السبت، 23 فبراير 2013

اﻟﺨﻔﺎﻓﯿﺶ اﻟﺘﻲ ﺗﻈهر وﺗﺨﺘﻔﻲ/ﻋﻠﻲ ﺑﺨﺘﺎوي



اﻟﺠﻮ ﻣﺴﺘﻓﺰ . اﻷﻣﺮ ﺻﻌﺐ . و ھﻮاء ھﺬا اﻟﺒﻠﺪ ﺣﺎر . ﺷﻲء ﻣﺎ ﻳﺪب ﻛﺎﻟﻨﻤﻞ ﻓﻲ أﻋﻤﺎﻗﻪ  ﻳﺤﺎول أن ﻳﻜﺸﻄﻪ  ﻳﺒﻌﺪه  ﻳﺤﻤﻲ ﻣﺎﺗﺒﻘﻰ ﻣﻦ ذﻟﻚ اﻟﺨﺪر اﻟﺬي ﺑﺪأ ﻳﺴﺘﻌﺬﺑﻪ . إن ﻣﺎل ﻟﯿﻨﺎم ﻋﻠﻰ ﺟﺎﻧﺒﻪ اﻷﻳﻤﻦ ﺗﻌﺬر ﻋﻠﯿﻪ ﺳﻤﺎع ﻣﺎﻳﺠﺮي ﻓﻲ اﻟﺨﻼء . وإن ﺗﻤﺪد ﻋﻠﻰ ﺷﻤﺎﻟﻪ
ﺗﻮﺟﻌﻪ اﻟﺜﺂﻟﯿﻞ اﻟﺘﻲ ﺣّﯿﺮت أﻛﺜﺮ ﻣﻦ طﺒﯿﺐ . ﺟﺎھﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﺮات ﻣﺘﻼﺣﻘﺔ ﻛﻲ ﻳﻐﻔﻮ وﻟﻮ ﺳﺎﻋﺔ . ﺳﺎﻋﺘﺎن . ﺛﻼﺛﺔ . ﻟﻜﻦ ھﯿهات . رﺑﻤﺎ ﻳﺤﺪث ذﻟﻚ ﻓﻲ اﻟﻐﺪ . أﻣﺎ اﻵن . ﻓﻘﻄﻌﺎ ﻻ . ﺳّﻮى ﻣﻦ ﻋﻤﺎﻣﺘﻪ . ﺑﻌﺪﻣﺎ اﻗﺘﻌﺪ ﻣﺮﺗﻜﺰا ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻳﻪ . ﻣﻊ أن اﻟﺠﻮ ﺑﺪأ ﻳﻤﯿﻞ اﻟﻰ اﻟﺒﺮودة ﻧﺄى ﺑﺎﻟﺒﻄﺎﻧﯿﺔ ﻣﻦ ﺻﺪره اﻟﻰ رﻛﺒﺘﯿﻪ . ھﺬه اﻟﻠﯿﻠﺔ ﻻ ﺗﺸﺒﻪ اﻟﻠﯿﺎﻟﻲ اﻟﺘﻲ ﻛﺮت . ﻗﺎﺗﻠﺔ . ﻣﺘﻌﺒﺔ . ﻗﺎﺗﻤﺔ وﻏﺎﻣﻀﺔ ﺑﺰﻣﻨها اﻟﺒﻄﻲء . ﻧﺎدى ﻋﻠﻰ ﺧﯿﺮة . ﺗﺒﺎطﺄت ﻓﻲ اﻟﻤﺠﻲء . ھﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻀﻊ اﻟﻌﺸﺎء ﻟﻺﺑﻦ ﻣﻌﻤﺮ . ؟ . رﺑﻤﺎ . ﻟﻜﻦ وﺿﻌها  ھﺬه اﻷﻳﺎم ﻻ ﻳﻌﺠﺒﻪ . ﺑﻌﺾ اﻟﻨﺴﺎء ﺣﯿﻦ ﻳﻄﺒﻌﻦ ﻋﻼﻣﺔ اﺳﺘﻔهام ﻋﻠﻰ اﻟﻘﻠﺐ ﻳﺸﻌﺮ اﻟﻮاﺣﺪ ﻣﻌهن أﻧﻪ ﻏﺮﻳﺐ . ﻣﺸﻮش . ﻣﻜهرب . أﻻ ﻣﻦ ﺻﺎﺣﺐ .؟ ﻣﻦ ﺣﻜﻤﺔ ﺗﺮﺷﺪه .؟ ﻣﻦ ﻟﺴﺎن ﻋﺬب اﻟﺤﺪﻳﺚ .؟ ﻣﻦ ﺷﻲء ﻳﺮﻓﻌﻪ ﺑﻌﯿﺪا ﻋﻦ ھﺬه اﻷﻓﻜﺎر واﻟﺘﺒﺎرﻳﺢ .؟. ﻟﻘﺪ ﻣﺮ اﻟﻜﺜﯿﺮ ﻣﻦ ﻋﻤﺮه . اﻟﺤﯿﺎة ﻏﻔﻠﺔ . ﻏﻔﻮة ﻓﻲ ﻗﻄﺎر اﻟﺰﻣﻦ . ﻛﻞ ﻋﺠﻼت ﻗﻄﺎره ﻻﺣﻘها اﻟﺼﺪأ . ﻣﺎذا ﻳﻨﺘﻈﺮ أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﻓﺎت . ﻳهمس ﻓﻲ ﻣﺴﻤﻌها ﻗﺒﯿﻞ أن ﻳﻀﻊ ﻋﻠﺒﺔ اﻟﺸﻤﺔ ﺗﺤﺖ وﺳﺎدﺗﻪ
وﻳﻨﺰع اﻟﺼﺪرﻳﺔ ﻟﯿﺘﻤﺪد وﻳﻨﺎم . ( ﷲ ﻳﺴﺘﺮ . اﻟﻮﻗﺖ ﺷﯿﺎن ﻳﺎﺧﯿﺮة ) . ﺗﺘﺮك ﻛﻠﻤﺎﺗﻪ ﺗﺪﻟﻒ اﻟﻰ ﻣﺴﻤﻌها دون ﻣﺤﺎوﻟﺔ ﻣﻨها ﻹدراك اﻟﺴﺒﺐ اﻟﺬي دﻓﻌﻪ ﻛﻲ ﻳﺄﺗﻲ ﺑﻤﺜﻞ ھﺬا اﻟﻜﻼم . ﻋﺎدﺗها ﻣﻌﻪ . ﻻ ﺗﺮﻳﺪ أن ﺗﻘﻠﺐ رأﺳﻪ ﺑﺎﻟﺘﻔﺎﺻﯿﻞ . ﺑﯿﻨهما اﻟﻤﻠﺢ . اﻟﻌﺸﺮة . اﻟﺜﻘﺔ 
اﻟﻠﯿﺎﻟﻲ اﻟﺘﻲ ﺗﺴهر ﻓﯿها ھﻲ أو ھﻮ ﺣﺘﻰ اﻟﺼﺒﺎح ﺣﯿﻦ ﺗﻤﺘﺪ ﻳﺪ اﻟﺒﻠﯿﺔ ﻓﺘﻤﺘﺤﻦ واﺣﺪا ﻣﻨهما . ﺗﺰوﺟها وھﻲ ﻓﻲ ﺳﻦ اﻟﺮاﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮ . ذاﻗﺎ ﻣﻌﺎ اﻟﺤﻠﻮ واﻟﻤﺮ . إذا ﻏﺎب ﻓﻲ ﻣهمة ﺧﺎرج اﻟﻀﯿﻌﺔ . ﻳﺮﺟﻊ اﻟﯿها اﻷﻣﺮ ﻛﻠﻪ . ﺣﺘﻰ أن ﻳﻮﻣﺎ ﻗﺼﺪھﺎ اﻟﻤﺎﺣﻲ ﺳﺎﺋﻖ اﻟﻤﯿﺮ ﻛﻲﻳﺄﺧﺬ اﻟﻌﺠﻞ ﻣﻦ إﺻﻄﺒﻠها ﻟﯿﻠﻘﺢ اﻟﺒﻘﺮات اﻟﺜﻼث ﻓﻤﺎ ردﺗﻪ . ﺑﻞ ﻗﺎﻟﺖ ﻟﻪ ﻳﻮم ﻳﻜﺮﻣﻚ ﷲ ﺑﻌﺠﻞ ﺣﺎول أن ﺗﺨﺒﺮﻧﺎ ﻛﻲ ﻧﻀﻊ ﻟﻪ اﻟﺤﻨﺔ ﻓﻲ ﻧﺎﺻﯿﺘﻪ . ﻳﻘﺼﺪھﺎ ﻛﻞ اﻟﺠﯿﺮان . ﺗﻘﻀﻲ ﻟهم ﻣﺎﻳﺴﺄﻟﻮن . ﻣﻦ ﻗﻄﻊ اﻟﺴّﺮة اﻟﻰ ﻏﺰل اﻟﺼﻮف اﻟﻰ ﻓﺘﻞ اﻟﻜﺴﻜﺲ ﻓﻲ اﻷﻋﯿﺎد واﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺎت . ﻣﺮة واﺣﺪة ﻛﺎﻧﺖ ﺧﺸﻨﺔ . رﻛﺒﺖ رأﺳها. ﻧﻈﺮت اﻟﻰ اﻟﺪﻧﯿﺎ ﺑﺎﻟﻤﻘﻠﻮب . وﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ زوﺟها ﺣﺎﺿﺮا ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﯿﻮم وھﻮ ﻳﻐﺴﻞ ﺣﺼﺎﻧﻪ اﻷﺳﻮد اﻟﻔﺎﻗﻊ اﻟﻠﻮن
ﻟﻜﺎﻧﺖ اﻟﻀﯿﻌﺔ ﻣﺸﺘﻌﻠﺔ ﻣﻦ أول ﺑﯿﺖ طﯿﻨﻲ اﻟﻰ آﺧﺮه . ﻓﺒﯿﻨﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺳﺮﺣﺖ ﻏﻨﻤها ﻛﻲ ﺗﺮﻋﻰ ﺑﺎﻟﻘﺮب ﻣﻦ ﺑﯿﺘها ﻓﺈذا ﺑﺄﺣﺪ اﻟﺠﯿﺮان أطﻠﻖ ﺟﻨﻮن اﻟﺴﺮﻋﺔ ﻟﺠّﺮاره ﻓﺎﺻﻄﺪم ﺑﺸﺎةَ ﻗُﺮب وﺿﻊ ﺣﻤﻠها. ﻓﻘﺪت رزاﻧﺘها. ﻻﺣﻘﺘﻪ ﺑﻌﻤﻮدھﺎ اﻟﺬي ﻛﺎﻧﺖ ﺗهش ﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﻏﻨﻤها.
ﺻﺎﺣﺐ اﻟﺠﺮار ﻟﻢ ﻳهرب . ﻳﺴﺘﺴﻤﺤها ﻛﺎن . ﺻﺮح ﺑﻌﯿﻨﯿﻦ اﻗﺮب اﻟﻰ اﻟﺒﻜﺎء أﻧﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﺠﻞ . ﻓﺈﻣﺮأﺗﻪ ﻋﻠﻰ اﻟﻔﺮاش ﻣﺮﻳﻀﺔ ﻣﻨﺬ ﻳﻮﻣﯿ وﻻﺑﺪ أن ﻳﺮى اﻷﻣﺮ ﺑﻨﻔﺴﻪ ﺑﺪل وﻟﺪه اﻟﺬي أﺧﺒﺮه ﺑﻜﻼم ﻣﺘﺪاﺧﻞ . ﻟﻢ ﺗﻌﻄﻒ . ﻟﻢ ﺗﻠﻦ . ﺧﺸﻨﺔ وﻋﻨﯿﺪة ﻛﺤﺠﺮ اﻟّﺼﻮان اﻟﺬي وﺿﻌﺖ ﻋﺪدا ﻣﻨﻪ ﺑﺠﺎﻧﺐ اﻟﺒﺎب ﻟﺘﺴﻦ ﻋﻠﯿﻪ اﻟﺨﻨﺠﺮ او ﺗﺠﻠﺲ ﻋﻠﯿﻪ ﻓﻲ اﻟﻤﺴﺎءات اﻟﻌﺬﺑﺔ اﻟﺠﻤﯿﻠﺔ . ﺣﯿﻦ ﻓﺸﻞ ﻓﻲ إﻗﻨﺎﻋها  ﻛﺎن زوﺟها وراء ظهرھﺎ .ﻟﻄﻢ ﺧﺪھﺎ ﺑﺼﻔﻌﺔ ﺣﺘﻰ دارت اﻟﻰ اﻟﺠهة اﻷﺧﺮى . ( ﻋﻨﺪﻣﺎ أﻛﻮن ھﻨﺎ ﻓﺎﻷﻣﺮ ﻳﻌﻮد ﻣﻦ أﺳﺎﺳﻪ إﻟﻲ ) . ﻟﯿﻠﺘها ﺑﻜﺖ . ﺷﻜﺖ زوﺟها ﻓﻲ ﻧﻔﺴها اﻟﻰ اﻟﻮﻟﻲ اﻟﺼﺎﻟﺢ ﺳﻲ ﺣﻤﺪ . ﻟﻢ ﺗﻨﻢ ﺣﺬاءه . ﻧﺄت ﻗﺪر ﻣﺘﺮﻳﻦ وﻧﺎﻣﺖ . ﻓﻲ اﻟﺤﻘﯿﻘﺔ ﻟﻢ ﺗﻨﻢ . اﻧﺘﻈﺮت  ﺗﺤﻠﻢ ﻟﻮ أﻧﻪ ﻳﺒﺎﻏﺘها ﺑﺘﻤﺴﯿﺪة أو ھﻤﺴﺔ أو أي ﺷﻲء ﻳﺼﺐ ﻣﻦ ﻟﺪﻧﻪ . أﻟﯿﺲ زوﺟها.؟. أﻟﻢ ﻳﺴﺒﺢ ﻛﻞ ﻣﻨهما ﻓﻲ اﻟﺤﻠﻮ واﻟﻤﺮ .؟. وﺿﻌﺖ راﺣﺘها ﺗﺤﺖ رأﺳها وﻏﻄﺖ ﺟﻤﯿﻊ أﻋﻀﺎء ﺟﺴﺪھﺎ إﻻ ﻣﻔﺮق ﺷﻌﺮھﺎ اﻟﺬي ﺗﺮﻛﺘﻪ ﺳﺎﻓﺮا ﺗﻠﻚ اﻟﻠﯿﻠﺔ . ﻳﺠﻨﻨﻪ ﺷﻌﺮھﺎ اﻷﺳﻮد اﻟﻔﺎﺣﻢ ﺧﺎﺻﺔ اذا ﻛﺎن ﻣﺮﻣﯿﺎ ﻋﻠﻰ
اﻟﻜﺘﻔﯿﻦ ﻛﺠﻨﺎﺣﻲ ﻏﺮاب . " ﻟﻦ أدﻧﻮ . ﺳﺄﺗﺮﻛها ﺗﺤﺎور ﻧﻔﺴها . اﻟﻤﺮأة ﺣﯿﻦ ﻻ ﺗﺒﺎﻟﻲ ﺑها ﺗﺮﺟﻊ ھﻲ ﺗﺒﺎﻟﻲ ﺑﻚ أﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﺳﺒﻖ . اذا ﺳﺒﻘﺖ ظﻠﻚ ﺳﯿﺒﻘﻰ ﻋﻠﻰ اﻟﺪرب ﺧﻠﻒ ظهرك وﺧﯿﺮة ﻣﺜﻞ ظﻠﻲ ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻠﺤﻈﺎت . " . ﻳﻤﯿﻨﺎ . ﺷﻤﺎﻻ . ﺗﺤﺮﻛﺖ . طﺮطﻘﺖ
ﻋﻈﺎم رﺟﻠﯿها ﺣﺘﻰ ﺗﻨﺒهه ﻋﻠﻰ أﻧها ﻣﺴﺘﯿﻘﻈﺔ . ﻣﺘﻮددة . ﻣﺘﺴﺎﻣﺤﺔ و ﻟﻮ ﺑﺪﻻل ﺧﻔﻲ . ﻟﻢ ﻳﺴﺘﺠﺐ . ﻟﻘﺪ ﺧﺮج ﻗﺒﻞ ﻗﻠﯿﻞ ودﻟﻖ ﻗﻄﺮات ﺑﺎردة ﻣﻦ اﻟﻤﺎء ﻋﻠﻰ ﻋﻀﻮه . ﻛﺎن ﻳﺰﺑﺪ . ﻳﺮﺗﻔﻊ وﻳﻨﺨﻔﺾ . ﻟﻢ ﻳﺠﺪ وﺳﯿﻠﺔ ﻟﺘهدﺋﺘﻪ ﺳﻮى اﻟﻤﺎء . ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻟﻢ ﺗﻔﻠﺢ ﺟﻤﯿﻊ طﺮﻗهاوﺣﯿﻠها ﻧﺎﻣﺖ . ھﻮ ﻛﺬﻟﻚ رﻣﻰ ﺑﻘﺒﻀﺔ ﻣﻦ أﺻﺒﻌﯿﻪ ﻣﻘﺪارا ﻣﻌﺘﺒﺮاﻣﻦ اﻟﺸﻤﺔ ﺗﺤﺖ ﻟﺴﺎﻧﻪ وﺗﺮك اﻟﻮﺳﻦ ﻳﺮاود ﺟﻔﻨﯿﻪ . ﺗﻠﻚ ﻟﺤﯿﻈﺎت وﻟﺖ . ﻣّﺮت .
أﺗﻠﻔها  اﻟﻨﺴﯿﺎن اﻟﻰ ﺟهة ﻣﺎ. ﻟﻜﻨها اﻵن ﺗﺄﺧﺮت . ﻣﺎﺑﺎﻟﻪ ﻳﻨﻈﺮ اﻟﻰ ﺟﺎﻧﺒﯿﻪ . اﻟﺸﻤﺔ ﺗﺤﺖ وﺳﺎدﺗﻪ . اﻟﻤﺼﺒﺎح ﺑﺒﻄﺎرﻳﺘﻪ اﻟﺬي اﻋﺘﺎد ان ﻳﻤﻮﺿﻌﻪ ﺑﺠﺎﻧﺒﻪ ﻓﻲ ﻣﻜﺎﻧﻪ . ﻋﺼﺎ اﻟﺰﺑﻮج ﻣﺴﺎﻓﺔ ﺷﺒﺮﻳﻦ ﻣﻦ ﻳﺪه . ﺧﻨﺠﺮه اﻟﺬي اورﺛﻪ ﻋﻦ ﺟﺪه ﺑﻮﻣﺪﻳﻦ ﻓﻲ ﻏﻤﺪه .داﺧﻞ اﻟﺼﺪرﻳﺔ اﻟﺘﻲ ﻧﺰﻋها  وﺛﻨﺎھﺎ ووﺿﻌهاﻋﻠﻰ ﻛﺮﺳﻲ اﻟﺨﺸﺐ . اذن ھﻨﺎك ﺷﻲء ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪه . رﺑﻤﺎ ﻧﺴﯿﻪ . ﻋﻠﻰ ﻏﯿﺮ ﻋﺎدﺗﻪ ھﺬه اﻷﻳﺎم .
- ﺧﯿﺮة . ﻳﺎﺧﯿﺮة . وﻳﻨﻚ ..؟
- ﻣﺎذا ھﻨﺎك ..؟
- ﺗﺄﺧﺮت
- اﻟﺼﺤﻮن اﺧﺮﺗﻨﻲ . طﺒﯿﻌﺘﻲ ﻻ ﺗﺴﻤﺢ ان أﺗﺮﻛﮫﺎ ﺣﺘﻰ اﻟﺼﺒﺎح
- ھﻞ أﻏﻠﻘﺖ اﻟﺒﺎب اﻟﺨﺎرﺟﻲ ﻟﻠﺤﻮش ..؟
- أﻏﻠﻘﺘﻪ
- وﻣﻌﻤﺮ .؟
- ﻟﻢ ﻳﺄت ﺑﻌﺪ
- وددت اﻟﻨهوض ﻟﻜﻨﻲ ﺗﻘﺎﻋﺴﺖ .

ﻗﺒﻞ أن ﻳﻜﻤﻞ اﻟﻜﻠﻤﺘﯿﻦ اﻷﺧﯿﺮﺗﯿﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﻏﺎدرت . من  ﺷﻔﺘﯿﻪ . ھﻤهم ﺑﻜﻠﻤﺎت ﻏﺎﻣﻀﺔ . ﺗﻤﺪد . واﺿﻌﺎ ﻳﺪﻳﻪ ﺗﺤﺖ رأﺳﻪ .. اﻟﻜﻼب ﻓﻲ
ﺳﻼﺳﻠها ﺧﺎرج اﻟﺒﯿﺖ ﻳﺰداد ﻧﺒﺎﺣهﺎ ﺣﯿﻨﺎ ﺑﻌﺪ ﺣﯿﻦ . اﻟﻈﻼم إزدادت ﻗﺘﺎﻣﺘﻪ . اﻟﺼﻘﯿﻊ ﺑﺪأ ﻳﺸﻨﻖ رؤوس اﻟﺰھﺮ واﻷﻋﺸﺎب اﻟﺤﺪﻳﺜﺔ اﻟﻨﻤﻮ .اﻷﺷﺠﺎر ﻛﺬﻟﻚ ﺗﺠﺎوﺑﺖ ﻣﻊ اﻟﺮﻳﺢ ﻓﺄﻋﻄﺖ ﺻﻮﺗﺎ ﺣﺰﻳﻨﺎ . ﺧﯿﺮة ﻓﻲ اﻟﻤﻄﺒﺦ . ﺗﻠﻘﻲ ﻧﻈﺮة أﺧﯿﺮة ﻋﻠﻰ اﻷواﻧﻲ . "ﻟﻢ أﻧﺲ ﻣﺎﻋﻮﻧﺎ . ﻏﺴﻠﺖﻛﻞ ﺷﻲء . آه . اﺳﺘﻐﻔﺮ ﷲ . " . ﺷﻌﺮت ﺑﺘﻌﺐ ﻳهﺪ  أوﺻﺎﻟهﺎ إرﺗﺨﺖ . ﻟﻤﺎذا ﻻ ﻳﺘﺰوج ﻣﻌﻤﺮ . ﻋﻠﻰ اﻷﻗﻞ ﻛﻨﺘهﺎ ﺗﺮﻳﺤهﺎ ﻣﻦ ﺣﻜﺎﻳﺔ اﻟﻤﻄﺒﺦ ھﺬه . " ﺳﺄﻟﻘﻲ ھﺬا اﻟﻜﻼم ﻓﻲ أذن ﺳﻠﯿﻤﺎن . أﻛﯿﺪ ﻻ ﻳﻤﺎﻧﻊ . ﺳﯿﻔﺮح . ﻟﻜﻦ ھﻞ ﻳﺮﺿﻰ ﻣﻌﻤﺮ ﺑﺎﻟﺰواج . . ؟.
" طﻖ . طﻖ . طﻖ ..طﻖ ..؟ ".. ﻳﺎﻟﻄﯿﻒ ﻣﺎذا ھﻨﺎك " . أﻟﻘﺖ ﻛﻠﻤﺎﺗﮫﺎ ﻓﻲ اﻟهواء و ارﺗﻌﺪت . ﺷﻌﺮت ﺑﺨﻮف وﺿﻌﻒ وأﺷﯿﺎء ﻣﺠهوﻟﺔ رﻛﺒﺖ
ﻛﯿﺎﻧها . وّدت ﻗﺒﻞ ﻗﻠﯿﻞ إﻏﻼق ﺑﺎب اﻟﻤﻄﺒﺦ ﻓﺘﺮاﺟﻌﺖ . ﻣّﺪت رأﺳﮫﺎ اﻟﻰ اﻷﻣﺎم . رﻣﺖ ﻧﻈﺮھﺎ ﻓﻲ اﻟﻐﺴﻖ ﻓﺮﺟﻊ ﻣﺤﺴﻮرا وھﻮ ﻛﻈﯿﻢ .
اﺻﻐﺖ . ﻟﻌﻞ وﻋﺴﻰ . " ﺳﺄذھﺐ اﻟﻰ ﺳﻠﯿﻤﺎن . أﺗﺤﺮى اﻷﻣﺮ ﻣﻦ ھﻨﺎك . ھﻞ ﻳﻜﻮن ﻗﺪ ﺧﺮج .؟ " . دﻧﺖ ﺧﻄﻮﺗﯿﻦ ﺛﻢ ﺗﺮاﺟﻌﺖ ﺣﯿﻦ
إﺷﺘﺪت اﻟﻀﺮﺑﺎت ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺎب اﻟﺨﺸﺒﻲ ﻟﻠﺤﻮش . " ﻣﻌﻤﺮ ﻟﻢ ﻳﺘﻌﻮد طﺮق اﻟﺒﺎب ﺑﮫﺬا اﻟﺸﻜﻞ . اذن . ﻣﻦ ﻋﻠﻰ اﻟﺒﺎب .؟
ﺗﺴﻤﺮت ﻗﻠﯿﻼ ﻓﻲ ﻋﺮﺻﺔ اﻟﻤﻄﺒﺦ . ﺑﻌﺪ ﻗﻠﯿﻞ اذا ﺳﻤﺢ ﷲ وﻟﻢ ﻳﺤﺪث ﺷﻲء ﺳﺘﺸﺮح ﻣﺎﺟﺮى ﻟﺴﻠﯿﻤﺎن . . ﺿﺮﺑﺔ ﻗﻮﻳﺔ وﻳﻨﻘﺴﻢ اﻟﺒﺎب اﻟﺨﺸﺒﻲ . ارﺗﺠﺖ . ﺗﻌﺜﺮ رﺟﻠﮫﺎ ﺑﻜﯿﺲ ﺑﻼﺳﺘﯿﻜﻲ ﻓﺴﻘﻄﺖ " ﻳﺎﺳﻲ ﺣﻤﺪ وﻳﻦ راك . ﻳﺎﻟﺼﻼّح وﻳﻨﻜﻢ ..؟. ﺑﻌﺒﺎءة ﻣﺘﮫﺪﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻮاﻣها
ارﺗﻤﺖ وراء زوﺟها . طﺒﻌﺎ ﺳﻠﯿﻤﺎن ﻛﺎن ﻛﺬﻟﻚ ﻳﺼﻄﻔﻖ . ﻳﺮﺗﺠﻒ . ورﺑﻤﺎ ﺗﺴﺎءل و ﻧﺎدى ﺳﻲ ﺣﻤﺪ ﻣﺮات ﻣﺘﺘﺎﻟﯿﺔ . ﻟﻜﻨﻪ ﻛﺎن ﻳﻘﻒ ﻋﻠﻰ رﻛﺒﺘﯿﻪ . اﻟﻠﻌﻨﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺜﺂﻟﯿﻞ . " ﻟﻮﻻ اﻟﻤﺮض ﻛﻨﺖ ﻗﻔﺰت ﻧﺎھﻀﺎ " .
- أﻧﺎ ﺧﺎﺋﻔﺔ ﻳﺎﺳﻠﯿﻤﺎن
- ھﺬه ﻟﯿﻠﺘهم. أﻋﺮف ذﻟﻚ . اﺳﻤﻌﻲ .
- ﻧﻌﻢ . " ﻗﻮل ﺑﺮك "
- اﻟﺘﺰﻣﻲ اﻟﺼﻤﺖ ودﻋﯿﻨﻲ أﺗﺼﺮف . ھﻞ ﻓهمت .؟
- فهمت. فهمت. ﻳﺎﺳﻲ ﺳﻠﯿﻤﺎن
ﺑﺼﻌﻮﺑﺔ . وﻋﻠﻰ ﻳﺪﻳﻦ ﻣﺮﺗﺠﻔﺘﯿﻦ ﻣﺮﺗﻜﺰﺗﯿﻦ ﻋﻠﻰ رﻛﺒﺘﯿﻪ نهض ﻓﻲ إﻧﺤﻨﺎءة اﻟﻤﺮﻳﺾ . ﻋﯿﻨﺎه ﺗﺒﺤﻠﻘﺎن ﻓﻲ اﻟﻤﻮﺿﻊ اﻟﺬي ﺳﻤﻊ ﻣﻨﻪ
اﻟَﻄﺮﻗﺎت واﻟﻀﺮﺑﺔ اﻟﻘﻮﻳﺔ اﻷﺧﯿﺮة . ﻣﺎ إن ﺗﺮك ﻣﺴﻤﻌﻪ ﻳﺠﺬب أﻣﺮا ﻣﺎ ﻣﻦ ﺧﺎرج اﻟﻐﺮﻓﺔ ﺣﺘﻰ وﺟﺪ ﻧﻔﺴﻪ أﻣﺎم ﺧﻤﺴﺔ ﻣﻠﺜﻤﯿﻦ . رﻗﺼﺖ ردﻓﺎه . ﻣﻊ أن أﻟﻢ اﻟﺜﺂﻟﯿﻞ ﻻزﻣﻪ وﻗﺘﺎ طﻮﻳﻼ ﻟﻢ ﻳﺸﻌﺮ ﺑﺸﻲء .
- أﻧﺖ ﺳﻠﯿﻤﺎن .؟
- أﻧﺎ ﺳﻠﯿﻤﺎن .
- ھﺬه زوﺟﺘﻚ.؟
- ھﺬه زوﺟﺘﻲ .
- أﻳﻦ ﻣﻌﻤﺮ .؟
- ﻻ أدري . ﺧﺮج ﻣﻨﺬ ﻣﺪة وﻟﻢ ﻳﻌﺪ
- ﻛﺬاب
- وأﻧِﺖ . ﻻ ﺗﺪرﻳﻦ أﻳﻦ ﻣﻌﻤﺮ .؟
- ﻻ . ﻻ أدري .
ﻓﻲ ﻣﺸﯿﺔ اﻣﺒﺮاطﻮرﻳﺔ . ﻣﺎﻋﺪا دﻟﯿﻠهم اﻟﺬي ﻳﻘﻔﺰ ھﻨﺎ وھﻨﺎك . ﻳﺸﻤﺸﻢ ﻋﻦ ﺷﻲء ﻣﺎ . ﻗﻠﺐ ﺧﺰاﻧﺔ اﻟﻤﻼﺑﺲ . ﺑﻌﺜﺮ ﻣﺤﺘﻮاھﺎ . ﺗﻮﻗﻔﺖ
ﻋﯿﻨﺎه ﻋﻨﺪ ﺣﺎﻓﻈﺔ ﻧﻘﻮد ﺟﻠﺪﻳﺔ ﺗﺂﻛﻠﺖ ﺣﻮاﺷﯿها. ﺳﺄل :
- أﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻟﺪﻳﻜﻢ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺎل.؟
ﻗﻔﺰت ﻧﻈﺮة ﻣﻦ ﺧﯿﺮة اﻟﻰ ﻋﯿﻨﻲ ﺳﻠﯿﻤﺎن . ﻏﻤﺰھﺎ ھﺬا اﻷﺧﯿﺮ ﺑﻄﺮف ﻋﯿﻨﻪ اﻟﯿﺴﺮى . ﺟﺎءت اﻟﻠﻜﻤﺔ اﻷوﻟﻰ ﻋﻠﻰ ﻗﻔﺎه . ﺳﻘﻂ ﻣﺘﻌﺜﺮاﻓﻲ ﻋﺒﺎءة اﻟﻨﻮم . ﻟﻌﻨﻪ ﻓﻲ ﺧﻠﺪه . ﻓﻜﺮ أن ﻳهجم ﻋﻠﯿﻪ ﻓﻮﻗﻒ ظﻞ ﻣﻌﻤﺮ ﻓﻲ اﻟﻮﺳﻂ ." ﻟﻮ ﺣﺪث وﺿﺮﺑﺘﻪ ﺳﺄﻓﺘﻘﺪ ﻣﻌﻤﺮ " . ﺟﺎش ﻓﻲ ﻋﻤﻖ ﺧﯿﺮة اﻹﻗﺪام ﻋﻠﯿﻪ ﺑﻐﺮز أظﺎﻓﺮھﺎ ﻓﻲ وﺟهه .ﺗﺼﺎﻟﺐ رأﻳﮫﺎ ﺑﺮأي ﺳﻠﯿﻤﺎن ﻓﻲ اﻟﻐﯿﺐ . ﻣﻊ ذﻟﻚ ﺳﺮﻗﺖ ﻧﻈﺮة اﻟﻰ اﻟﻌﺼﺎ اﻟﺘﻲ ﺣﺬاء رﺟﻠﮫﺎ . ﺗﺮاﺟﻌﺖ اﻟﻰ اﻟﻮراء ﻗﻠﯿﻼ . ﻻﻣﺴﺖ اﻟﻌﺼﺎ ﺑﻜﻌﺒﮫﺎ . ﺧﺸﻨﺔ وﺑﺎردة ﻛﺎﻧﺖ .
- ھﻞ ﺗﺼﻠﻲ..؟ " ﺳﺄﻟﻪ وھﻮ ﻳﻤﯿﻂ اﻟﻠﺜﺎم ﻋﻦ ﻟﺤﯿﺔ ﻛﺜﺔ ﻧﺘﻨﺔ "
- ﻧﻌﻢ أﺻﻠﻲ
- ھﻞ إﻧﺘﺨﺒﺖ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﺒهة.؟
- اي ﺟﺒهة؟
دار وﺟهه ﺟهة زوﺟﺘﻪ إﺛﺮ ﺻﻔﻌﺔ ﺣﺎرة ﻗﻮﻳﺔ ﺗﻠﻘﺎھﺎ ﺑﻐﺘﺔ .
- ﻣﺎﺗﻀﺮﺑﻮش . أﺣﺸﻢ ﻋﻠﻰ أﺻﻠﻚ ﺷﻮﻳﺔ
اﻷرﺑﻌﺔ اﻵﺧﺮون ﻛﺎﻧﻮا ﻓﻲ ﻗﻤﺼﺎﻧهم اﻻﻓﻐﺎﻧﯿﺔ . أﻧﻔﺎﺳهم ﺗﻐﺪو وﺗﺮوح ﺗﺤﺖ راﺋﺤﺔ اﻟﻌﻄﺮ اﻟﻨﻔﺎذ . ﺑﺈﺷﺎرة ﻣﻦ ﻋﯿﻨﻪ . إرﺗﻤﻮا ﻋﻠﯿها. اﺧﺬوھﺎ
ﻓﻲ زاوﻳﺔ ﻣﻦ ﻧﻔﺲ اﻟﻐﺮﻓﺔ . ﺗﺮاﺟﻊ دﻟﯿﻠهم اﻟﻰ اﻟﻮراء . أﻛﻤﻞ :
- ھﻨﺎك ﺟﺒهة واﺣﺪة . . واﺣﺪة ﻻ ﻏﯿﺮ . ھﻞ ﻓهمت. أم أﻧﻚ اﻧﺘﺨﺒﺖ ﻋﻠﻰ اﻷﺧﺮى ..؟
- ﻻ . ﻻ . ﻟﻢ أﻧﺘﺨﺐ ﻋﻠﻰ اﻷﺧﺮى
- إذن ..؟
ﺻﻤﺖ . ود ﻟﻮ أﻧﻪ ﺷﺎب . ﺑﻞ ﺣﻠﻢ ﻟﻮ ﻳﺮﺟﻊ ﺑﻪ اﻟﻌﻤﺮ ﻗﻠﯿﻼ اﻟﻰ اﻟﻮراء ﻛﻲ ﺑﻀﻊ ھﺬا اﻟﺨﻨﺰﻳﺮ ﺗﺤﺘﻪ وﻳﻌﻠﻤﻪ ﻣﻌﻨﻰ اﻟﺤﯿﺎة واﻟﻤﻮت ﻋﻠﻰ
اﻟﺴﻮاء . دﻓﻌﻪ ﺑﺨﻨﺠﺮ رﺷﺎﺷﻪ اﻟﻰ اﻟﻮراء ﻓﺘﺸﻘﻘﺖ ﻋﺒﺎءﺗﻪ ﻓﻮق اﻟﻘﻠﺐ ﺑﻘﻠﯿﻞ .
- ﻻ ﺗﻔﻜﺮ ﻓﻲ اﻟﮫﺮوب ﻧﺤﻦ ﺣﺎﺻﺮﻧﺎ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻣﻦ ﻣﺨﺮﺟﮫﺎ اﻟﻰ ﻣﺪﺧﻠﮫﺎ . ﻓﻜﺮ ﻣﻌﻲ . أﻳﻦ ﺗﻈﻦ ﻧﺠﺪ ﻣﻌﻤﺮ.؟ .
- وﷲ ﻳﺎإﺑﻨﻲ ﻻ أدري .؟ "
- دﻋﻨﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﻤﺮ .. ﻧﻌﺮف أﻧﻚ ﻧﺎﺋﻢ ﻋﻠﻰ ﻛﯿﺲ أو ﻛﯿﺴﯿﻦ ﻣﻦ اﻟﻤﺎل . ﺑﺈﺧﺘﺼﺎ ر ﺳﻮف ﻧﺸﺮب ﻣﻦ ھﺬه اﻟﻘﺎرورة رﻳﺜﻤﺎ ﺗﺮﺟﻊ ﻟﻨﺎ
ﺑﻤﺎ ﺳﻤﻌﺖ
ﺣﺪﺟﺘﻪ ﺧﯿﺮة ﺑﻌﯿﻦ داﻣﻌﺔ . ھﺰت ﻛﺘﻔﯿﮫﺎ ﻋﻼﻣﺔ اﻟﺮﻓﺾ . أﺷﺎر إﻟﯿﮫﺎ ﺑﺈﻟﺤﺎح أن ﺗﺄﺗﻲ ﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺼﻨﺪوق . ﻣﺸﺖ ﻣﺘﺜﺎﻗﻠﺔ . ودت ﻟﻮ ﻳﺪﻓﻌﮫﺎ
ذﻟﻚ اﻟﺪﻟﯿﻞ . ﻟﻮ ﻳﺼﻔﻌﮫﺎ . ﻟﻮ ﻳﺸﺘﻤﮫﺎ . أﻳﺔ ﻛﻠﻤﺔ ﺗﺄﺗﻲ ﻣﻨﻪ ﻳﻨﻔﺠﺮ ﻗﻠﺒﮫﺎ ﻋﻦ ﻟﺒﺆة . " ﺳﺄﻣﻀﻲ ﺑﺠﺎﻧﺒﻪ وأﻟﻜﺰه ﻗﻠﯿﻼ . ﻻﺑﺪ ان ﻳﺄﺧﺬ ﺣﻘﻪ
وﻟﻮ ﺑﻌﻀﺔ . ﺑﺼﻔﻌﺔ . ﺑﺸﺘﯿﻤﺔ . ﻟﻤﺎذا ھﺪأ .؟ ﻣﺎﻟﺬي أﺧﺮه اﻟﻰ اﻟﻮراء .؟. اﻟﺠﺒﻨﺎء داﺋﻤﺎ ھﻜﺬا . ﺣﯿﻦ ﻳﺘﺄﻛﺪون ﺑﺜﻘﺔ ﻋﻤﯿﺎء ﻓﻲ ﺣﺼﻮﻟﮫﻢ
ﻋﻠﻰ اﻟﻤﺎل ﻳﺘﻤﺴﻜﻨﻮن . ﻣﺎذا ﻟﻮ رﻓﻀﺖ . إﻳﻪ . ﻣﺎذا ﻟﻮ رﻓﻀﺖ وأﻗﻔﻠﺖ ﺑﺎب اﻟﺤﺠﺮة ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ . ؟ . ﻳﺎرﺑﻲ . ﻣﻮﺳﻢ اﻟﺒﺬر ﻋﻠﻰ اﻷﺑﻮاب
. ﺣﻖ اﻟﻤﺎزوت واﻷﺳﻤﺪة واﻟﺒﺬور وو .. إذا أﺧﺬوا ھﺬا ﻣﺎذا ﺳﻨﺄﻛﻞ . اﻟﺘﺮاب ..؟. أف . ﺳﻮف أق..."
- " . ﺧﯿﺮة ..؟"
إﺳﺘﻠها  ﻣﻦ ﻋﺎﻟﻤها . ﻛﺎن ﺳﻠﯿﻤﺎن ﻳﺮﻳﺪ أﻧهاء اﻟﺰﻳﺎرة ﻓﻲ ظﺮف وﺟﯿﺰ . ﺑﻌﯿﻨﯿﻦ ﺟﺎﺣﻈﺘﯿﯿﻦ ﻛﻌﯿﻨﻲ اﻟﻠﺒﺆة وﺑﯿﺪﻳﻦ ﺗﺤﺎوﻻن إﻳﻘﺎد ﺷﻌﻠﺔ ﻣﺎ وﺿﻌﺖ اﻟﻜﯿﺲ ﺑﯿﻦ ﻳﺪي اﻟﺪﻟﯿﻞ 
- ﺟﻤﯿﻞ .. ﻟﻜﻦ ﻧﺮﻳﺪ أن ﺗﻮﺻﻠﻨﺎ اﻟﻰ رأس اﻟﻄﺮﻳﻖ . ﻋﺮﺑﺔ ﺟﺮارك ﺗﻠﯿﻖ ﺑﻨﺎ ﻧﺤﻦ اﻟﺨﻤﺴﺔ . ھﯿﺎ أﺳﺮع . ﻟﻤﺎذا ﺗﻨﻈﺮ إﻟّﻲ ھﻜﺬا . ؟
- ﻟﻜﻦ اﻟﺠﺮار ﻻ ﻳﺸﺘﻐﻞ ﺑﺎﻟﻤﻔﺘﺎح . ﻧﺤﻦ ﻧﺪﻓﻌﻪ ﺑﺄﻳﺪﻳﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺤﺮك
- ﻧﺪﻓﻌﻪ ﺑﺄﻳﺪﻳﻨﺎ
" اﻟﻨﺬل . أظﻨﻪ طﻤﻊ ﻓﻲ اﻟﺠﺮار ﻛﺬﻟﻚ . ؟. ﻻ . إﻻ اﻟﺠﺮار . ﺧﺒﺰة اﻟﻌﺎﺋﻠﺔ ھﻮ . ﻋﺎﺋﻠﺘﻲ ﻟﻦ ﺗﺴﺘﺐ . ﻟﻦ ﺗﺴﺘﻘﺮ إذا ﺣﺮﻣﻮﻧﻲ ﻣﻨﻪ . أﻣﻮت وﻻ
ﻳﺄﺧﺬوه . ﻳﺎﻟﻘﺴﺎوة اﻷﻳﺎم . ﻣﻦ ﻛﺎن ﻳﻈﻦ أن ﻳﺴﺮق اﻟﻮاﺣﺪ ﻓﻲ ﻣﻠﻜﻪ و أﻣﺎم ﻋﯿﻨﯿﻪ وھﻮ ﺣﻲ ﻳﺮزق . ﻣﻦ ﻛﺎن ﻳﻈﻦ ذﻟﻚ . ﺛﻢ ﻣﻦ وراء
ھﺬه اﻟﻔﺘﻨﺔ ﻛﻠﮫﺎ . ھﺬا اﻟﺨﺮاب ﻛﻠﻪ . ﻣﻦ .ﻣﻦ .؟؟ "
ﺻﻔﻖ اﻟﺒﺎب وراءه ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺗﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﺧﺮوﺟهم ﺟﻤﯿﻌﺎ وأﺗﺠهوا ﺟﻤﯿﻌﺎ ﻳﺪﻓﻌﻮن اﻟﺠﺮار ﻛﻲ ﻳﺘﺤﺮك ووﻗﻔﺖ ﺧﯿﺮة ﺗﺸّﯿﻌهم ﻣﻦ ﺧﻼل ﺿﻠﻔﺔ
اﻟﺒﺎب ﺑﻌﺪﻣﺎ ﻓﺘﺤﺘﻪ دون أن ﺗﺤﺪث ﺻﺮﻳﺮا ودﻣﻮﻋها ﻗﺪ أﺧﺬت ﻣﻨﺤﻨﺎﻳﺎت ﺷﺘﻰ ﻋﻠﻰ ﺧﺪﻳها . وﻗﻠﺒها ﻳﺮدد ﻣﻊ ﺷﻔﺘﯿها " ﻟﯿﺘﻪ ﻳﻌﻮد ﺳﺎﻟﻤﺎ .
ﺳﻠﯿﻤﺎن وﻻ اﻟﺠﺮار..

الأحد، 10 فبراير 2013

أبي.. نزار قباني



أماتَ أَبوك؟
ضَلالٌ! أنا لا يموتُ أبي.
ففي البيت منه
روائحُ ربٍّ.. وذكرى نَبي
هُنَا رُكْنُهُ.. تلكَ أشياؤهُ
تَفَتَّقُ عن ألف غُصْنٍ صبي
جريدتُه. تَبْغُهُ. مُتَّكَاهُ
كأنَّ أبي – بَعْدُ – لم يّذْهَبِ
وصحنُ الرمادِ.. وفنجانُهُ
على حالهِ.. بعدُ لم يُشْرَبِ
ونَظَّارتاهُ.. أيسلو الزُجاجُ
عُيُوناً أشفَّ من المغرب؟
بقاياهُ، في الحُجُرات الفِساحِ
بقايا النُسُور على الملعبِ
أجولُ الزوايا عليه، فحيثُ
أمرُّ .. أمرُّ على مُعْشِبِ
أشُدُّ يديه.. أميلُ عليهِ
أُصلِّي على صدرهِ المُتْعَبِ
أبي.. لم يَزلْ بيننا، والحديثُ
حديثُ الكؤوسِ على المَشرَبِ
يسامرنا.. فالدوالي الحُبالى
تَوَالَدُ من ثغرهِ الطَيِّبِ..
أبي خَبَراً كانَ من جَنَّةٍ
ومعنى من الأرْحَبِ الأرْحَبِ..
وعَيْنَا أبي.. ملجأٌ للنجومِ
فهل يذكرُ الشَرْقُ عَيْنَيْ أبي؟
بذاكرة الصيف من والدي
كرومٌ، وذاكرةِ الكوكبِ..
*
أبي يا أبي .. إنَّ تاريخَ طيبٍ
وراءكَ يمشي، فلا تَعْتَبِ..
على اسْمِكَ نمضي، فمن طّيِّبٍ
شهيِّ المجاني، إلى أطيبِ
حَمَلْتُكَ في صَحْو عَيْنَيَّ.. حتى
تَهيَّأ للناس أنِّي أبي..
أشيلُكَ حتى بنَبْرة صوتي
فكيف ذَهَبْتَ.. ولا زلتَ بي؟
*
إذا فُلَّةُ الدار أعطَتْ لدينا
ففي البيت ألفُ فمٍ مُذْهَبِ
فَتَحْنَا لتمُّوزَ أبوابَنا
ففي الصيف لا بُدَّ يأتي أبي..

السبت، 2 فبراير 2013

نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي



قدّم الدكتور عزالدين فراج للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات: «حياة محمد»، «عظمة الرسول»، «الإعجاز العلمي والإسلامي»، إضافة إلى عدد من الكُتب فى المجالات الأدبية والاجتماعية منها: «فن القراءة»، «العالم العربي الجديد»، «نحو قرية أفضل». هذا إلى جانب تقديم أكثر من سبعين بحثاً علمياً وزراعياً، كما تولى رئاسة لجنة وضع «دائرة المعارف العلمية المصورة للبيئة العربية العالمية للنبات والحيوان»، وحصل على الجائزة الأولى في البحث العلمي 1958، والجائزة الأولى في التأليف الأدبي والاجتماعي أعوام 1947، 1948، 1955، 1963، 1968، وكلفته وزارة الثقافة المصرية بترجمة العديد من الكتب العلمية. ومن الكتب التي ترجمها «نبي الإسلام في مرآة الفكر الغربي»، الذي طُبع عام 1953 في مطبعة «الجهاد» في القاهرة، وكان فراج حينذاك مدرساً في جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، والكتاب ملحق مجلة «الأزهر» لقرائها ويضم نماذج من شهادات كوكبة من العلماء العظماء لنبي الإسلام ورسول الإنسانية، ورحمة الله للعالمين. وبحسب الدكتور محمد عمارة في تقديمه للكتاب، «يستطيع العقل المسلم أن يرد بها (الشهادات) على الافتراء والازدراء الذي يصدر من السفهاء الجهلاء ضد الإسلام ورسوله ورموزه ومقدساته».
ومن الشهادات التي يضمها الكتاب: نبي الإسلام كما صوره الإنكليزي بوسورث سميث (1784-1884) في كتابه «محمد والدين المحمدي»، إذ قال: «لقد ظل محمد إلى آخر حياته وليس له لقب يعتز به إلا أنه نبي مُرسل من عند الله، من دون أن يكون له جيش قائم ولا دخل ثابت. وإذا كان لأي إنسان أن يدعي الحق في تلقي الوحي من الله فإنه محمد، وأنه لحدث فريد في التاريخ أن يؤسس محمد شعباً وامبراطورية وديناً». ويُضيف سميث في موضع آخر من كتابه: «لقد كان محمد موفقاً كل التوفيق، ولم يُحدثنا التاريخ عن مثله. لقد جمع بين زعامات ثلاث، زعامة الشعب، وزعامة الدين، وزعامة الحكم والسلطان، ومع أنه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب، فقد جاء بكتاب جمع بين البلاغة والتشريع والعبادة». أما السير وليم ميور (1819-1905) فتناول حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) بالبحث والتحليل من جوانب مختلفة فكتب عنه: «ومن صفاته الجديرة بالتنويه الرقة والاحترام اللذين كان يعامل بهما أتباعه حتى أقلهم شأناً، فالتواضع والرأفة والأناة وإنكار الذات والسماحة والسخاء تغلغلت في نفسه فأحبه كل من حوله. وكان يكره أن يقول لا، فإذا لم يتمكن من أن يجيب الطالب لسؤاله فضّل السكوت على الجواب، وقد قالت عنه عائشة: إنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا أساء شيئاً تبيناه في أسارير وجهه أكثر من كلامه، ولم يمس أحداً بالضرر إلا في سبيل الله، ويُؤثر عنه أنه كان لا يمتنع عن إجابة دعوة إلى بيت مهما كان رب البيت، وإذا جلس إلى صاحبه لم يرفع نحوه ركبتيه تشامخاً منه وكبراً، وكانت له تلك الخلة النادرة التي يجعل بها كل فرد من صحابته يظن أنه المُفضل المختار».
ودرس لامارتين (1790-1869) حياة محمد (صلى الله عليه وسلم) دراسة وافية، أدرك ما فيها من عظمة وخلود، ما جعله يسجل ويقول: «أترون محمداً كان أخ خداع وكذب؟ لا، لم يكن خادعاً ولا كاذباً بعدما عرفنا تاريخه ودرسنا حياته، فالكذب والخداع والتدليس صفات تتولد من نفاق العقيدة وليس للنفاق قوة العقيدة وليس للكذب قوة الصدق». وفي تناوله لحياته (صلى الله عليه وسلم) يقول: «إن حياة محمد وقوة تأمله وتفكيره وجهاده، ووثبته على خرافات أمته وجاهلية شعبه وخزعبلات قبيلته، وشهامته وجرأته وبأسه، وثباته ثلاثة عشر عاماً يدعو دعوته في وسط أعدائه، وقبوله سخرية الساخرين وهزأه بهزء الهازئين وحميته في نشر رسالته، وتوافره على السعي في إظهار دعوته، ووثوقه بالنجاح وإيمانه بالفوز ورباطة جأشه في الهزائم، وتطلعه إلى إعلان كلمة الله وتأسيس العقيدة الإسلامية، ونجاح دينه بعد موته... كل ذلك أدلة على أنه لم يضمر خداعاً أو يعيش على باطل. وهذا اليقين الذي ملأ روحه هو الذي وهبه القوة على أن يرد إلى الحياة فكرة عظيمة وحجة قائمة ومبدأ مزدوجاً، وهو وحدانية الله وتجرد ذاته عن المادة. الأولى تدل على من هو الله، والثانية تنفي ما ألصقه الوثنيون به. الأولى حطمت آلهة كاذبة، والأخرى فتحت طريقا إلى الفكر والتأمل»، وكتب المستشرق الفرنسي اميل درمنغم (1892-1971م) تحت عنوان «رسول الله»: «تاريخ البشرية ما هو إلا سلسلة من الإيحاء والالهام، إذ يسمع البشر بين وقت وآخر صيحة مدوية، وإذا برجل يسير في طريق الحق غير متوان، عاملاً على أن يوقظ الآخرين من نومهم العميق. هكذا يقوم خلاص البشر على سلسلة من الأفعال الحرة الطليقة. وهكذا نهض محمد (صلى الله عليه وسلم) يدعو قومه إلى دين الواحد الأحد...
وهكذا نهض لينبه آسيا وأفريقيا، وليجدد بلاد فارس الناعسة وليث نصرانية الشرق التي أفسدتها التأملات الفاترة، وشأن الأنبياء في العالم كشأن قوى الطبيعة الهائلة النافعة، كشأن الشمس والمطر، كشأن عواصف الشتاء التي تهز الأرض وتثيرها لتتزين ببساط أخضر في بضعة أيام. وأحسن شهادة لهؤلاء الأنبياء ما يورثونه من راحة العقول وطمأنينة القلوب وشد العزائم والصبر على الشدائد، مع شفاء الأخلاق المريضة الواهنة».
كما اعترف المستشرق الفرنسي أندريه سرفيه بفضل النبي (صلى الله عليه وسلم) في كتابه «الإسلام ونفسية المسلمين» بقوله: «لا يتحدث هذا النبي عن المرأة إلا في لطف وأدب، كان يجتهد دائماً في تحسين حالها ورفع مستوى حياتها، لقد كانت النساء قبله لا يرثن بل كن متاعاً يورث لأقرب الرجال، وكأنهن مال أو رقيق، وعندما جاء الرسول قلب هذه الأوضاع فحرر المرأة وأعطاها حق الإرث». ثم اختتم سرفيه كلامه قائلاً: «لقد حرر مُحمد المرأة العربية، ومن أراد التحقيق بعناية هذا النبي فليقرأ خطبته في مكة والتي أوصى فيها بالنساء خيراً وليقرأ أحاديثه المتباينة».
ويشير فراج إلى أن الكولونيل الأميركي ر. ف. بودلي (1545-1613) والذي أختلط بالعرب ودرس حياتهم الخاصة بصورة واسعة، جذبته حياة مُحمد (صلى الله عليه وسلم) ما دفعه إلى تناول حياته ومظاهر عظمته في كتاب، لافتاً إلى أنه «كان على نقيض من سبقه من الأنبياء، فإنه لم يكتف بالمسائل الإلهية بل تكشفت له الدنيا ومشكلاتها، فلم يغفل الناحية العملية الدنيوية في دينه، فوفق بين دنيا الناس ودينهم، وبذلك تفادى أخطاء من سبقوه من المصلحين الذين حاولوا خلاص الناس عن طريق غير عملي. لقد شبّه الحياة بقافلة مسافرة يرعاها إله، وأن الجنة نهاية المطاف».
ويضيف بودلي أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) «لم تتبدل أمانته، ولم يتغير صدقه، بل بقيت فضائله ثابتة على الأيام، حتى لُقب بالأمين ولم تفتنه النساء قط، ولم تفتنه الشهوات أيضاً، وبقيت غرائزه الجنسية مهذبة، وكان حاضر البديهة، عذب الحديث».

الخميس، 31 يناير 2013

جملكية آرابيا / واسيني الأعرج



أحيانا أشتهي أن أنسى كل الوجوه و لا أفكر إلا في ماريوشا و أنا لا أعلم لماذا؟ ربما لأني كنت أراها دائما كلحظة مسروقة و مستحيلة لبشير إلمورّو. تفاحة الجنة التي تخطاها نحو ماض كان يسكنه، و كان يريد أن يصفّي حسابه معه نهائيا. و لكن زمن ثلاثة أو أربعة قرون لم يكن كافيا لكي يلتفت أخيرا نحو ماريوشا التي جعلت منه رهانها.
ومع ذلك، شيء واحد في القصة سيبقى عالقا فب ذهني، للمرة الأولى يحدث معي أنا الرجل الذي تعلّم أن العقل هو سراج الوجود: هل عاد بشير إلمورّو إلى التراب بعد أن خسر أندلسه في ليلة الفاجعة القاسية؟ و هل عاش ثلاثة قرون، و في رواية أدق أربعة قرون؟ أتساءل، على الرغم من أني أدرك سلفا أن الأمر ليس مهما، لا بالنسبة لي و لكن بالنسبة لجميع من عرفوا بشير أو توارثوا قصته عبر الأجيال المتعاقبة.
ماجاء في خاتمة الرواية.
البشير المورّو يعود من زمن الخيبة الأندلسية هاربا من جيش فرناندو و إزابيلا على متن سفينة قراصنة رمت به سجن  مظلم لقرصان تركي قبل أن يغفو في كهف فينتقل إلى حيث يكون البطل المنتظر في حكايات سيدي عبد الرحمان المجذوب.
البشير المورو انتقل من الأندلس فجأة إلى زمنٍ ما من أزمنة اليوم، إلى جملكية آرابيا حيث حاكم دكتاتور يحكم شعبه باسم الديموقراطية و عشيقته دنيازاد الأخت الشقيقة لشهرزاد و التي تواصل الحكاية لحاكم هو شبيه بحكام العرب الفارغو الأجساد الذين لا يملكون سوى فرقهم الأمنية التي تجعل من رؤوس الشعب تنحني لهم. بالطبع في آخر الرواية يسقط الدكتاتور أو الأصح يتم إسقاطه.
الرواية تقع في 670 صفحة و هي صادرة عن منشورات الجمل بألمانيا. و لكي أكون صريحا وجدت صعوبة في الإستمتاع بها، الرواية ضخمة بالأحداث و القصص التي استقى منها الكاتب عمله هذا، و على الرغم من أن هذه ميزة الرواية على حسب الناشر الذي رأى أن واسيني استثمر المنجزات العربية القديمة و الحديثة  ليشكل بذلك ملحمة أدبية، إلا أنني كقارئ لم أرى الأمر كذلك للأسف، لقد وقفت على حشو للحكايا. فمن قصة الحلاج إلى قصة الخضر عليه السلام، من قصة ابن رشد إلى محمد بن عبد الله الصغير، و من قصة شهرزاد إلى قصة سيدي عبد الرحمن المجذوب إلى غيرها من القصص التي شهدت لها تكديسا بعضها فوق بعض.
أحسست أن واسيني أراد أن يقدم لنا رواية تجاري الأحداث، فكأنه كتبها عن القذافي. هناك الكثير من الفترات التي يشير فيها صراحة إلى حاكم عربي ممن سقطوا في الثورات الأخيرة. لذلك فهي في رأيي البسيط المتواضع رواية كتبها صاحبها لأنه أحب أن يكتبها و فقط فقام بتشغيل مجموعة من الحكايا التاريخية ليأتي لنا بحكاية أخرى منها. هذا لا يعني بتاتا أن الرواية غير جيدة بل أقول فقط أنها لم تترك في التأثير الذي كان يجب أن تتركه.
بطاقة:
واسيني لعرج
تاريخ النشر: 2011
عدد الصفحات:670

الخميس، 24 يناير 2013

من مجزرة الثورة الفرنسية الى الديمقراطية



لكل شعب طريقه الخاص في التطور. البعض يعثر على الطريق الصحيح بسرعة، نسبيا، والبعض الاخر يتطلب منه ذلك بضعة قرون اضافية، تعيقه افكاره الجامدة وتمسكه بعادات القرون الحجرية وعزته الفارغة، ولكن في النهاية يضطر الى ابتلاع مكابرته والاعتراف بالضرورة. وعلى الرغم ان الثورات التي تندلع، في غالبيتها تتشابه بالبشاعة والفظاعات، المرتكبة بأسم الفضيلة، وتتشابه في محاولة الانتهازيين ركوبها والاستيلاء على نتائجها، وان القسم الضئيل منها ينتهي نهاية سعيدة، الا ان التغييرات الكبيرة تستلزم بالضرورة ثورات. المؤسف فقط ان ذلك لايعني نهاية الالم وانما لربما بدايته على اسس جديدة.. من هنا اهمية التطلع الى الثورة الفرنسية للمقارنة. 


صيف عام 1789 كان حار للغاية. كان الباريسيون غير قادرين تحمل البقاء داخل منازلهم، المصممة لحفظ الحرارة. البقاء بالخارج يؤدي الى التجمعات وتبادل التعبير عن القلق، فالدولة كانت على ابواب الافلاس، إذ ان الديون اقتربت من 56 مليون ليرة، وكانت الاسواق تفتقد كل شئ، بما فيه الخبز.

بين تجمعات الناس كان الدعاة يتجولون ويدعون للثورة. كانوا يطالبون بإنشاء برلمان، ليتكلم بأسم الشعب وليصدر القوانين ويبني نظان ينهي تفرد الملكية والامتيازات التي تعيش فيها الارستقراطية. 


كان الفلاحون والعمال قد تعبوا من مداخيلهم القليلة. والطبقة البرجوازية الوسطى، ومن بينها الاطباء والمحاميين والتجار لم يكونوا راضيين عن النظام القديم الذي يقدم الخيرات فقط لرجال الدين والاقطاعيين. إضافة الى ذلك كان الجميع مستائين من فقدان الخبز.

في نفس الوقت كان الملك لودفيغ السادس عشر في قصره في فرساي خارج باريس. لم يكن الملك او الملكة يفهمون اسباب امتعاض الشعب. عندما سمعت الملكة بالتظاهرات من اجل الخبز قالت:" إذا كانوا لايملكون الخبز يستطيعون تناول التورتة".

غير ان حياة البذخ في القصر الملكي وصلت الى نهايتها مع انتفاضة الشعب يوم 14 يوليو 1789. الاف الناس اجتمعت بعد ان شاعت الاشاعات ان 15 الف جندي ملكي في طريقهم الى باريس لتنظيف الشوارع من الرعاع، بالقوة.
كانت الاشاعات غير صحيحة، غير انها نجحت في اقناع الناس ان الوقت قد حان لرفع السلاح. المشكلة كانت في انهم لم يكونوا يملكون السلاح. لذلك زحفت الجموع الى المستشفى العسكري " ليس انفاليديس" حيث يوجد 32 الف بارودة في الشرداق.

جنود حماية باريس كانوا يتعاطفون مع الانتفاضة ومنهم من انضم الى الشعب في انتفاضتهم. غالبية الجنود من طبقات فقيرة كما انهم يأكلون في المطاعم الشعبية لذلك يعرفون نبض الشعب.
امتلاك بارودة بدون ذخيرة بدون فائدة. لهذا السبب انطلقت الجماهير الغاضبة الى سجن باستيل، إذ قبل يوم واحد جرى تجميع جميع ذخيرة المدينة، 15 الف كيلو، في مخازن السجن، لكون المكان آمن. 


الباستيل قلعة من القرن الرابع عشر، وتملك ثمانية ابراج دائرية مرتبطة بسور ارتفاعه 25 متر وعرضه اربعة امتار. ويحيط بالقلعة خندق يمكنه ملئه بالماء، والباب الرئيسي يرتبط بجسر فوق الخندق يمكن رفعه.

يملك الباستيل سمعة سيئة، حيث يقال ان المساجين كانت موثقة بالسلاسل. الواقع كان مختلفا، إذ كان المساجين يملكون زنزانات مريحة، لهم الحق بإمتلاك أغراضهم الخاصة ولهم الحق بإستقبال زوارهم في الزنزانة. وكان لكل سجين الحق بمبلغ يومي لشراء الطعام. وإذا تمكنوا من توفير بعض النقود لهم الحق باخذها معهم، بعد انقضاء محكوميتهم. ولم يكن هناك مساجين سياسيين كما تدعي الاشاعات. عندما اقتحم الثوار الباستيل كان هناك اربعة بتهمة تزوير العملات واثنين من المجانين، أحدهم كان يعتقد انه يوليوس قيصر او الله، وشخص اخر مسجون بتهمة اغتصاب ابنته.

عندما اجتمع الناس حول الباستيل كان كان مديره الماركيز لاوني يأكل طعام الفطور، الساعة العاشرة. كان لاوني شخصا مترددا ليس لديه خبرات عسكرية. وتحت امرته يوجد 82 جندي متقاعد يعملون كحراس و33 شخص من الحرس السويسري.

بعد الفطور يسمع اصوات الناس الغاضبة، ويبدأ في استقبال الوفود للتفاوض لتسليم القلعة، ولكن لاوني كان متردد. كان لاوني يحاول كسب الوقت معتقدا ان قوات من الملك ستأتي لنجدته. غير انه كان متأكدا من ان الحرس الذي تحت امرته كانوا يتعاطفون مع الثوار، في حين ان الضباط يرفضون الاستسلام لان ذلك ينتهك مبادئ الشرف. 


فقط في المساء بدأ المرء يسماع صوت الطلقات. لااحد يعلم من الذي بدأ في اطلاق النار، ولكن ذلك كلف حياة مئة شخص تقريبا. في ذلك الوقت انضم احد ضباط الحرس الوطني الى الناس المحاصرين للباستيل، وفي طريقه الى هناك حرض بعض الجنود عل مرافقته مصطحبين بعض المدافع. هذه المدافع هي التي حسمت مصير الباستيل.







عندما وصل الجنود الى القلعة نصبوا مدافعهم بمواجهة باب القلعة. لاوني فهم على الفور ان المعركة قد انتهت، وان القضية مسألة وقت. لقد حاول الاستسلام ولكن الجموع الهائجة لم تفهم اشاراته، إذ كان يصرخ من احدى النوافذ ويلوح بالمنديل الابيض ، غير ان الجموع اعتقدات ان أحد الجنود يلوح لهم طالبا منهم الهجوم.

امام هذه الفوضى يغير لاوني التكتيك، فيكتب بخط كبير على لوحة يحذر من ان هناك مخزون كبير من البارود وانه سيقوم بتفجيره إذا لم تتراجع الجموع. غير ان ذلك ادى الى ردة فعل عكسية. الجموع بدأت تصرخ:" لن نستسلم، اهدموا البوابات". عند ذلك امر لاوني بتنزيل الجسر وفتح الابواب، لتسقط القلعة، أخر معقل للملك.

الجموع تأخذ لاوني والضباط اسرى وتقودهم عبر شوارع باريس. تحت تأثير الانتصار، الجلاد يقوم بإهانة مدير الباستيل والبصق عليه. في النهاية يفقد لاوني القدرة على التحمل فيرفس احد معذبيه. عند ذلك تهجم عليه الجموع وتبدأ بطعنه بالسكاكين والمعاول والفؤوس. بعد ذلك يقومون بفصل رأسه عن جسده، ويتمخترون به في شوارع باريس.

بسرعة تنتشر الثورة من المدينة الى القرى، والاشاعات هي التي تقوم بأشعال النار في النفوس. حسب الاشاعات تجوب عصابة في البلاد لتنهب القرى والدساكر ثم تحرقها. الاشاعة تبث الذعر بين الفلاحين ويتوجه الفلاحون للتسلح والاستعداد لاستقبال العدو الغير موجود. ولكن هذه الطاقة التي جرى تحشيدها تحتاج الى اشعال نيران وخلق ضحية، لذلك يتوجه الفلاحون نحو ضياع الاريستقراطيين والاقطاعيين وكبار المزارعين المتروكة لتبدأ عمليات التخريب والنهب. في جميع انحاء البلاد تنهار بنية الدولة القديمة.

في البداية يتشكل مجلس شعبي لادارة السلطة، ولكن بسرعة يصعد افراد راديكاليين وقادرين على ادارة الخطاب حسب المزاج الشعبي.

السنوات التالية تتميز بالادارة الفوضوية حيث قادة الثورة تتصارع مع بعضها على السلطة. ومع ذلك لاينسون قادة النظام القديم. روبسبيير ، قائد الثورة، يرسل الاف الاريستوقراطيين، بما فيه الملك نفسه، الى المقصلة. بعد نصف سنة فقط من أعدامه للملك يصبح روبسبيير نفسه ضيفا على المقصلة، كنتيجة لنظام الارهاب الذي أقامه، وفي خلاله قتل 40 الف شخص، غالبيتهم على المقصلة، ولكن الكثيرين منهم قتلى في حملات اعدام جماعي وشعبي. في مدينة ليون، مثلا، استخدموا المدافع، وسيلة للقتل، لتوفير الوقت.

وعلى الرغم من ان الثورة الفرنسية كانت واحدة من اسوء حمامات الدم، على مر التاريخ، إلا أنها كانت فاتحة الطريق للتطور الديمقراطي في اوروبا، وهي خطوة كبيرة للامام. بعد الثورة الفرنسية، اصبحت السلطات المطلقة للملوك ليس امرا مفروغا منه. لقد اصبح بالامكان المطالبة بالملكية الدستورية، واصبح بأمكان فقراء اوروبا تغيير ظروف حياتهم والاشتراك في تحديد شروط اللعبة السياسية والاقتصادية.

بقية البلدان الاوروبية فهمت التحولات وبدأت الاصلاحات. مبادئ الثورة الفرنسية عن الحرية والمساواة والاخوة اصبحت جزء من الدستور عام 1789، لتبدأ الخطوات الاولى والسلمية نحو تطور لديمقراطية اكبر واوسع. فقط في عام 2012 اصبحت هذه المبادئ امرا مطلوبا في العالم العربي، لازال نيله يحيطه الكثير من الصعوبات.

الجمعة، 18 يناير 2013

الحذاء الجديد


أخيرا رضخ والدي لرغبة أمي في أن ترى قدميه في حذاء جديد، مر وقت طويل وهي تحاول اقناعه أن حذاءه أصبح بالياً جداً ولم يعد يصلح للاستعمال، وبالفعل كان حذاء أبي مشققاً ممزقاً بدرجة كبيرة، ويبدو أن خبر موافقة ابي على التوجه للمدينة لشراء حذاء جديد قد شاع في الحي، وها هم الجيران يدلون بدلوهم في الموضوع ويقدمون اقتراحاتهم، جارنا حارس الغابة السيد كارلسون اقترح على أبي أن يشتري نوعية اسمها بوكسكالف، من الجلد القوي وتدوم طويلا كما قال، وسعرها مناسب باعتقاده.
سألني أبي ان كنت أرغب في مرافقته للمدينة لشراء الحذاء الجديد، وافقت طبعاً، وكنت أعلم أن أبي يسعد بصحبتي، ويأنس بوجودي الى جواره، أبي كان رجلاً بسيطاً وخجولاً.
في الحي القديم من المدينة بحثنا طويلا عن عنوان محل الأحذية الذي وصفه جارنا السيد كارلسون.
سرنا طويلاً، وبعد تيه وجدنا أنفسنا أمام محل كبير للاحذية، لم نصدق ما رأت أعيننا لحظة دخولنا المحل ذو الواجهات الزجاجية الجميلة اللامعة، كانت المرايا الصقيلة المذهبة الأطر تنتشر في كل ركن من اركان المحل، وعمال المحل من الجنسين بملابسهم الأنيقة يتنقلون بين الزبائن ويساعدونهم على اختيار الأحذية المناسبة، الزبائن ومعظمهم من النساء كانوا على درجة عالية من الأناقة، وتضوع منهم روائح العطور الثمينة.
تقدمت احدى البائعات منا وسألت أبي
- تريد حذاء لك سيدي ام لابنك؟
- لي انا، ابني حذاؤه ما زال جديداً كما ترين.- ما هو القياس سيدي؟
- لا أعرف، ولكني أريده حذاء بوكسكالف
- عفواً، هذه النوعية لا نبيعها هنا، ثمة ماركة مما هو معروض هنا ترغب في تجربته سيدي؟
- نعم، ماركة غير بوكسكالف التي ليست عندكم
كنت اعرف أن أبي لا يعرف أي اسم لأي ماركة أحذية.
خلع أبي حذاءه، وأخذت البائعة فردة منه لتعرف قياس قدمه.
ولاحظت أنا الفرق بين قدمي أبي الكبيرتين الخشنتين، وأقدام الزبائن الاخرين.
تأملت احدى السيدات وهي تدخل قدمين جميلتين ناعمتين بجواربها الحريرية الشفافة في حذاء بديع الصنع، ثم رأيتها تسد أنفها وتمضي مبتعدة في اللحظة التي خلع بها أبي حذاءه.
انا احببت دائماً رائحة ابي، دائماً ظننت ان كل رائحة من جسم ابي طيبة وطبيعية، رائحة أنفاسه.. رائحة اقدامه .. رائحة عرقه. صدمت ان ثمة من ينفرون من رائحة ابي ولا يخجلون من اظهار نفورهم.
احضرت البائعة لابي حذاء ليجربه، وضع ابي قدميه في الحذاء الجميل، وبدت ملامح السرور على محياه وهو يخطو بضع خطوات فوق السجاد الاحمر الثمين. وبدا واضحاً جداً ان الحذاء اعجبه.- كم ثمنه؟ سأل البائعة
- هذا الحذاء سيدي من ماركة معروفة، ولزبون خاص مثلك نبيعه بثمان وعشرين كروناً. كنت اعرف أن ابي لا يملك سوى عشرة كرونات، وان امكاناته المالية تسمح بشراء حذاء لا يزيد سعره عن ثمانية الى ثمانية كرونات ونصف.
ورايت ابي يخلع الحذاء الجديد ويرتدي مسرعاً حذاءه القديم.
وسمعت ونحن نغادر المكان احد الزبائن المتغطرسين يسأل البائعة متأففاً.
- كيف دخل هذا الى هنا؟
ولأول مرة وجدت في ضعف سمع أبي ميزة حسنة، اذ جنبته المزيد من الهوان بما جاء من تعليقات ساخرة من اولئك المتغطرسين. وفهمت يومها أن الاختلاف بين الفقير والغني ياخذ شكلاً هرمياً، يبدأ من القاعدة التي هي القدمين ونوع الحذاء....ويتنتهي بالقمة.... الراس ونوع القبعة التي نرتديها.
خرجنا من المحل، ورأيت على وجه أبي خيبة أمل واضحة لعدم حصوله على ذاك الحذاء الذي أعجبه، سرنا غير بعيد في سوق المدينة، فاذا نحن وجها لوجه أمام المحل الذي وصفه لنا السيد كارلسون، وهناك جرب أبي على عجل حذاء من نوع بوكسكالف الذي اقترحه جارنا، خلعه أبي وقال للبائع.
- انه صلب ويضغط على الأصابع بشكل مؤلم، ابتسم البائع وعلق قائلاً
- أنت تعرف يا سيدي أن كل الأحذية الجديدة تكون كذلك قبل أن تعتادها القدم.
أبي الذي كان قد جرب منذ قليل حذاءً جديداً رائعاً مريحاً لم يصدق ما قاله البائع، ومع ذلك فقد نقد البائع ثمانية كرونات ونصف ثمن الحذاء، وحمل حذاءه الجديد تحت ابطه بعد أن لفه البائع بأوراق صحف قديمة ومضى.
وفهم أبي وفهمت أنا أن أحذية الفقراء فقط هي التي تؤلم الأقدام حين تكون جديدة.
وما زالت ذكرى ذلك اليوم الذي اشترى فيه أبي حذاءً جديداً تحرك في نفسي كل مشاعر الكره لطبقية بغيضة تشمل حتى ما يرتدي الانسان في قدمه.


ايفار لو جوهانسن (1901 - 1990):

الثلاثاء، 15 يناير 2013

بومبي قرية الفاحشة



لله عز وجل آيات في الدنيا منها ما ذُكر في القرآن عن أقوام عصوا الله فأنزل عليهم غضبه، مثل قوم عاد وثمود وقوم لوط الذين كانوا يمارسون الفاحشة مع الرجال.
يقول الله تعالى بسورة إبراهيم :" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)".
قوم لوط لم يكونوا آخر الخلق الفاسدين، ولعل أقربهم وجعلهم الله عبرة وآية كانوا أهل قرية "بومبي" البالغ عددهم 200.000 نسمة، وهي إحدى المدن الإيطالية تقع على البحر المتوسط بالقرب من مدينة "نيبلس" الإيطالية، وكانت عامرة أيام حكم الإمبراطور "نيرون"، والتي مازالت تخضع لعمليات ترميم لتكشف عن الكثير من الأسرار الإنسانية والمعمارية.
"بومبي" الآن هي أحد المزارات السياحية، بعد أن ظلت في طي النسيان حتى القرن الثامن عشر عندما اكتشفت آثار "بومبي" وعثر على مناطق بها جثث متحجرة، وتم اكتشافها في إيطاليا عام 74 بعد الميلاد، وكانت أحد المدن الحضارية القديمة قبل أن تهلك بالكامل هي ومدينة أخرى بالقرب منها تسمي "هيركولانيوم" بعد أن دمرها بركان "فسيوفيوس" بطريقة غريبة، والمتأمل في قصة هذه القرية لن يجدها مجرد قصة من قصص التاريخ أو سجلاً تاريخياً لقطع أثرية نادرة، ولكنها تحمل عبرة لمن يعتبر.
كان لدي "بومبي" حضارة مزدهرة وقطع نقدية، وكانت تطل على جبل بركاني خامد، وكان معظم السكان من الأثرياء، وظهر ذلك على معالم المدينة، فكانت شوارعها مرصوفة بالحجارة وبها حمامات عامة وشبكات للمياه تصل إلى البيوت، كما كان بها ميناء بحري متطور وكان بها مسارح وأسواق، وآثارهم أظهرت تطور بالفنون من خلال النقوش ورسومات الجدران.
واشتهرت هذه المدينة "بالزنا" وحب أهلها للشهوات، وكانت يوجد بها بيوت للدعارة في كل مكان، وتنتشر غرف صغيرة لممارسة الرذيلة لا يوجد بها سوى فراش.
أهل قرية "بومبي" كانوا يمارسون "الزنا" والشذوذ حتى مع الحيوانات، بعلانية أمام الأطفال وفي كل مكان ويستنكرون من يتستر، وفجأة انفجر عليهم البركان فأباد القرية بكاملها.
ومن الجدير بالذكر أن هذا البركان انفجر مرة أخرى عام 1944م، حصد خلاله 19 ألف نسمة، ويقول الباحثون، إن انفجار البركان عام 74م كان أضعاف الانفجار الثاني واستمر حوالي 19 ساعة عندما أهلكت المدينة بكاملها.
وظلت المدينة مدفونة لمدة 1700 عام تحت كمية كبيرة من الرماد، وظلت كذلك قروناً طويلة حتى عثر عليها أحد المهندسين خلال عمله في حفر قناة بالمنطقة، واكتشف المدينة بعد أن غطتها البراكين وكل شيء بقي على حالته خلال تلك المدة بعد أن أصاب المدينة بكاملها العذاب وأهلكت تماماً.
وأثناء التنقيب تم الكشف عن الجثث على سطح الأرض، وكانت المفاجأة أنهم ظهروا على نفس هيئاتهم وأشكالهم، بعد أن حلّ الغبار البركاني محل الخلايا الحية الرطبة لتظهر على شكل جثث إسمنتية، وأهلكهم الله سبحانه وتعالي على مثل ما هم عليه.
ويري أحد خبراء الآثار ويدعى "باولوا بيثرون" وعالم البراكين "جو سيفي" أن أهل القرية احيطوا بموجة حارة من الرماد الملتهب تصل درجة حرارتها إلى 500 سيليزية، بصورة سريعة جداً حيث غطت 7 أميال إلى الشاطئ، وتظهر الجثث على هيئاتها وقد تحجرت الأجساد كما هي، فظهر بعضها نائم وآخر جالس وآخرون يجلسون على شاطئ البحر وبكل الأوضاع بشحمهم ولحمهم.
عندما انفجر البركان ارتفع الرماد إلى 9 أميال في السماء وخرج منه كمية كبيرة من الحميم، ويقول العلماء إن كمية الطاقة الناجمة عن انفجار البركان يفوق أكبر قنبلة نووية ثم تساقط الرماد عليهم كالمطر ودفنهم تحت 75 قدماً.
وبعد عمل العديد من الأبحاث على 80 جثة لأهل القرية وجد العلماء أنه لا توجد جثة واحدة يظهر عليها أي علامة للتأهب لحماية نفسها أو حتى الفرار، ولم يبد أحدهم أي ردة فعل ولو بسيطة، والأرجح أنهم ماتوا بسرعة شديدة دون أي فرصة للتصرف، وكل هذا حدث في أقل من جزء من الثانية.
أهل "بومبي" كانوا يرسمون الصور الإباحية على جدران منازلهم أمام الأطفال والنساء والكبار، حتى إن الباحثين اليوم يعتبرون أن فن الخلاعة قد بدأ في هذه المدينة.
والآن بعد أن أصبحت المدينة مزاراً سياحياً للسياح، بعض المناطق بها يحظر على الأطفال والأقل من 18 عاماً دخولها بسبب الرسومات الإباحية، وخاصة على بعض المباني والحمامات التي كانت تعرض المتعة لزبائنها.

ويذكر أن "بومبي" لفتت نظر العديد من الشخصيات على مدار التاريخ وخاصة من محبي الفنون، ولكن زارها الملك فرانسيس الأول من نابولي لحضور معرض بومبي في المتحف الوطني مع زوجته وابنته عام 1819، صدم بما رآه من رسومات واعتبرها فنون جريئة ومخالفة لاحترام الآداب العامة.
وكان مترفو مدينة بومبي يتمتعون بمشاهدة المصارعة بين البشر والحيوانات المفترسة التي تنتهي بموت أحدهما، وقتلوا بهذه الطريقة الكثير من الموحدين المسيحيين قبل قرابة 2000 سنة.. وإليكم بعض الصور الخاصة بالمدينة وسكانها.
قال الله تعالى : (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) سورة الأنبياء.
( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84).
(وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30).