الاثنين، 12 مايو 2014
وفي الليل قالوا........... من مدونة خواطر
قبل عدّة قرون، كان الليل وقتا مخيفا وخطيرا للغاية. ليلة بلا ضوء قمر يمكن أن تكون مملوءة بالأخطار الحقيقية وغير الحقيقية. وفي هذا الكتاب بعنوان عندما ينتهي النهار: الليل في العصور القديمة ، ينير المؤرّخ روجر ايكيرك جانبا من الحياة تغاضى عنه المؤرّخون، فيسلّط الضوء على كيف كان الناس في أمريكا وأوربّا يقضون لياليهم في فترة ما قبل الثورة الصناعية.
الأحد، 11 مايو 2014
جابرييل جارثيا ماركيز

الكاتب الكولومبى الكبير
جابرييل جارثيا ماركيز
الضوء كالماء
فى عيد الميلاد، عاد الطفلان فطلبا مركبا بمجدافين، قال الاب
- حسن.. سنشتريه عند عودتنا إلى قرطاجنة
كان توتوه – فى التاسعة من عمره – وجويل – فى السابعة – أشد إصرارا على ذلك مما توقعه والداهما .
قالا فى صوت واحد :
- كلا ، نحن نريده الآن وهنا
ردت الأم :
- أولا ، ليس ثمة مياه صالحة للملاحة هنا سوى تلك التى تسقط من الدش .
كانت هى وزوجها على حق . ففى بيتهم بقرطاجنة دى إندياس ثمة فناء بجسر على الخليج وملجأ ليختين كبيرين . بينما هم فى مدريد يقطنون شقة ضيقة فى الطابق الخامس برقم 47 شارع لاكاسيتيانا . بيد أنهما فى نهاية الامر لم يستطيعا الرفض ، لانهما كانا قد وعداهما بمركب بمجدافين وسدسية وبوصلة إذا هما نالا إكليل غار الصف الثالث الابتدائى ، وقد نالاه وهكذا أشترى الأب كل شئ دون ان يخبر زوجته التى كانت أشد المعارضين لمبدأ الاستدانة لشراء اللعب ، كان مركبا رائعا من الألومنيوم به خط ذهبى اللون يحدد مستوى الماء
على مائدة الغداء ، كشف الأب عن المفاجأة :
- المركب موجود فى الجراج ، لكن المشكلة هى انه ليست هناك طريقة لنقله لا بالمصعد ولا عن طريق السلم ولا يوجد له مكان فى الجراج .
ومع هذا ، فى مساء السبت التالى ، دعا الطفلان زملاء المدرسة لنقل المركب عن طريق السلم وتمكنوا من حمله الى حجرة المخزن .
قال الأب لهما : تهانئى ! والآن ماذا ؟
- الآن ، لا شئ ، كل ما كنا نوده أن يكون المركب تحت تصرفنا فى حجرة المخزن وها هو ذا
مساء الاربعاء ، وككل اربعاء ،ذهب الابوان الى السينما ، أحكم الطفلان - سيدا البيت الآن – إغلاق الابواب والنوافذ وحطما زجاج لمبة مضاءة من لمبات نجفة الصالة فأخذت دفقة من الضوء الذهبى الطازج كالماء تنساب من اللمبة المحطمة ، لاحظا جريان الضوء حتى بلغ ارتفاعه أربعة أشبار ، حينئذ فصلا التيار واخرجا المركب وأبحرا على هواهما بين جزر المنزل ، كانت تلك المغامرة الخرافية نتيجة لزلة من زلات لسانى حينما كنت أشارك فى ندوة عن شاعرية الأدوات المنزلية فسألنى توتوه :
- لم يشتعل الضوء بمجرد الضغط على زر ؟
ولم تواتنى الشجاعة للتمعن فى الرد ، فأجبته فى الحال :
- الضوء كالماء تفتح الصنبور فيخرج !
وهكذا واصلا الابحار كل اربعاء وتعلما التحكم فى السدسية واستخدام البوصلة حتى اذا عاد والداهما من السينما وجداهما نائمين كملاكين من ملائكة اليابسة ، بعد ذلك بشهور فى لهفتهما الى مزيد من الاثارة ، طلبا طاقم صيد تحت الماء مزودا بكل شئ : قناع وزعانف واسطوانة اكسجين وبندقية ضغط هواء .
قال الاب : من السيئ أن يكون لديكما فى حجرة المخزن مركب بمجدافين غير ذى نفع ، لكن الأسوأ ان تطلبا زيادة على ذلك ، طاقمى غطس
أجابه جويل : وماذا اذا حصلنا على جائزة الغردينيا الذهبية فى النصف الاول من العام الدراسى ؟
قالت الأم : لا ، انتهى الأمر !
أنبها الأب لتشددها فقالت :
- ليس بوسع هذين الولدين الفوز بمسمار واحد لو تعلق الامر باتمام واجباتهما ولكنهما قادران على نيل كرسى المعلم نفسه من أجل إرضاء نزوة
فى النهاية ، لم يحسم الابوان موقفهما ، لكن توتوه وجويل اللذين كان ترتيبهما الاخير فى العامين الدراسيين السابقين ، حصلا فى شهر يولية على جائزتى الغردينيا الذهبية ونالا من مدير المدرسة اعترافا معلنا بذلك .
فى مساء ذلك اليوم ودون ان يعاودا طلبهما ، وجدا طاقمى الغطس بغلافهما الاصلى فى غرفة نومهما ، وهكذا فى يوم الاربعاء التالى وبينما كان أبواهما يشاهدان " التانجو الاخير فى باريس " غاصا كسمكتى قرش اليفتين تحت الاثاث والأسرة وأنقذا من قاع الضوء الأشياء التى ظلت لعدة سنوات مفقودة فى الظلام .
فى حفل نهاية العام الدراسى ، صفقت المدرسة للاخوين النموذجيين ومنحتهما شهادتى امتياز ،
هذه المره لم يضطرا إلى طلب شئ لأن ابويهما سألاهما ماذا يريدان ، كانا معتدلين فلم يطلبا سوى حفلة فى المنزل يدعوان اليها زملاء المدرسة
كان الأب عندما انفرد بزوجته متألقا .. قال : إنها علامة نضجهما
اجابته الأم : ليستجب الله لك
فى يوم الاربعاء التالى ، بينما الأبوان يشاهدان " معركة الجزائر " رأى المارة بشارع لاكاسيتيا شلالا من النور يسقط من بيت قديم تحجبه الاشجار ، كان الضوء يخرج من الشرفات ويتدفق عبر الواجهة ويندفع فى الشارع الواسع على هيئة سيل ذهبى اضاء المدينة حتى جبال جوادا راما.
واستدعيت المطافئ وحطم رجالها باب الدور الخامس فوجدوا المنزل يفيض ضوءا حتى السقف ، كانت الاريكة والمقاعد المبطنة بجلد النمر تطفو فى الصالة على ارتفاعات مختلفة ، بين زجاجات النبيذ والبيانو والشال الذى يوضع فوقه وكان يخفق فى الماء كسمكة عملاقة ذهبية وكانت الأجهزة المنزلية فى قمة شاعريتها ، تحلق بأجنحتها فى سماء المطبخ ، وطفت ألات موسيقى الحرب التى كان الأطفال يستخدمونها للرقص ، طفت مع التيار بين الأسماك الملونة التى تحررت من حوض أسماك الأم والوحيدة التى كانت تطفو حية وسعيدة فى المستنقع المضئ الواسع ، وفى دورة المياه طفت جميع فرشات الأسنان وأنابيب الدهانات وطاقم اسنان الأم الاحتياطى وكذا جهاز تليفزيون حجرة النوم الكبيرة وقد طفا على أحد جانبيه وهو مازال يبث أخر حلقة من مسلسل منتصف الليل المحرم على الاطفال ، فى نهاية الممر ، كان توتوه يتأرجح جالسا فى مقدمة المركب ممسكا بالمجدافين ومرتديا القناع باحثا عن فنار الميناء حتى نفاد اسطوانة الأكسجين ، بينما كان جويل فى المؤخرة لا يزال يبحث بسدسيته عن النجم القطبى ، كما كان زملاء فصلهما السبعة والثلاثون يسبحون فى جميع أرجاء المنزل وقد خلدوا فى لحظة تبولهم فى أصيص الغرنوق أو ادائهم نشيد المدرسة بعد أن أبدلوا كلماته بأبيات تسخر من المدير أو تناول كأس من البراندى من زجاجة الأب خفية ،
كانوا قد اشعلوا جميع مصابيح الضوء فى نفس الوقت حتى طفح المنزل وغرق الصف الرابع الابتدائى بمدرسة " سان خوليان أوسبيتالاريو " جميعه ، فى الدور الخامس برقم 47 شارع لاكاسيتيا فى مدريد اسبانيا ، مدينة بعيدة صيفها حار ورياحها ثلجية بلا بحر أو نهر ، مدينة لم يكن أهلها - سكان اليابسة – بارعين قط فى علم الملاحة فى الضوء.
يوم من هذه الأيام
فجر الاثنين ، دافئ وغير ممطر. أوريليو أسكوفار، طبيب أسنان من دون شهادة، مبكر جدا في النهوض، فتح عيادته عند الساعة السادسة. تناول بضعة أسنان اصطناعية، مازالت موضوعة في قوالبها الكلسية، من علبة زجاجية ، ووضع مجموعة من الأدوات على الطاولة مرتبا إياها حسب حجمها كما لو كان يجهزها للعرض. كان يرتدي قميصا عديم الياقة مغلقا عند العنق بزر ذهبي، وبنطلونا بحمالات. وكان منتصب القامة، نحيفا، قلما ينسجم مظهره مع الموقف، تماما كما هي حالة الأصم.
عندما انتهى من ترتيب العدة على الطاولة، سحب المثقاب ناحية كرسي المعالجة وجلس ليباشر في صقل الأسنان الاصطناعية. وكان يبدو شارد الذهن، لا يفكر في تفاصيل العمل الذي يؤديه بدقة وثبات متواصلين، وكانت قدمه تظل تضغط على عتلة المثقاب حتى عندما تنتفي حاجته إلى الآلة.
بعد الثامنة توقف لبرهة كي ينظر إلى السماء من خلال النافذة فرأى صقرين منشغلين في تجفيف نفسيهما تحت الشمس على سقيفة البيت المجاور. عاد إلى عمله وهو يقول لنفسه بأن المطر سيسقط قبل موعد الغداء. صوت ابنه الحاد والمفاجئ شتت تركيزه
- بابا.
- ماذا ؟
- العمدة يريد أن يعرف إذا كنت ستخلع له ضرسه.
- قل له بأنني غير موجود.
كان منشغلا بصقل سن ذهبية. حملها أمامه وراح يتفحصها بعينين نصف مغلقتين. عاد ابنه ذو الأحد عشر عاما يصرخ مجددا من غرفة الانتظار.
- يقول بأنك موجود، وأيضا لأنه يستطيع أن يسمعك.
ظل الطبيب منشغلا بتفحص السن. وعندما أنجز عمله واخذ السن شكله النهائي وضعه على الطاولة وقال:
_ هذا أفضل.
شَغَّل المثقاب ثانية، وأخذ بضعة قطع تركيب من علبة كارتونية حيث يحتفظ بالأشياء التي تحتاج إلى انجاز، وباشر بعملية التعديل والصقل.
- بابا.
أجابه مستخدما نفس التعبير
- ماذا؟
- يقول بأنك إذا لم تخلع له سنه فسوف يطلق النار عليك.
دون تعجل، وبحركة شديدة الهدوء أوقف المثقاب، دفعه بعيدا عن الكرسي، وسحب الدرج السفلي للطاولة، وكان هنالك مسدس. قال:
- حسنا، قل له أن يأتي ويطلق النار علي.
دفع الكرسي بمواجهة الباب، وكانت يده تستقر على حافة الدرج. ظهر العمدة عند الباب. كان قد حلق الجانب الأيسر من وجهه، لكن الجانب الآخر كان متورما وبلحية لم تحلق منذ خمسة أيام. رأى الطبيب في عينيه ليالي من التوجع والأرق، فأغلق الدرج بأطراف أصابعه وقال برفق:
- اجلس.
- صباح الخير.
أجابه الطبيب:
- صباح الخير.
وبينما انشغل الطبيب بتسخين أدواته، أسند العمدة رأسه على مسند الكرسي الخلفي فشعر بشيء من الارتياح. كانت أنفاسه تطلق بخارا في الهواء. كانت عيادة بائسة: كرسي خشبي قديم، مثقاب يعمل بدواسة، وعلبة زجاجية تحوي قناني السيراميك. في المواجهة للكرسي نافذة تغطيها ستارة من القماش. عندما شعر العمدة باقتراب الطبيب شبك ساقيه وفتح فمه.
أدار أسكوفار رأس العمدة باتجاه الضوء. وبعد أن تفحص السن الملتهبة، أغلق فك العمدة بحركة حذرة، ثم قال:
- سأقلعه ولكن من دون مخدر.
- لماذا؟
- لأنه لديك خرّاج.
نظر العمدة في عيني الطبيب. قال أخيرا وهو يحاول أن يتبسم.
- حسناً.
ولم يرد الطبيب على ابتسامته. جلب إناء الأدوات المعقمة إلى الطاولة وراح يخرجها من الماء المغلي بملقط صغير بارد، دون أن يبدو عليه بأنه في عجلة من أمره. دفع المبصقة بطرف حذائه، وذهب ليغسل يديه في المغسلة. قام بكل ذلك دون أن ينظر إلى العمدة، لكن العمدة لم يرفع عينيه عنه.
كان سن عقل سفلي. فتح الطبيب قدميه وأمسك بالسن بالكلاّب الساخن. تشبث العمدة بذراعي الكرسي، واضعا كل قوته في قدميه. شعر عندها بفجوة باردة في كليتيه، لكنه لم يصدر صوتا. حرك الطبيب رسغه فقط. ومن دون حقد، وبرقة لاذعة قال:
- الآن ستدفع لموتانا العشرون.
شعر العمدة بانسحاق العظام في فكه، وامتلأت عيناه بالدموع. لكنه لم يتنفس حتى أدرك بأن السن قد أقتلع، ثم رآه من خلال دموعه. في تلك اللحظة كان عاجزا تماما عن فهم عذاب الليالي الخمس الفائتة.
انحنى على المبصقة، لاهثا يتصبب منه العرق. فتح أزرار سترته الضيقة ومد يدا الى جيب بنطلونه ليخرج المنديل. ناوله الطبيب قطعة قماش نظيفة. قال له:
- جفف دموعك.
كان العمدة يرتعش وهو يجفف دموعه. وأثناء انشغاله بغسل يديه، رأى أسكوفار السقف المتداعي وشبكة العنكبوت المغبرة وبيض العنكبوت والحشرات الميتة. عاد الطبيب وهو يجفف يديه. قال للعمدة:
- خذ غرغرة ماء بالملح، ثم اذهب إلى الفراش.
نهض العمدة واقفا. أدى تحية وداع عسكرية ثم تحرك باتجاه الباب وهو يدفع ساقيه، ودون أن يغلق أزرار سترته الضيقة. قال:
- ابعث بالفاتورة.
- لمن ؟ لك أم للبلدة ؟
لم ينظر إليه العمدة. أغلق الباب وراءه وهو يقول:
- لا فرق.
أجمل غريق في العالم
ظنّه الأطفال لمّا رأوه ، أول مرة ، أنه سفينة من سفن الأعداء. كان مثلَ رعنٍ أسود في البحرِ يقترب منهم شيئا فشيئا. لاحظ الصبيةُ أنه لا يحمل راية ولا صاريًا فظنوا حينئذٍ أنه حوتٌ كبير، ولكن حين وصل إلى ترابِ الشاطيء وحوّلوا عنه طحالبَ السرجسِ و أليافَ المدوز و الأسماكَ التّي كانت تغطيهِ تبيّن لهم أنّه غريق.
شرعَ الصبيةُ يلعبون بتلك الجثة يوارونها في الترابِ حينًا ويخرجونها حينًا حتّى إذا مرّ عليهم رجلٌ ورأى ما يفعلون نَهَرهم وسعى إلي القريةِ ينبه أهلها بما حدث.
أحسّ الرجالُ الذين حملوا الميّتَ إلى أول بيتٍ في القرية أنه أثقل من الموتى الآخرين ، أحسّوا كأنهم يحملون جثّةَ حصانٍ وقالوا في ذات أنفسهم :
“ربما نتج ذلك عن بقاء الغريق فترة طويلة تحت البحرِ فدخل الماءُ حتى نخاع عظامه.”
عندما طرح الرجالُ الجثةَ على الأرضِ وجدوا أنّها أطولُ من قامة كلّ الرجال ، كان رأس الميتِ ملتصقًا بجدار الغرفة فيما اقتربت قدماه من الجدارِ المقابلِ ، وتساءل أحد الرجال عمّا لو كان ذلك ناتجًا عن أن بعض الغرقى تطول قاماتُهم بعد الموت. كان الميتُ يحمل رائحةَ البحر ، وكانت تغطيه طبقةٌ من الطين و الأسماك. لم يكن من الضرورة تنظيف الوجه ليعرف الرجال أن الغريق ليس من قريتِهم ، فقريتهم صغيرة لا تحوي سوى عشرين من البيوت الخشبية الصغيرة ، و كانت القرية نادرةَ التربة مما جعل النسوة يخشين أن تحمل الريحُ الأطفال ومنع ذلك الرجالَ من زرع ِ الأزهار ، أمّا الموتى فكانوا نادرين لم يجد لهم الأحياءُ مكانًا لدفنهم فكانوا يلقون بهم من أعلى الجرف..
كان بحرُهم لطيفًا ، هادئًا و كريمًا يأكلون منه. لم يكن رجالُ القرية بكثيرين حيث كانت القوارب السبعةُ التي في حوزتهم تكفي لحملهم جميعًا ، لذلك كفى أن ينظروا إلى أنفسهم ليعلموا أنه لا ينقص منهم أحد..
في مساءِ ذلك اليوم لم يخرج الرجال للصيدِ في البحر. ذهبوا جميعًا يبحثون في القرى القريبة عن المفقودين فيما بقتِ النسوة في القريةِ للعناية بالغريق …أخذن يمسحن الوحلَ عن جسده بالألياف ويمسحن عن شعره الطحالب البحرية ويقشّرن ما لصق بجلده بالسكاكين..
لاحظت النسوة أن الطحالب التي كانت تغطي الجثة تنتمي إلي فصيلة تعيش في أعماقِ المحيطِ البعيدة ، كانت ملابسه ممزقة وكأنه كان يسبح في متاهةٍ من المرجان. ولاحظت النسوة أيضا أن الغريقَ كان قد قابل مَلَكي الموتِ في فخرٍ و اعتزاز فوجهه لا يحمل وحشةَ غرقى البحرِ ولا بؤس غرقى الأنهار. وعندما انتهت النسوة من تنظيف الميّت وإعداده انقطعت أنفاسهن ، فهن لم يرين من قبل رجلاً في مثل هذا الجمال و الهيبة..
لم تجد نساء القرية للجثة، بسبب الطولِ المفرطِ ، سريرًا ولا طاولة قادرة على حملها أثناء الليل. لم تدخل رِجْلا الميتِ في أكبرِ السراويل و لا جسدُه في أكبرِ القمصان ، ولم تجد النسوة للميّت حذاءً يغطي قدميه بعد أن جربوا أكبر الأحذية.
فقدت النسوة ألبابَهن أمام هذا الجسدِ الهائلِ فشرعن في تفصيل سروالا من قماشِ الأشرعة و كذلك قميصًا من “الأورغندي” الشفاف فذلك يليق بميّتٍ في مثل هذه الهيبة و الجمال..
جلست النسوة حول الغريق في شكلِ دائرةٍ بين أصابع كل واحدةٍ منهن إبرة وأخذت في خياطة الملابس ، كن ينظرن بإعجاب إلى الجثة بين الحين و الحين؛ بدا لهن أنه لم يسبق للريح ِ أن عصفت في مثل هذه الشدة من قبل ولا لبحر “الكاراييب” أن كان مضطربًا مثل ذلك المساء. قالت إحداهن ” أن لذلك علاقة بالميّت” ، وقالت أخرى ” لو عاش هذا الرجل في قريتنا لاشك أنه بنى أكبر البيوت وأكثرهن متانة ، لاشك أنه بنى بيتًا بأبواب واسعة وسقفٍ عالٍ وأرضيةٍ صلبة ولاشك أنه صنع لنفسه سريرًا من الحديد و الفولاذ ، لو كان صيادًا فلاشك أنه يكفيه أن ينادى الأسماك بأسمائها لتأتى إليه. ، لاشك أنه عمل بقوة لحفر بئرٍ ولأخرج من الصخور ماءً ولنجح في إنبات الزهر على الأجراف”..
أخذت كل واحدة منهن تقارنه بزوجها ، كان ذلك فرصة ثمينة للشكوى والقول أن أزواجهن من أكبر المساكين..
دخلت النسوة في متاهات الخيال.
قالت أكبرهن:” للميّت وجه أحد يمكن أن يسمّى إستبان”. كان هذا صحيحًا..كفي للأخريات أن ينظرن إليه لفهم أنه لا يمكن أن يحمل اسمًا آخر ، أمّا الأكثر عنادًا والأكثر شبابا فقد واصلت أوهامها بأن غريقًا ممدّدًا بجانب الأزهار وذا حذاء لامع لايمكن إلا أن يحمل اسمًا رومنطقيًا مثل “لوتارو”.
في الواقع ما قالته أكبرهن كان صحيحًا فلقد كان شكل الميت بلباسه مزريًا حيث كان السروال غير جيد التفصيل فظهر قصيرًا و ضيقًا ، حيث لم تحسن النسوة القياس وكانت الأزرار قد تقطعت وكأن قلب الميت قد عاد للخفقان بقوة..
بعد منتصف الليل هدأت الريحُ ، وسكت البحرُ ، وساد الصمتُ كل شيء . أتفقت النسوة عندها أن الغريق قد يحمل بالفعل اسم إستبان ، ولم تسُدْ الحسرة أية واحدة منهن: اللاتي ألبسن الميّتَ واللاتي سرحن شعره واللاتي قطعن أظافره وغسلن لحيته. لم تشعر واحدة منهن بالندم عندما تركن الجثة ممدّدة على الأرض ، وعندما ذهبت كل واحدة إلى بيتها فكرن كم كان الغريق مسكينًا وكم ظلت مشكلات كبر حجمه تطارده حتى بعد الموت ، لاشك أنه كان ينحني في كل مرة يدخل فيها عبر الأبواب .. لاشك أنه كان يبقي واقفا عند كل زيارة ، هكذا كالغبي، قبل أن تجد ربة البيت له كرسيا يتحمله…ولاشك أن ربةَ البيتِ كانت تتضرع للربّ في كل مرة ألا يتهشم الكرسي. وكان في كل مرة يرد عليها إستبان في ابتسامةٍ تعكس شعوره بالرضا لبقائه واقفا ..لاشك أنه ملّ من تكرر مثل هذه الأحداث ، ولاشك أيضا أن الناس كانوا يقولون له “ابق وأشرب القهوة معنا” ثم بعد أن يذهب معتذرا يتهامسون: “حمدا لله لقد ذهب هذا الأبله”.
هذا ما فكرت فيه النسوة فيما بعد عطفًا على الغريق..
في الفجر، غطت النسوة وجه الميّت خوفًا عليه من أشعة الشمسِ عندما رأين الضعف على وجهه. لقد رأين الغريق ضعيفًا مثل أزواجهن فسقطت أدمع من أعينهن رأفة ورحمة ، وشرعت أصغرهن في النواح فزاد الإحساس بأن الغريق يشبه إستبان أكثر فأكثر..
وزاد البكاء حتى أصبح الغريق أكبر المساكين على وجه الأرض..
عندما عاد الرجال بعد أن تأكدوا من أن الغريق ليس من القرى المجاورة امتزجت السعادة بالدموع على وجوه النسوة.
قالت النسوة: “الحمد لله ، ليس الميت من القرى المجاورة إذا فهو لنا!”..
أعتقد الرجال أن ذلك مجرد رياء من طرف النسوة ، لقد أنهكهم التعب وكان كل همّهم هو التخلص من هذا الدخيل قبل أن تقسو الشمس وقبل أن تشعل الريح نارها. أعدّ الرجال نقالة من بقايا شراع وبعض الأعشاب التي كانوا قد ثبّتوها بألياف البحر لتتحمّل ثقل الغريق حتى الجرف وأرادوا أن يلفّوا حول رِجلي الجثّة مرساة لتنزل دون عائق إلى الأعماق حيث الأسماك العمياء وحيث يموت الغواصون بالنشوة ، لفوا المرساة حتى لا تتمكن التيارات الضالة من العودة به إلى سطح البحر مثلما حدث مع بعض الموتى الآخرين.
ولكن كلّما تعجّل الرجال فيما يبغون كلّما وجدت النسوة وسيلة لضياع الوقت حيث تكاثر الزحام حول الجثة ؛ بعض من النسوة يحاول أن يلبس الميّت “الكتفيّة” حول كتفه اليمين لجلب الحظ حاول بعضٌ آخر أن يضع بوصلة حول رسغه الأيسر، وبعد صراع لغويّ وجسديّ رهيب بين النسوة شرع الرجال ينهرون ويصرخون :” مالهذه الوشايات والفوضى، ماذا تعلقن؟ ألا تعلمن أن أسماك القرش تنتظر الجثّة بفارغ الصبر؟ ما هذه الفوضى، أليس هذا إلا جثّة؟”..
بعدها رفعت امرأة الغطاء عن وجه الميّت فانقطعت أنفاس الرجال دهشة: “إنه إستبان!” لا داعي لتكرار ذلك لقد تعرفوا عليه. من يكون غيره، هل يظن أحد أن الغريق يمكن أن يكون السير والتر روليك على سبيل المثال؟ لو كان ذلك ممكنا فلاشك أنهم سيتخيلون لكنته الأمريكية وسيتخيلون ببغاء فوق كتفه وبندقية قديمة بين يديه يطلق بها النار على أكلة البشر..
لكن الجثة التي أمامهم غير ذلك، إنها من نوع فريد!
إنه إستبان يمتد أمامهم مثل سمكةِ السردين حافي القدمين مرتديًا سروال طفلٍ رضيع ، ثم هذه الأظافر التي لا تُقطع إلا بسكين. بدا الخجل على وجه الغريق ، ما ذنبه المسكين إذا كان طويلاً وثقيلاً وعلى هذا القدر من الجمال؟ لاشك أنه اختار مكانًا آخر للغرق لو عرف ما كان في انتظاره. قال أحد الرجال: “لو كنت محله لربطت عنقي بمرساة قبل أن اقفز من الجرف.. لا شك أنني سأكون قد خلصتكم من كل هذه المتاعب ومن جثتي المزعجة هذه.”
أعد سكان القرية أكبر جنازة يمكن تخيلها لغريقٍ دون هوية. رجعت بعض النسوة اللاتي كن قد ذهبن لإحضار الزهور من القرى المجاورة برفقة أخريات للتأكد من صحة ما سمعن.
عندما تأكدت نساء القرى المجاورة من شكل الغريق ذهبن لإحضار زهور أخرى ورفيقات أخريات حتى ازدحم المكان بالزهور وبالنساء..
في اللحظات الأخيرة تألّم سكانُ القرية من إرسال الغريق إلي البحر مثل اليتيم فاختاروا له أمًا وأبًا من بين خيرتهم وسرعان ما أعلن آخرون أنهم أخوته وآخرون أنهم أعمامه حتى تحول كل سكّان القرية إلى أقارب، وبينما كان الناس يتنافسون في نقل الجثمان فوق أكتافهم عبر المنحدر العسير المؤدّي إلى الجرف لاحظ سكان القرية ضيق شوارعهم وجفاف أرضهم ودناءة أفكارهم مقارنة بجمالِ هذا الغريق.
ألقى الرجال بالجثة عبر الجرف دون مرساة لكي تعود إليهم كيفما تشاء ومسكوا أنفاسهم في تلك اللحظة التي نزل فيها الميت إلى الأعماق ، أحسوا أنهم فقدوا أحد سكّان قريتهم وعرفوا، منذ تلك اللحظة، أن ثمة أشياء كثيرة لابد أن تتغير في قريتهم..
عرفوا أن بيوتهم تحتاج إلى أبواب عالية وأسقف أكثر صلابة ليتمكن شبح إستبان من التجول في القرية ومن دخول بيوتها دون أن تضرب جبهته أعمدة السقف ودون أن يوشوش أحد قائلاً لقد مات الأبله..
منذ ذلك اليوم قرر سكّان القرية دهن بيوتهم بألوان زاهية احترامًا لذكرى إستبان.. سوف ينهكون ظهورهم في حفر الآبار في الصخور وفي زرع الأزهار عبر الأجراف لكي يستيقظ بحارةُ السفنِ المارةِ في فجرِ السنواتِ القادمةِ علي رائحةِ الحدائق ولكي يضطر القبطان للنزول من أعلى السفينةِ حاملاً اسطرلابه ونجمتَه القطبية و يقول مشيرًا إلي الجبلِ الذي ينشر زهورَه الورديةَ نحو الأفق وفي كلّ لغاتِ العالم:
“أنظروا إلى هناك حيث هدوء الريح ِ وحيث ضوء الشمس.
هناك هي قرية إستبان!”.
الموت أقوى من الحب
عندما وجد السيناتور أونيسمو سانشيز المرأة التي انتظرها طوال عمره، كان لا يزال أمامه ستة أشهر وأحد عشر يوماً قبل أن توافيه المنية. وكان قد التقاها في روزال دل فيري، وهي قرية متخيّلة، كانت تستخدم كرصيف ميناء سري لسفن المهربين في الليل، أما في وضح النهار، فكانت أشبه بمنفذ لا فائدة منه يفضي إلى الصحراء، وتواجه بحراً قاحلاً لا اتجاه له، وكانت قرية نائية وبعيدة عن أي شيء، إلى درجة أن أحداً لم يكن يتوقع أن يكون بوسع أي انسان أن يغيّر مصير أي فرد من سكانها. حتى أن اسمها كان يثير الضحك نوعا ما، وذلك لأن الوردة الوحيدة الموجودة في تلك القرية كان يضعها السيناتور أونيسمو سانشيز في سترته عصر ذلك اليوم الذي التقى فيه لورا فارينا.
وكانت كذلك محطة إجبارية في الحملة الانتخابية التي كان يقوم بها السيناتور كلّ أربع سنوات. فقد كانت عربات الكرنفال قد وصلت في الصباح الباكر، ثم تبعتها الشاحنات التي تقل الهنود الذين كانوا يُستأجرون ويُنقلون إلى المدن الصغيرة لزيادة عدد الحشود في الاحتفالات العامة وتضخيمها. وقبل الساعة الحادية عشرة بقليل، وصلت السيارة التابعة للوزارة التي يشبه لونها لون مشروب الفراولة الغازي، بالإضافة إلى السيارات التي تقل الموسيقيين، والألعاب النارية، وسيارات الجيب التي تقل أفراد الحاشية. أما السيناتور أونيسمو سانشيز، فكان يجلس مسترخياً في سيارته المكيّفة، لكنه ما أن فتح باب السيارة، حتى هبّت عليه نفحة قوية من اللهب، وعلى الفور تبلل قميصه المصنوع من الحرير الصافي، وأصبح وكأنه قد غمس في حساء فاتح اللون، واعتراه شعور بأنه كبر عدة سنوات، وأحس بالوحدة على نحو لم يشعر به من قبل. في الحياة الحقيقية، كان قد بلغ الثانية والأربعين من العمر، وكان قد تخرّج من جامعة غوتينجين بدرجة شرف كمهندس في استخراج المعادن. كان قارئاً نهماً للأعمال الكلاسيكية اللاتينية المترجمة ترجمة ركيكة. وكان السيناتور زوج امرأة ألمانية متألقة أنجبت له خمسة أطفال، وكانوا جميعهم يعيشون بسعادة في بيتهم، وكان هو أكثرهم سعادة إلى أن أخبروه، منذ ثلاثة أشهر، بأنه سيموت ميتة أبدية قبل أن يحل عيد الميلاد القادم.
وفيما كانت التحضيرات للاجتماع الحاشد على وشك أن تُستكمل، تمكّن السيناتور من الاختلاء بنفسه لمدة ساعة في البيت الذي كانوا قد أعدّوه له ليرتاح فيه. وقبل أن يتمدد على الفراش، وضع الوردة التي حافظ عليها طوال رحلته عبر الصحراء في كأس مليء بمياه الشرب، وابتلع الحبوب التي أخذها معه ليتحاشى تناول قطع لحم العنز المقلّي التي كانت تنتظره أثناء النهار، وتناول عدّة حبوب مسكّنة قبل وقتها المحدد خشية أن يعتريه الألم. ثم وضع المروحة الكهربائية قرب الأرجوحة واستلقى عارياً لمدة خمس عشرة دقيقة في ظلّ الوردة، وبذل جهداً كبيراً كي يبعد فكرة الموت عنه كي يغفو قليلاً. وفيما عدا الأطباء، لم يكن أحد يعرف أن أمامه أياماً معدودات سيعيشها، لأنه قرّر أن يبقي سرّه طي الكتمان، وأن لا يغيّر شيئاً في حياته، لا بدافع من الكبرياء، بل بسبب الخجل والخزي.
أحسّ أنه يمتلك زمام أموره عندما خرج للقاء الجمهور للمرة الثانية في الساعة الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم، مرتاحاً ونظيفاً، وهو يرتدي بنطالاً من الكتّان الخشن، وقميصاً مزّهراً، وكانت الحبوب المضادة للألم قد ساعدته في إضفاء شيء من السكينة على روحه. غير أن التآكل الذي كان الموت يحدثه فيه أكثر خبثاً مما كان يظن، لأنه ما أن صعد إلى المنصة، حتى اعتراه شعور غريب بالازدراء للذين كانوا يسعون جاهدين لأن يحظوا بشرف مصافحته، ولم يشعر بالأسف، كما في السابق، على جموع الهنود الذين قلما كان بوسعهم تحمّل جمرات نترات البوتاسيوم الملتهبة تحت أقدامهم الحافية في الساحة الصغيرة المجدبة. وبحركة من يده أوقف التصفيق، بغضب تقريباً، وبدأ يتكلم دون أن تبدو على وجهه أية تعابير محددة. وكانت عيناه مثبتتين على البحر الذي كان يئن تحت وطأة لهيب الحرارة. وكان صوته العميق الموزون يشبه المياه الراكدة، لكنه كان يعرف أنه لم يكن يقول الصدق في الخطاب الذي كان قد حفظه عن ظهر قلب، والذي كان قد ألقاه أمام الجموع مرات كثيرة، بل كان يناقض أقوال ماركوس أوريليوس صاحب النزعة الجبرية في كتاب تأملاته الرابع.
"إننا هنا لكي نلحق الهزيمة بالطبيعة"، بدأ خطابه بخلاف كلّ قناعاته. " لن نصبح لقطاء في بلدنا بعد الآن، أيتام الله في عالم العطش والمناخ الرديء، منفيين في أرض آبائنا وأجدادنا. بل سنكون أناساً مختلفين، أيها السيدات والسادة، سنكون أناساً عظماء وسعداء".
كان ثمة نمط معين في هذا السيرك الذي يقوم به. ففيما كان يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة المنتصبة من ألواح خشبية، وتطير باتجاه البحر. وفي الوقت نفسه، كان رجال آخرون يفرغون بعض جذوع الأشجار من الشاحنات، ويغرسونها في تربة نترات البوتاسيوم وراء الجموع الحاشدة. وكانوا قد أقاموا واجهة كرتونية من بيوت خيالية من الآجر الأحمر ذات نوافذ زجاجية، وأخفوا وراءها الأكواخ الحقيقية البائسة.
أطال السيناتور خطابه مستشهداً باقتباسين اثنين باللغة اللاتينية ليطيل أمد المهزلة. ووعد الحشد بآلات تصنع المطر، وبأجهزة نقّالة لتربية حيوانات المائدة، وبزيوت السعادة التي تجعل الخضراوات تنمو في تربة نترات البوتاسيوم، وبشتلات من أزهار الثالوث المزروعة في أصص. وعندما رأى أنه استطاع أن يخلق عالمه الخيالي، أشار إليه بيده، وصاح بأعلى صوته: "ذاك الدرب سيكون دربنا، أيها السيدات والسادة. انظروا! ذاك الدرب سيكون لنا".
التفت الحشد. كانت سفينة مصنوعة من الورق الملّون تعبر وراء البيوت، وكانت أطول من أعلى بيت في المدينة الاصطناعية. وعندها لاحظ السيناتور، أنها بعد أن شُيدت وأُنزلت وحُملت من مكان إلى مكان آخر، التهم الطقس الشنيع البلدة الكرتونية المتداخلة، وكادت تصبح سيئة كما هو حال قرية روزال دل فيري.
وللمرة الأولى منذ اثتني عشرة سنة، لم يتوجه نلسن فارينا ليرحب بالسيناتور. بل كان يستمع إلى خطاب السيناتور وهو مستلق على أرجوحته في ما تبقى من قيلولته، تحت ظلال عريشة البيت ذي الألواح غير المستوية، الذي بناه بيديّ الصيدلي اللتين جرّ فيهما زوجته الأولى والتي قطعّها إلى أشلاء. ثم هرب من جزيرة الشيطان، وظهر في روزال ديل فيري على متن سفينة محمّلة بببغاوات بريئة من نوع المقو، برفقة امرأة سوداء جميلة كافرة، كان قد التقى بها في باراماريبو وأنجب منها فتاة. لكن المرأة ماتت لأسباب طبيعية بعد فترة قصيرة، ولم تلق مصير المرأة الأخرى، التي ساهمت أعضاؤها المقطعّة إرباً في تسميد قطعة الأرض المزروعة بالقنبيط، بل ووريت التراب بكامل جسدها، محتفظة باسمها الهولندي، في المقبرة المحلية. وقد ورثت الابنة لون أمها وقوامها الجميل، فضلاً عن عينيّ أبيها الصفراوين المندهشتين، وكان يحق له أن يعتقد أنه كان يربّي أجمل امرأة في العالم.
ومنذ أن اجتمع بالسيناتور أونيسمو سانشيز خلال حملته الانتخابية الأولى، طلب منه نلسن فارينا أن يساعده في الحصول على بطاقة هوية مزورة تجعله في منأى عن قبضة القانون. إلا أن السيناتور رفض بطريقة ودّية، ولكن حازمة. غير أن نلسن فارينا لم يستسلم، بل ظل ولسنوات عديدة، وكلما أتيحت له الفرصة، يكرّر طلبه بأساليب مختلفة. أما هذه المرة، فقد بقي في أرجوحته، وقد كتب عليه أن يتعفّن حياً في عرين القراصنة اللاهب ذاك. وعندما سمع التصفيق الأخير، رفع رأسه، وأخذ يتطلع من فوق ألواح السياج، ورأى الجانب الخلفي من المهزلة: الدعائم التي أُحضرت للمباني، جذوع الأشجار، والمخادعين المتوارين الذين يدفعون السفينة فوق المحيط. ثم بصق بإحساس مفعم بالحقد والازدراء.
وبعد أن ألقى كلمته، أخذ السيناتور كدأبه يجوب شوارع القرية وسط أنغام الموسيقى والأسهم النارية، وقد تحلّق حوله سكان القرية، الذين راحوا يبثون له شكاويهم ومشاكلهم. وكان السيناتور يصغي إليهم باهتمام وود شديدين ولم يكن يتورع عن مواساة كلّ فرد منهم، دون أن يقدم لأي منهم أي خدمات هامة. وتمكنت امرأة تقف على سطح أحد المنازل مع أطفالها الستة الصغار من أن تُسمعه صوتها وسط الضجيج وأصوات الأسهم النارية.
"إني لا أطلب الكثير، أيها السيناتور"، قالت"، "حمار واحد فقط لأتمكن من سحب الماء من بئر الرجل المشنوق".
لاحظ السيناتور الأطفال النحاف الستة وسألها: "ماذا حدث لزوجك؟"
"ذهب يبحث عن الثروة في جزيرة أروبا"، أجابت المرأة بروح دمثة، "وعثر على امرأة أجنبية، من النوع الذي يضع الماس في أسنانهن".
أحدث الجواب عاصفة من الضحك.
"حسناً، قرّر السيناتور، " ستحصلين على حمارك".
وما هي إلا لحظات، حتى أحضر أحد مساعديه حماراً مزوداً بسرج جيد إلى بيت المرأة، وقد دُوِّن على كفله شعار من شعارات الحملة الانتخابية بطلاء لا يمكن إزالته لكي لا ينسى أحد أبداً أنه هدية من السيناتور.
وعلى امتداد الشارع القصير، قام ببعض الأعمال الصغيرة الأخرى، بل وحتى قدم ملعقة دواء للرجل المريض الذي أمر بإخراج سريره ووضعه عند باب بيته كي يتمكن من رؤية السيناتور عندما يمرّ.
في الزاوية الأخيرة تلك، ومن خلال ألواح السياج، رأى نلسن فارينا وهو مستلق في أرجوحته، وقد بدا شاحباً وكئيباً، لكن ومع ذلك، حيّاه السيناتور دون أن يبدي له أية مشاعر بالمودّة.
"مرحباً، كيف حالك؟"
التفت نلسن فارينا من فوق أرجوحته ورمقه بنظرته المفعمة بالارتياب والغّل.
"أنا، كما تعرف"، قال.
خرجت ابنته إلى الباحة عندما سمعت التحية.
كانت ترتدي فستاناً هندياً رخيصاً من نوع غواجيرو، وكانت تزّين رأسها أقواس ملوّنة، وكانت قد دهنت وجهها بأصباغ لتقيه من أشعة الشمس. إلا أنه، حتى في وضعها السيئ ذاك، يستطيع المرء أن يتصور أنه لا توجد امرأة أخرى في جمالها على وجه البسيطة كلها. وقف السيناتور منقطع الأنفاس وقال بدهشة: "اللعنة. يفعل الله أكثر الأشياء جنوناً".
في تلك الليلة، جعل نلسن فارينا ابنته ترتدي أجمل ثيابها، وبعث بها إلى السيناتور. وطلب منها الحارسان المسلحان بالبنادق اللذان كانا يهزان رأسيهما من شدة الحرارة في البيت المستعار، أن تنتظر على الكرسي الوحيد في الردهة.
كان السيناتور يعقد في الغرفة المجاورة اجتماعاً مع أناس على قدر من الأهمية في روزال دل فالي، الذين كان قد جمعهم لينشد على مسامعهم الحقائق التي لم يكن قد ذكرها في خطابه، والذين كانوا يشبهون إلى درجة كبيرة جميع من كان يلتقي بهم في البلدات الصحراوية كلها. وكان قد بدأ يعتري السيناتور الملل ويشعر بالتعب من تلك الجلسات الليلية التي لم تكن تتوقف. كان قميصه مبللاً بالعرق، وكان يحاول أن يجففه على جسده من التيار الحار المنبعث من المروحة الكهربائية التي كانت تصدر طنيناً كطنين ذبابة الفرس في وسط الحرارة اللاهبة التي تغمر الغرفة.
قال: "بالطبع لا نستطيع أن نأكل طيوراً ورقية" ثم أضاف: "إنكم تعرفون، وأنا أعرف أن اليوم الذي ستنمو فيه الأشجار والأزهار في كومة روث العنزات هذه، وفي اليوم الذي سيحل سمك الشابل محل الديدان في برك الماء، عندها، لن يعود لكم، ولن يعود لي شيء هنا، هل تفهمون ما أقوله لكم؟"
لم يحر أحد جواباً. وفيما كان السيناتور يتكلم، مزّق صفحة من التقويم، وشكّل منها بيديه فراشة ورقية، ثم ألقاها نحو تيار الهواء المنبعث من المروحة، فراحت الفراشة تتطاير حول الغرفة، ثم خرجت وانسلت عبر شق الباب الموارب. وتابع السيناتور كلامه، بعد أن تمالك نفسه، يساعده في ذلك الموت المتواطئ معه.
وأضاف: "لذلك، لا يتعين عليّ أن أكرّر على أسماعكم ما تعرفونه جيداً: بأن انتخابي مرة أخرى هو لمصلحتكم أنتم أكثر مما هو لمصلحتي أنا، لأني سئمت المياه الراكدة وعرق الهنود، في الوقت الذي تكسبون فيه أنتم، أيها الناس، رزقكم منه".
رأت لورا فارينا الفراشة الورقية وهي تنسرب من باب الغرفة. رأتها فقط لأن الحارسين في البهو كانا يغطان في النوم وهما جالسين على الدرج، يعانق كل منهما بندقيته. وبعد أن دارت عدة دورات، انفتحت الفراشة المثنية بكاملها، وارتطمت بالحائط، والتصقت به. حاولت لورا فارينا أن تقتلعها بأظافرها. إلا أن أحد الحارسين، الذي استيقظ على صوت تصفيق منبعث من الغرفة المجاورة، لاحظ محاولتها العقيمة.
"لا يمكنك اقتلاعها"، قال بفتور، "إنها مرسومة على الحائط". عادت لورا فارينا وجلست عندما بدأ الرجال يخرجون من الاجتماع. وقف السيناتور عند مدخل الغرفة ويده على المزلاج. ولم يلحظ لورا فارينا إلا عندما أضحت الردهة خاوية.
"ماذا تفعلين هنا؟"
قالت: "لقد أرسلني أبي".
فهم السيناتور . أمعن النظر في الحارسين النائمين، ثم تمعّن في لورا فارينا، التي كان جمالها الفائق يفوق ألمه، وهنا عرف أن الموت هو الذي اتخذ قراره نيابة عنه.
"ادخلي" قال لها.
وقفت لورا فارينا والدهشة تعتريها عند مدخل الغرفة: كانت آلاف من الأوراق النقدية تتطاير في الهواء، تخفق كالفراشات. لكن السيناتور أطفأ المروحة، فتوقفت عن السباحة في الهواء وأخذت تتهاوى وتتساقط فوق قطع الأثاث في الغرفة.
"كما ترين"، قال مبتسماً، " حتى الخراء يمكن أن يطير".
جلست لورا فارينا على المقعد المدرسي. كانت بشرتها ناعمة ومشدودة، وبلون النفط الخام وكثافته، وكان شعرها مثل عرف فرس صغيرة، وكانت عيناها الواسعتان تمنحان بريقاً أكثر لمعاناً من وهج الضوء. وتبع السيناتور مسار نظرتها ووجد أخيراً الوردة التي تلوثت بنترات البوتاسيوم.
قال: "إنها وردة".
"نعم" قالت وفي صوتها نبرة ارتباك. "لقد شاهدتها عندما كنت في ريوهاتشا".
جلس السيناتور على السرير العسكري، وراح يتحدث عن الورود فيما بدأ يفك أزرار قميصه. وعلى الجانب الذي كان يخيّل إليه أن قلبه موجود فيه داخل صدره، كان قد رُسم وشم في شكل قلب يخترقه سهم. ألقى القميص المبلل على الأرض وطلب من لورا فارينا أن تساعده في خلع حذائه الطويل.
جثت أمام السرير. لم يبعد السيناتور عينيه عنها وهو يتمعن فيها بدقّة، وفيما كانت تفكّ رباط حذائه، كان يتساءل من منهما سيكون سيء الحظ من لقائهما هذا.
قال: "إنك مجرد طفلة".
قالت: "قد لا تصدق. سأبلغ التاسعة عشرة من عمري في شهر نيسان القادم". أبدى السيناتور مزيداً من الاهتمام.
"في أيّ يوم؟"
قالت: "في اليوم الحادي عشر".
أحس السيناتور بأنه أصبح أفضل حالاً، ثم قال: " ننتمي كلانا إلى برج الحمل"، ثم أضاف مبتسماً:
"إنه برج العزلة".
لم تكن لورا فارينا تبدي اهتماماً بما كان يقوله لأنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بالحذاء. أما السيناتور، فلم يكن يعرف ماذا يفعل بلورا فارينا، لأنه لم يكن قد اعتاد مثل علاقات الحبّ المفاجئة هذه، كما أنه كان يعرف أن أصل هذه العلاقة يعود إلى الذل والمهانة. ولكي يتاح له قليل من الوقت للتفكير، أمسك لورا فارينا بإحكام بين ركبتيه، وضمها حول خصرها، واستلقى على ظهره فوق السرير. ثم أدرك أنها كانت عارية تحت ثيابها، بعد أن انبعثت من جسدها رائحة قوية من عطر حيوان الغابة، لكن قلبها كان واجفاً، وكسا جلدها عرق جليدي.
"لا أحد يحبّنا"، قال متنهداً.
حاولت لورا فارينا أن تقول شيئاً، لكن لم يكن لديها من الهواء سوى قدر يكفيها كي تتنفس. جعلها تستلقي بجانبه ليساعدها، وأطفأ الضوء وأصبحت الغرفة في ظلّ الوردة. استسلمت إلى رحمة قدرها. وراح السيناتور يداعبها ببطء، يسعى إليها بيده، يلمسها لمساً خفيفاً، لكنه صادف شيئاً حديدياً يعوق طريقه في البقعة التي كان يسعى إليها.
"ماذا تضعين هناك؟"
قالت: "قفل".
"لماذا بحق السماء!" قال السيناتور غاضباً وسأل عن الشيء الذي يعرفه جيداً. "أين المفتاح؟"
تنفست لورا فارينا الصعداء.
أجابت: "إنه موجود عند أبي"، وأضافت: "لقد طلب مني أن أخبرك بأن ترسل أحداً من رجالك للحصول عليه، وأن ترسل معه وعداً خطياً بأنك ستحلّ مشكلته".
ازداد السيناتور توتراً. ودمدم ساخطاً: "يا له من ضفدع ابن زنى". ثم أغمض عينيه ليسترخي وألقى بنفسه في الظلام. تذكّر، تذكّر، سواء كنت أنت أو شخصاً آخر، فلن تمضي في هذه الحياة فترة طويلة وستموت حتى لن يبقى أحد يلهج باسمك.
انتظر حتى تلاشت القشعريرة التي اعترته.
سألها: "قولي لي شيئاً واحداً: ماذا سمعت عني؟"
"هل تريد أن أقول الحق؟"
"الحق".
قالت لورا فارينا: "حسناً، إنهم يقولون إنك أسوأ من الآخرين لأنك مختلف".
لم ينزعج السيناتور. لاذ بالصمت لفترة طويلة وهو مغمض العينين. وعندما فتحهما ثانية، بدا أنه أفاق من أكثر غرائزه المثيرة للخوف.
ثم قرّر: "أوه، بحقّ السماء، قولي لأبيك ابن العاهرة بأنني سأحلّ مشكلته".
"إذا أردت، يمكنني أن أذهب وأجلب المفتاح بنفسي"، قالت لورا فارينا، لكن السيناتور أوقفها.
قال: "انسِ أمر المفتاح، ونامي قليلاً معي. جميل أن يكون بصحبة المرء أحد عندما يكون وحيداً تماماً".
ثم وضعت رأسه على كتفها، وعيناها مثبتتان على الوردة. طوّق السيناتور خصرها بذراعيه، ودفن وجهه في إبطها الذي تفوح منه رائحة حيوان الغابة، واستسلم للرعب. وبعد ستة أشهر وأحد عشر يوماً مات وهو في تلك الوضعية ذاتها، مُحتقراً ومُهاناً بسبب الفضيحة التي شاعت بأنه كان مع لورا فارينا وكان يبكي بحرقة لأنه مات بدونها
السبت، 10 مايو 2014
أغرب كتاب في العالم...... من مدونة Prometheus
الأربعاء، 7 مايو 2014
قراءة في كتاب وعاظ السلاطين.......مدونة :مذكرات مرتضى
كتاب وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي هو عبارة عن نظرة تحليلية في الفكر الأسلامي في ضوء المنطق الحديث. الكتاب (جيد) بشكل عام وسهل القراءة. لدي الكثير من التساؤلات حول صحة بعض الأدلة التي استشهد بها الكاتب في بعض نقاطه، لأني ارى أولاً بأن دراسة التاريخ (خاصة التاريخ الأسلامي) مليئة بالكثير من الرويات المشكوك في صحتها، وثانياً ارى بضرورة دراسة المكان والزمان والحالة الاجتماعية لفهم اي حدث تاريخي في السابق. وهما نقطتان في الحقيقة تحدث عنهم الدكتور الوردي لكني ارى غياب تطبيقه لهما في بعض النقاط. على اية حال، هذا أول كتاب قرأته للدكتور الوردي وسيكون بوابة للقراءة في العديد من كتبه الأخرى.
يتحدث الكتاب عن عدة نقاط رئيسية: الوعظ والصراع النفسي، الوعظ وازدواج الشخصية، الوعظ وإصلاح المجتمع ثم يتطرق بعدها لشخصيات وقضايا تاريخية كـ(مشكلة السلف الصالح، وعبدالله بن سبأ، وقضية الشيعة والسنة،...)
اليكم تلخيص بعض فصول الكتاب:
الفصل الأول: ( الوعظ والصراع النفسي)
ينتقد الكاتب اسلوب الوعظ الأفلاطوني الذي يدعو الانسان إلى كماليات تتناقض مع طبيعته البشرية، مما يؤدي به إلى ازدواجية الشخصية ، فهو يشعر بأن عليه ان يداري الواعظ لكي لا يشعر بالذنب، وفي نفس الوقت، فأنه يشعر بحاجة لمسايرة نفسه ورغباتها الطبيعية. وهنا يتطرق الدكتور الوردي إلى نقطة جميلة وهي: أن الوعظ المجرد الذي لا تتخلله دراسه تحليلية للأنسان وحالته، وعاداته السابقه، فأنه وعظ لا يؤدي إلى تغيير حقيقي، وأنما إلى حالة شعورية فقط، تنتهي بأنتهاء الواعظ من الكلام.
يقول الدكتور الوردي: "والمشكلة الكبرى آتيه من كون الإنسان لا يستطيع أن يترك عاداته واعتباراته القديمة بإرادته واختياره. فهذه العادات والاعتبارات مغروزة في أعماق عقله الباطن، ولذا فهو يتأثر بها ويندفع بتيارها اندفاعاً لا شعورياً لا سيطرة للتفكير أو المنطق أو الإرادة عليه"
الفصل الثاني: (الوعظ وازدواجية الشخصية)
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن ازدواجية الواعظ نفسه، فهو أولاً يستخدم مهنة الوعظ كمكانة أجتماعية وفي نفس الوقت، فهو يدعو إلى قيم وكماليات لا يقوم بها أصلاً. فالواعظ مثلاً في الدولة العباسية، يدعو إلى قطع يد كل سارق، لكنه في نفس الوقت، يقبل يد السلطان العباسي الذي ينهب اموال المسلمين. فالواعظ، لا يمارس مهنته إلا على الضعفاء والمساكين، الذين لا سلطان لهم ولا معين، ويترك السلطان يلعب بفسقه ومعصيته.
الفصل الثالث: ( الوعظ واصلاح المجتمع)
يؤمن الدكتور الوردي بأن اسلوب الوعظ الأفلاطوني هو اقل الاساليب فعالية في إصلاح المجتمع، فالواعظ الذي يفتقر إلى قدرته التحليليه، ويمتاز بقدرته الكلاميه، يصنع حالة تناقض في المجتمع. يقول الوردي: "أما وعاظنا فقد أنذروا بعذاب الله كل من يحب أو يرقص حت لو كان كالطير.. يرقص مذبوحاً من الألم. وتراهم يأمرون الناس بالتزام الوقار والسكينة وخمود الأنفاس- غير دارين بأن هذا الوقار المصطنع سوف يخفي وراءه رقصاً نفسياً من طراز خبيث"
الفصل الرابع: (السلف الصالح)
يقول الدكتور الرودي: "يريد الواعظون أن يرجعوا أن يرجعوا بالأمة إلى صدر الإسلام, وهذا منطق سخيف حسب تعبيره. فالمسلمون نجحوا ثم فشلوا وليس لنا إلا أن ندرس عبرة النجاح والفشل في تاريخهم لكي نتعض بها .المسلمون الأولون كانوا بشراً كغيرهم من الناس لاملائكة من الله إذ تنطبق عليهم النواميس الإجتماعية وتجرفهم في تيارها أرادوا ذلك أم كرهوا." وهنا يتحدث الكاتب عن طريقة استخدام (السلف الصالح) لدى الكثير من الوعاظ، فالواعظ يطالب الناس بالتشبه والامتثال للسلف الصالح الذي يتسم بالكمال المطلق، وهنا يشعر الناس بفجوة بين واقعهم وواقع السلف الصالح، وذلك لأنهم يشعرون بأن السلف الصالح ملائكة من الله، يختلف واقعهم عن واقعنا اليوم.
الفصل الخامس: (عبدالله ابن سبأ)
يعتقد الدكتور الوردي بأن عبدالله بن سبأ هو شخصية وهمية، لا حقيقة لها في التاريخ، وانما صنعها المخترعون لحاجة في أنفسهم، او لكي يضعو على عاتقه الاتهامات والفساد. يعتقد الدكتور الوردي : " إن عبدالله بن سبأ موجود في كل زمان ومكان. فكل حركة جديدة يكمن وراءها ابن سبأ. فإن هي نجحت اختفى اسم ابن سبأ من تاريخها وأصبحت حركة فضلى. أما إذا فشلت فالبلاء نازل على رأس ابن سبأ.. وانهالت الصفعات عليه من كل جانب"
الفصل الحادي عشر: (قضية الشيعة والسنة)
يتحدث الدكتور الوردي في هذا الفصل عن قضية حساسة في العالم العربي، وهي قضية الشيعة والسنة. الدكتور علي الوردي يرى بأن النزاع بين الطائفتين، هو نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق. وهو يرى بأن الصراع نشأ لتحقيق أهداف سياسية بحته، فالسلطان، حينما يشغل العامة بأمور الاختلاف، فأنهم لا يمتلكون الوقت لمكاشفة اخطائه وفسقه. يقول الدكتور الرودي:"إن رجال الدين من الشيعة وأهل السنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر إلى مساوئ خصمه، وكل حزب بما لديهم فرحون. قد يستغرب القارئ، إذا علم بأن كلتا الطائفتين كانتا في أول الأمر من حزب واحد، وإن الذين فرقوا بينهما هم السلاطين ووعاظ السلاطين"
اقتباسات اخترتها من الكتاب:
"إن المرضى الذين عالجهم فرويد كان أغلبهم من النساء. وقد وجد فرويد أن سبب ذلك يعود إلى أن المرأة كانت في ذلك الحين واقعة بين دافعين متعاكسين. فهي كانت تؤمن بأن الرغبة الجنسية إثم كبير بنما هي كانت، من الجهة الأخرى، مندفعة نحو إشباع تلك الرغبة اندفاعاً لا شعورياً عنيفاً"
"إن كل فجوة نفسية بين الحاكم والمحكوم تؤدي حتماً إلى الثورة مالم تستأصل في وقت قريب"
"كان الناس في ذلك الحين مصابين بداء الصراع النفسي بشكل عنيف. فهم كانوا بدواً في أعماق نفوسهم. وكان يطالبون الحكام بإتباع تعاليم الإسلام. وبعبارة أخرى: كانت قلوبهم بدوية وألسنتهم اسلامية. فكانوا يطالبون الحاكم بالعدل والماساوة بينما هم كانو في واقع أمرهم كغيرهم من أبناء القبائل أولي كبرياء وتفاخر بالأنساب والأحساب. وكان الفرد آنذاك يحتج على الحكام بالحجة الدينية ثم يثور عليهم بالسيف البدوي."
"إن الأمصار التي أسسها العرب في صدر الإسلام كانت، كما أشار البروفسور جب، موطناً لنوعين: فاتحين يحملون السيف، وواعظين يحلمون القرآن."
"إن قولك للظالم أن يكون عادلاً كقولك للمجنون أن يكون عاقلاً."
"أن الزعامة ظاهرة اجتماعية، تنبعث من المجتمع وتنمو به. ولن تجد زعيماً يظهر في مجتمع لا يقدره."
"إن السبب والنتيجة يتفاعلان هنا تفاعلاً متسلسلاً- على حد تعبير علماء الذرة. وإذا أردت أن تفهم سر الزعامة في أحد الرجال، فاسأل عن شخصيته من جهة وعن تقدير الناس له من الجهة الأخرى."
"إن الوعظ يجعل الناس شديديين في نقد غيرهم، فالمقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من أفواه الواعظ عالية جداً. وهم لا يستطيعون تطبيقها على أنفسهم فيلجأون إلى تطبيقها على غيرهم، ولذا يكون نقدهم شديداً"
"أن المنطق الحديث يدعي (منطق التناقض). فكل شيء يحمل نقيضه في صميم تكوينه. وهو لا يكاد ينمو حتى ينمو نقيضه معه. وبذا يصير الشر خيراً بمجرد نموه وتحركه"
"إنها في الحقيقة مشكلة ذات حدين، أو هي (Dilemma) كما يسميها علماء الاجتماع. فالمجتمع البشري واقف بين أمرين متناقضين. فهو إما أن يسير في طريق الخضوع والجمود أو يسير في طريق الخلاف والتجدد. والمجتمع الناجح هو ذلك المجتمع الذي أستطاع ان يجد له طريقاً وسطاً، إذ يسمح لقوى التجديد بالافصاح عن نفسها بطريقة سلمية هادئة. وهذا ماتحاول الأمم الحديثة ان تسير عليه.."
"فليس من المعقول أن ينفي الانسان قلبه فجأة من العقد النفسية والقيم الاجتماعية، ويصبح ملاكاً طاهراً بمجرد قوله: لا إله إلا الله."
"يشرع البرفسور نيكلسون بالبحث قائلاً: (... إن سلوك الأمويين الغير الديني أثار سؤالاً حول ماإذا كان الأمويين الذين دخلو الاسلام في الساعة الحادثة عشر لا يزالون وثنيين في أعماق قلوبهم؟)"
"أن دين المواساة الذي جاء به محمد بن عبد الله، دفن مع علي بن أبي طالب في قبره."
"يقول المؤرخين أن الجيش الأموي الفاتح عندما دخل المدينة بعد واقعة الحره أباحها ثلاثة أيام (فاستعرض أهل المدينة بالسيف جزراَ كما يجزر القصاب الغنم حتى ساخت الأقدام في الدم وقتل أبناء المهاجرين واأنصار)"
"ولكن التفاضل بين الأشخاص لا يقاس بمقياس واحد. فرب غالب في مقياس هو مغلوب في مقياس آخر. ومشكلة بعض الباحثيين أنهم يدرسون التاريخ في ضوء المنطق القديم الذي يؤمن بالحقيقة والمقياس المطلق."
"ويصح أن نقول: بأن جدل الباحثيين هو جدل في المقاييس والقيم أكثر مما هو جدل في الحقائق والفضائل."
"إننا نظلم علياً حين نقيسه بمقياس معاوية. فمعاوية رجل من دهاقين السياسة ودهاتها. ولنا أن نفضله على غيره حسب هذا المقياس. أما علي فكان له مقياس آخر يختلف عن مقياس معاوية أختلافاً أساسياً."
"يعتقد ماربين، المستشرق الألماني، أن الحسين أراد بخروجه النصر الآجل الذي يأتي بعد الموت، فالحسين قد أدرك صعوبة النصر العاجل في حياته فآثر أن يستشهد لكي ينال النصر بعد وفاته."
"يقول (ابن خلدون): "أن الحسين غلط في أمر خروجه على حكم يزيد الذي كان مؤيداً بعصبية قريش" وابن خلدون يستند في هذا على نظريته الاجتماعية في العصبية. فهو يعتقد أن الحق من غير قوة تسنده لا خير فيه. والواجب على صاحب الحق، في نظر ابن خلدون، ان ينظر في قوته وعصبيته فإذا وجدها كافية نهض بها. أما إذا كانت غير كافية فالسكوت عليه واجب."
يقول العقاد: "انهزم الحسين في يوم كربلاء وأصيب هو وذووه من بعده. ولكنه ترك الدعوة التي قام بها ملك العباسيين والفاطميين، وتعلل بها أناس من الأيوبيين والعثمانيين، واستظل بها الملوك والأمراء بين العرب والفرس والهنود، ومثل للناس في حلة من النور تخشع الأبصار. وباء بالفخر الذي لا فخر مثله في تورايخ بني الانسان.
"أن الحق والباطل، في نظر المنطق الحديث، أمران اعتباريان، والنزاع فيهما هو في أساسه نزاع على المقاييس أكثر منه نزاعاً على الحقائق"
ملاحظة : الكتاب جريء ويتجاوز بعض الخطوط الحمراء فيما يتعلق ببعض الحقائق للمذهبين السني والشيعي. تلخيصي للكتابة لا يعني بأني متفق مع الكاتب في كل النقاط التي طرحها. هنالك الكثير من الآراء التي اراها سطحية جداً في الكتاب، وناقصة، وهناك العديد من القضايا التي اراها جميلة ودقيقة.
الأربعاء، 23 أبريل 2014
عيسى الجرموني ..الصوت الذي زلزل أوبيرا باريس
نلج من باب الساعة الزمنية لكي ترمي بنا في أحضان سنوات الطبيعة العذراء التي لم تقترف إثم التحضر الصاخب ولم تعرف طعم عبودية التكنولوجيا الحديثة، زمان كانت فيه الحنجرة وسيلة للدلالة على المكنونات بعيدا عن آلات الطرب وهز البطن، حنجرة رافقتها "القصبة" كتوأم لها رسمت بذلك للغناء باللهجة "الشاوية" طريقا سارت عليه الأجيال تباعا ألى حد الساعة، فنان مازال صدى صوته يصل إلى عنان السماء كلما تفقدنا مكتبة الفن الأصيل، تبتهج صفحات مجلتنا فرحا وهي تحتضن ابنا بارا لفنه ولوطنيته من "الأوراس" كان ولايزال صوتا مدويا دوي أول رصاصة ضد الاستعمار، تخاطبت أحرف الأبجدية فيه فيما بينها واتفقت على أن يكون اسما على وزن "عيسى الجرموني".
كانت "سيدي رغيس" بعين البيضاء ولاية أم البواقي سنة 1886 شاهدة على مولود اسمه "مرزوقي عيسى بن رابح" الذي لقب فيما بعد "الجرموني"، طفل صغير تربى في أحضان البادية والطبيعة العذراء، صنعت منه فنانا بقي يلامس قمة الشهرة إلى اليوم بالرغم من السنين الطويلة وويلات الحضارة والتمدن، يحن إليه الكثير ممن عاصروه، فقد كان المؤنس لهم في تلك الفترة سواء للمحب أو العاشق الولهان أو المظلوم، وغيرهم. ولما كان الخلود لله الواحد كانت سنة 1946 نهاية الستين سنة التي عاشها والتي كانت فترة خالدة لفنان نكتب اسمه اليوم في قائمة الخالدين بعطائهم الفني الأصيل، تحن اليه مناطق الأوراس وكل دور الشاوية، والجزائر اليوم ونحن نجوب مكتباتها الفنية والغنائية ورائحة الأصالة تفوح منها، فأف على زمن اليوم الذي طمس معالم أثرية من أمثال "الجوموني" وغيره.
رحل إلى الأبد تاركا وراءه أسطوانات من ذهب لو وزنت إلى جانب فن اليوم لتطايرت من حولها ويكفي "الفوشي" و"عين الكرمة " فخرا لها وهي تجوب بجمالها وأناقة كلماتها بهو الفن الراقي وأصالة فن السراوي.
"الثائر قبل غيره ضد الإستعمار"
قبل الحديث عن حنجرته التي صنعت منه المطرب الأول في الأوراس ، وجب علينا أن نتحدث على شهامته وكبريائه اللذين لم يسقطا أرضا حتى في زمن المستعمر الفرنسي، فقد كان الثائر الأول في زمانه ضد قوانين فرنسا التي حاولت بكل الطرق أن تلطخ ثوب شرف أبناء الجزائر من خلال أطماعها وأن تصنع لنفسها عبيدا في وطن تربى أبناؤه على الحرية يستنشقون هواءها في كل ربوعه، وكان " الجرموني" من بين هؤلاء، كيف وهو الذي فطم على حليب امرأة بدوية كان همها في الحياة شرفها، ومن والد كريم كانت الأرض تهتز من تحت قدميه في طلب الرغيف الشريف،من هذه المدرسة الأبوية اشتق "الجرموني" شخصية الرجل الفذ الذي لا ينحني قده حتى أمام طغاة زمانهم وهم الفرنسيون، ولا تلامس جبهته الأرض إلا للسجود في صلاته لرب هذا الكون، فقال لفرنسا وكان الرد صريحا لن أخدم أمة الاستعمار جنديا أحارب المستضعفين أينما كانوا سواء في الجزائر أو غيرها، ولن أكون سلاحا فتاكا لإراقة الدماء وإن كنت فسوف أكون ضدك يا فرنسا، فلن أكون خادما لك أزرع أنا وتجني انت خيرات هذه الأرض من وراء البحر، فلا خير في أمة تأكل قوتنا وعرق جبيننا وتقتل وتشرد أبناءنا.
وكانت أغنية "الفوشي ذوق مسمار وأكرد انوقير" شاهدة على ذلك
لقد ترجم "عيسى الجوموني" هذا في أغنية مازالت كل الأجيال تتداول كلماتها إلى حد الساعة، وخاصة منهم أبناء الشاوية و الأوراس وصلحت لكل زمان ومكان، بل أصبحت جسرا لحنجرة الكثير منهم للوصول إلى مصاف كبار الأغنية الشاوية بكل طبوعها، فمن أمسك ببريقها فقد أضاء نور دربه ومستقبله في هذا الطابع والأمثلة كثيرة ممن تدرجوا فيها في حياتهم الفنية، كانت تعبيرا عن الفخر والعزة والكرامة ونبذ التسلط وكبت الحريات، فلم يبق حديثه عن ظلم فرنسا محبوسا في داخله، بل عبر عليه علنا وترجم في الكثير من أغانيه على غرار رائعته "الفوشي".
" رعي الغنم صقل موهبته ومن التويزة ذاع صيته"
هو خريج أسرة فلاحية، لم يكن له الحظ في التحصيل العلمي، فقد مارس الرعي مند طفولته بحكم البيئة والأوضاع الإجتماعية التي كان يعيشها، اغتنم فرصة الوحدة في براري الشاوية والأوراس لصقل حنجرته العذبة، فقد تميز بالصوت القوي والإحساس المرهف منذ الصغر جعل منه مغنيا وملحنا ماهرا، فغازل وحدته بأشعار شيوخ زمانه على غرار الشيخ "بوكرسة المكي" و"بوقريرة"، ومن هنا كان الميلاد لحنجرة ولدت في الخلاء لتصبح في يوم ما عالمية جابت كل الأقطار والأوطان دون استثناء، لم يكن يدري أن ما يسمى "بالتويزة" ستكون في يوم من الأيام حبل وصوله إلى الشهرة، فقد استدعي إلى إحداها واقترحه بعض المحبين ليكون المؤنس فيها يداعب بصوته العاملين والحاضرين، فبدأ إسمه يتردد بين الألسنة وذاع صيته وانتشر انتشار الفطريات في الحقول لا يعترف بالحدود، وبدأ يطفو على الأوراس فغرقت مناطقه في صوته الصداح ليمتد إلى كل الشرق الجزائري وكذا الجزائر كلها ومنه إلى العالمية، وأصبح رمزا للأغنية الشاوية وواحدا من أعمدة الفن الأوراسي الأصيل والخالص الذي استمد هويته من طبيعة بعيدة عن الضوضاء التي تعرفها مدارس الفن والطرب في جزائرنا اليوم.
"الحنجرة التي داعبت كل الطبوع ... بمختلف اللهجات"

لقد كان المتميز في فن "السراوي" يداعب قصائده حسب الحاجة طلب جمهوره، فغنى بلسان "الشاوي" و"الأمازيغي" وحتى "بالدارجة" لكي يفهمه كل من يجلس إليه، جاءت مواضيعه في كل الأحاسيس ليغازل الكل دون استثناء، فقد تطرق فيها إلى إحساس الحب وكذا الإنتماء والغربة والوطنية كدعوة للتآخي والترابط مادامت الحاجة إلى ذلك في ظل المستعمر الفرنسي فحق عليه اسم لقب المطرب الشامل في زمانه.
"1937 مفخرة الشاوية والجزائر... وكل الأفارقة"
ستبقي هذه السنة محفورة في أذهان كل الجزائريين وخاصة "الشاوية" كيف لا،وهو اليوم الذي غازل فيها "عيسى الجرموني" ركح الأوبيرا الفرنسية، وكان الأول في هذا على مستوى كل الأوطان في إفريقيا، فقد دوت في كل أركانها بصوت عذب قوي سمعه ربان فرنسا في بواخرهم وهي تتلاطم مع أمواج البحر، صنع مجدا مازال يذكر إلى حد الساعة بين الأفراد والجماعات وكان بحق انتصارا للجزائر ومفخرة لها في تلك الفترة، خاصة ونحن تحت وطأة استعمار فرنسا فخاطبهم "الجرموني" بكلمات مدوية بصوت مدفعي من أعلى قمة عندهم اقشعرت لها أبدانهم، فربما قال الكثير منهم هو تعبير عن حريتهم المهضومة.
الأربعاء، 9 أبريل 2014
كتب مقترحة للقراءة 2
عمالقة العلم
اسم الكتاب : عمالقة العلم.
الكاتب : فيليب كين .
ترجمة : أديب يوسف .
مراجعة : عبدالرزاق قدورة. المحتوى :
يتحدث الكاتب عن سيرة 50 عالم أضافوا للعلم و أثروا فيه و طبع اسمهم في التاريخ .. كما أسلفت في الموضوع السابق بأن العلماء الذين أوردهم الكاتب بالأغلب منهم يونانيين
———————————————————————————– 1- فيثاغورس PYTHAGORAS
إقليدس EUCLID
إذا قلنا فيثاغورس فبدون تفكير سيتبادر إلى ذهنك النظرية “الفيثاغورسية” المشهورة للمثلثات ، و هنا نلفت انتباهك عزيزي القارئ بأن نظرية فيثاغورس ما هي إلا برهان رياضي صحيح أوجده “فيثاغورس” لعلاقة رياضية كان المصريون القدماء يستخدمونها، وللمعلومية فإن نظرية “فيثاغورس” تعتبر حجر الأساس لكل التكنولوجيا كما أوردها الكاتب .
ومن أشهر معتقدات “فيثاغورس” : يقول إن الأرض و النجوم والكواكب و الكون بجملته كلها كروية الشكل ، لأن الكرة هي أكمل الأشكال المجسمة .
وتواجدت جماعة في عهده تسمي نفسها بجماعة “الفيثاغوريون” و كانت جماعة “فيثاغورس” تضم بالإضافة إلى علماء الفلك و الرياضيات علماء الحياة و الموسيقى و التشريح الذين اكتشفوا الأعصاب البصرية و ((قنات اوستاكيوس)).
ومن أقوال جماعة “الفيثاغوريون” : إن النغمة الموسيقية صوت يسر الأذن . و اكتشف “الفيثاغوريون” أيضاً أنه إذا كانت النسب بين أطوال الأوتار التي تعزف عليها النغمات نسباً بسيطة فإن النغمات تكون منسجمة .
((من لم يستهوه هذا الكتاب في صباه لم يخلق ليكون من العلماء الباحثين النظريين ..)) هذه مقولة آينشتاين بإشارته إلى كتاب “إقيدس” في {المبادئ} .
“إقليدس” الاسكندراني : معلماً و عالماً رياضياً يونانياً ، كان يعلم الريضيات في المدرسة الملكية في الاسكندرية في مصر ، و يدعى “إقليدس” بحق أبا الهندسة .
((بسب قلة المصادر في تاريخ الهندسة سأحاول باختصار بكتابة تاربخ الهندسة الأولى)) . دعية مصر {هبة النيل} لأن مصر القديمة مدينة بالجانب الكبير من عظمتها إلى نهر النيل . فكانت الزراعة هي المصدر الأساسي وتقوم الزراعة على جوانب نهر النيل ، لكن كانت هانك مشكلة عويصة ألا وهي الفيضانات فكانت تولد المشكلات إلى جانب الثروة ، و ذلك لأنها تزيل العلامات الفارقة على الأراضي ، مما يؤدي إلى طمس الحدود بين الأراضي التي يملكها الأفراد ، و كان لابد من معرفة حدود الأراضي لكي تجبى منها الضريبة ،، هنا نشأة الهندسة : و تعني الكلمة في الأصل باختصار (قياس الأراضي) تلبية للحاجة العلمية . سمع تالس عالم الرياضيات اليوناني بطرق المصريين الهندسية فتسائل عن صحتها ، فكان هذا التسائل أول خطوة في بناء علم الهندسة . أما الخطوة التالية في تطور علم الهندسة فقام بها فيثاغورس و الفيثاغوريون ، وذلك حينما فصلوا الهندسة عن جميع تطبيقاتها العلمية و قصروا اهتمامهم على ايجاد البارهين المنطقية للحقائق الهندسية ، ومن هنا نشأة الطريقة العظيمة و تدعة المحاكمة الإستنتاجية Deductive reasoning ، وتحاول المحاكمة الإستنتاجية إيجاد جواب عن مسألة بالإعتماد فقط على الحقائق التي سبق الاتفاق عليها ، وكل قصة بوليسية هي في الحقيقة مثال على التفكير الإستناتجي . و لكن العلم أعظم القصص البوليسية . وسيظل العلم يستخدم المحاكمة الإستناتجية أثناء تقدمه نحو اكتشافات أعظم . وعلم الاستنتاج و التحليل ، كسائر الفنون الأخرى ، لايمكن اكتسابه إلى بالدراسة و الصبر الطويل .
أدرك أفلاطون أهمية الهندسة فجعلها امتحان الدخول إلى أكاديميته . وكان يقول (لاتدعوا أحداً يجهل الهندسة يدخل أبوابي)
أخيراً : الخدمة العظيمة التي قدمها “إقليدس” للبشرية ليست ما قام به من حل لمسائل جديدة في الهندسة بل وضعه جميع الطرق المعروفة التي تؤدي إلى اكتشاف أفكار جديدة و البرهنة على صحتها.
3- أبقراط HIPPOCRATES

((أقسم إنني سوف أبر بهذا القسم : سوف أستخدم الطب لمساعة المرضى بقدر ما يسعفني عقلي و مقدرتي ، ولن أستخدمه أبداً بقصد الأذى ، ولن أعطي أحداً دواءاً مميتاً ، حتي حينما يطلب إلي ذلك ، و مهما تكن البيوت التي أدخلها ، فسوف أدخل من أجل مساعدة المرضى ، و مهما يكن ما أسمعه أو أراه أثناء ممارستي لمهنتي فلن أذيعه إذا كان مما ينبغي أن يظل طي الكتمان)) . نعم انه قسم “أبقراط” الذي أكثر بل جل الجامعات الطبية في العالم تقيد طلابها بإن يقسم بهذا القسم .
ولد “أبقراط” في جزيرة كوس اليونانية و يظن بأن والد أبقراط كان كاهناً .
ذاع صيت “أبقراط” في الطب و كفائته في سائر أنحاء العالم المتحضر فقدم له ارتاكسيركس ،ملك الفرس ، كنزه الذي لا يحصى إذا هو قضى على الوباء الذي كان يحصد الجيوش الفارسية و كانت فارس حينئذ في حالة حرب مع اليونان فرفض أبقراط الكنز مجيباً بأن شرفه يمنعه من ذلك (تخيل عزيزي القرائ لو أن عربياً طلب منه مساعة أحد الدول المعادية ذلك!!!!!)
في القرون الوسطى أعيد اكتشاف تعاليم أبقراط و لكن هذا الكتب قوبلت بالإيجابية الكامة و العمياء فصارت كتاب الله الذي لا يمكن رفضه ، و بسب هذا القبول الأعمى لتعالميه أعيقة عجلة التقدم في الطب مئات السنين ، إلى أن جاء جالينوس و خالف أبقراط في كثير من النقاط ، و لكن ذلك لم يضعضع الإيمان المطلق في عصمة أبقراط من الخطأ ، ولا يزال الفرنسيون يقولون ((جالينوس يقول : نعم ، و أبقراط يقول : لا )) إشارة إلى الوجوه المتناقضة .، و لان هذه ليست الحادثة الوحيدة التي تؤدي إلى القبول الأعمى لأحد المذاهب و لو كان صالحاً ، فأدت إلى وضع عثرات في سبيل التقدم . فيجب على العلم أن يكون مستعداً دائماً لإعادة النظر في ماضيه .
أخيراً : يعد أبقراط بحق أبا الطب لأنه بحث عن تعليل الأمراض ، في العالم الذي يحيط به و ليس في أهواء الآله كما في عهده . و كان يوصي الطبيب بوجوب ملاحظة المريض بدقة و تسجيل أعراض المرض ، و بهذه الطريقة يمكن للطبيب إيضاح الطريقة التي قد تشفي المريض مستنداً إلى سجله.
ماذا علمتني الحياة ؟
اسم الكتاب : ماذا علمتني الحياة ؟
المؤلف : جلال أمين
دار النشر : دار الشروق
سنة النشر :2007
كما قلت في كتاب رحلة عبر الزمن لزويل ، بأن تلخيص السير الذانية أو الروايات هي مهمة صعبة ، لأن في الغاب تكون السيرة محبوكة بخيوط يصعب علينا أن نفكها .
لكن برأيي أن الاقتباسات تظهر خلاصة الكتاب “إلى حد ما” من وجهة نظري .
كتاب أمين أعتبره من أجمل و أحسن الكتب التي قرأتها ، طبعا من ناحية السير و تحليل الإنسان ، فهي ليست سيرة ذاتية بمعناها اللغوي ، فقد تعرّض أمين في كتابه لسيرة أكثر من عشرة أشخاص من أسرته و أصدقائه و السياسين و الكُتّاب الذين عاشرهم . فكلما تكلم عن مرحلة في حياته فهو لا يقتصر على ذاته فقط ، ولكن يذكر ما حدث لأخيه و أبيه و أمه و لهذا الكاتب و ذاك البوَّاب . يقارن البداية و النهاية و طريقة العيش و نظراتهم للحياة و نظرته هو للحياة ، فتكاد تكون سيرته هي مجموعة سير لأناس عاشوا في بيئات متشابهة أو مختلفة ، ولكن انتهوا لنهايات مختلفة أو متشابة …
أتوقع كتاب (ماذا علمتني الحياة ؟) لا تقتصر مهمته على فهم جلال أحمد أمين وحده ، بل تتعداها إلى فهم مجموعة كبيرة من البشر ، و إلى فهم جانب كبير من الإنسان .
من أجمل الإقتباسات في الكتاب :
1. ((لا يجب أن يتوقع أحد أن يكون بحوزتي صورة لأبي و أمي يوم زواجهما ، يبتسم فيها الزوج لزوجته كما يفعل الناس هذه الأيام. لدي بالفعل صورة لأبي يوم زواجه ، ولكنها له وحده ، فقد ذهب بمفرده إلى المصور بعد إتمام الزواج ، فالتقط له المصور صورة ، وبدلا من الزوجة استند أبي بيده إلى بضعة كتب ، و كتبَ خلف الصورة ، التي لا تزال في حوزتنا ، أنه اختار الكتاب رمزا أو شعارا ، كما كتب أيضا وراء الصورة “أرجو من الله أن يوفقني إلى عمل عظيم أنفع به أمتي” . وقد وفقه الله إلى ذلك فعلا ، و لكن المهم الآن أنه لم يشر فيما كتبه وراء الصورة ، ولو إشارة عارضة ، إلى أمي التي كان قد عقد لتوه زواجه عليها .)) ص24
2. ((إن التفسير الذي أميل إليه أكثر من غيره لهذا الطموح القوي عند أبي ، ومنذ وقت مبكر ، إلى القيام “بعمل عظيم في نقع أمته” ، كان أبي من أسرة شعبية متوسطة الحال ، ولكنه كان بلا شك “أرستقراطي” الأخلاق و الحس . كان دائم التساؤل عن الموقف الأخلاقي الصحيح ، وكأن المسائل كلها و أمور الحياة كلها تتحول عنده في نهاية الامر إلى مشكلات أخلاقية . إنه يستقيل من وظيفة رفيعة لدى أي اعتداء طفيف على كرامته ، و يقف ضد السلطة إذا رآها ظالمة ، ويرفض منصبا خطيرا إذا اعتقد أنه ليس أهلا له .)) ص25
3. ((قد أصبح من الواضح لي الآن أن مشكلتنا ليست هي الاختيار بين الاشتراكية و الرأسمالية ، بل هي مشكلة الديكتاتورية و الديموقراطية ، وأننا لسنا في حاجة إلى المزيد من الاشتراكية بل إلى المزيد من الحرية.)) ص189
4. ((إن الحرمان المادي في الصغر أمر خطير للغاية إذ يترتب عليه في الغالب مادية مفرطة في الكبر . هكذا كنت أميل دائما ، كلما رأيت شخصا يسيطر عليه حب المال ، إلى البحث عن سبب ذلك في ظروف نشأته ، و كلما وجدت شخصا كريما سخيا و مستعدا للتضحية بالكسب المادي من أجل فكرة أو مبدأ افترضت على الفور أنه لم يصادف حرمانا في صباه.)) ص215
5. ((لقد تبلد الإحساس و وصل مفعول المخدر إلى المخ ،وكان لابد أن نبحث عن شيء ننشغل به بدلا من كل تلك المشاكل اليومية التي كانت تشغلنا في بلد حقيقي كمصر. أو ليس الكويت بلدا حقيقياً؟ قال لنا مرة أستاذ مصري ظريف ممن عاشوا في الكويت مدة طويلة: إن الكويت تذكره بما كنا نفعله أحيانا و نحن أطفال إذا يقول أحدنا للآخر : “تعال لعب مدرسة!” أو “تعال نلعب دكتور و مريض!” هكذا الكويت ، في نظر الأستاذ ، مجموعة من الناس قرروا أن يلعبوا ، أو قرر لهم أحد أن يلعبوا ، فأنشأ دولة لها علم و سلام وطني ، وحكومة و برلمان ، وجامعة و مستشفيات ، وبوليس و محاكم … إلخ .)) ص243
6. ((الشيئ الغريب حقاً، وهو ما قد يصعب أن يدركه من لم يعش في مكان كالكويت لفترة طويلة ، هو أن القراءة ، التي كانت تشغل جزءاً كبيرا من وقتنا في القاهرة ، أو حتى الاستماع إلى الموسيقى ، وهما ما قد تظن أنك لابد أن تمارسهما بدرجة أكبر في بلد كالكويت ، حيث لديك الوقت الكافي لأن تفعل أي شيء ، سوف تجد نفسك أقل رغبة بكثير في ممارستهما مما كنت من قبل. أظن أن السبب هو أنه كما أنك لا تستطيع القراءة أو الاستماع إلى الموسيقى بسهولة في مكان صاخب يعج بالحركة والضوضاء ، أو إذا لم تكن تشعر بدرجة كافية من الراحة ، كما لو كنت في مكان شديد البرودة أو شديد الحرارة ، إذا كان كل هذا قد يمنع من استغراقك في القراءة أو يضعف من رغبتك في الاستماع إلى الموسيقى ، فإن العكس بالظبط قد يؤدي إلى نفس النتيجة )) ص245
7. ((تبين لي بوضوح تام أن الزيادة الكبيرة التي حدثت في أسعار النفط لا تعني بالمرة زيادة حقيقية في قدرة العرب على تحقيق آمالهم ، وأن القول بأن هذه الزيادة في أسعار النفط تمثل فرصة ذهبية للعرب لتحقيق نهضتهم المرجوة ، كلام لا أساس له من الواقع ، طالما استمر فقدان العرب لإرادتهم و عجزهم عن اتخاذ أي قرار مهم دون استئذان غيرهم . أما فقدان الإرادة و العجز عن اتخذا قرار دون استئذان فلابد أنه يرجع إلى أسباب سياسية “بل نفسية أيضا” لا علاج له إلى بمواجهة أسبابه ، أي أن العلاج لابد أن يكون أيضا سياسياَ و نفسياً.)) ص249
8. ((النموذج الأمريكي موجه في الأساس لخدمة الرجل العادس و المرأة العادية ، متوسطي الذكاء و الخيال و الخلق ، وهذا في رأيي هو السبب الحقيقي وراء انتشار النمط الأمريكي في الحياة ، في مختلف بقاع الأرض ، انتشار النار في الهشيم ، وهذا هو سر جاذبيته . ولكن الوجه الآخر لهذا النجاح هو ما تتسم به الثقافة الامريكية بوجه عام من تراجع مختلف أنواع الثقافة الرفيعة أمام ذلك التيار الكاسح الذي يخاطب أكثر نوازع الإنسان سطحية ، والاستعداد للتضحية بالكيف لحساب الكم ، و إهمال ما لا يمكن قياسه وحسابه بالأرقام لصالح التقدم المادي البحت الذي يمكن قياسه و حسابه.)) ص265
9. (( إن كلمة “intellectual” ليس لها في الحقيقة مقابل شائع باللغة العربية ، فهي بالطبع لا تعني المتعلم ولا حتى المثقف ، بل تشير إلى الانشغال المستمر ، أو شبة المستمر ، بأمور فكرية ، أو رؤية المشكلة الفكرية وراء أي حدث أو أو ظاهرة من أحداث و ظواهر الحياة اليومية ، مما عبر عنه تعبيرا طريفا كاتب إنجليزي كان يصف جورح أورويل ، فقال عنه إنه لا يمكنه أن يخرج المنديل من جيبه ليمسح أنفه دون أن تخطر بباله المشاكل الأخلاقية التي تثيرها صناعة المناديل!)) ص283
10. (( كم سررت عندما قرأت قولا لذلك الكاتب الأثير لدي جورج أورويل يفسر به إرساله لابنه بالتبني إلى مدرسة من المداراس الأرستقراطية و المسماة في إنجلترا Public Schools ، على الرغم من ميوله الاشتراكية و كراهيته للامتيازات الطبقية . قال أورويل تعليقا على ذلك : “نعم أن ضد نظام Public Schools و أؤيد إلغاءه ، ولكن طالما هو موجود سأظل أرسل ابني إلى مدرسة من هذه المدارس!” . لقد فهمت هذا القول بمعنى تفضيل الواقعية الكاملة على الاستسلام للشعارات المجردة ، و بمعني الاعتراف بأن قدرة المرء منا على أن يحدث بعمله المنقرد تغييرا مهما في النظام السائد قدرة محدودة جدا ، و أن قد تكون من الحماقة أن يضحي المرء بنفسه ، أو بمصالح شخصية مهمة له أو لأسرته ، في سبيل التمسك بمبدأ عام لا توجد أمامه فرصة جدية للتحقق في المدى المنظور.)) ص284 .
.
11. ((قال لي أستاذي روبنز مرة ، في حجرته بكلية لندن للاقتصاد ، إن الاشتغال بالتدريس به شبه بالزواج من امرأة دائمة الشباب . ولعله كان يقصد أن الأستاذ قد يستمر عاما بعد آخر في تدريس نفس المقرر لتلاميذ من نفس العمر ، فإذا به يجدد شبابه باستمرار من اتصاله المستمر بتلاميذ لا يشيخون أبدا.)) ص288
12. ((قد وجدت أن أفضل طريقة لفهم المشكلة المعقدة أن يضطر المرء إلى تدريسها ، إذ إن الطلبة رقباء ممتازون على درجة فهم الأستاذ لما يقول ، و هذا يجبر الأستاذ ، ما لم يكن نصابا ، على فعل المستحيل حتى يصبح قادرا على مواجهة أي سؤال لتوضيح ما يقوم بشرحه . و الأساتذة الذين يتجرأون على أن يتكلموا عن أشياء لا يحسنون فهمها صنف نادر ، و العادة ينفضح أمرهم . تتصل بذلك ميزة أخرى هي الابتكار ، والاهتداء إلى أفكار جديدة . فالمحالولة المستمرة للتعمق في الفهم استعدادا لمواجهة التلاميذ كثيرا ما تقود الأستاذ إلى أفكار جديدة قد يكون بعذها ذات قيمة.))ص289
13. ((إذ بدت المحافظة على الاستقلال الثقافي تكاد أن تكون مرادفة للمحافظة على الشخصية بل و على البقاء ، وبدت لي التنمية بالمعنى الاقتصادي الضيق أقل أهمية بكثير ، و بدت مهمة إصلاح المعوج في الاقتصاد أسهل بكثير من مهمة إصلاح المعوج في الميدان الثقافي.)) ص313
14. ((بقدر ما زادت أهمية الموسيقى و الغناء و الرقص لدى هذا الجيل من الأولاد و البنات ، بالمقارنة بجيلي عندما كنا في مثل سنهم ، قلت أهمية السياسة و ضعف بشدة الاهتمام بالشؤون العامة و القومية . و أظن أن الظاهرتين مترابطتان . فإذا كانت المتعة ، بل و المتعة الحالة هي الهدف ، فما هي بالظبط جدوى الانشغال بالسياسة و بالأمور العامة و القومية؟ هذه الأمور السياسية و القومية تتعلق في نهاية الأمر بالتزام أخلاقي ، ولكن المرء منا مسؤول عن نفسه فقط.)) ص360
15. ((أعرف الآن أن زيادة المعلومات كثيرا ما تؤدي إلى تقليل الفهم بدلا من زيادته ، خاصة إذا قدمت إلينا على النحو الذي تقدمها به إلينا عادة وسائل الإعلام : أخبار سريعة و غير مترابطة و خالية في معظم الأحيان من أي تحليل ، و تختلط فيها المعلومات الهامة بغير الهامة ، الضرورية مع غير الصرورية . لقد اكتشفت أيضا بعد سنوات كثيرة ، أن أكثر الكتب أيضا من هذا النوع الذي يعطيك من المعلومات أكثر بكثير مما يعطيك من التحليل و الفهم ، وأن هذا التحيل ، إذا وجد ن نادرا ما ينصب على الجوهري و المهم ، ونادرا ما يجيب على الأسئلة التي كنت تنتظر أن يجيب عليها ، ومن ثم نادرا ما يزيد من فهمك لشيء تريد فهمه.)) ص382
16. ((لجورج أورويل قول طريف يعرف فيه الكتاب الجيد بأنه “الكتاب الذي يقول لك ما كنت تعرفه من قبل” . إنه إذا ليس الكتاب الذي يضيف إلى معلوماتك ، فهذا النوع من الكتب لا يقول لك ما كنت تعرفة بالفعل ، ولكنه الكتاب الذي يدعم فهمك لبعض الأمور ، وقد ينظم هذا الفم و يرتبه ، فيزيد من وضوح هذا الفهم في ذهنك ، ومن ثقتك بصحته .)) ص383
نظرية الفوضى : علم اللامتوقع
اسم الكتاب : نظرية الفوضى : علم اللامتوقع.
المؤلف: جايمس غليك
للوهلة الأولى لدى تصفحك للكتاب ستظن أن الترجمة سيئة للغاية ؛ لعدم فهمك أي شيء، ولكن بعد مضيك قدماً للفصل الثاني أو الثالث ستعرف أن الكتاب برمته بالنسبة لك فادح السوء.
فلا تكاد تكون تخرج بفائدة مترجاة منه كقارئ عادي يترجا أن يلتقط أو ينجذب لمعلومة فيزيائية ، كحالي أنا و عدوي “الفيزياء”.
برأيي أنه ليس فادح السوء بذاته و لكنه سيء لقارئ عادي فهو يصلح للعلماء الفيزيائين وليس للهواة أو الراغبين بالزيادة الثقافية.
فكرة الكتاب العامة :
تدور فكرته حول جانب من جوانب علم الفيزياء الغامضة جداً بالنسبة للعلماء و التي أقعدتهم على حيرة ، وهي كيفية تأثير الأشياء على بعضها البعض و عدم تأثيرها أيضا ،وكل شيء فيزيائي أيضا !! (هذا ما فهمته)
فمثلاً : لماذا تختلف أشكال الغيوم؟
ما هو تأثير فراشة تطير بسلام بأجواء آسيا على زلزال مدمر بهاييتي ؟؟!! وهلم جراً..
ويستعرض أيضاً بين ثناياه أبرز و أفذ علماء الفيزياء قاطبة وخصوصاً الذين برزوا في هذا المجال فأوجدوا قوانين لأشياء لم تكن لتوجد لها قوانين ، كتوقعات الطقس مثلاً.
ملاحظة: قبل سنين قرأت في أحد أعداد مجلة العربي عن عالم مصري اسمه محمد النشائي و إن لم أكن مخطئاً فقد قرأت أنه من أحد أبرز العلماء في هذه النظرية أو العلم ،،و لهذا العالم قصة طريفة و جميلة و معبرة جداً
قصة الفلسفة
اسم الكتاب : قصة الفلسفة
المؤلف : ول ديورانت
ترجمة : فتح الله محمد المشعشع
دار النشر : مكتبة المعارف
سنة النشر :1988
يقع الكتاب في 638 صفحة من القطع الكبير . يبدأ من “مثالية” أفلاطون في مدينته ، و ينتهي بـ”نصيحة” جون ديوي للفلسفة.
الكتاب يناقش ويعرض تطور الفلسفة الأوربية و جذورها اليونانية ، ولا يُعنى بتاتاً بالفلسفات الأخرى في الشرق.
وعلى هذا فإن المؤلف مارس “رياضة” الوثب ما بين أفلاطون و فرانسيس بيكون !
2000 سنة افترض فيها المؤلف أن البشرية انتظرت أوروبا لتفيق من سباتها ! و أهمل المسلمين و الهنود و الصين من تاريخ الفلسفة و تطورها ، فالعرق الأوربي هو أصل العقل !
و حتى الفلسفة الأوربية التي تناولها الكتاب لم تكن شاملة لفروعها ، بل عمد المؤلف لاختيار فيلسوف لكل قرن ، و هذا الفيلسوف يكون مشهور بمناقشته للمادة و العقل و أصل المعرفة و له مناوشات مع الكهنوت الديني. ثم يبدأ بعرض آراء ذاك الفيلسوف في تلك المواضيع و يأتي بذكر طفيف لباقي فلاسفة تلك الحقبة الزمنية من أوربا.
والأحرى أن يكون عنوان الكتاب “قصة الفلسفة الأوربية : العقل ، الدين ، المادة” . فهو كما ذكرت لم يخرج عن تلك المواضيع ، حتى لو كان هذا الفيلسوف مشهور جدا في أوروبا لكنه لم يكن مشهورا بتلك المواضيع الثلاثة (العقل ، الدين ، المادة) فإنه يمر عليه ذكراً فقط دون التعرض لآراءه بالتفصيل. و تفضيل المؤلف لشوبنهاور على هيغل مثال واضح على ما ذكرت.
الكتاب جدير بالقراءة و التمعن ، و بداية شمولية جيدة لتاريخ الفلسفة . و الترجمة كانت عظيمة في فصول ، و مترنحةٌ في فصول ، لكنها في الأغلب تسرُّك.
____________________________ فصول الكتاب :
(1) أفلاطون /
عرض موجز لعصر ما قبل أفلاطون و أستاذه أرسطو. ثم تناول مدينة أفلاطون المثالية و أبرز معالمها من خلال عدة موضوعات وهي : السياسية و الأخلاق و النفسية البشرية.
(2) أرسطو /
نشاة أرسطو و أبرز معالم تكوين شخصيته. تناول آراءه الكثيرة باختصار في موضوعات : فلسفة الوسط الذهبي للأخلاق، تنظيم العلم ، السياسة و تنظيم المجتمع.
(3) فرانسيس بيكون /
عرض لحياة و آراء فرانسيس بيكون ، و النزاع النفسي في اختياره ما بين السياسة و الفلسفة. أيضا عن تصور بيكون عن مدينة العلم الفاضلة. وتبين لي أن بيكون هو أقرب إلى أن يكون “مصلحا” في مجال العلوم الطبيعية ، لا صاحب فلسفة جديدة .
أعجبني رأيه في المعرفة النظرية و المعرفة الحسية ، يقول بيكون : “إن إنفاقك في الدراسة النظرية وقتاً طويلاً ضرب من الكسل و الخمول، و التحلي بها تصنع و تكلف و محبة في الظهور و استنادك في حكمك دائما على أحكام الدراسة النظرية و قواعدها ضرب من مجون العلماء و مزاجهم … إن رجال الأعمال يذمون الدراسة و البسطاء يكبرونها و الحكماء يستخدمونها. لأن الذين يتلقون الدراسة النظرية لا يتعلمون طريقة استخدامها عمليا لأن الدراسة النظرية لا تعلم و سيلة استخدامها لأنها نظرية في حد ذاتها. وهناك حكمة خارجة عن الدراسة النظرية و هي أفضل منها و هي حكمة تكتسب بالملاحظة”.
رأيه في الدين ، “قد لا أعتقد بجميع القصص و الأساطير التي جاءت بالكتب الدينية ولكن لا يمكن أن أعتقد بعدم وجود عقل مدبر لهذا العالم. إن القليل من الفلسفة ينزع بعقل الإنسان إلى الإلحاد ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الإيمان لأن عقل الإنسان عندما ينظر إلى الأسباب الثانوية المبعثرة قد يتوقف عندها ولا يتجاوزها، ولكن عندما يشاهد تسلسلها و اتحادها، و اتصالها بعضها بعضا ينتهي به ذلك إلى الإيمان بوجود العناية الإلهية”.
(4) سبينوزا /
قصة الفيلسوف سبينوزا من الصغر ثم حادثة طرده من الكنيس اليهودي ، و لمحات عن بقيه حياته الهادئة و المنعزلة. و في آخر الفصل عرض لسلسلة مباحث لسبينوزا و فلسفته ، وهي : الله و الطبيعة، العقل و المادة، العقل والأخلاق، الدين و الخلود، الرسالة السياسية.
في بداية البحوث في بحث الله و الطبيعة و جدت أن أغلب أفكار سبينوزا ما هي إلا إضافات على تصور ديكارت لله و الطبيعة ، و استغربت أن أفرد المؤلف فصلا كاملا لسبينوزا وحده في الكتاب. لكن عندما بدأ في بحث الأخلاق و العقل ، أدركت قيمة هذا الفليلسوف في الفلسفة الأخلاقية، و عرفت أن ما جعله بهذا القدر بين الفلاسفة هو كتابه “الأخلاق” ، و فيه يعرض آراءه المعقدة جدا في فلسفة الأخلاق، و يهيب بي فعلا قراءة هذه القطعة الفنية.
إجابة سبينوزا على أحد الذين أنكروا عليه نفي الصفات لله : “أجاوبك بما في نص إغريقي قديم لكزينوفانيس ، عندما تقول أنني أنكر بأن يكون لله بصر و سمع و إرادة و ما إلى ذلك فإنك لا تعرف أي نوع من الله إلهي، و أظن أنك تعتقد بأن لا إله و أعظم كمالاً من الله الذي يتصف بالصفات السابقة، وهذا لا يدو إلى إثارة الدهشة في نفسي. لأنني أعتقد أن المثلث لو استطاع أن يتكلم لقال بنفس الطريقة على أن الله مثلثي في أضلاعه، و لقالت الدائرة أن طبيعة الله دائرية في سموها، وبهذا التفكير كل شيئ يلبس صفاته الخاصة على الله.”
رأي سبينوزا في الأخلاق ، “ونستطيع أن نلمس قانون الطبيعة هذا، أو بعبارة أوضح : قانون الغاب أو انعدام القانون مطلقاً في سلوك الدول بعضها مع بعض. إذ لا وجود لنحبة الغير بين هذه الدول، لأن القانون و الأخلاق لا توجد إلا في ظل نظام متفق عليه، وهذا يعني وجود سلطة مشتركة معترفة بها.”
(5) فولتير و عصر التنوير /
معارك فولتير ضد رجال الكنيسة و ضد خرافاتهم و أساطيرهم و آراءه في السياسة و الأخلاق و الدين. أعجبني فيه رأيه في الدين، فحروبه و كتاباته لم تكن يوماً ضد الدين ، بل كانت ضد المشعوذين باسم الدين.
وقَّعَ عند موته كاتبا ” أموت على عبادة الله ، و محبة أصدقائي، و كراهية أعدائي، و قتي للخرافات و الأساطير الدخيلة على الدين” .
(6) عمانويل كانط و المذهب المثالي الألماني /
الدواعي التي جعلت كانط يبدأ في رحلته نحو المذهب المثالي في كتابه “نقد العقل الخاص” ، وهي عبارة عن الآراء التي أشعلها المذهب المادي من هوبز ، ثم تطورها في جون لوك ، و نتائجها في فلسفتي نفي العقل و نفي المادة من قبل باركلي و هيوم.
ثم عرض لمذهب كانط و عبقريته في نقده للعقل و تفسيره له ، من خلال ثلاثة موضوعات رئيسة وهي : الحس السامي، و التحليل السامي، و المنطق السامي. وتتلخص نظرية كانط في إثباته أن العقل ليس مجرد لوح من الشمع تحفر عليه الذكريات ، بل إنه مخلوق عضوي يحمل مدركات عقلية سابقة تمثل طرق التفكير أو وسائل الإدراك العقلي لتنظيم الإدراكات الحسية ، تلك الوسائل هي : العلة و المكان و الزمان.
ويظهر أيضا تأثر كانط الكبير في فلسفة الأخلاق و الدين بآراء جان جاك روسو في تفضيل الشعور على العقل.
(7) شوبنهور /
عصر شوبنهور الذي ينضح بالتشاؤم و الحروب و النكسات ، و طفولة شوبهور البائسة مع أمه. ومن ثم تأثير هذه الحياة المريرة على فلسفة شوبنهور. عرض لفلسفته التي تقوم على اعتبار “الإرادة” كأساس لتفسير الحياة ، فالمادة ما هي إلا تجسيد للإرادة. ثم تقسيم الإرادة إلى نوعان من الإرادة إرادة النوع و إرادة الفرد ، إرادة النوع هي جبرية أما الفرد فهي اختيارية. ثم إسقاطات هذه الفلسفة على مفهوم العبقرية و الفن و الدين و التناسل. نقد المؤلف لفلسفة شوبنهور جميل جدا و جدير بالتمعن.
أعجبني رأيه في السعادة ، فالسعي للمال و الشهرة في رأيه حمق ؛ لأن سعادة الإنسان ليست في تقدير الناس له ، و السعادة الحقيقية هي التي نستمدها من أنفسنا.
تعريفه للسعادة : هي اخضاع للإرادة التي تتمثل في الغرائز ، و يتم هذا بالتأمل و المعرفة فسيادة العقل عليها.
(8) هربرت سبنسر /
حياة هربرت سبنسر و ميزاته في استسقائه للمعرفة و أبرز ملامح تفكيرة. ثم عرض ملخص لكتبه و أفكاره ، وخصوصا تأصيله لعلاقة كل شيء بالكون بنظريته في التطور. والمواضيع الأساس المربوطة بالتتطور و التقدم في فلسفة سبنسر هي علم الأحياء و علم النفس و علم الإجتماع و علم الأخلاق.
لم يعجبني هوس سبنسر في ربط كل شيئ بالتطور ، فربطه لم يكن مؤصلاً في غير موضوع ، بل كان ذا تعصب لما يوافق رأيه من حقائق، و هذا ما قدح في ذهني قبل قراءتي لنقد المؤلف.
(9) فريدرك نيتشة /
نشأة و شباب فريدريخ نيتشة مع أبويه المؤمنين جدا. ثم بداية معاناته مع الحياة ، و أخيرا إسقاط هذه المعاناة على فلسفته المتطرفة جدا. ثم شرح فلسفته التي تقوم على تمجيد و تهييئ الحياة لقدوم ذاك الإنسان الأعلى (سوبرمان).
(10) الفلاسفة المعاصرون في أوروبا /
عرض لأبرز فلاسفة أوربا في العصر الحديث ، أي القرن العشرين. عن طريق إعطاء نبذة عن أبرز المواضيع التي تناولها ذاك الفليلسوف. من فرنسا الفليلسوف هنري برجسون في تطوريه لمفاهيم نظرية التطور. من إيطاليا الفيلسوف بدتي كروتشي في فلسفة الروح و الجمال والفن. ومن إنجلترا الفيلسوف برتراند رسل في المنطق و السياسة.
(11) الفلاسفة المعاصرون في أمريكا /
أبرز فلاسفة أمريكا الفتية في القرن العشرين. فلسفة سنتيانا في العقل و علاقته بالدين و المجتمع و العلم. فلسفة وليم جيمس و دعوته لبعث النفعية من جديد في اسم آخر و هي البرغماتية. وأخيراً جون ديوي و رأيه حول إقحام الفلسفة في أمور لا تنفع الإنسانية و التي حطت من قدر الفلسفة ، و هي إقحامها في أصل المعرفة و الميتافيزيقا.
ابن خلدون أبو المثقفين العرب
*ابن خلدون أبو المثقفين العرب، مقدمة ابن خلدون ج1
يحير المرء حقيقةً في الكلام عن هذا الرجل وعن فكره وعن قدرته التحليلية الجبّارة.
لم أكن أتصوّر أن أجد فكراً يَقدُمني بسبعة قرون ويبهرني بهذا المقدار!
سبعة قرون مضت ولا زالت تحليلات ابن خلدون جديرة ومثالية في فهم المجتمع العربي وفهم علاقته بالعصبية الدينية المتمثلة بالدين الإسلامية.
أحتاج سنوات لاستوعب وأعي تماما فكرَ هذا الفذ. فبحكم أن مدينتي التي أسكن بها تحوي البدو والحضر، فإني غير مرة طبقت وناقشت بعض الخلدونيات على الناس أو على عوائدهم، والعجب العجاب أنها كلها قد نجحت! إما كتحليل مثالي لأفعال أو أقوال، أو كتوقع لتصرفات وإجابات من بدوٍ وحضر.
أعجبني كثيراً التقسيم الإنساني لابن خلدون في الوجود البشري على الأرض، عكس ما يصنفه علم الاجتماع الحديث من اعتبار المجتمعات إما مجتمعات متحضرة أو مجتمعات متوحشة (Savages) ليس لها من قيم الحضارة شيء.
أما ابن خلدون يطرح فكرة الوجود البشري على أنه وجود له علاقة بالأرض، ويطلق على هذه العلاقة بالعمران، أي استعمار الأرض وسكنها بأي شكل من الأشكال. ثم يضيف على صفة العمران أنه بشري لأن الإنسان هو الطرف الفاعل.
فالمصطلح الخلدوني “العمران البشري” يشير إلى أي وجود بشري على الأرض. ويقول أن كل عمران بشري يقتضي وجود أكثر من إنسان، ولهذا فإن هذا العمران البشري هو علم لاجتماع البشر.
ثم ينقسم هذا العمران البشري إلى قسمين: قسم العمران البدوي وقسم العمران الحَضَري.
فالعمران البدوي هو أي وجود بشري يكتفي فقط بضرورات الحياة من غير تعقيد. ويدخل في هذا القسم الضواحي في الجبال والقرى والواحات(أو كما يسميها ابن خلدون بالخلل المنتجعة للقفار) والبداوة التي هي أشدّها.
ثم القسم الثاني وهو العمران الحضري. وباختصار تمثل هذه المجتمعات البشرية مجرّد تعميم لتعريف ابن خلدون للحضارة الذي هو “التفنّن في التّرف”.
*لماذا ابن خلدون هو أبو المثقفين العرب؟
بتعريفي أن المثقفين هم عبارة عن متمردين ضد السائد والمعروف والمعتاد في المجتمع. أو بتعبير تاريخي، هم “صعالكة” العلم. لم تقنعهم الأجوبة المعتادة والحالة السائدة فيبحثون بالتفكر و بالقراءة في كل شيء عما يحقق لهم الرضى ويجاوب أسئلتهم. وقد لا يجدون مبتغاهم، ولذى تجدهم ينحون منحى التمرد وعدم القبول بشيء والكآبة في حياتهم كنتيجة.
بعض المثقفين يتطور فيطرح أسئلة غير في أحد الحقول، فيضطر مع إحساسه بقدرة إمكانيته الشخصية لسد هذه الثغرة. ولهذا ولأسلوبه المتمرد في العلم يصبح “ذاتيا” ومن غير سلك منهج أكاديمي أو طريقة تدريسية معروفة الأفضل في ذلك العلم، فيبدع فيه ويصبح في مصاف العلماء لا المثقفين. ويضطره هذا للانعزال عقوداً عن الناس في سبيل البحث والكتابة.
فمن الأمثلة العربية الحديثة هو تأليف المسيري لموسوعة اليهود واليهودية والصهيونية مع أنه ليس بأكاديمي لا في التاريخ ولا في علم الاجتماع.
وأيضا من الأمثلة الغربية القريبة عهدا هو الألماني كارل ياسبرز الذي يعد أحد آباء الفلسفة الوجودية مع أنه طبيب نفسي.
أما ابن خلدون فقد بدأ حياته في العلم بتأليف كتاب في التصوف، فلم يأخذ ذالك الكتاب صيتا بين الناس كما يقول المحقق عبدالسلام الشدادي. فأصبح يتقلب بين العلوم حتى بلغ الأربعين. وبعد الأربعين أصبح في حال شبه انعزال للبحث والتأليف من خلال قراءات ذاتية عصامية في الكتب من غير تتلمذ. ليخرج بعد ثلاثين سنة وقبيل وفاته بشهور بموسوعة أسماها كتاب العِبَر. تمثل هذه الموسوعة أوّل قراءة اجتماعية فلسفية للتاريخ. أفرد ابن خلدون أول كتبها لشرح فلسفته في التاريخ وكيفية مسيره أسماها المقدمة. وخصوصا تاريخ الشعوب وعلاقتها بالمُلك.
هذه المقدمة حقا تمثل نماذاجَ تحليلية كما يصطلحها المسيري. فالمسيري احتاج في كتابته لموسوعته عدة فلسفات تفسيرية لبعض الوقائع والأحداث المركبة في التاريخ اليهودية، وتلك الفلسفات يسميها هو النمذاج التحليلية وهي: نموذج العلمانية الشاملية و نموذج الحلولية و نموذج الجماعات الوظيفية.
ابن خلدون كذلك قرأ التاريخ واستخلص بعد تفكّر عدة نماذج تحليلية، منها: العمران البشري بقسميه، ومفهوم العصبية. وهذان النموذجان هما الذان يستعرضهما ابن خلدون في هذا الجزء. فالعمران البشري في حقيقته هو مجرد نموذج تحليلي للتاريخ.
إذاً، مقدمة كتاب العِبَر هي مقدمة ابن خلدون المعروفة، وهي تطبع حاليا منفردة عن باقي الكتاب.
كنت قد احترت في عنوان هذه الرؤية المتواضعة في فكر ابن خلدون أن أسمّيها: ابن خلدون أبو الفلسفة الواقعية. لِما رأيت من واقعية ابن خلدون الذكية في تفسير التاريخ وعدم انحيازه لأي مرجعية غير مرجعية تفسير سبب بمسبِب غير مادّي لكنّه معقول.
لكن بعدها عدَلت عن الأمر لما رأيت من إيثاره السكوت عما حدث في عهد الصحابة خلافا للمنهج الواقعي لتفسير الأحداث بغض النظر عن المرجعية الدينية في الصحابة. أو زيادةً تعليلُه بعض التصرفات تعليلاً دينيا للتاريخ وليس واقعي مستندا على العقل. فقط في هذا الباب قد تخلّى ابن خلدون عن واقعيته في تفسير التاريخ.
رحمه الله ورزقنا إكمال قراءة باقي أجزاء المقدمة
