السبت، 22 ديسمبر 2012

«دراكولا» لبرام ستوكر




في واحدة من أعمق الدراسات التي توقفت بالتفصيل عند العلاقة بين السينما التعبيرية الألمانية وظهور النازية في ألمانيا سنوات العشرين، يقول الباحث سيغفريد كراكور في بحثه المسمى «من كاليغاري إلى هتلر» إن السينمائيين الألمان إنما عبّروا من خلال شخصية الغيلان - مصّاصي الدماء -، ولا سيما دراكولا ونوسفراتو وما شابههما عن ذلك الرعب من مجيء هتلر، كوحش نازي سيمتص دم الشعوب ويدمّر أوروبا. والغريب في الأمر أن كراكور، على رغم صواب مقولته، لا يأتي في كتابه كله على ذكر أمر كان يتعين عليه أن يلفت انتباهه، وهو أن الكاتب الذي أحيا أسطورة دراكولا، عند نهاية القرن التاسع عشر، وهو الإرلندي الأصل برام ستوكر، كان حين كتب ونشر روايته الأولى والأشهر في هذا المجال «دراكولا رجل الليل» عضواً في تنظيم إرلندي سرّي يسمى «الفجر الذهب»، ويحمل من المبادئ ما مكّن من القول لاحقاً أن الفكر النازي نفسه قد غرف منه ومن العديد من منطلقاته على أساس مبادئه. والحال أننا حتى يومنا هذا - وقد يكون في الأمر عذر لكراكور -، لا نعرف الكثير عن نشاطات تلك المنظمة حتى ولو كان ثمة شبهات تفيد بأن فكر المنظمة، الوثني والسحري، كان وراء العديد من الكتابات الغرائبية والتنبئية التي كثر صدورها في ذلك الحين وبالتالي وراء ظهور النازية، أي الفكر القومي - الاشتراكي لاحقاً. والحقيقة أن هذه الشبهات لن يفوتها أن تطرح العديد من التساؤلات حول تلك «الصدفة» التي جعلت برام ستوكر يصدر روايته في وقت كان ينشط فيه بقوة داخل إطار تلك المنظمة.
> ومهما يكن من الأمر، لا بد من الإشارة هنا إلى أن كثراً من القراء قد ظلوا يجهلون اسم برام ستوكر لعقود طويلة من الزمن، حيث أن شخصيته المبتكرة (دراكولا) سرعان ما استقلت بنفسها في القرن العشرين، لتنسي «المعجبين» «المناضل» الإرلندي، خصوصاً أن «دراكولا» نفسه عاد وتسمّى بالعديد من الأسماء، في الأفلام السينمائية، كما في الروايات وفي ضروب الفن الأخرى. ولقد احتاج الأمر إلى فيلم عن «دراكولا» حققه المخرج الأميركي فرانسيس فورد كوبولا أواخر القرن العشرين وجعل عنوانه «دراكولا برام ستوكر» حتى يعود إلى الأذهان اسم ستوكر هذا ويربط اسم دراكولا باسمه.
> المهم أن برام ستوكر عاش في إنكلترا عند نهايات القرن التاسع عشر، في زمن كان فيه ظلّ الملكة فيكتوريا يخيّم على البلاد كلها، خالقاً العديد من الخيالات والأفكار المرعبة. ولقد أتيح لستوكر الشاب في ذلك الحين أن يلتقي بالعديد من الشخصيات الغربية، التي سيقول في آخر أيامه أن كلا منها كادت تكون «دراكولا» حقيقياً. ومن هنا، انطلاقاً من تلك اللقاءات تمكّن الكاتب من صياغة الشخصية. غير أن دراكولا لم يأت من العدم، ولا من خيال ستوكر، ولا من لقاءاته، بل أتى في أبعاده الحقيقية من عمق التاريخ. أي أن ستوكر غاص في تاريخ أوروبا الوسطى خلال القرون السابقة ليعثر على شخصية تاريخية حقيقية تمكن من استخدامها رمزاً للعديد من المخاوف التي كانت تعصر الروح الأوروبية في ذلك الوقت. ولسوف يقول ستوكر أيضاً أنه ما كان في إمكانه أن يعثر على تلك الشخصية إلا في الخرافات والأساطير الشعبية التي كانت، في جوهرها، تعبّر عن رعب عام. ومن هنا كان رمز مصّ الدماء - ككناية عن مرض الطاعون الذي كانت تنقله الجرذان وشكل رعباً لأوروبا كلها منذ العصور الوسطى-، ورمز الثوم والصليب كوقاية وترياق - ويجب أن نذكر هنا أن الثوم كان منذ العصور الوسطى مستخدماً لإبعاد الجرذان والجراثيم، ولا يزال مفعوله هذا معروفاً حتى الآن - أما الصليب كترياق فأمر لا يحتاج إلى تفسير، طالما أن الكنيسة كانت تأتي في تلك العصور لتقول للناس إن كل وباء وكارثة، يحلان بهم، إنما هما عقاب من الله، سببه ابتعاد الإنسان عن الكنيسة والإيمان الديني.
> إذاً على خلفية هذا كله، «أعاد» برام ستوكر «اكتشاف» شخصية وجدت حقاً في القرن الخامس عشر في منطقة فالاكيا شمالي البلقان... واسم الشخصية في الحقيقة هو فلاد دراكولا، وكان أميراً عرف كيف يدافع عن منطقة ترانسلفانيا ضد المولداف المتوحشين كما ضد الأتراك المحتلين. وفلاد دراكولا هذا، في الحرب التي خاضها ضد أعدائه، لم يكن لطيفاً ولا هادئاً بل كانت ضروب العقاب التي كان يمارسها على الأسرى الذين يقعون في يديه، من القسوة والعنف بحيث جاء لقب «دراكولا» أي الشيطان مناسباً له. وانطلاقاً من هنا، إذا كان فلاد قد اعتبر أول الأمر بطل تحرير وطني، فإنه لاحقاً عاد واعتبر رمزاً للشر والعنف، ثم غولاً حقيقياً... وراحت الأساطير الشعبية تتثاقل «مآثره» وإن كانت تغيّر اسمه تبعاً للهجات أصحابها وأسماء الشيطان لديهم، فهو تارة دراكولا وتارة نوسفراتو وطوراً موريو، ثم ستريفيو فبيكوليتش، لكنه هو نفسه دائماً، ذلك الوحش الضاري الذي لا يتورع عن مص دماء ضحاياه لكي يعيش في الليل إذ يخرج من قبره... ولا يمكن قهره إلا بتعريضه إلى النور - لأنه أمير الظلام - وبدق وتد حاد الطرف في صدره.
> إذاً، هذه الصورة هي التي استعارها برام ستوكر من الأساطير الشعبية التي حيكت من حول الأمير فلاد... لكنه، إذ كتب روايته عملاً غرائبياً مسلياً، ومفعماً بالرموز في الوقت نفسه، آثر أن يحدث العديد من التجديدات في الشخصية. وهكذا ولدت على يديه إمكانية تحول الغول إلى خفاش، مضيفاً إلى هذا، الثوم والصليب اللذين استعارهما من أساليب مكافحة الشعوب الأوروبية الوسطى لداء الطاعون...
> وإذ اتسمت الأسطورة بكل هذه التجديدات، أصبحت على يدي برام ستوكر، وعلى رغم كل ما يمكن لنا أن تقوله من حول علاقتها المسبقة بالفكر النازي، أصبحت واحدة من أروع الكتب المنتمية إلى الأدب الغرائبي. ولقد أصدر برام ستوكر روايته هذه في عام 1897، لتعرف من فورها نجاحاً شعبياً كبيراً، وهو أمر دفع المؤلف إلى أن يكرس نفسه منذ ذاك الحين وصاعداً للأدب، ضارباً الصفح عن أية نشاطات مهنية أخرى له. ومع هذا علينا أن ندرك هنا أن هذا العمل سيعتبر أكبر ما كتبه وأجمل ما كتبه هذا الكاتب الذي لن يتمكن أبداً في أي من أعماله التالية من استعادة جمال وصفاء عمله الأول، حتى وإن كان قد عرف له عملان آخران حقق كل منهما نجاحاً ما على طريقته، الأول هو «جوهرة النجوم السبع» وتتحدث عن انبعاث وتقمص ملكة فرعونية مصرية قديمة، والثاني هو «حجر الدودة البيضاء»، ويتحدث عن تمكن دودة عملاقة من البقاء على قيد الوجود في قبو قصر مسكون.
> على رغم نجاح أعماله وطبع «دراكولا» مرات عدة خلال حياته، سيعيش برام ستوكر (المولود في دابلن عام 1847) سنوات صعبة عند نهاية حياته هو الذي توفي في عام 1912، ذلك أن الأمراض نهشته. وهو حين مات، مات شبه منسيّ على رغم أن السينما كانت قد بدأت تستولي على روايته الكبرى وتحولها أفلاماً ناجحة... ومن هنا لم يعد إلى الأذهان إلا لاحقاً في سنوات الأربعين حيث استشرت النازية وساد التساؤل حول جذورها الفكرية لتكون من بينها أفكار جمعية «الفجر الذهب» التي كان ستوكر ناشطاً فيها حين كتابة دراكولا. وبالنسبة إلى ستوكر كان لافتاً على أية حال أن الصراع لديه أخذ دائماً طابعاً ميتافيزيقياً بين النور والظلام والخير والشر، وهو طابع لا يفوتنا أبداً أن نلاحظ أن النازية أضفته دائماً على الصراعات التي خاضتها.


أحلام مستغانمي.. “الأسود يليق بك”


عندما أعلنها صريحة الرئيس الأول للجمهورية الجزائرية بعد استقلالها الراحل أحمد بن بله قائلاً: “إن أحلام مستغانمي شمس جزائرية أضاءت الأدب العربي”، كان يعلم بأنها ستكون مشرقة دوماً، وإن طرأ عليها بعض الغروب أحيانا.
في عام 1993 ولدت أحلام مستغانمي أدبياً، “ذاكرة الجسد” الأرث الأدبي الذي ورثته مستغانمي مبكراً، دفع بها إلى صفوف الأوائل من الأدباء العرب والمشاهير، رغم الولادات الأدبية المتعثرة التي سبقت هذا العمل، إلا أن الجنون الإبداعي ـ كما وصفه الراحل نزار قباني ـ كان لها.
منذ ذلك التاريخ وإلى هذه اللحظات، ما تزال “ذاكرة الجسد” تتصدر قائمة الروايات العربية الأكثر مبيعاً وتداولا، ومستغانمي تحاول أن تقول إنه لم يكن نجاحها اليتيم.
تقدمت بأعمال متنوعة “فوضى الحواس”، “عابر سرير” و”نسيان كم”، تسترجي بها إرضاء تلك الذائقة التي غرستها في ذاكرة القارئ العربي الأدبية.
لكن النجاح المماثل يبدو أنه عاد اليوم، بعد جولات عديدة من البحث، وغروب طال غيابه، أشرقت مستغانمي من جديد بعمل يليق بثقة بن بله.
“الأسود يليق بك”.. موسيقى أدبية، تعزف لحناُ شرقياً رومانسياً، في زمن لا يرى غير الأسود لوناً له.
الزائر للمكتبات العربية هذه الأيام، سيجد باقات من أزهار التوليب البنفسجية تعطر مداخلها، مستندة إلى غلاف رواية اسمها “الأسود يليق بك”.
في أقل من شهر واحد، بيعت أكثر من سبعين ألف نسخة من رواية “الأسود يليق بك”، كما أعلنت صاحبة العمل. وجموع غفيرة تسابقت للحصول على نسختها الموقعة في معرض بيروت الدولي للكتاب، الذي أقيم أخيراً.

في عام 2009 أعلنت أحلام مستغانمي، التحدي على الرجل من خلال عملها “نسيان كم”، وأهدت بنات جنسها من الإناث نصائح عميقة في النسيان “أحبيه كما لم تحب امرأة، وانسيه كما ينسى الرجال”. بل وحرمت على الرجل الدخول إلى أوراقها مصرحة “ممنوع دخول الرجال”. بالإضافة إلى حملة دعائية كبيرة، إلا أنه لم يلق استحسان الكثير من النقاد والجماهير، الذين احتاروا في تحديد هويته بين الرواية أو دليل للعلاج النفسي!
الباحث عن سر الجمال المستغانمي يجده في “اللغة”، سلاحها الأول ترسم به لوحاتها الأدبية بإتقان. المفردات لعبتها تتراقص أمامها طرباً في كل عمل تكتبه. جمال الأسلوب وتنسيق العبارات مسلّمات لا تغيب عنها أبداً. القصة والأبطال يتحولون لديها إلى أدوات فرعية أمام جماليات اللغة.
“الموسيقى لا تمهلك، إنها تمضي بك سراعاً كما الحياة، جدولا ولا طربا، أو شلالا هادرا يلقي بك الى المصب. تدور بك كالفالس محموم، على إيقاعه تبدأ قصص الحب.. حاذر أن تغادر حلبة الرقص كي لا تغادرك الحياة. لا تكترث للنغمات التي تتساقط من صولفيج حياتك، فما هي الا نوتات.”
الجزائر همها الأول، لم تغب يوماً عن أي عمل تكتبه أحلام ابنه الثائر الجزائري. لكنها هذه المرة اختارت الحدث الذي أظلم نهار الجزائر، وزرع الخوف في سمائها قبل أرضها “الإرهاب”.
الحياة لدى مستغانمي مستمرة، وإن تراكمت المآسي، يبقى الحب حاضراً. كيف لا وهي المرأة الشاعرة. وهل يُكتب الشعر من دون حب؟!
بين بيروت مدينة الجمال وباريس عاصمة الحب والنور، أهدت أحلام مستغانمي أخيراً، وبعد طول انتظار جمهورها العربي، باقات من أزهار التوليب البنفسجية، هامسة في أذن كل امرأة عاشقة بأن (الحب) يليق بك أكثر.

حكايات إسبانية

شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في الع...