعًا من الخيال من المستوى الثالث. وظهر لأول مرة في تاريخ الرواية الأوروبية تحوير الشخصية للأحداث وفي نفس الوقت تتأثر بها في علاقة مترابطة فيما بينهما، حيث تتطور الشخصيات مع سير الأحداث ولا يسيرون على نفس النهج منذ بداية الحدث حتى نهايته، حيث التغيير الجذري من البداية إلى النهاية.
وتطل رواية دون كيخوتي كأول رواية واقعية حقيقية، ويصحبها تأكيد فكرة عدم وجود أبطال، وتم برهنة ذلك عند عودة البطل دون كيخوتي إلى قريته، والذي لم يكن بطلًا في الواقع. وكانت هذه الفكرة اليائسة مشابهة إلى حد كبير إلى العدمية من قبل واحد من مناصري كتابات ثيربانتس فيودور دوستويفسكي، والذي قتل بالنهاية شخصية ألونسو كيخانو، المعروف بكنية الجيد.إغلاق مفقود لوسم ويرتبط موضوع العمل الأساسي بمبدأ أخلاقي وثيق الصلة بالحرية في الحياة البشرية، وهي النقطة التي تناولها لويس روساليس في دراسته. وعانى ثيربانتس من السجن لفترات طويلة في حياته وحارب من أجل الحصول أوروبا على حريتها في صراعها مع الإمبراطورية العثمانية. وكانت التساؤلات المطروحة: لماذا يجب أن يحتفظ الإنسان بثابته على أرض الواقع؟ وما هي الفكرة المصاغة من خلال ممارسة الحرية؟ وهل نستطيع أن نغير العالم أم أنه هو الذي سيغيرنا؟وما هو الأكثر تعقلًا والأقل جنونًا؟ وهل من المبادىء الأخلاقية محاولة تغيير العالم؟ وهل تواجد الأبطال أمرًا ممكنًا؟ ومن منظور موضوع العمل الأساسي المرتبط بشكل وثيق مع موضوع الجنون، ذي المظهر الباروكي والواقع، والذي يستخلص من الموضوعات الثانوية الأخرى:
المثالية الأدبية: يعد النقد الأدبي موضوعًا راسخًا في كل أعمال ثيربانتس، حيث يوجه النقد لكتب الفروسية والروايات الرعوية والصيغة المسرحية الجديدة المبتكرة من قبل لوبي دي بيجا.
مثالية الحب: لم يصلا إليها الشريكان الرئيسيان بالرواية دون كيخوتي ودولثينيا، وهو ما أدى بدوره إلى ظهور العديد من قصص الحب المختلفة (بين الشباب على وجه الخصوص)، فيما ارتبطت بعض القصص البائسة من تصورات الحياة بمبدأ الحرية (كما في حالة مارثيلا وجريسوتومو) أو بسبب مرضية انعدام الأمان (رواية مدرجة في الفضولي الوقح)؛ وهناك البعض الآخر الذي أرادها سعيدة مثل (باسيليو وكيتيريا في أفراح كاماتشو)، إضافة إلى ظهور موضوعالغيرة، الذي يعده ثيربانتس أمرًا هامًا في أعماله.
السياسي المثالي: ظهرت اليوتوبيا في بعض الأجزاء مثل حكم سانشو لجزيرة باراتاريا مع أحلام اليقظة الخيالية من قبل دون كيخوتي في كهف مونتيسينوس.
مثالية العدالة: كما ظهرت في مغامرات أندريسييو والعبيد.
الأصالة
تعد رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا، والتي كتبت بين عامي (1605 - 1615)، واحدة من بين أفضل الأعمال الروائية المكتوبة في العالم وقد اعتبرها الكثير من النقاد بمثابة أول رواية أوروبية حديثة وقمة الأعمال الروائية التي يسيطر عليها طابع الدعابة. إضافة إلى كونها نقطة انطلاق النوع الأدبي للرواية الحديثة المسمى بالرواية متعددة الألحان، والتي أظهرت تأثيرًا كبيرًا على الأعمال الروائية الأوروبية التي تلتها في وقت لاحق.
وقدمت الرواية في المقام الأول نموذجًا من تيار الواقعية الأدبية، مختبرًا ومكتملًا قد بدأ مع الأدب الإسباني في العصور الوسطى في محاكاة ساخرة حقيقية لجميع الأنواع الأدبية مع النقد الاجتماعي والتركيز على القيم النفسية والمادية الوصفية. فيما قدمت في المقام الثاني الرواية متعددة الألحان، وهي الرواية التي تفسر الواقع من عدة وجهات نظر متراكبة في آن واحد، ولا تعتمد فحسب على وجهة نظر وحيدة. ويصبح الواقع بداخلها أمرًا معقدًا للغاية، ولا يحاول فقط إعادة إنتاجها ولكنه يهدف إلى استبدالها داخل محيطها الأدبي، حيث تطيل السرد أكثر مما هو معتاد وتصبح الرواية عملًا كونيًا. وكانت الرواية الحديثة التي صورها ثيربانتس عبارة عن مزيج بين كل شيء، وكما أكدها هو نفسه على لسان الكاهن، أنها كتابة غير مشروطة تمكن الفنان من إظهار كل ما هو ملحمي وغنائي وتراجيدي وكوميدي ونثري وشعري وحواري وخطابي وخرافي وفلسفي وأسطوري في محاكاة ساخرة لهم جميعًا.
التقنيات السردية

التناقض بين الشخصيات بغية مساعدة كل منهما للآخر في إقامة حوار قائم على الاستماع والاستيعاب، يساعد شخصياتهما على التطور في الشكل والمضمون وتعدد وجهات النظر، حيث انتهج دون كيخوتي مسار رفيقه سانشو وبدأ يفقد مثالياته تدريجيًا، وعلى العكس من ذلك، اقتبس سانشو بانثا من مثاليات سيده وتأثر بها.
كان يمكن كتابة الملحمة بالأسلوب النثري في عهد ثيربانتس. واستخدم ثيربانتس العديد من التقنيات السردية في هذه الرواية: مثل التلخيص الصحفي للأحداث من وقت لآخر، حتى لا يضيع الكاتب وسط السرد الطويل للرواية؛ التناقض بين كل ما هو مثالي وحقيقي على كل المستويات، حيث يظهر الأسلوب ممزوجًا في بعض الأحيان بالعناصر البلاغية وأحيانًا أخرى يبدو متقيدًا بشكل صارم بمحاكاة اللغة الشعبية؛ وظهر التناقض بين الشخصيات وبعضها والتي يفضلها ثيربانتس جمعهما في مجموعات ثنائية، بغية مساعدة كل منهما للآخر في إقامة حوار قائم على الاستماع والاستيعاب، يساعد شخصياتهما على التطور في الشكل والمضمون وتعدد وجهات النظر، حيث تبدأ الرواية من جانب وتنهيه على الجانب الآخر؛ حيث انتهج دون كيخوتي مسار رفيقه سانشو وبدأ يفقد مثالياته تدريجيًا، وعلى العكس من ذلك، اقتبس سانشو بانثا من مثاليات سيده وتأثر بها. ولو كان البطل مولعًا بإن يكون فارسًا متجولًا، فإن سانشو يفكر في اتجاه واحد وهو أن يكون حاكم جزيرة. وكلاهما كان مخدوعًا في الأمر، حيث ظهر دون كيخوتي أكثر وعيًا بما هو مسرحي وما هو مظهري في تصرفاته. وكانت الدعابة أمرًا ثابتًا في الرواية، وهي دعابة من نوع خاص، قائمة على احترام الكرامة الإنسانية للشخصيات. وكانت نقطة الطباق السردي الأولى هي بنية العمل حيث تتوالى الأحداث وتتشابك باستمرار في علاقة ترابطية بينهما. ويأتي عنصر التشويق كنوعًا من خلق الألغاز داخل السرد، والذي يجذب بدوره اهتمام القارىء حتى يتوصل إلى منطقية الأحداث، ثم تتبعها أخرى حتى الوصول إلى النهاية. فيما تقدم المحاكاة الساخرة اللغوية والأدبية واللغات والأدوار الاجتماعية كوسيلة تهدف إلى المزج بين وجهات النظر حتى الوصول إلى نفس الرؤية المشوشة التي تستفيض في تفسير الواقع. وتظهر بوضوح شفهية لغة ثيربانتس وبعض أثار الكتابة المسرحية الناتجة عن ولعه الشديد بها، والتي بدورها ساعدت القارىء على اقترابه بشكل غير عادي من شخوص العمل ومن الواقعية التي تسهل التعرف على هويتهم والاشتراك معهم في بعض الأحيان. واستخدم ثيربانتس بعض الحيل الميتا خيالية بغية إخفاء شخصية كاتب النص عن طريق الاستعانة ببعض الوسطاء الروائيين حتى يضفي طابع واقعي على العمل ويقلل الجانب الأدبي لتظهر شخوص العمل بشكل مثالي.
أثر الكيخوتي على السرد الإسباني
على الرغم من التأثير الجلي لرواية دون كيخوتي على تقنيات ومخرجات الأنواع الروائية التالية لها، إلا أن أوجه التشابه ظهرت بطريقة ملحوظة في بعض أعمال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الأوربية. وتم الزعم بإن كل رواية تبعت الكيخوتي ما هي إلى إعادة صياغة لها أو لمحتوها بشكل ضمني. وعلى سبيل المثال، أكد جيم تومسون، كاتب الروايات البوليسية الأمريكي وواحد من قراء دون كيخوتي، أنه يوجد بالفعل العديد من البنيات الروائية ولكن الموضوع واحد: «الأمور ليست كما تبدو للعيان». وهذا أمر تختص به كتابات ثيربانتس التي تتميز بالمستويات السردية للأحداث.
وعلى النقيض من ذلك في إسبانيا، لم يحرز ثيربانتس تقدمًا في حشد أتباع له قادرين على إتباع نهجه باستثناء الكاتبة ماريا دي ثاياس من العصر الذهبي الإسباني في القرن السابع عشر والروائي خوسيه فرانثيسكو دي إيسلا في القرن الثامن عشر. وعانى النوع السردي من تراجع كبير نتيجة تداخل عناصر وعظية خارجية والمنافسة التي شاركت بها بداعٍ التسلية في مجابهة مسرح الباروك.
عاد ثيربانتس بوصفه نموذجًا روائيًا يحتذى به في إسبانيا مع ظهور تيار الواقعية. وكان بينيتو بيريث جالدوس، والذي عرف فصولًا كاملة من الكيخوتي، مثالًا بارزًا على ذلك مع غزارة إنتاجه الأدبي الروائي. وتزامنًا مع ذلك، فإن الإنتاج الروائي قد أسهم في زيادة التراجم والدراسات النقدية، وهو بدوره ما أدى إلى رفع محتوى فروع دراسية بأكملها مثل دراسات فقه اللغة الإسباني، وتأثير ثيربانتس الوطني والدولي.
على نهج الكيخوتي
إضافة إلى الجزء الثاني الذي كتبه الإسباني ألونسو فرنانديث دي أبيليانيدا الذي انتحل دور المؤلف عام 1614، كان هناك العديد من الطبعات التي سلكت نفس نهج الكيخوتي. وظهرت الطبعات الثلاثة الأوائل من قبل الكتاب الفرنسيين فرانسوا فيليو سانت مارتن وروبرت شال وقصة الفارس المثير للإعجاب دون كيخوتي دي لا مانتشا، من جزئين عام 1677 وأخرى مجهولة المؤلف تحمل عنوان استمرارية جديدة وحقيقية لقصة ومغامرات الفارس الذي لا مثيل له دون كيخوتي دي لا مانتشا، وتم نشرها في ست مجلدات في الفترة من 1722 إلى 1726.
وظهر في القرن الثامن عشر عملان آخران يعدان بمثابة استكمال للرواية الإسبانية، والذين يتناولان ماذا حدث بعد وفاة دون كيخوتي وهما إضافات لقصة العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا لخاثينتو ماريا ديلجادو وقصة سانشو بانثا حامل الدرع الأكثر شهرة من جزئين تم نشرها بين عامي 1793 1798 لبيدرو جاتي إيه كارنيثير.
في عام 1886، نشر لويس أتيرو إيه بيمينتيل في هافانا ملامح فروسية أو المغامرات الجديدة لدون كيخوتي دي لا مانتشا، وتدور أحداثها في كوبا في نهاية القرن التاسع عشر. وفي القرن العشرين ظهرت روايات أخرى متعددة تسير على النهج ذاته، ومنها واحدة ذات طابع فكاهي وهي الخروج الثالث للفارس الشجاع دون كيخوتي دي لا مانتشا: الجزء الثالث من عمل ثيربانتس الروائي، وكتبها أنطونيو ليديسما إيرنانديث في برشلونة عام 1905. ونشر خوسيه كامون أثنار الراعي كيخوطتيث في مدريد عام 1969، ورواية عند وفاة دون كيخوتي للكاتب الإسباني أندريس ترابييلو عام 2004. وكما انتهجت بعض أعمال الكتاب الإسبان ما كتب ثيربانتس في رائعته الكيخوتي، قام كتابأمريكا اللاتينية بمحاكاتهم،حيث ظهرت الفصول التي نساها ثيربانتس لخوان مونتالبو عام 1895؛ ودون كيخوتي في أمريكا أو الخروج الرابع للعبقري النبيل دي لا مانتشا لدون توليو فيبريس كورديرو عام 1905،والطبعة التكارية التي ظهرت في جامعة لوس أنديس عام 2005.
دون كيخوتي في العالم العربي

تمثال لدون كيخوتي وحماره في مدينة غرناطة بإسبانيا.

التماثيل البرونزية لكل من دون كيخوتي وسانشو بانثا من قبل النحات لورينثو كويليه فاليرا بين عامي 1925 و1930.
يعد حضور شخصية ثيربانتس دون كيخوطي في المخيلة العربية المعاصرة وخصوصًا في إنتاجها الأدبي أمرًا اعتياديًا للغاية.ويلفظ اسم دون كيخوتي بالعربية دون كيشوت أو دون كيخوت أو ضون كيخوتي وأحيانًا يلفظ كما يلفظ بالإسبانية.وكثيرًا ما يشار إلي ذلك بشيء يدعو إلى التناقض الظاهري نتيجة نشر الترجمات العربية الأولى للعمل في خمسينات وستينات القرن العشرين.
ظهرت في الجزائر ترجمة جزئية عن اللغة الفرنسية لرواية دون كيشوت عام 1898؛ كما صدرت في القاهرة عن المطبعة السلفية عام 1923 ترجمة موجزة لها بقلم العراقي عبد القادر رشيد، وكانت بمثابة أول طبعة موجزة في وتم نقلها عن الكتب الفرنسية.وبمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لميلاد ثيربانتس، قام اللبنانيان المتخصصان بالدراسات الإسبانية نجيب أبو ملحم وموسى عبود عام 1947 في تطوان: عاصمة المغرب الإسبانية آنذاك بنشر أول عملًا أدبيًا مسهبًا باللغة العربية حول الكاتب تحت عنوان ثيربانتس.. أمير الآداب الإسبانية، وهو مقال جاء في أكثر من أربعمائة صفحة، والذي أثار بدوره اهتمام الأوساط الأدبية والفكرية وعهد القسم العربي في منظمة اليونسكو، إلى الكاتبين بترجمة دون كيخوتي. وبدأت الترجمة المشار إليها بالفعل، لكنها، ولأسباب غير معروفة، لم تصل إلى النشر. وبين عامي 1951 و1966، قام التهامي الوزاني بتعريب الفصول الثمانية الأولى تحت عنوان النابغة المغوار دون كيخوتيه دي لا مانشا، فُترجمت لفظة الكيخوتي بحرف الخاء بدلًا من الشين، التي كانت سائدة بسبب الترجمة عن الفرنسية، وقام بنشرها في جريدتي الريف وبريد الصباح، وقام بطبع جزء منها عام 1959، وتم نقلها مباشرة عن الإسبانية. وحصل الوزاني على سلسلة من الصور البديعة توضح الأماكن التي سلكها دون كيخوتي من وضع الرسام كارلوس باثكيث. وقام بعدها بالعمل على نسخة نقدية من ستة أجزاء حققها فرانثيسكو رودريجيث مارين، وصدرت في مدريد ما بين عامي 1916 و1917.وفي عام 1957، صدرت ترجمة الجزء الأول عن مكتبة الأنجلو المصرية، أنجزها الدكتور عبدالعزيز الأهواني وراجعها الدكتور حسن مؤنس وصدرت في ثلاثمائة واثنتين وخمسين صفحة كانت محصلة الجزء الأول دون الثاني.
وكان لعمل أبو ملحم وعبود حول ثيربانتس أثرًا بالغًا في إثارة اهتمام المثقفين العرب بروايته، والذين قاموا بقراءتها عن طريق طبعات بلغات أخرى، ذلك حتى عام 1956، حين نُشرت في القاهرة، ترجمة الجزء الأول من دون كيخوتي. ولكن كان يتوجب الانتظار حتى عام 1965، حيث قام عالم بالدراسات الإسبانية عبد الرحمن بدوي بترجمتها كاملة إلى العربية،وكانت ترجمة بدوي كلاسيكية إلى حد ما، إلا إنها كانت الأكثر قراءة حتى ظهور ترجمتي المتخصص بالدراسات الإسبانية سليمان العطار في القاهرة عام 2002، ورفعت عطفة عام 2004 بدمشق.
وقبل ترجمة العمل، كانت الرواية مقصدًا للعديد من الدراسات النقدية، بعيدًا عن ما تم ذكره عن أبو ملحم وعبود، والذين أسهما في إثارة الاهتمام الأدبي بشخصية دون كيخوتي. والتي كانت مدمجة تمامًا في المخيلة العربية: حيث ارتأى الكثيرون أن الكيخوتي ما هو إلا رمز للتطور المعاصر للشعوب العربية، التي تتميز بالمثالية والبلاغة، إلا أنه في الوقت نفسه كان عاجزًا عن مواجهة القوة الساحقة للواقع. وظهرت إشارات للكيخوتي بشكل متكرر في أعمال بعض الكتاب والشعراء مثل نزار قباني ونجيب سرور ويوسف الخال ومحمود درويش وآسيا جبار وبدر شاكر السياب وجمال الغيطاني من بين آخرين.
ومن ناحية أخرى، فإن الكيخوتي شأنها شأن أعمال ثيربانتس الأخرى كان محط اهتمام خاص ودراسة نتيجة إشاراتها إلى الإسلام والموريسكيين، والتي كانت أكثر وضوحًا للقراء المسلمين العرب.
إصدارات الكيخوتي

واحدة من العديد من الرسوم التوضيحية للفنان جوستاب دوريه لدون كيخوتي.
اندثرت إصدارت رائعة العصر الذهبي الإسباني رواية دون كيخوتي حتى عصر التنوير، باستثناء طبعة بروكسل لروجور فيلبيس، الجزء الأول عام 1607. واعُتبرت كل من دون كيخوتي في القرن الثامن عشر وحياة وأفعال العبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانتشا، والتي تم نشرها في لندن عام 1738 من قبل لورد كارتيريت، الذي أهداها إلى دوقة مونتايجوزوجة الإمبراطور الإسباني خلال عهد جورج الثاني ملك بريطانيا العظمى. ويعود النص إلى واحد من مناصري ثيربانتس وهو اليهودي السفاردي المقيم في لندن بيدرو بينيدا. وكان عملًا نقديًا وتعليمًا في عصر التنوير، وقام جريجوريو مايناس وسيسكو بتضمين سيرة حياة ثيربانتس بداخلها، حيث تعد أول سيرة ذاتية لمؤلف العمل. وقامت الأكاديمية الملكية الإسبانية بإصدار نسخة أخرى من أربع مجلدات عام 1780، وقامت بعمل بعض التعديلات والتصحيحات، وقام الناشرين بتضمين مقدمة نقدية عن العمل مصحوبصا بسيرة الكاتب الذاتية ومقالًا عن الرواية و وتحليلًا للكيخوتي، وهو التفسير الكلاسيكي الذي يحمل في طياته وجهتي نظر؛ الأولى وفقًا للتقاليد الأدبية والثانية وفقًا للنظرة العالمية مع دراسة التسلسل الزمني التاريخي لمغامرات دون كيخوتي، إضافة إلى سلسلة من النقوش وخريطة إسبانيا لتوضيح مسار رحلة دون كيخوتي. وصحح بيثنتي دي لوس ريوس، المسئول الرئيسي عن طبعة الأكاديمية الملكية الإسبانية الأخطاء النصية في الطبعات السابقة. فيما قام الإنجليزي جون بول بفحص النص بعناية وقام بتنقيحه من الأخطاء في إصداره عام 1781، والذي كان مرجعًا تعليمًا تفوق على ما سبقه من إصدارات. كان بول الأول في ملاحظة أن هناك نسختين للعمل عام 1605. واستغل من خلفه من الناشرين مرجعه التعليمي وجهده السخي. فقام خوان أنطونيو بيليسير في الفترة ما بين عامي 1797 و1798 بإصدار خمسة مجلدات مع عدة إشارات إلى المتغيرات النصية. ومن جانب آخر قام أجوستين غارثيا أريتا بنشر مجموعة من الأعمال المختارة لثيربانتس في عشر مجلدات في باريس، في المكتبة الإسبانية- الفرنسية عام 1826. وقام فيرمين ديدوت بإعادة طباعتها عام 1826. واشتمل إنتاجه على رواية الكيخوتي من المجلد الأول حتى السادس ثم الروايات النموذجية من المجلد السابع حتى التاسع والأعمال المسرحية في المجلد العاشر.
وفي القرن التاسع عشر، ظهرت طبعة دييجو كليمينثين، في ستة و مجلدات بين أعوام 1833 و1839. وكان إصدار خوان أوخينيو هارتثينبوش عام 1863 في أربعة مجلدات وأخرى تحمل اسم أعمال كاملة لميغيل دي ثيربانتس في العام ذاته، والتي صدرت في مدريد. وأضاف لها هارتثينبوش مجموعة من الملاحظات كان بصدد نشرها في للطبعة الثانية التي لم يتمكن من إصدارها، إلا أنها طُبعت تحت عنوان 1633 ملاحظة لخوان أوخينيو هارتثينبوش للعبقري النبيل دون كيخوتي دي لا مانشا، والتي نشرت في برشلونة عام 1874 من قبل نارثيسو راميريث.
في أواخر القرن التاسع عشر، أعد كليمنتي كورتيخون نسخة من العمل،والتي من المحتمل أن تكون أول عمل نقدي للعمل تم جمعها من ما لا يقل عن ستة وعشرين طبعة مختلفة، إلا أن المؤلف توفي عام 1911 دون أن يكمل العمل، إلا أن كلا من خوان خيبانيل وخوان سونيي بيناخيس قاما بإكمال الجزء الأخير الذي نُشر في ستة مجلدات في برشلونة ما بين أعوام 1905 و1913. ولكن في الوقت ذاته اشتمل العمل على بعض العيوب الناتجة عن تحامل المؤلف على مناصري ثيربانتس السابقين أمثال كورتيخون مع توضيح القليل فقط من المعايير الفقهية للغة. وتم تجنب استخدام النسخة في الاستشهاد بعض التضاربات التي اشتملت عليها الملاحظات والقراءات غير المبررة التي جلبت بدورها العديد من الأخطاء مع النقص العام للشرح والتفسيرات الخاصة بها. جاءت بعد ذلك طبعة فرانثيسكو رودريجيث مارين، التي استعان بها منهجية الوضعية، حيث ظهرت كل طبعة أفضل من سابقتها بداية من الكلاسيكية قراءة في ثمانٍ مجلدات من 1911 إلى 1913 ثم الطبعة النقدية في ستة مجلدات من 1916 إلى 1917 والطبعة النقدية الجديدة في ستة مجلدات أيضًا من 1927 إلى 1928. وتم إعادة إصدار الطبعة النقدية الجديدة مع بعض التصويبات وإضافة ملاحظات جديدة في عشر مجلدات بدءًا من عام 1947 حتى 1949 تحت عنوان الطبعة النقدية الجديدة مع تعليق منقح ومحسن مع إضافة أكثر من ألف ملاحظة جديدة؛ إلا أنها في الوقت نفسه كانت تعاني من كوابح منهجية الوضعية من حيث تشديدها المفرط على استخدام المعلومات الوثائقية، كما أن المؤلف يفتقر إلى التكوين اللغوي، لم تكن طبعات نقدية في الواقع، ولم يتم صقل النص بعمل مقارنات مع النسخ السابقة المصرح بها ولم يشر إلى التغييرات التي حدثت في النص؛ واحتفظ إصدار الأمريكي رودولف شيفل والإسباني أدولفو بونيا وسان مارتين في الفترة ما بين أعوام 1914 إلى 1941 بالعناصر الفقهية اللغوية المناسبة، إلا أن نسخة الإسباني مارتين دي ريكير تعد بمثابة رائعة من كاتب ينتمي إلى تيار الإنسانية وفي الوقت ذاته كان خبيرًا بحياة الفروسية في القرون الوسطى؛ أما النسخة التي أصدرها معهد ثيربانتس الإسباني بالاشتراك مع فريق قاده فرانثيسكو ريكو في الفترة ما بين 1998 حتى 2004 تعد الأخيرة والأكثر مصداقية حيث توفرت المصادر المستخدمة لصقل النص والتعليق عليه. وتعد هذه الطبعة هي الأهم بين العديد من الطبعات للإسباني إميليو باسكوال عام 1975 والأرجنتيني خوان باوتيستا أبالي أرثي عام 1979 وجون جاي ألين عام 1984 والإسباني بيثنتي جاوس عام 1987 ولويس أندريس عام 1988 والإسباني فلورنسيو سيبيلا أرويو عام 2001.
وفي عام 1987، نُشرت نسخة مصورة من العمل من قبل أنطونيو ساورا، تشتمل على مائة وخمسة وتسعين صورة. وفي احتفالية الذكرى المئوية الرابعة لظهور الكيخوتي عام 2005 التي أقامتها الأكاديمية الملكية الإسبانية بالتعاون مع رابطة أكاديميات اللغة الإسبانية، قاما بالترويج للطبعة الشعبية من العمل والتي عمل عليها فرانثيسكو ريكو ما بين 1998 إلى 2004 بالاشتراك مع معهد ثيربانتس، وقامت بنشرها دار الفاجوارا للنشر باطلاق نصف مليون نسخة كبداية أولى.
دون كيخوتي في الوسائط الإعلامية الأخرى
في الموسيقى

لوسيان فوجيري ممثلًا لسانشو بانثا في أوبرا جول ماسن عام 1910.
ألهمت رائعة ثيربانتس العديد من الموسيقيين منذ نشرها. وقبل صدور الجزء الثاني في 1615، قامت مدام سوتنير بتقديم عرض باليه دون كيخوتي في قصر اللوفر في 3 فبراير عام 1614. ومن بين الأعمال الموسيقية التي استندت إلى شخصية فارس الظل الحزين يبرز القصة الهزلية لدون كيخوتي لهنري بارسيل عام 1695؛ ودون كيخوتي في سيرا مورينا للإيطالي فرانثيسكو بارتولوميو كونتي عام 1719؛ والفاصل المسرحي دون كيخوتي في فينيسيا للإيطالي جيوفاني أنطونيو جياي عام 1752؛ودون كيخوتي لنيكولو بيتشيني عام 1770؛ ودون كيخوتي في زفاف جيمس للإيطالي أنطونيو ساليري عام 1771؛ ودون كيخوتي لمانويل جارثيا عام 1826؛ البطل الفقير كوسميتفيك للإسباني بيثنتي مارتين إيه سولار عام 1789؛ والزواج من كاماتشو للألماني فيليكس مندلسون عام 1827؛؛ والمجنون في جزيرة سان دومينجوللإيطالي جايتانو دونيزيتي عام 1835؛ ؛ودون كيخوتي للنمساوي وليام كينزل عام 1897؛ ودون كيخوتي للفرنسي جول ماسن عام 1910؛؛ ودون كيخوتي لعازفالأوركسترا الإسباني كريستوبال ألفيتر عام 2000؛ ومغامرات دون كيخوتي للألماني جان كورت فوريست. ويجدر الإشارة إلى أوبريت حانة دون كيخوتي لروبرتو تشابي عام 1902.
في السينما

صالة عرض سينما دوريه، مقر مكتبة الأفلام الإسبانية منذ عام 1989، حيث تعقد جلساتها العامة.

ريكاردو بوجا وليوكاديا ألبا في أدوار كل من لونسو كيخانو وماريتورمس، في مشهد من شخصيات الكيخوتي عام 1910 لكارلوس فيرنانديث شاو في معالجة مسرحية لأوبريت حانة دون كيخوتي لروبرتو تشابي.
في عام 1957، قامت الشركة المتحدة للإنتاج في أمريكا بالتعاقد مع الكاتب ألدوس هكسلي ليكتب سيناريو قصة تستند إلى رواية الكيخوتي ومن بطولة مستر ماجو، من أشهر شخصيات الرسوم المتحركة.
في عام 1990، قامت المنتجة حنا باربيرا بعمل سلسلة من الرسوم المتحركة لتقديمها في التلفزيون، وتم تقسيمها إلى ستة وعشرين حلقة، وكل حلقة مدتها ثلاثين دقيقة مستوحاة منالكيخوتي، وتحمل عنوان دون كيوتي وسانشو باندا.
جات أول تجربة سينمائية من قبل المنتجة الفرنسية جومون عام 1898 بعد معالجة رواية دون كيخوتي دي لا مانتشا، وتناولت مشهدًا وجيزًا تحت اسم دون كيخوتي.
قامت المنتجة الفرنسية باث بإنتاج مغامرات دون كيخوتي دي لا مانتشا، من إخراج لوسيان نونجي وفرديناند ثيكا عام 1903، تم ؛ وقامت بعمل نسخة ملونة يدويًا، والتي قامت بها بإعادة إنتاج بعض فصول الرواية. وفي عام 1905 في إسبانيا إدارجها في سجلات الاحتفال بالذكرى المئوية الثالثة لصدور النسخة الأولى من العمل.
يأتي الفيلم الإسباني الفضولي الوقح للمخرج نارثيسو كوياس عام 1908 على قمة الأفلام القديمة المستوحاة من نصوص ثيربانتس، ويعد كوياس أيضًا هو مخرج النسخة السينمائية الصامتة لـ دون كيخوتي عام 1908.
سمح الظهور المتأخر لوكالة مسئولة عن إحياء ونشر تراث السينما السينمائية (حتى إنشاء مكتبة الأفلام الإسبانية عام 1953) إلى اختفاء الكثير من الأفلام السينمائية الصامتة، بما في ذلك النسخ السينمائية الأولى لأعمال ثيربانتس. وعُرفت فقط من خلال المقالات النقدية التي تناولتها الصحافة.
كانت واحدة من أبرز حالات ظهور شخصية دون كيخوتي في الأعمال السينمائية في فيلم دون كيخوتي عام 1923 للمخرج البريطاني موريس إليفيي ومن بطولة اثنين من كبار ممثلي السينما الصامتة وهم جيرالد روبرتشاو وجورج روباي، الذي اشتهر بمسرحياته الغنائية في برودواي.
تمت معالجة فيلم دون كيخوتي سينمائيًا عام 1933 في إنتاج فرنسي- بريطاني من قبل جورج ويليام بابست، والتي اُعتبرت واحدة من كلاسيكات السينما وكانت بمثابة واحدة من أبرز أدوار الروسي فيودورشاليابين في دور دون كيخوتي وجورج روباي في دور سانشو بانثا، كما كان في النسخة التي أخرجها موريس إليفاي قبل عشر سنوات، ورينيه باييرس في دور دولثينيا.
كانت المعالجة السينمائية للرواية، تحت الاسم ذاته، التي تمت في الاتحاد السوفيتي عام 1957 ومن إخراج كل من جورج ويليام بابست وجريجوري كوزنتتيسف. كان عنوانها الرئيسي هو دون كيخوط والأبطال الرئيسين هم نيكولاي تشيركاسوف ويوري تولوبويف. ويبرز بالعمل تناول الصراع الطبقي بين طبقات الشعب المختلفة، حيث كانت سمة أساسية من سمات الأفلام الروسية في ذلك الوقت، حيث غزو خليج الخنازير والذي كان جزًا من الحرب الباردة والذي أدى بدوره إلى تأخر ظهورها في الولايات المتحدة حتى عام 1961. واشترك في هذا الإنتاج الرسام والنحات الإسباني ألبرتو سانشيث، الذي تم نفيه إلى الاتحاد السوفيتي بعد الحرب الأهلية الإسبانية، بمساهماته ببعض الرسومات والأعمال النحتية.

دون كيخوتي لهونوري داومير (1868).
قام الإسباني بيثنتي بإخراج فيلم دولثينيا عام 1962 من كتابة المؤلف الفرنسي جاستون باتي، في إنتاج مشترك بين إسبانيا وإيطاليا وألمانيا، حيث لعبت ميلي بيركينس دور دولثينيا.
قدم المخرج الألماني كارلو ريم معالجة تلفزيونية للعمل من جزئين؛ الأول يحمل اسم دون كيخوتي والثاني دولثينيا ديل التوبوسو عام 1965، إلا أنهم لم يظهروا على شاشة السينما. كان الإصدار بالأساس مسلسلًا تلفزيونيًا مقسم إلى ثلاثة عشرة فصلًا مدة كل منهما ثلاثون دقيقة. وجاء تقسيم العمل إلى جزئين بمثابة نوع من الاستغلال التجاري.
أخرج الكندي آرثر هيلر النسخة السينمائية رجل من لا مانتشا عام 1972، ولعب الإيرلندي بيتر أوتول دور دون كيخوتي، فيما لعبت الإيطالية صوفيا لورين دور دولثينيا. وقُدم الإصدار المسرحي من العمل بأكثر من خمسين لغة، وولعبا الممثلين الإسبانيين خوسيه ساكريستان والمطربة بالوما سان باسيليو دورا البطلين في المونتاج الإسباني للفيلم عام 1997.
في القصص المصورة
كانت رواية ثيربانتس بمثابة مجالًا خصبا للقصص المصورة، حيث تم معالجتها من قبل العديد من الفنانين المهتمين بهذا المجال. ويبرز الكيخوتي لويل إيسنر عام 2000 والألبوم الجماعي الذي يحمل عنوان الفارس دون كيخوتي وشخصيات حزينة أخرى، والذي تم نشره من قبل المجموعة القصصية المصورة مورتاديلو دي لا مانتشا لفرانثيسكو إيبانييث.
في الإنترنت
في سبتمبر 2010، قامت بوابة اليوتيوب بالتعاون مع الأكاديمية الملكية الإسبانية باطلاق مشروع للقراءة الجماعية للعمل. وتمكن مطالعوا الموقع من خلال هذه البوابة من تحميل مقاطع فيديو تحتوي على بعض الأجزاء من ثمانية أسطر يقدمها الموقع.ذذ وكانت المحصلة الإجمالية، قيام قرابة 2149 شخص بالقراءة المتواصلة للعمل على مدار 4298 دقيقة أو قرابة ثلاثة أيام. ونُشر الفيديو أخيرًا في 22 مارس عام 2011، مع إمكانية اختيار الفصل أو المقطع المناسب المراد تصفحه من قبل أي مستخدم. وتمت قراءة المقطع الأول من قبل مدير معهد ثيربانتس بيكتور جارثيا دي لا كونشا.

الأربعاء، 25 يونيو 2014

ذو القرنين








بســـم الله الرحمــن الرحيــم
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿83﴾إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿84﴾ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿85﴾ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿86﴾ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا ﴿87﴾ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ﴿88﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿89﴾ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا ﴿90﴾ كَذَٰلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴿91﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿92﴾ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴿93﴾ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ﴿94﴾ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ﴿95﴾ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ﴿96﴾ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴿97﴾قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي ۖ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّا وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} [الكهف:83-98]

ماذا قاله المفسرون و المؤرخون عن ذو القرنين ؟
يذكر تفسير الكشاف للزمخشري : أنه الإسكندر و قيل أنه عبد صالح. نبي. ملك، و ذكر رواية عن الرسول صلي الله عليه و سلم، أنه سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقا و غربا. و قيل كان لتاجه قرنان. كان على رأسه ما يشبه القرنين.. و الإمام ابن كثير : يذكر في تفسيره : أنه الإسكندر ثم يبطل هذا. كان في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام و طاف معه بالبيت. و قيل عبد صالح. و أورد في تاريخه " البداية و النهاية " جـ 2 ص 102 مثل ذلك و زاد أنه نبي أو مَلَك. أما القرطبى في تفسيره فقد أورد أقوالا كثيرة أيضا : كان من أهل مصر و اسمه " مرزبان "، و نقل عن ابن هشام أنه الاسكندر، كما نقل روايات عن الرسول صلي الله عليه و سلم، بأنه ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب. و عن عمر و عن على رضي الله عنهما بأنه مَلَك.. أو عبد صالح و هي روايات غير صحيحة. و قيل أنه الصعب بن ذي يزن الحميرى، و كلها روايات و أقوال تخمينية و لا سند لها. أما الآلوسى في تفسيره، فقد جمع الأقوال السابقة كلها تقريبا، و قال : لا يكاد يسلم فيها رأى، ثم اختار أنه الاسكندر المقدوني و دافع عن رأيه بأن تلمذته لأرسطو، لا تمنع من
أنه كان عبدا صالحا.. أما المفسرون المحدثون فكانوا كذلك ينقلون عن الأقدمين.
موقف أبو الكلام آزاد من هذه الأقوال
لم يرتض أبو الكلام آزاد (عالم الهند المعروف ترجم معاني القرآن إلى اللغة الأوردية) قولا من هذه الأقوال، بل ردها، و قال عنها: إنها قامت على افتراض مخطيء لا يدعمه دليل، و عنى بالرد على من يقول بأنه الإسكندر المقدوني.. بأنه لا يمكن أن يكون هو المقصود بالذكر في القرآن، إذ لا تعرف له فتوحات بالمغرب، كما لم يعرف عنه أنه بنى سدا، ثم إنه ما كان مؤمنا بالله، و لا شفيقا عادلا مع الشعوب المغلوبة، و تاريخه مدون معروف. كما عنى بالرد على من يقول بأنه عربي يمني.. بأن سبب النزول هو سؤال اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام عن ذي القرنين لتعجيزه و إحراجه. و لو كان عربيا من اليمن لكان هناك احتمال قوي لدي اليهود- على الأقل- أن يكون عند قريش علم به، و بالتالي عند النبي صلى الله عليه و سلم، فيصبح قصد اليهود تعجيز الرسول عليه الصلاة و السلام غير وارد و لا محتمل. لكنهم كانوا متأكدين حين سألوه بأنه لم يصله خبر عنه، و كانوا ينتظرون لذلك عجزه عن الرد.. سواء قلنا بأنهم وجهوا السؤال مباشرة أو أوعزوا به للمشركين في مكة ليوجهوه للرسول عليه الصلاة و السلام. ثم قال : " و الحاصل أن المفسرين لم يصلوا إلى نتيجة مقنعة في بحثهم عن ذي القرنين، القدماء منهم لم يحاولوا التحقيق، و المتأخرون حاولوه، و لكن كان نصيبهم الفشل. و لا عجب فالطريق الذي سلكوه كان طريقا خاطئا. لقد صرحت الآثار بأن السؤال كان من قبل اليهود- وجهوه مباشرة أو أوعزوا لقريش بتوجيهه -فكان لائقا بالباحثين أن يرجعوا إلى أسفار اليهود و يبحثوا هل يوجد فيها شيىء يلقي الضوء على شخصية ذي القرنين، إنهم لو فعلوا ذلك لفازوا بالحقيقة ".
لماذا ؟ لأن توجيه السؤال من اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام لإعجازه ينبىء عن أن لديهم في كتبهم و تاريخهم علما به، مع تأكدهم بأن النبي عليه الصلاة و السلام أو العرب لم يطلعوا علي ما جاء في كتبهم.. فكان الاتجاه السليم هو البحث عن المصدر الذي أخذ منه اليهود علمهم بهذا الشخص.. و مصدرهم الأول هو التوراة.
و أمسك أزاد بالخيط


و هذا هو الذي اتجه إليه أزاد، و أمسك بالخيط الدقيق الذي وصل به إلي الحقيقة.. و قرأ و بحث و وجد في الأسفار، و ما ذكر فيها من رؤى للأنبياء من بني إسرائيل و ما يشير إلى أصل التسمية : "ذي القرنين" أو " لوقرانائيم" كما جاء في التوراة.. و ما يشير كذلك إلي الملك الذي أطلقوا عليه هذه الكنية، و هو الملك "كورش" أو "خورس " كما ذكرت التوراة و تكتب أيضا "غورش" أو "قورش".
هل يمكن الاعتماد علي التوراة وحدها ؟

يقول أزاد : " خطر في بالي لأول مرة هذا التفسير لذي القرنين في القرآن،و أنا أطالع سفر دانيال ثم اطلعت علي ما كتبه مؤرخو اليونان فرجح عندي هذا الرأي، و لكن شهادة أخري خارج التوراة لم تكن قد قامت بعد، إذ لم يوجد في كلام مؤرخي اليونان ما يلقي الضوء علي هذا اللقب.
تمثال كورش
ثم بعد سنوات لما تمكنت من مشاهدة آثار إيران القديمة ومن مطالعة مؤلفات علماء الآثار فيها زال الحجاب، إذ ظهر كشف أثري قضي علي سائر الشكوك، فتقرر لدي بلا ريب أن المقصود بذي القرنين ليس إلا كورش نفسه فلا حاجة بعد ذلك أن نبحث عن شخص آخر غيره ". " إنه تمثال علي القامة الإنسانية، ظهر فيه كورش، و علي جانبيه جناحان، كجناحي العقاب، و علي رأسه قرنان كقرني الكبش، فهذا التمثال يثبت بلا شك أن تصور "ذي القرنين" كان قد تولد عند كورش، و لذلك نجد الملك في التمثال و علي رأسه قرنان" أي أن التصور الذي خلقه أو أوجده اليهود للملك المنقذ لهم "كورش" كان قد شاع و عرف حتى لدي كورش نفسه علي أنه الملك ذو القرنين.. أي ذو التاج المثبت علي ما يشبه القرنين..



كورش بين القرآن و التاريخ
و مع أن ما وصل إليه أزاد قد يعتبر لدي الباحثين كافيا، إلا أنه مفسر للقرآن و عليه أن يعقد المقارنة بين ما وصل إليه و بين ما جاء به القرآن عن ذي القرنين أو عن الملك كورش.. إذ أن هذا يعتبر الفيصل في الموضوع لدي المفسر المؤمن بالقرآن.. و يقول أزاد : أنه لم توجد مصادر فارسية يمكن الاعتماد عليها في هذا، و لكن الذي أسعفنا هو الكتب التاريخية اليونانية، ولعل شهادتها، تكون أوثق و أدعي للتصديق، إذ أن المؤرخين اليونان من أمة كان بينها و بين الفرس عداء مستحكم و مستمر، فإذا شهدوا لكورش فإن شهادتهم تكون شهادة حق لا رائحة فيها للتحيز، و يستشهد أزاد في هذا المقام بقول الشاعر العربي :
و مليحة شـــهدت لها ضراتها ***** و الفضل ما شهدت به الأعداء
فقد أجمعوا علي أنه كان ملكا عادلا، كريما، سمحا، نبيلا مع أعدائه، صعد إلي المقام الأعلى من الإنسانية معهم. و قد حدد أزاد الصفات التي ذكرها القرآن لذي القرنين، و رجع لهذه المصادر اليونانية فوجدها متلاقية تماما مع القرآن الكريم، و كان هذا دليلا قويا آخر علي صحة ما وصل إليه من تحديد لشخصية ذي القرنين، تحديدا لا يرقي إليه شك..


فمن كورش أو قورش إذا 
إنه من أسرة فارسية ظهر في منتصف القرن السادس قبل الميلاد في وقت كانت فيه بلاده منقسمة إلي دويلتين تقعان تحت ضغط حكومتي بابل و آشور القويتين، فاستطاع توحيد الدولتين الفارسيتين تحت حكمه، ثم استطاع أن يضم إليها البلاد شرقا و غربا بفتوحاته التي أشار إليها القرآن الكريم، و أسس أول إمبراطورية فارسية، و حين هزم ملك بابل سنة 538 ق.م. أتاح للأسري اليهود فيها الرجوع لبلادهم، مزودين بعطفه و مساعدته و تكريمه. كما أشرنا إلي ذلك من قبل.. و ظل حاكما فريدا في شجاعته و عدله في الشرق حتى توفي سنة 529 ق.م.



إنما نسميه بهذا لأنه بني لمنع الإغارات التي كانت تقوم بها قبائل يأجوج و مأجوج من الشمال علي الجنوب، كما يسمي كذلك سد "ذي القرنين" لأنه هو الذي أقامه لهذا الغرض.. و يقول أزاد : " لقد تضافرت الشواهد علي أنهم لم يكونوا إلا قبائل همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلي القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية و الجنوبية، و قد سميت بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، و عرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم "ميغر" أو "ميكر" في أوروبا.. و باسم التتار قي آسيا، و لاشك أن فرعا لهؤلاء القوم كانوا قد انتشروا علي سواحل البحر الأسود في سنة 600 ق.م.
و أغار علي آسيا الغربية نازلا من جبال القوقاز، و لنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت الشعوب الجبلية غاراتهم إلي "كورش" فبني السد الحديدي لمنعها"، و تسمي هذه البقعة الشمالية الشرقية ( الموطن الأصلي لهؤلاء باسم "منغوليا " و قبائلها الرحالة "منغول"، و تقول لنا المصادر اليونانية أن أصل منغول هو "منكوك" أو "منجوك" و في الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري "ماكوك" و النطق اليوناني "ميكاك" و يخبرنا التاريخ الصيني عن قبيلة أخري من هذه البقعة كانت تعرف باسم "يواسي" و الظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف حتى أصبحت يأجوج في العبرية.. " و يقول : " إن كلمتي : " يأجوج و مأجوج " تبدوان كأنهما عبريتان في أصلهما و لكنهما في أصلهما قد لا تكونان عبريتين، إنهما أجنبيتان اتخذتا صورة العبرية فهما تنطقان باليونانية "كاك Gag" و "ماكوك Magog" و قد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، و راجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية ". و الكلمتان تنطقان في القرآن الكريم بهمز و بدون همز. و قد استطرد أزاد بعد ذلك لذكر الأدوار السبعة أو الموجات السبع التي قام بها هؤلاء بالإغارة علي البلاد الغربية منها و الجنوبية.
مكان السد :
ثم يحدد مكان السد بأنه في البقعة الواقعة بين بحر الخرز "قزوين" و "البحر الأسود" حيث توجد سلسلة جبال القوقاز بينهما، و تكاد تفصل بين الشمال و الجنوب إلا في ممر كان يهبط منه المغيرون من الشمال للجنوب، و في هذا الممر بني كورش سده، كما فصله القرآن الكريم، و تحدثت عنه كتب الآثار و التاريخ. و يؤكد أزاد كلامه بأن الكتابات الأرمنية – و هي كشهادة محلية – تسمي هذا الجدار أو هذا السد من قديم باسم " بهاك غورائي" أو "كابان غورائي" و معني الكلمتين واحد و هو مضيق "غورش" أو "ممر غورش" و "غور" هو اسم "غورش أو كورش". و يضيف أزاد فوق هذا شهادة أخري لها أهميتها أيضا و هي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها. فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة باسم " الباب الحديدي ".
و بهذا يكون أزاد قد حدد مكان السد و كشف المراد من يأجوج و مأجوج.. و قد تعرض لدفع ما قيل أن المراد بالسد هو سد الصين، لعدم مطابقة مواصفات سد الصين لمواصفات سد ذي القرنين و لأن هذا بني سنة 264 ق.م. بينما بني سد ذي القرنين في القرن السادس قبل الميلاد. كما تعرض للرد علي ما قيل بأن المراد بالسد هو جدار دربند، أو باب الأبواب كما اشتهر عند العرب بأن جدار دربند بناه أنوشروان ( من ملوك فارس من 531 – 579 م ) بعد السد بألف سنة، و أن مواصفاته غير مواصفات سد ذي القرنين و هو ممتد من الجبل إلي الساحل ناحية الشرق و ليس بين جبلين كما أنه من الحجارة و لا أثر فيه للحديد و النحاس.


و على ذلك يكون المقصود بالعين الحمئة هو الماء المائل للكدرة و العكارة وليس صافيا. و ذلك حين بلغ الشاطيء الغربي لآسيا الصغري و رأي الشمس تغرب في بحر إيجه في المنطقة المحصورة بين سواحل تركيا الغربية شرقا و اليونان غربا وهي كثيرة الجزر و الخلجان.
والمقصود بمطلع الشمس هو رحلته الثانية شرقا التي وصل فيها إلي حدود باكستان و أفغانستان الآن ليؤدب القبائل البدوية الجبلية التي كانت تغير علي مملكته. و المراد ببين السدين أي بين جبلين من جبال القوقاز التي تمتد من بحر الخزر ( قزوين ) إلي البحر الأسود حيث إتجه شمالا. و لقد كان أزاد بهذا البحث النفيس أول من حل لنا هذه الإشكالات التي طال عليها الأمد ، و حيرت كل المفكرين قبله. و حقق لنا هذا الدليل ، من دلائل النبوة الكثيرة.. رحمه الله و طيب ثراه..
من مقال للدكتور عبد المنعم النمر بمجلة العربي العدد 184

الأحد، 8 يونيو 2014

الحشاشون


التعريف:
الحشاشون: طائفة إسماعيلية فاطمية نزارية مشرقية، انشقت عن الفاطميين لتدعو إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله. أسسها الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة آلموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته.
وقد تميزت هذه الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة. وكلمة الحشاشين: Assassinدخلت بأشكال مختلفة في الاستخدام الأوروبي بمعنى القتل خلسة أو غدراً أو بمعنى القاتل المحترف المأجور.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
• الحسن بن الصباح: ولد بالري عام 430هـ ونشأ نشأة شيعية (*) ثم اتخذ الطريقة الإسماعيلية الفاطمية وعمره 17 سنة، وفي عام 471هـ/1078م ذهب إلى إمامه المستنصر بالله حاجًّا، وعاد بعد ذلك لينشر الدعوة في فارس، وقد احتل عدداً من القلاع أهمها قلعة آلموت 483هـ التي اتخذها عاصمة لدولته.
ـ في عهده مات الإمام المستنصر بالله 487هـ/1094م وقام الوزير بدر الجمالي بقتل ولي العهد والابن الأكبر "نزار" لينقل الإمامة إلى الابن الأصغر "المستعلي" الذي كان في الوقت نفسه ابن أخت الوزير. وبذلك انشقت الفاطمية إلى نزارية مشرقية، ومستعلية مغربية.
ـ أخذ الحسن بن الصباح يدعو إلى إمامة نزار، مدعيًّا أن الإمامة قد انتقلت إلى حفيدٍٍٍ لنزار أحضر سرًّا إلى آلموت وأنه طفل جرى تهريبه من مصر إلى فارس، أو أن محظية لنزار كانت حاملاً منه أُخذت إلى آلموت حيث وضعت حملها. وبقي أمر هذا الإمام الجديد طي الكتمان.
ـ توفي الحسن الصباح عام 518هـ/1124م من غير سليل لأنه كان قد أقدم على قتل ولديه أثناء حياته!!
• كيابزرك آميد: حكم من 518هـ/1124م إلى سنة 532هـ/1138م: كان أول أمره قائداً لقلعة الاماسار لمدة عشرين سنة، وخلال فترة حكمه دخل في عدة معارك مع جيرانه السلاجقة، كما أنه كان أكثر تسامحًا وسياسة من الحسن الصباح.



• محمد كيابزرك آميد: حكم من سنة 532هـ/1138م إلى سنة 557هـ/1162م: كان يهتم بالدعوة للإمام، كما كان يفرض الاحترام الخارجي للفرائض الإسلامية، فقد أقدم على قتل كثير من أتباعه ممن اعتقدوا بإمامة ابنه وطرد وعذب آخرين.
• الحسن الثاني بن محمد: حكم من 557هـ/1162م إلى سنة 561هـ/1166م: أعلن في شهر رمضان 559هـ قيام القيامة، وأنهى الشريعة، وأسقط التكاليف وأباح الإفطار، ثم أقدم بعد ذلك على خطوة أخطر وذلك بأن ادعى بأنه من الناحية الظاهرية حفيد لكيابزرك ولكنه في الحقيقة إمام العصر وابن الإمام السابق من نسل نزار.
• محمد الثاني بن الحسن الثاني: من 561هـ/ 1166م إلى 607هـ/1210م: طور نظرية القيامة ورسخها، وقد ساعده على ذلك انحلال هيمنة السلاجقة في عهده وضعفهم وظهور التركمان وبداية التوسع التركي.
• جلال الدين الحسن الثالث بن محمد الثاني: من 607هـ/1210م إلى 618هـ/ 1221م: رفض عقائد آبائه في القيامة، ولعنهم وكفَّرهم، وأحرق كتبهم وجاهر بإسلامه، وقام بوصل حباله مع العالم الإسلامي فقد أرسل إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله وإلى السلطان السلجوقي خوارزم شاه والملوك والأمراء يؤكد لهم صدق دعوته إلى التعاليم الإسلامية، ففرحت البلاد الإسلامية بذلك وصار أتباعه يعرفون بالمسلمين الجدد.
• محمد الثالث بن الحسن الثالث (وبعض الكتب تسميه علاء الدين محمود): كان حكمه من سنة 1121م إلى سنة 1225م: خلف أباه وعمره 9 سنوات، وظل وزير أبيه حاكمًا لآلموت، وقد عاد الناس في عهده إلى المحرمات، وارتكاب الخطايا والإلحاد حكم الصبي خمس أو ست سنوات ثم أصيب بلوثة عقلية، فانتشرت السرقة واللصوصية وقطع الطرق والاعتداءات.
• ركن الدين خورشاه: 1255م/ 1258م: قاد هولاكو حملة سنة 1256م وكان هدفه قلاع الإسماعيلية، وما زال يتقدم حتى استسلم له ركن الدين وسلمه قلعة آلموت وأربعين قلعة وحصناً كلها سويت بالأرض، فاستقبله هولاكو بترحاب وزوجه فتاة مغولية، وفي عام 1258م انتهى منه بقتله غيلة، وبذلك انتهت دولة الحشاشين سياسيًّا في فارس.
• شمس الدين محمد بن ركن الدين: تقول روايات الإسماعيليين بأن ركن الدين قد أخفى ابنه شمس الدين محمد الذي هرب من بطش هولاكو متنكرًا إلى جهة ما بجنوب القوقاز، ثم استقرت في قرية أنجودا على الطريق بين أصفهان وهمدان. وبقي فيها إلى أن مات في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة وكان من عقبه سلسلة من الأئمة في القرن التاسع عشر، ومنهم ظهرت أسرة أغاخان. انقسم الحشاشون بعد شمس الدين إلى قسمين:
ـ بعضهم نادى بإمامة محمد شاه واعترفوا به وبالأئمة من نسله حتى انقطعت سلسلتهم في منتصف القرن العاشر الهجري وكان آخرهم الإمام ظاهر شاه الثالث المعروف (بالدكنى) والذي هاجر إلى الهند وتوفي هناك حوالي سنة 950هـ وانقطع هذا الفرع على الرغم من وجود أتباع له إلى الآن في مصياف والقدموس بسوريا.
ـ وأصحاب الفرع الثاني اعتقدوا بإمامة قاسم شاه، وهؤلاء يشكلون العدد الأكبر من هذه الطائفة وقد هاجروا إلى أعالي نهر جيحون.
• الحشاشون في بلاد الشام:
ـ ظهر لهم في بلاد الشام عدد من القادة مثل بهرام الاسترابادي، والداعي إسماعيل الفارسي، وقد استفادوا من استمالة رضوان بن تتش والي حلب إلى مذهبهم، فوفد إليها عدد كبير من إسماعيلية فارس مما قوى شوكتهم في بلاد الشام.
ـ أبرز شخصياتهم في الشام هو شيخ الجبل سنان بن سليمان بن محمود المعروف برشيد الدين الذي نشأ في البصرة، وتلقى علومه في قلعة آلموت وكان زميلاً لولي العهد الحسن بن محمد الذي أمره بالرحيل إلى بلاد الشام عندما صار الأمر إليه.
ـ انتقل إلى بلاد الشام وجمع الإسماعيلية حوله وصار لهم نفوذ وسلطان، واعترف الناس بإمامته غير أنهم عادوا بعد موته إلى طاعة الأئمة بآلموت وقد كان شخصًا مخيفًا وهم يذكرونه على أنه أعظم شخصياتهم على الإطلاق.
ـ خلفه أمراء ضعاف مما سهل إنهاءهم والقضاء عليهم على يد الظاهر بيبرس.
ـ من قلاعهم في بلاد الشام: قلعة بانياس، حصن قدموس، حصن مصياف، الكهف، الخوابي، المنيقة، القليعة.
ـ امتلكوا عددًا من القلاع، وقاوموا الزنكيين، وحاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي عدة مرات.
ـ ومما يؤكد تعاونهم مع الصليبيين:
1 ـ عدم وقوع صليبي واحد من الغزاة أسيرًا في أيديهم أو مقتولاً بسلاح أحدهم.
2 ـ قاتلهم حاكم الموصل السلجوقي الذي حضر إلى دمشق لمساعدة إخوانه المسلمين في رد هجمات الصليبيين.
3 ـ قيامهم بتسليم قلعة بانياس ولجوء قائدها إسماعيل إلى الصليبيين حيث مات عندهم.
4 ـ اشتراك كتيبة من الإسماعيليين مع الصليبيين في أنطاكية بعد أن احتل نور الدين حلب.
الأفكار والمعتقدات:
• تلتقي معتقداتهم مع معتقدات الإسماعيلية عامة من حيث ضرورة وجود إمام معصوم ومنصوص عليه وبشرط أن يكون الابن الأكبر للإمام السابق.
• كل الذين ظهروا من قادة الحشاشين إنما يمثلون الحجة والداعية للإمام المستور باستثناء الحسن الثاني وابنه فقد ادعيا بأنهما إمامان من نسل نزار.

• إمام الحشاشين بالشام رشيد الدين سنان بن سليمان قال بفكرة التناسخ (*) فضلاً عن عقائد الإسماعيلية التي يؤمنون بها، كما ادعى أنه يعلم الغيب.
• الحسن الثاني بن محمد: أعلن قيام القيامة، وألغى الشريعة (*)، وأسقط التكاليف.
• الحج لديهم ظاهره إلى البيت الحرام وحقيقته إلى إمام الزمان ظاهراً أو مستورًا.
• كان شعارهم في بعض مراحلهم (لا حقيقة في الوجود وكل أمر مباح).
• كانت وسيلتهم الاغتيال المنظم، وذلك من طريق تدريب الأطفال على الطاعة العمياء والإيمان بكل ما يلقى إليهم، وعندما يشتد ساعدهم يدربونهم على الأسلحة المعروفة ولا سيما الخناجر، ويعلمونهم الاختفاء والسرية وأن يقتل الفدائي نفسه قبل أن يبوح بكلمة واحدة من أسرارهم. وبذلك أعدوا طائفة الفدائيين التي أفزعوا بها العالم الإسلامي آنذاك.
• كانوا يمتنعون في سلسلة من القلاع والحصون، فلم يتركوا في منطقتهم مكانًا مشرفًا إلا أقاموا عليه حصنًا، ولم يتركوا قلعة إلا ووضعوا نصب أعينهم احتلالها.
• يقول عنهم المؤرخ كمال الدين بن العديم: في عام 572هـ/1176م "انخرط سكان جبل السماق في الآثام والفسوق وأسموا أنفسهم المتطهرين، واختلط الرجال والنساء في حفلات الشراب ولم يمتنع رجل عن أخته أو ابنته، وارتدت النساء ملابس الرجال، وأعلن أحدهم بأن سناناً هو ربه".
الجذور الفكرية والعقائدية:
• أصولهم البعيدة شيعية ثم إسماعيلية.
• كان القتل والاغتيال وسيلة سياسية ودينية لترسيخ معتقداتهم ونشر الخوف في قلوب أعدائهم.
• فكرة التناسخ التي دعا إليها رشيد الدين سنان مأخوذة عن النصيرية.
الانتشار ومواقع النفوذ:
• انطلقت دعوتهم من كرمان ويزد إلى أواسط إيران وأصفهان ثم خوزستان ثم هضبة الديلم واستقرت في قلعة آلموت، وشرقاً وصلوا ما زندران ثم قزوين واحتلوا منطقة رودبار ولاماسار وكوهستان.. واحتلوا كثيراً من القلاع وامتدوا إلى نهر جيحون.
• وصلت دعوتهم إلى سوريا، وامتلكوا القلاع والحصون على طول البلاد وعرضها ومن قلاعهم بانياس ومصياف والقدموس والكهف والخوابي وسلمية.
• كان زوالهم في إيران على يد هولاكو المغولي وفي سوريا على يد الظاهر بيبرس.
• لهم أتباع إلى الآن في إيران، وسوريا، ولبنان، واليمن، ونجران، والهند، وفي أجزاء من أواسط ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي في السابق.
ويتضح مما سبق:
أن الحشاشين جناح من الإسماعيلية (النزارية) اتخذوا القتل وسيلة لهم وقاموا بحركة اغتيالات واسعة شملت كبار الشخصيات المناوئة للإسماعيليين من ملوك وقادة جيوش وكل من يظهر خصومة لهم، وقد أفتى العلماء باستباحة دمائهم ووجوب تنظيف الأرض من دنسهم وعدم جواز أكل ذبيحتهم أو عقد صداقات معهم.
مراجع للتوسع:
ـ الإسماعيلية تاريخ وعقائد، إحسان إلهي ظهير.
ـ مشكاة الأنوار، يحيى بن حمزة العلوي.
ـ فضائح الباطنية، لأبي حامد الغزالي.
ـ الحشاشون، تأليف برنارد لويس وتعريب محمد العزب موسى، دار المشرق العربي الكبير، بيروت، طـ1، 1400هـ/1980م.
ـ طائفة الإسماعيلية: تاريخها، نظمها، عقائدها، د. محمد كامل حسين.
ـ إسلام بلا مذاهب، د. مصطفى الشكعة.
ـ أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، برنارد لويس.

أبرهة الحبشي



أ

أبرهة الحبشي ويقال له أيضاً أبرهة الأشرم (لاتينية:Abramus) هو أحد القادة في الجيش الذي أرسله الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول لحرب "يوسف أسأر" أو ذو النواس الحميري. وهو حسب المصادر الإسلامية، من حاول تدمير الكعبة فأرسل عليه الله "طيرا أبابيل" أصابته بالجدري ومات في صنعاء حسب كتاباتهم. ترك أبرهة أو "أبراهموس" عدة كتابات بخط المسند وتعرض لعدة ثورات وتحديات أبرزها قتله لشميفع أشوع وحربه مع ملك مملكة أكسوم وتصديه لثورة من "يزيد بن كبشت" (يزيد بن كبشة) سيد بني كندة و"ذو خليل" و"ذو سحر" و"ذو يزأن" (ذو يزن) وتوسيع سلطانه ليشمل أراضي قبيلة معد وتهامة وإن لم يستطع السيطرة على المناطق الشرقية لليمن التي بقيت بيد أقيال القبائل. مع ذلك، فمن قراءة المصادر التي دونت في عهده يتضح أنه وصل لمرتبة كبيرة مما حدا بملوك فارس وروما على إرسال مبعوثين إليه وهي دلالة إعتراف بسلطانه.
:تاريخ اليمن القديم
في عام 518 للميلاد، ظهر في نصوص المسند إسم ملك يدعى "يوسف أسأر" أو "يوسف أزار" ذكرته المصادر البزنطية بإسم "دونان" ومنها أخذ المؤرخون الإسلاميون تسمية ذو نواس ويبدو أن التسمية البيزنطية كانت محرفة من لقب أطلقه عليه اليمنيون ، حكم يوسف أسأر كأحد الأذواء كما يظهر من اسمه فلم يكن ملكا فعليا فقد تقلص ملك الحميريين كثيرا بسبب منافسة زعماء القبائل اليمنية لهم في السلطان مما زاد في مطامع الأكسوميين فأستغلوا الوضع المزري والإنقسامات القبلية ليدخلوا اليمن وأيدهم في ذلك قبائل مسيحية نكاية بيوسف لإنه وعدد من أشراف حمير كانوا يهود ورد نصان بخط المسند يشيران إلى "يوسف أسأر" ومن تبعه من قبائل كندة وهمدان وخولان ومذحج و"ذو يزن" و"مرثد" بلغ عدد القتلى خلال حملاته ضد المسيحيين والأحباش قرابة إثنين وعشرون ألف قتيل وعدد كبير من الأسرى ويعتقد حسب المصادر الإسلامية، أنه المسؤول عن ماورد في القرآن عن أصحاب الأخدود. فأرسل الإمبراطور جستنيان الأول أسطولا دخل اليمن عن طريق باب المندب وخلافا لروايات أهل الأخبار بعد الإسلام، فإن ذو نواس قتل في المعارك عام 525 للميلاد ولم ينتحر على مازعموا وصل بعد ذو نواس رجل يمني يدعى "شميفع أشوع" لقب نفسه في نص بخط المسند بلقب "ملك سبأ باسم الرحمن وابنه المسيح الغالب" وهي دلالة أنه كان مسيحيا ولكن ورد نص يعود إلى فترة ذو نواس وذكر فيها اسمه ضمن زعماء القبائل التي ساعدت ذو نواس فيعتقد أنه وافق ذو نواس مكرها وعندما علم بوصول الأسطول البيزنطي ومن فيه من الرومان والأحباش توصل إلى إتفاق مع ملك مملكة أكسوم الملك كالب وأعلن نفسه "ملكا على سبأ" وقام بتقوية حصن مارية في ذمار أرسل إليه جستنيان الأول مبعوثا يطلبه محالفة الحبش وتعيين رجل كندي مقرب من بيزنطة يدعى "كايسوس" (قيس) على الأعراب في الحجاز وفي ماأورده المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس دلالة على سيطرة الحميريين على قبائل الأعراب في تهامة والحجاز، وسبب إرسال المبعوث كان لعقد تحالف قوي بين شميفع أشوع في اليمن وكالب في الحبشة لإنهما مسيحيان وعلى دين واحد هو دين بيزنطة، وتسخير الأعراب من معد (وهو شخص من أجداد النبي محمد في عرف النسابة وأهل الأخبار) على قتال الفرس إلا أن هدف الرومان لم يتم وعبر بروكبيوس عن خيبة أمله قائلا : وهكذا هي علاقات روما بالحميريين دائما
تاريخ الحروب لبروكوبيوس وصوله لسدة الحكم


مملكة أكسوم في أقصى إتساعها
في عام 531 بعد ست سنوات من مقتل ذو نواس، قام أحد المجرمين المحكوم عليهم بأحكام في مملكة أكسوم بقتل شميفع أشوع لإنهم لم يريدوا العودة إلى بلادهم (إثيوبيا) وآثروا البقاء في اليمن لإنها "أرض جيدة جدا" على ماقال بروكوبيوس وكان هذا 'المجرم" هو "أبراهموس" (أبرهة) الذي أعلن نفسه ملكا بعد قتله لشميفع أشوع مما أثار غضب الملك كالب في أكسوم. فأرسل جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل لتأديب أبرهة على ماأرتكبه بحق حليف روما شميفع أشوع إلا أن الجيش الذي أرسل إلى اليمن قتل قائده بعد إتفاق أبرم سرا بين أبرهة وعدد من ضباط الجيش الذين آثروا البقاء في اليمن كذلك وألتحقوا بقوات أبرهة. أرسل كالب جيشا آخر إلا أن جيشه تعرض لهزيمة أخرى فتوقف كالب عن إرسال الجيوش وأعلن أبرهة نفسه ملكا
في عام 535 للميلاد، ورد نص قصير يشير إلى قبيلة معد وكيف أنه سار بنفسه تجاههم وإنزاله خسائر فادحة في الأرواح بينهم وأنهى النص بتقديم رجل ورد إسمه في نص المسند بصيغة "عمرم بن مذر" (عمرو بن مضر أو قد يكون عمرو بن المنذر هو المقصود ) بتقديم عدد من أبناء معد رهائن وهي إشارة على مهادنتهم وتعهد بعدم الخروج عليه، فسياسة أخذ الرهائن مقابل الولاء قديمة ومعروفة في اليمن ورد في النص المكون من عشرة أسطر قبائل "بني عامر" و"سعد" و"معد" فيمن تم مقاتلتها في موضع يقال له تربة وهي حاليا مدينة قرب الطائف ضمن مايعرف اليوم السعودية ولم ترد هذه التفاصيل في كتابات أهل الأخبار بعد الإسلام وكان قائد القوات التي أخضعت "بني عامر" (وهم بنو عامر بن صعصعة في كتابات أهل الأخبار رجل يدعى "بشرم بن حصنم" (بشر بن حصن) من قبيلة كندة وذكر النص أنهم غنموا غنائم كثيرة ولايوجد في كتابات الإخباريين أي ذكر لهذه الحقائق المدونة بنص المسند وهو ماقد يفسر كثرة الأخبار الموضوعة بعد الإسلام عن إنتصارات لهذه القبائل على ملوك اليمن في ماعرف بالجاهلية حسب المصادر الإسلامية، فإن أبرهة حاول هدم الكعبة ليحول أنظار الناس عنها وحاول بعض المستشرقين إيجاد نوع من التوفيق بين تفاسير قصة أصحاب الفيل والشواهد الآثارية فرجحوا أن تكون هذه غزوة الفيل المشهورة في كتب التراث والتفاسير العربية دون أن يقروا بحدوث الواقعة ولكن رجحوا أن تكون هي المقصودة وهو مالايصح فعام الفيل حسب الكتابات الإسلامية هو عام مولد النبي محمد ومولد النبي محمد كان عام 570 وليس 535 في حين أن عام 570 عام مهم في اليمن لإنه العام الذي أورد فيه البيزنطيون أن الحميريين بمساعدة الفرس طردوا بقية الأحباش بعد أن أسروا ملكهم ويعتقد أنه أحد أبناء 'أبرهة"
ثورة يزيد بن كبشة
ورد نص عن ثورة قام بها أحد زعماء قبيلة كندة واسمه في نص المسند 'يزيد بن كبشت" وكانت ثورة قامت بها عائلات أستقراطية من كندة و"ذو خليل" و"ذو سحر" و"ذو يزأن" وبعضها أسر مرموقة يعود ذكرها إلى ماقبل مملكة حمير إلى العصور السبئية قبل الميلاد وهو سبب فشلها فلم تكن ثورات شعبية بل ثورات زعماء وشيوخ قبائل ينافسون بعضهم البعض على السلطان ولم يكونوا يجدون حرجا بالتعاون مع قوى أجنبية لتحقيق هذا الغرض فمصالحهم الذاتية كانت أهم لديهم من بلادهم وظهر ذلك أيام ذو نواس وأبرهة ويظهر من أبرهة كان يلقى قبولا عند نسبة واسعة من اليمنيين آنذاك إذ قام أبرهة بترميم سد مأرب وبناء عدد من الكنائس في صنعاء وظفار يريم ولا يستبعد أن يكون مقربا من الفقراء إذ ورد قبل قتله للشميفع أشوع أنه كان عبدا لتاجر روماني ذهب للقتال مكرها ولم يرد العودة إلى عبوديته ولكن لا يمكن إغفال حالة التحاسد بين مشايخ القبائل إذ ورد في النص ذاته أن أقيال همدان وحضرموت و"ذي معاهر" و"ذي كلاع" و " ذو ذبيان" و"ذو رعين" وعدد من الأسر الأخرى كانوا إلى جانبه ولا شك أنه إستغل حالة الإنقسام القبلية هذه فحالف القبائل ضد يزيد بن كبشة وكان ابن شميفع أشوع المدعو "معد يكرب" من ضمن الأقيال في صف سيد بني كندة ولا يستغرب ذلك إذ قتل أبرهة والده توقفت المعارك وتوصل أبرهة لهدنة مع يزيد بن كبشة عقب وصول "أصوات البكاء" عن تصدع أصاب سد مأرب
وفود فارس والروم
بعد أن وصلت الأخبار بمقتل شميفع أشوع وهزيمة الجيش الأكسومي الذي أرسله الملك كالب، أرسلت روما وفارس سفراء إليه وورد نص بخط المسند عبارات من قبيل "رسل منذرن" (رسل المناذرة) وإسم مبعوث هو "حرثم بن جبلت" ( الحارث بن جبلة وهو ملك الغساسنة المعروف) وقدم في نصه الرومان على فارس بطبيعة الحال كونه مسيحي وقدوم الوفود إليه كان طلبا لوده لحساسية المنطقة التي سيطر عليها ذكر بروكبيوس أن ملوك الغساسنة في جنوب فلسطين كانوا مقربين من الحميريين وأن قبائل معد القريبة منهم تتبع الحميريين كذلك

وفي إرسال الوفود الرومانية إليه دلالة على مطامع الرومان بجنوب الجزيرة العربية فرغم أنه قتل حليفهم السابق شميفع وأعلن نفسه ملكا وخلع حليفهم الآخر كالب، أرسل الرومان وفودا دبلوماسية إليه وهو دليل أن جهود التبشير بالمسيحية في اليمن من القرن الرابع الميلادي كانت غطاء لهدف روماني أكبر. وهذا هو الوارد عن أبرهة أو أبراهموس حسب الكتابات القديمة التي دونها هو أو كتبت عنه خلال حياته.
أبرهة في المصادر الإسلامية
القرآن ذكر قصة أصحاب الفيل والغالب عند المفسرين أنها تحكي قصة أبرهة رغم أن القرآن لم يذكر اسمه وكذا الحال في قصة أصحاب الأخدود لم تذكر ذو نواس ولا من معه.
المشهور في التفسير يحكي أن أبرهة بنى كنيسة ضخمة إسمها القليس في صنعاء وبالفعل يوجد في اليمن موقع بصنعاء القديمة يسمى غرقة القليس وهي حفرة كبيرة بنيت فيها الكاثدرائية المعنية. وكان هدف بناء الكنيسة على ماأورد الرواة، هو صرف العرب عن حج مكة وتحويل أنظارهم إلى كنيسته في صنعاء بعد أن أحدث فيها رجل من "بني فقيم" ذكره الطبري بأنه "من أهل البيت الذي تحج له العرب". ويحكي الرواة أن رجلا من بني سليم كان عند أبرهة اسمه "محمد بن خزاعي" كان يتودد للملك فدخل عليه يوما وهو يأكل 'الخصي" فقال محمد لأخيه قيس :"والله لئن أكلنا هذا لا تزال تسبنا به العرب ما بقينا" ثم قام أبرهة بتعيين "محمد" هذا سيدا على مضر وأمره أن يدعو الناس بالحج إلى الكنيسة فلما وصل لديار بني كنانة ضربه رجل منهم بسهم مما أثار غضب أبرهة وعزم أن يهدم الكعبة لأجل ذلك. بل تذكر أهل الأخبار أن الكعبة كانت معظمة عند اليمنيين قبل الإسلام، فما أن علم رجل اسموه في كتبهم "ذو نفر" بنية أبرهة حتى عزم الجهاد دفاعا عن البيت، فقاتل أبرهة وغُلب "ذو نفر" ويذكر الطبري بعض مايدعم نقوش المسند وكتابات البيزنطة التي عاصرت أبرهة ماشأنه أن الأشرم كان "حليما" فلم يقتل أعدائه
وبلغ أبرهة بلاد خثعم وخرجت له قبائل شهران وناهس بقيادة رجل يدعى نفيل بن حبيب الخثعمي فأسره أبرهة وأراد قتله فقال له الخثعمي:أيها الملك لا تقتلني ، فإني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم : شهران ، وناهس ، بالسمع والطاعة". أما ثقيف فلم تبد مقاومة وخرج قائدهم المدعو "مسعود بن معتب" فقال : أيها الملك ، إنما نحن عبيدك ، سامعون لك مطيعون ، ليس لك عندنا خلاف ، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك" فلما إقترب أبرهة من مكة إستولى على إبل بني هاشم وبعث رجلا يدعى "حناطة" الحميري ليسأل عن شريف المنطقة فقيل له هو :"عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي " فتوجه حناطة هذا وقال لعبد المطلب إن الملك لايريد حربكم إنما جاء ليهدم البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن لم يرد حربي فأتني به .فخرج عبد المطلب مع حناطة نحو معسكر أبرهة وسأل عن "ذو نفر" المذكور آنفا وتزعم كتابات أهل الأخبار أنه كان صديقا له فقال له: يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال له ذو نفر ، وكان له صديقا : وما غناء رجل أسير في يدي ملك ، ينتظر أن يقتله غدا أو عشيا. ما عندي غناء في شيء مما نزل بك ، إلا أن أنيسا سائق الفيل لي صديق ، فسأرسل إليه ، فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك ، فتكلمه بما تريد ، ويشفع لك عنده بخير ، إن قدر على ذلك . قال : حسبي ، فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فجاء به ، فقال : يا أنيس إن عبد المطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، يطعم الناس بالسهل ، والوحوش في رءوس الجبال ، وقد أصاب الملك له مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت ، فقال : أفعل .
فدخل عبد المطلب على أبرهة سائلا إياه أن يرد له العير أو الإبل التي سلبها منه فعجب أبرهة وأحتقره رغم أنه أكرمه حينما رأى وسامته على روايات الإخباريين، متعجبا منه كيف يطلب الإبل ويترك البيت الذي جاء لهدمه فأجاب عبد المطلب إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه فلما رفض أبرهة طلب عبد المطلب، خرجت قريش إلى الجبال تنظر مافاعل أبرهة في كعبتهم. وفي صبيحة اليوم التالي عزم أبرهة على تنفيذ مخططه وهيأ الفيل الذي جلبه من صنعاء وإسم الفيل كان "محمود".
فقام الخثعمي الذي أسره أبرهة بالهمس في أذن الفيل قائلا :" ابرك محمود ، وارجع راشدا من حيث جئت ، فإنك في بلد الله الحرام" فبرك الفيل ولم يقم. فوجهه أبرهة جهات مختلفة عن مكة فقام "يهرول" ورفض الهرولة ناحية مكة. وإذ هم في إنشغالهم حتى خرجت طيور من البحر تحمل ثلاث حجارة، واحدة في مناقيرهم وإثنتان في أرجلهم أصابت جميع الجيش فحاولوا الفرار وسألوا الخثعمي طريق العودة وأورد أهل الأخبار بيتا شعريا منسوبا إليه جاء فيه :
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب غير الغالب
ويقول الطبري :
«خرجوا يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون على كل منهل ، فأصيب أبرهة في جسده ، وخرجوا به معهم ، فسقطت أنامله أنملة أنملة ، كلما سقطت أنملة أتبعتها مدة تمث قيحا ودما ، حتى قدموا به صنعاء ، وهو مثل فرخ الطير ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون»
وكان الطبري ينهي كل فقرة بعبارة والله أعلم.


قال‏ الله تعالى : {{‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا‏)
* تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ‏}}. سورة الفيل‏:‏1-5‏‏‏.‏
ويُقال‏ بأنّ "الفيل" مع عظمة خلقه يفرق (يخاف) من "الهر" ، وقد إحتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى، فنفرت الفيلة.‏.
وفصّل المؤرِّخ محمد إبن إسحاق تلك القصّة فقال‏:‏ كان [أبرهة الحبشي] يحكم أرض اليمن ، وديانته نصرانية.. وكان رجلاً قصيراً لحيماً (اي جسمه مليء باللحم الزائد). وكان ذا دين في النصرانية ..
فحلف يوماً ليسيرن إلى [البيت (العتيق اي الكعبة) حتى يهدمه، ثم أمر "الحبشة" (اي جماعته الأحباش) فتهيّأت وتجهّزت.. ثم سار وخرج معه بالفيل..
وسمعت بذلك العرب، فأعظموه وفظعوا به، ورأوا جهاده حقاً عليهم، حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام‏.‏
قال إبن كثير‏:‏ فلمّا نزل بـ (منطقة) المغمس، بعث رجلاً من الحبشة يقال له‏:‏ "الأسود بن مفصود"، على خيل له حتى انتهى إلى [مكة]‏.‏ فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم،
وأصاب فيها 200 بعير لعبد المطلب بن هاشم ، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها ، فهمَّت قريش وكنانة وهذيل، ومن كان بذلك الحرم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك‏.‏ ‏
وبعث [أبرهة] "حناطة الحميري" إلى مكة وقال له‏:‏
ــ سل عن سيِّد أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له‏:‏ ((إن الملك يقول‏:‏ إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم))..
فإن هو لم يرد حربي فإئتني به‏.‏
فلما دخل "حناطة" مكة، سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له‏:‏ <عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي>،
فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة..
فقال له عبد المطلب‏:‏ ــ ((والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا "بيت الله الحرام" و"بيت [خليله إبراهيم] عليه السلام..

ــ فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته.. وإن يخل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه))..
فقال له حناطة‏:‏ (( فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك‏ )).‏
فإنطلق معه [عبد المطلب]، ومعه بعض بنيه، حتى أتى (معسكر جيش عدوّه وهناك وجد شخصا من معارفه وكان مقرّبا من الملك [ابرهة] وأنيسه)..
فقال له‏:‏ ((أيها الملك !! هذا "سيِّد قرَيش" ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عين مكة، وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال، فإئذن له عليك فليكلّمك في حاجته و أحسِن إليه‏)).‏
فأذن له [أبرهة‏].‏
وكان [عبد المطلب] أوسم الناس، وأعظمهم، وأجملهم،
فلما رآه [أبرهة] أجلَّه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير مُلكه .. فنزل [أبرهة]عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه (أي أنّ [أبرهة] و[عبد المطلب] جلسا بجوار بعضهما على البِساط)..
ــ ثم قال (الملك) لترجمانه‏:‏ (( قل له حاجتك ))‏؟‏
ــ فقال(عبد المطلب):‏ ((حاجتي أن يردّ عليّ الملك 200 بعير أصابها لي))..
ــ قال أبرهة لترجمانه‏:‏< قل له:((لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدتّ فيك حين كلمتني)>؛ ــ (( أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه‏ ))؟؟؟‏
ــ فقال له عبد المطلب‏:‏ ((إني أنا ربّ الإبل، وإنّ للبيت ربّاً سيمنعه))..
ــ فقال (الملك)‏:‏ ((ما كان ليمتنع مني‏)).‏
ــ قال‏ (عبد المطلب):‏ (( أنت وذاك ))‏.‏
فردّ (الملك)‏ على [عبد المطلب] إبله‏.‏
فإنصرف [عبد المطلب] إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في رؤوس الجبال، خوفاً عليهم من معرة الجيش‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ قام عبد المطلب فأخذ بحلقة "باب الكعبة" وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده‏.‏
ثم إنطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال يتحرزون فيها، ينتظرون ما أبرهة فاعل.. فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّى جيشه ..
فلما وجهوا الفيل إلى مكة فبرك الفيل‏.‏. فضربوا رأسه ليقوم فأبى .. فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك.. ثم وجوه إلى مكة فبرك‏.‏
قال إبن كثير‏:‏ فأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها 3 أحجار يحملها‏:‏ -1- حجر في "منقاره"، -2 +3- وحجران في "رجليه" أمثال الحُمُّـُص والعدس لا تصيب منهم أحداً إلاّ هلك.. فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا يتساقطون ويهلكون ، كما أصيب أبرهة .
قال محمد بن إسحاق:‏ فلما هلك أبرهة ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة، ثم أخوه مسروق بن أبرهة.. فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج [سيف بن ذي يزن] الحميري، من نسب حِمْيَر بن سبأ‏.‏ فطرد الأحباش عن اليمن.
سمي عام الفيل بهذا الاسم نسبة إلى الحادثة التي وقعت في تلك السنة، عندما حاول أبرهة الحبشي، أو كما يعرف كذلك بأبرهة الأشرم، حاكم اليمن من قبل مملكة أكسوم الحبشية تدمير الكعبة ليجبر العرب وقريش على الذهاب إلى كنيسة القليس التي بناها وزينها في اليمن. ولكن العرب لم يهتموا بها بل وصل الأمر إلى أن أحد العرب أهانها ودخلها ليلاً وقضى حاجته فيها، مما أغضب أبرهة.
خرج أبرهة بجيش عظيم ومعه فيلة كبيرة تتقدم الجيش لتدمير الكعبة وعندما اقترب من مكة المكرمة، وجد قطيعاً من النوق ل عبد المطلب سيد قريش فأخذها غصباً. فخرج عبد المطلب، جدّ الرسول محمد طالباً منه أن يرد له نوقه ويترك الكعبة وشأنها، فرد أبرهة النوق لعبد المطلب ولكنه رفض الرجوع عن مكة. وخرج أهل مكة هاربين إلى الجبال المحيطة بالكعبة خوفاً من أبرهة وجنوده، والأفيال التي هجم بها عليهم.
عندما ذهب عبد المطلب ليسترد نوقه سأله أبرهة لماذا لا يدافعون عن الكعبة أن قال: "أما النوق فأنا ربها، وأما الكعبة فلها رب يحميها ". وعندما رفض أبرهة طلب عبد المطلب أبت الفيلة التقدم نحو مكة، وعندها أرسل الله سبحانه وتعالى طيوراً أبابيل تحمل معها حجارة من سجيل قتلتهم وشتتت أشلائهم.
وقد أنزل الله عن هذه الحادثة قرآناً يتلى في سورة الفيل. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)}.
ويعتقد أن ذلك العام هو عام مولد محمد عام 570 ميلادية، كما يعتقد بعض الباحثين أن عام الفيل كان بين 568 و 569 ميلادية.












-

السبت، 7 يونيو 2014

ما يجعلني أحب الكتابة..... سعيد الدوسري


- ما يجعلني أحب الكتابة أكثر من الرياضة هو أن المشي يستهلك ثمانية أمثال ما يستهلكه الإنسان من السعرات الحرارية أثناء الكتابة، ولذلك فالكتابة أسهل عندي، وأوفر لسعراتي الحرارية. بل وأحب الكتابة أكثر من الكلام لأن الكلام يحتاج إلى تحريك 44 عضلة بينما لا تحتاج الكتابة إلا إلى نصف هذا العدد تقريبًا!
- بدأت تعلم الكتابة بقلم الرصاص الشهير أبو تمساح المخطط باللونين الأصفر والأسود أو لون الإتّي (اسم الغنج لفريق الاتحاد), وفي طرفه الأعلى مساحة صغيرة مطوقة بطوق نحاسي (ولا أعرف لم كنا نسميه قلم مرسم في ذلك الوقت) وإلى الآن ما زلت أحب الكتابة بقلم الرصاص. ورغم أن الجميع استخدم هذا القلم في طفولته إلا أننا لا نعلم أن من اخترعه هو شخص فرنسي يدعى «جاك كونتييه»، ومن أشهر من استخدمه الفنان «بابلو بيكاسو»، والفنان «مايكل أنجلو».
ولكن من عيوب هذا القلم صغر مسّاحته، وكان المعلم يستطيع أن يعرف مستوى تمكن الطالب من الكتابة عن طريق قياس حجم المساحة مقارنة بطول القلم.
- أحب الكتابة بقلم الرصاص لأنني أولاً: أستطيع أن أمحو أخطائي وما أكثرها! وثانيًا: لأن قلم الرصاص العادي يمكن أن يخط خطًا بطول 35 ميلاً، مع أن سعره لا يتعدى نصف ريال! وثالثًا: لأن طعم المساحة لذيذ للغاية، ومن لم يصدق كلامي فليجرب بنفسه. الغريب أن هذا القلم صنع لأول مرة من الجرانيت وليس من الرصاص.
- كثير من الناس اليوم يمتلكون أقلامًا فخمة من ماركة «واترمان»، ولكنهم في الحقيقة لا يعلمون لماذا سميت بهذا الاسم؟
والسبب بكل بساطة أن مخترع قلم الحبر هو شخص يدعى «واترمان»..
ولم يسئ أحد إلى الخط العربي كما أساء «بيرو» مخترع القلم الجاف، وهذا القلم هو سبب رئيس في رداءة خطوط الطلاب، وكنا نُمنع من استخدامه في الامتحانات خصوصًا.
- بدأت تعلم الأبجدية على الطريقة القديمة: «آ إي أو، با بي بو، تا تي تو،..»، وهي الطريقة القديمة في تعليم الألفابيت (وهي كلمة إغريقية مكونة من ألفا وبيتا)، ثم انتقلنا من الحروف إلى الأسماء والأفعال: «زرع، حصد، قرأ، كتب»، ولشدة حرصي على تعلم الكتابة كنت أتدرب طوال اليوم بالكتابة بإصبعي على بطني (وربما هذا هو سبب التكرش عندي»، أو على الجدران، مما جعل الجميع يتندرون على ذلك.
- حين تعلمت كتابة الأبجدية كان لسان حالي يقول:
«أبي تأمّل وأنتِ أمي
جمالَ خطّي وحُسنَ رسمي
أنا قرأتُ بكلّ فهمي
أنا كتبتُ أحبُّ أمي
أحبّ أختي أحبّ عمي»
وهذا النشيد أعتقد أنه ضمن مقرر الأناشيد لدى طلاب الصف الأول الابتدائي هذه الأيام، ولكنه لم يكن مقررًا على أيامنا قبل ما يربو على ثلاثين عامًا أيام:
«كرتي كرتي ما أحلاها ما أجملها ما أبهاها
كرتي تعلو حتى السقف وأنا أجري وأخي خلفي»
وأيام:
«آه لو كنت أطير مثل عصفور صغير»
وأيام:
«الله في علاه يحرس كل الناس
لا يرتجى سواه في شدة أو باس»
وأيام:
«الولد النظيف منظرة ظريف»
ولذلك لم ترتبط الكتابة عندي بالحب إلا في سني المراهقة، ولا أذكر أنني كتبت يومًا كما يفعل الأطفال «الحلوين» هذه الأيام:
«أحب ماما.. أحب بابا..» مع أنني يعلم الله كنت أحبهما، ولكننا لم نتعود على التعبير عن عواطف الحب بحجة تربيتنا على الرجولة والخشونة!
- حين تعلمت الكتابة اعتقدت لأول وهلة أنني تعلمت لغة السحر أو التعاويذ أو «التشارم Charm» أو «سبل Spell» على شاكلة « Cadabra Abra » عند الغرب، والذين قرؤوا «هاري بوتر» يعرفون هذه الكلمة جيدًا، أو «شررم بررم كهيصع مصيصع شمهورش شلفاشخ حابس حابس..إلخ» هذه الخرافات.
- وإذا كان قدماء الرومان يعتقدون بوجود عصب يربط بين بنصر اليد اليسرى والقلب، ولذلك يلبسون «دبلة» الخطوبة فيه، فقد كنت أعتقد بوجود رابط بين السبابة والوسطى والقلم. فكما أن السبابة تستخدم للسبب والشتم، والوسطى للهمز واللمز، فكذلك القلم الذي تمسك به السبابة والوسطى يجب أن يستخدم لهذه الأغراض.
ولذا كنت حين أغضب من أحد إخوتي أو أبناء عمومتي أو زملائي أتناول ورقة وأكتب فيها بقلم الرصاص: «فلان...وأعدّد الحيوانات المنزلية، حتى التي تقطن الغابة! ثم أطوي الورقة بإحكام، وأدسها في أي مكان، وأغمض عيني وأرتاح، ويزول عني الغضب، وهذه طريقة يستخدمها المعالجون النفسانيون اليوم مع مرضاهم، إما عن طريق الكتابة أو الرسم، وتعطي نتائج إيجابية.
ولكن.. أحيانًا كان صاحب الرسالة يجدها مخبأة في جذع نخلة أو فتحة في جدار بيتنا الطيني، فتنقلب التعويذة على الساحر!
ــ حين تعلمت الكتابة والقراءة أخذت أسناني اللبنية بالتساقط واحدة تلو الأخرى. وما زلت أتذكر أنني كلما سقطت إحدى أسناني المتسوسة أصلاً خلوت بنفسي، ثم أخذت أنطق الحروف الهجائية بالتسلسل: «ألف باء تاء ثاء..» لأتأكد من قدرتي على نطق جميع الحروف، ثم أتابع بقية الطقوس التي تعلمتها من والدتي وإخوتي الكبار، وهذه الطقوس هي أن أخرج إلى الهواء الطلق، ومعي سني التي وقعت، ثم أقذف بالسن عاليًا وأردد بصوت مرتفع: يارب.. هاك ضرس حمار، واعطني ضرس غزال!
وأذكر أنني كنت أتساءل ببراءة: إذا كانت سني هي التي وقعت، وأريد بدلاً منها ضرس غزال، فما دور الحمار في هذه القصة؟! وحتى الآن.. لم أعثر على إجابة!
- رغم أن الأبجدية العربية المكونة من 28 حرفًا أو 29 حرفًا على اعتبار الهمزة المسكينة غير المعترف بها، مع أن لها حوالي 7 أشكال، إلا أنها لا تفي أحيانًا بالغرض الذي نريد التعبير عنه، وكل ما أتمناه أحيانًا أن أكون كمبوديًا لأن الأبجدية الكمبودية تضم 72 حرفًا لأستطيع التعبير عما أريد بسهولة.
والجميل أن الخليل بن أحمد نظم بيتًا في الغزل جمع فيه حروف العربية كلها، ومن ضمنها الهمزة وهو قوله:
«صف خلق خود كمثل الشمس إذ بزغت
يحظى الضجيع بها نجلاء معطار»
أما بالنسبة للغة الإنجليزية فقد جمعت حروفها الستة والعشرون في هذه الجملة الطريفة:
The quick brown fox jumps over the lazy dog.
وهو مثل رائع، وترجمته بلغتي الإنجليزية السياحية التي لا تكفي لتجاوز الحدود: إن الثعلب البني السريع ينتصر على الكلب الكسول.
- تعلمت كتابة الرسائل من الحاج صبري، وكان صعيديًا من وجه قبلي قنا يقلب الجيم دالاً، وكنت أكتب الجيم دالاً كما ينطقها، دون أن أعلم، وكنت أعيد عليه قراءة ما كتبته كما نطقه فيعجبه ذلك.
وفي كل رسالة تقريبًا، كان لا بد أن يأتي على ذكر «الشابة». كان أحيانًا يسأل عن أحوالها، وأحيانًا كان يسأل هل ولدت أم لا؟ وكنت لحبي لهذه الشابة التي لا أعرفها أكتب اسمها بخط جميل، حتى اكتشفت فيما بعد أن الشابة التي يقصدها تعني الجاموسة!
- لكل كاتب طقوسه أثناء الكتابة.. فالأديب «مارك توين» مثلاً يكتب منبطحًا على بطنه، والفرنسي «يلزاك» يشرب أثناء الكتابة من ثلاثين إلى خمسين كوبًا من القهوة. والفرنسي «هيجو» يكتب عاريًا، ومع ذلك لا يكتب في اليوم الواحد سوى سطر واحد. والإنجليزي «د.هـ. لورانس» كان يتسلق إحدى الأشجار عاريًا وفي يده تفاحة، حتى يتهيأ للكتابة.
و«أجاثا كريستي» كانت تتناول التفاح بكميات تجارية أثناء كتابة رواياتها البوليسية، والأرجنتيني «بورخيس» كان يستلقي في حوض الحمام، ويتذكر أحلامه ويكتب منها، وأما «أبو عبدالرحمن الظاهري» فكان لا يكتب إلا بعد أن يتناول كوبًا من الشاي الأخضر، و«هانز كريستيان أندرسن» كاتب قصص الأطفال الشهيرة مثل «البطة القبيحة» و«عقلة الإصبع»، كان يكتب في الغابة، ويستقي قصصه منها!!
وأما العبد الضعيف (محدثكم) فطقوسي أثناء الكتابة لا تتعدى تناول القهوة العربية، مع صحن من خلاص الخرج، وبراد شاي (أبو أربع) وقليل من الكعك والمعجنات، وبعض الحلويات، والفطائر، فقط لا غير.
ولأنني كاتب مبتدئ أبحث عن الستر، فلا أضطر للتعري مثل «هيجو»، ولا لتسلق الأشجار مثل «لورانس» ولا للتدخين مثل كثير من الكتاب، بل أكتفي «بلباس السنة». و«في اليوم الذي لا أقرأ فيه ولا أكتب (كما يقول غارسيا ماركيز) لا أستحق وجبة طعام».

الخميس، 5 يونيو 2014

يأجوج ومأجوج هاروت وماروت - بين القرآن والتوراة




مخطوطة فارسية من القرن السادس عشر

تصور قوم ياجوج و مأجوج و بناء ذي القرنين للسور
يأجوج ومأجوج اسم لقبائل بربرية كانت تفسد في الأرض وتعتدي على جيرانها بالقتل والسلب والنهب. وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم في سياق قصة ذي القرنين، وهو ملك صالح مؤمن يسّر له الله أسباب المُلك والسلطان والفتح والعمران، فانطلق في حملة تهدف إلى نشر دين الله بين الأقوام الوثنية، حتى بلغ مغرب الشمس، أي أقصى حدّ في الأرض المسكونة، حيث تغرب الشمس على أفق المحيط. ثم انقلب راجعاً حتى وصل إلى أقصى شرق المسكونة، حيث تشرق الشمس من وراء بقاع مجهولة، فوجد شعباً يتكلم لغة غريبة ساكنا عند فجوة بين سلستي جبال، تتدفّق من ورائها عليهم تلك الأقوام. نقرأ في سورة الكهف:
" ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً. إنَّا مكنَّا له في الأرض وآتيناه من كلّ شيء سبباً (1)، فأَتْبع سبباً (2). حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة (3)، ووجد عندها قوماً. قلنا : يا ذا القرنين إما أن تُعذّب وإما أن تتّخذ فيهم حُسنا. قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يُرد إلى ربّه فيعذبه عذاباً نكراً، وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يُسراً.
" ثم أَتْبع سبباً، حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً. كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً. ثم أتبع سبباً، حتى إذا بلغ بين السدين(4) وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً. قالوا: يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك خَرجاً (5) على أن تجعل بيننا وبينهم سداً. قال : ما مَكنّي فيه ربي خير (6). فأعينوني بقوة (7) أجعل بينكم وبينهم ردماً. آتوني زُبَر الحديد (8). حتى إذا ساوى بين الصدفين (9) قال انفخوا. حتى إذا جعله ناراً قال آتوني أُفرغ عليه قِطراً (10). فما استطاعوا أن يَظهروه (11) وما استطاعوا له نقباً. " (18 الكهف: 90–97).
ولكن يأجوج ومأجوج سوف ينقبون السدّ في آخر الزمن، ويكون خروجهم للإفساد في الأرض ثانية من علامات الساعة. وهذا ما تشير إليه بقية القصة في سورة الكهف:
" قال: هذا رحمة من ربي، فإذا جاء وعد ربي (12) جعله دكَّاء (13) وكان وعد ربي حقاً. وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض، ونُفخ في الصور فجمعناهم جمعاً، وعرضنا جهنم للكافرين عرضاً. " (18 الكهف: 98-100).
وهناك إشارة أخرى في سورة الأنبياء إلى نقب يأجوج ومأجوج للسد عند اقتراب الساعة: " حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب يَنسِلون (14) واقترب الوعد الحق، فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا: يا ويلتنا قد كنا في غفلة من هذا، بل كنا ظالمين. " (21 الأنبياء: 96-97).

الرواية التوراتية :

يرد الاسم "جوج" في سفر حزقيال على أنه اسم لملك يحكم على أرض تدعى "ماجوج" أو على شعب يدعى بهذا الاسم. وهو سيقوم بغزو أرض إسرائيل قبل اليوم الأخير. ولكنه يُقتل هو وشعبه في مذبحة هائلة :
" وكان كلام الرب إليَّ قائلاً: يا ابن آدم اجعل وجهك على جوج أرض ماجوج، رئيس روش وماشك وتوبال، وتنبأ عليه وقل … هكذا قال السيد الرب. في ذلك اليوم عند سُكنى شعبي إسرائيل آمنين … تأتي من موضعك من أقاصي الشمال أنت وشعوب كثيرة معك، كلهم راكبون خيلاً، جماعة عظيمة وجيش كثير، وتصعد على شعبي إسرائيل كسحابة تغشى الأرض. في الأيام الأخيرة يكون (هذا)، وآتي بك على أرضي لكي تعرفني الأمم حين أتقدس فيك أمام أعينهم ياجوج … ويكون في ذلك اليوم، يوم مجيء جوج على أرض إسرائيل، يقول السيد الرب، أن غضبي يصعد في أنفي، وفي غيرتي في نار سخطي تكلمتُ أنه في ذلك اليوم يكون رعش عظيم في أرض إسرائيل، فترعش أمامي سمك البحر وطيور السماء ووحوش الحقل والدابات التي تدب على الأرض، وكل الناس الذين على وجه الأرض. وأستدعي السيف عليه في كل جبالي، يقول السيد الرب، فيكون سيف كل واحد على أخيه، وأعاقبه بالوباء والدم، وأُمطر عليه وعلى جيشه وعلى كل الشعوب الذين معه مطراً جارفاً وحجارة برد عظيمة وناراً وكبريتاً. فأتعظم وأتقدس وأُعرف في عيون أمم كثيرة فيعرفون أني أنا الرب. " (حزقيال 38: 1-23).
من مقارنة الروايتين، نلاحظ أن الرواية القرآنية قد انفردت بذكر السد الذي بني لكي يحجب يأجوج ومأجوج، ونقبهم له قبل يوم القيامة وانتشارهم للإفساد في الأرض. وتتفق الروايتان على أن خروج هذه الأقوام هو علامة من العلامات التي تسبق اليوم الأخير.
وقد ورد ذكر جوج وماجوج أيضاً في سفر الرؤيا وهو آخر أسفار العهد الجديد، باعتبارهم أقواماً مفسدين يظهرون في آخر الزمن، فيصطدمون بجيش المؤمنين ولكن الله يقضي عليهم:
" ثم متى تمت الألف سنة يُحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض جوج وماجوج ليجمعهم للحرب، الذين عددهم مثل رمل البحر. فصعدوا على عرض الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة (=أورشليم). فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم. وإبليس الذي كان يُضلهم طُرح في بحيرة النار والكبريت. " (الرؤيا 20: 7-10).
هاروت وماروت

الرواية القرآنية :

" ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم، نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلو الشياطين على مُلك سليمان. وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، يعلّمون الناس السحر وما أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. وما يعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله. ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولقد علموا لَمَن اشتراه ما له في الآخرة من خَلاق، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. " (2 البقرة: 101-102).
وقد عرضنا لتفسير هذه الآيات في معرض تقديمنا لسيرة الملك سليمان سابقاً، وقلنا أن هاروت وماروت هما ملاكان أرسلهما الله لامتحان البشر، فنزلا في أرض بابل وعاشا بين الناس فترة من الزمن كانا خلالها يعلمان الناس السحر بعد أن يبينا لكل واحد أن ما يصفونه له هو ابتلاء واختبار من الله تعالى.

الرواية التوراتية:

لا يوجد في التوراة العبرانية قصة عن نزول ملائكة إلى الأرض واختلاطهم بالبشر إلا القصة الواردة في سفر التكوين عن دخول أبناء الله، أي الملائكة، على بنات الناس بعد أن رأوا من حسنهن وجمالهن، فولدن لهم أولاداً عمالقة كان بهم ابتداء الشر على الأرض. (التكوين 6: 1-5). ولكن الأسفار غير القانونية قد توسعت في هذا الموضوع وأسهبت معتبرة أن هؤلاء الملائكة الساقطين هم الذين تحولوا إلى شياطين، وتحول كبيرهم إلى إبليس.
ولكننا نعثر في الفولكلور اليهودي على قصة هبوط ملاكين إلى الأرض أحدهما يدعى عزازيل والآخر شمهازي، وذلك ليثبتا للخالق تفوق الملائكة على الإنسان في الأخلاق وفي طاعة الله، وأن الإنسان غير جدير بالدور الذي رسمه الله له. ولكن شمهازي ما لبث أن وقع في حب امرأة تدعى الزُهرة وطلب وصالها، ولكنها تمنعت واشترطت عليه أن يطلعها على اسم الله الأعظم الخفي، ففعل ذلك. وما أن حازت على الاسم حتى استخدمت قوته في الصعود إلى السماء قبل أن تفي بوعدها لشمهازي، ولكن الله أوقفها بين أفلاك الأجرام السماوية السيارة، وحوّلها إلى الجرم المعروف بكوكب الزُهرة أو كوكب فينوس. (15)
هذه القصة اليهودية وتنويعاتها الأخرى، كانت وراء العديد من القصص التي أوردها المفسرون القدماء لإلقاء الضوء على هاروت وماروت في القصة القرآنية. ومنها هذه القصة المرفوعة لابن عباس، والتي أوردها ابن كثير في تفسيره :
" قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا مسلم، أخبرنا القاسم بن الفضل الحذائي، أخبرنا يزيد عن ابن عباس، أن أهل السماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي وهم في غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة يهبطون إلى الأرض ليحكموا بين أهل الأرض، وجُعل فيهم شهوة الآدميين، فأُمروا أن لا يشربوا خمراً، ولا يقتلوا نفساً، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل. فأُهبط اثنان إلى الأرض هما هاروت وماروت. فأتتهما امرأة من أحسن الناس، فهوياها معاً ثم أتيا منزلها فأراداها. فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري وتقتلا ابن جاري وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما. فأخبراها فطارت، فمُسخت جمرة وهي هذه الزهرة. وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مناطان بين السماء والأرض. "
وابن كثير في تفسيره يورد هذه القصة وتنويعات عديدة عليها، ثم يعلق قائلاً :

" وقد رُويَ في هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة، وغيرهم، وقصّها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمالٌ من غير بسط ولا إطناب. ونحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال. "
هذه التصورات المتأخرة عن أصل كوكب الزهرة، إنما تقوم على أرضية ميثولوجية مغرقة في القدم. فقد رأت الشعوب الساميَّة القديمة في كوكب الزهرة تجسيداً لإلهة الحب الشهواني، التي دعيت إنانا لدى السومريين، وعشتار لدى البابليين، واستارت عند الكنعانيين. وقد نقل الفينيقيون عبادة استارت إلى جزيرة قبرص، ومنها انتقلت إلى بلاد اليونان تحت اسم إفروديت، التي يقص هزيود في كتابه " أصول الآلهة " عن ولادتها من زبد البحر على شاطئ جزيرة قبرص. أما الرومان فقد دعوها فينوس، وهو الاسم الفلكي الشائع اليوم لكوكب الزهرة. كما دعاها الفرس أناهيتا، وفي فنونهم المصورة تبدو على هيئة حسناء تعزف على العود.
وعند عرب الجزيرة قبل الإسلام حمل كوكب الزهرة معاني البياض والحسن والبهجة (16)، ورأوا فيه تجسيداً لإلهتهم العُزّى على ما ترويه المصادر الخارجية(17). وقد عُرفت الزهرة بأكثر من اسم وذلك حسب ظهورها بعد غروب الشمس أو قبل شروقها، فكانوا يدعون نجمة المساء عتر (=استارت =عترتا)، أما نجمة الصبح فيدعونها العزى ويلقبونها بكوكب الحسن. (18) ولهذه الإلهة ضحى الرسول الكريم بشاة عفراء عندما كان على دين قومه، على ما يرويه ابن الكلبي في " كتاب الأصنام" (19). ولكنه بعد البعثة صار يتطير من ظهورها ويقول: لا مرحباً ولا أهلاً. فقد رُوي عن نافع قال: سافرت مع عبد بن عمر، فلما كان آخر الليل قال: يا نافع، هل طلعت الحمراء ( أي الزهرة ) ؟ وأعادها مرتين أو ثلاثاً. ثم قلت: قد طلعت. فقال: لا مرحباً ولا أهلاً. قلت سبحان الله، نجم مُسخر سميع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعته من رسول الله. (20)
كما روى البعض عن عبد الله بن عمر أنه كلما رأى الزهرة لعنها وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت. (21)


الشواهد:

1 - أي يسر له الله الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم .
2 - أي فاتخذ طريقاً .
3 - أي ذات حمأة، وهو الطين الأسود. ولا ندري في أي مكان وقف حتى خُيل إليه ذلك .
4 - أي بين جبلين .
5 - أي خراجاً مالياً .
6 - أي ما أنعم الله به علي خير مما تبذلونه لي .
7 - أي ساعدوني بتقديم اليد العاملة .
8 - أي قطع الحديد .
9 - أي بين جانبي الجبلين .
10 - أي نحاساً مذاباً .
11 - أي يتسوروه ويعلوه .
12 - أي يوم القيامة .
13 - أي دكه وسواه بالأرض .
14 - من كل مرتفع وناحية يهرعون .
15 – K.Sandiki, Legends and Narratives of Islam, Kazi Publications , Chicago , 2000 , PP. 235 – 236 . citing , Louis Ginzbery , Legends of the Jews , III , P 247
16 - راجع تاج العروس للزبيدي ، ص 249/ج 3 ، ولسان العرب ، ص 421/ ج5 .
17 - محمد سليم الحوت : الميثولوجيا عند العرب ، دار النهار ، بيروت ، 1979 ، ص75 و 87 .
18 - نفس المرجع .
19 - ابن الكلبي : الأصنام ، تحقيق أحمد زكي ، القاهرة 1965 ، ص19 .
20 - تفسير الطبري ، ص 345/ ج1 .
21 - تفسير الطبري ، ص 346/ ج1 .






















-

الثلاثاء، 27 مايو 2014

من أساطير العالم القديم....... مدونة رومانس مون



اسطــــــــورة سميراميس - Semiramis



هي مولودة الحمام فقد رآها أهل مصر القديمة تأكل لبن العصفور من أفواه الحمام وقد بقيت محاطة بالحمائم حتى أخفاها الحمام حين موتها وقد سبيت وأخذت جارية في قصر ملك آشور ولما شبت الجميلة واكتملت أنوثتها ونعومتها افتتن بها الملك واقترن بها وقادت معه حروبا هنا وهناك وكانت حكيمة سديدة الرأي مع جمال آخاذ باهر وهكذا حتى قتل زوجها الحبيب بقت عليه أياما تبكي في حديقة القصر وذوت الجميلة في يوم موتها وجد حرس القصر تجمع الحمام لديها وعند اقترابهم طار الحمام واختفت سميرا ميس أهي حلقت مع الحمائم أم انقلبت روحها إلى حمامة بيضاء جميلة.




اسطــــــورة الجريفين - The Gryphon

الجريفن مخلوق ضخم شرس المظهر الى حد مانصفه نسر و نصفه اسد ,أجنحته الكبيرة توفر له طيراناً بسرعات مذهلة ينقسم الجريفن الى فصيلتين ألا وهما الجريفن الشمالي أو Hyberborean ويعيش في أعالي الجبال و غابات شمال شرق أوربا و روسيا و قد امتدت تلك الغابات جنوب اوكرانيا اكثر مما تبدو عليه الآن. والجريفن الهندي كان يتواجد في الجبال في شمال شرق الهند و الشرق الأوسط .
قديما شاركت ثلاث مخلوقات أسطورية في حروب و صراعات البشر في السماء الا و هي (,التنين , الكايميرا و الجريفن ) استخدم التنين قوته الهائلة بالطيران و نفث النار لسحق أعدائه, أما الكايميرا كان ينظر في جميع الاتجاهات برؤوسه العديدة و كان يرى حتى أعدائه المختفين. راقب الجريفن غريميه لوقت طويل باحثاً عن نقاط قوتهما و ضعفهما ,في النهاية تدخل في القتال.مستخدماً ذكائه استدرج التنين من مخبئه دافعاً به نحو أعماق المحيط حيث اطفأ نيرانه للأبد ,و تحت الأرض حفر الجريفن نفقاً طويلاً حتى وصل الى الكايميرا مهاجماً اياه من المكان الوحيد الذي لم يتوقعه و لم يستوعب الكايميرا المفاجأة و بذلك فقد تم هزمه بسهولة .و هكذا بالذكاء و العلم هزم الجريفن عدوين اكثر منه قوة و بذلك حقق نصراً عظيماً .




اسطـــــورة الهيبوجريف - Hippogriff

ينحدر من الجريفن ,عاش في جبال Rhiphaean ,يقال أنه نتيجة تزاوج الجريفن مع مهرة حيث أنه يشبه شكل الجريفن العادي في كل شيء ما عدا أن له أرجل حصان عوضاً عن جسد الأسد .المفترض أن الجريفن و الحصان عدوين لدودين لذلك كان الهايبوجريف رمزاً للمستحيل انه مخلوق قوي و سريع جداً يتحرك بسرعة البرق عبر الهواء و قد صور أنه مطية الفرسان قيل أن الهيبوجريف على عكس قريبه الجريفن بأنه يمكن ترويضه و استخدامه للمعارك و قد خلد في الحضارة الايطالية في قصيدة قديمة لشاعر ايطالي معروف




أسطورة باندورا - Pandora

ومعناها الحرفي : المرأة التي وهبت كل الصفات الحسنة . وتذهب الأسطورة إلى أن " باندورا " أعطيت وعاء لتحمله وحرم عليها أن تفتحه لكنها ضعفت أمام فضولها حتى غلبها على أمرها في بعض الأيام ففتحته . فاذا بجميع الأمراض تنساب من هذا الوعاء لتتسلط على بني البشر . ولم يبق في الوعاء غير الأمل فكانت بذلك سبباً في تبديد الخير وانتشار جميع الآثام والشرور .




اسطـــــــورة النداهة - nadaha

من الأساطير الريفية المصرية , حيث يزعم الفلاحون أنها امرأة جميلة جدا وغريبة تظهر في الليالي الظلماء في الحقول لتنادي باسم شخص معين فيقوم هذا الشخص مسحورا ويتبع النداء إلى أن يصل إليها ثم يجدونه ميتا في اليوم التالي.




اسطـــــــورة زهرة البنفسج - Violet

تروي أسطورة إنجليزية أن ملك الثلج شعر بالوحدة في قصره الجليدي, حيث كل شيء صامت وجامد, فبعث جنوده للبحث عن فتاة جميلة تدخل الدفء والسعادة إلى قلبه, وجد الجنود فتاة خجولة اسمها فيوليت (بنفسج), أحضروها له, فوقع في حبها فورًا وتحوّل بفعل تأثيرها من رجل قاسي القلب, وعبوس, إلى رجل دافئ ولطيف, وقد رجته فيوليت مرة للذهاب لزيارة أهلها, فسمح لها أن تقوم بهذه الزيارة في الربيع شرط أن تكون على شكل زهرة, ثم تعود إليه في الشتاء, وهكذا تحولت الصبية إلى زهرة حملت اسمها.




اسطـــــــــورة زهرة التوليب - Tulip

وتقول إحدى الأساطير الإيرانية: إن شابا اسمه (فرهاد) وقع في حب فتاة اسمها (شيرين), وقد وصله يومًا خبر موتها, فحزن عليها حزنًا شديدًا, ودفعه يأسه إلى أن يقفز بجواده من أعلى أحد الجبال, فلقي حتفه, وحيث نزفت دماؤه, كانت تنبت من كل نقطة زهرة تيوليب وذلك رمزًا لحبه المخلص, وقد ارتبطت زهرة التيوليب بهذا الرمز, وأصبحت زهرة الحب عند الإيرانيين القدامى.





اسطــــــورة العنقاء- Pheonix

العنقاء أو الفينكس هو طائر أسطوري طويل العنق لذا سماه العرب "عنقاء" أما كلمة الفينكس فهي يونانية الأصل و تعني نوعا معينا من النخيل، وبعض الروايات ترجع أصل تسمية الطائر الأسطوري إلى مدينة يونانية أخذ المصريون عنها تلك الأسطورة. تقول الاساطير الاغريقية ان العنقاء كانت تعيش فى المنطقة العربية و تتغذى كل صباح على قطرات الندى لقد قيل أنه لا يوجد سوى عنقاء واحدة لكل
زمن و هو كائن معمر جداً يعيش ما بين 500 سنة الى 1000 سنة عندما تقترب نهاية العنقاء تبني عشاً يشبه المحرقة مختارة أغصاناً عطرية الرائحة و تشعلها بالنيران و تدع اللهب يلتهمها , بعد 3 أيام تنهض عنقاء جديدة لتعيش كسلفها و قيل في بعض الكتب أن العنقاء نفسها تنهض من جديد من وسط الرماد لتحيا مرة أخرى.




اسطـــــــورة الهيدرا-the hydra

من ابشع المخلوقات فى الميثولوجيا الاغريقية تشبه التنين الى حد ما بجانب انها متعدده الرؤؤس و تنوعت المصادر فى ذكر عددها من ( خمسة الى مائة رأس) و لكن اغلب الاقوال و اكثرها انتشارا ان لها تسعة رؤوس و ليس هذا فحسب بل انه عندما تقطع احدى هذه الرؤوس ينبت مكانها واحدة اخرى و احيانا اثنين قتلها هرقل فى احدى مهامه الاثنى عشر بمساعده صديقه ايولوس فكان هرقل يقطع الراس و يجعل ايولوس يحرق مكان الرأس بشعلة من النار حتى يمنع نمو راسا جديدة




اسطـــــورة السيكلوب - Cyclops

عملاق ذو عين واحدة وسط الجبين وهو معروف بعدم الرحمة و حبه لاكل البشر و هو مخلوق متوحش ذو قوة رهيبة و غالبا ماكان محبوسا فى العالم السفلى