الأحد، 19 أكتوبر 2014
الاثنين، 8 سبتمبر 2014
أدب " الخيال العلمي "
هو جنس أدبي وُلد في نهاية القرن الثامن عشر، يقوم على إقحام ظواهر تعتبر خارقة للطبيعة في الواقع، ويستند على القلق أو الذعر الناجمين عن ظواهر غامضة تصدم بقوة خيال الشخصيات، وكذلك القارئ. الكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية fantasticus، المشتقة بدورها من اليونانية phantastikos. التي تعني «القدرة على خلق الصور»، «fantaisie».
2ـ محاولة لوضع التعريف
ليس من السهل وضع تعريف للأدب العجائبي، وبالتالي تتواجه المدارس وتتعارض: أين يبدأ الأدب الفانتازي وأين ينتهي؟ ومن الصعب تقديم جواب حاسم. هناك من المنظّرين من يرفض عدّ الفانتازيا جنساً [أدبياً]، وخاصة الفيلسوف (ألان شارفِر مِجان) Alain Chareyre ـ Méjan الذي يرفض الوقوع في مطب تعريف الفانتازي، فهو يتعامل معه كـ«واقعة جمالية»، كإحساس قريب من المنفّر. وهناك كثيرون يجعلون بداية الفانتازيا مع أبولي(1) Apulée وكتابه التحولات Métamorphoses، وآخرون مع غرائب القرون الوسطى. لكن معظم المنظّرين يعتقدون كمسلّمة أن الأدب الفانتازي بدأ في القرن الثامن عشر، واستمر خلال القرن التاسع عشر؛ حيث بلغ عصره الذهبي، ووصل إلى القرن العشرين. ثمة ثلاث مقاربات نقدية للفانتازيا تسيطر على تحليلات هذا الجنس، الأولى تاريخية (بيير جورج كاستكس Pierre ـ Georges Castex) والثانية سيماتية (روجي كايوا Roger Caillois ولوي فاكس Louis Vax)، والأخيرة بنيوية (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov).
.jpg)
أـ المقاربة التاريخية
يقدم المنظِّر كاستكس في كتابه الحكاية الفانتازية في فرنسا منذ (نوديه) وحتى (موباسان) (1951) le Conte Fantastique en France de Nodier à Maupassant، تعريفاً للفانتازيا على أنها أسلوب ظهر في سياق ثقافي «أنواري illuministe»، مؤمن بالإخفائية occultiste كارتكاس تجاه العقلانية والوضعية السائدة حينئذ. و«تُعرَّف الحكاية الفانتازية في فرنسا كجنس مستقل منذ حوالي 1830، تحت تأثير هوفمان Hoffmann [...] والفارق بين الفانتازيا والغرائبي merveilleux التقليدي: يتصف الفانتازي بإقحام غير متوقع لحدث غامض mystère في الحياة الواقعية؛ وهو بشكل عام متعلق بحالات مَرَضية للوعي، الذي يسقط أمامه، في ظواهر كابوسية أو هذيانية، صوراً لهواجسه ومخاوفه». يميز كاستكس بين فترتين: الأولى بين 1830 ـ 1850، التي تمثل في نظره العصر الذهبي للفانتازيا، والثانية بين 1850 ـ 1890، التي شهدت تراجع هذا الجنس.
.jpg)
ب ـ المقاربة السيماتية
أما روجي كايوا في كتابه «في قلب الفانتازي Au cœur du fantastique (1965)»، وكذلك في «صور، صور...: محاولة في دور وقدرات التخيل Images, Images… : Essais sur le rôle et les pouvoirs de l’imagination (1966)»، فهو يرى أن «الفانتازي يبدي [...] صدمة، تمزقاً، مفاجأة غير مألوفة، تكاد لا تُحتمل في العالَم الواقعي». ويعرّف الفانتازي من خلال تعارضه مع الغرائبي حيث لا يكون الخارق للطبيعة على قطيعة مع الواقع. يطرح مقاربة سيماتية من خلال وصفه العناصر المكوِّنة للفانتازيا (كائنات فوق طبيعية، أزمنة، أمكنة، إلخ) وتأثيرات هذه البواعث الفانتازية على الأشخاص، مثل السر المخيف mysterium tremendum (القلق، الخوف، النفور، الكرب)، أو الخلاب fascinans (الفتنة، الإغواء، إلخ). يرى أن الفانتازي قد ولد من التقاطع بين الفرد والعالم، ومن الصلة بين العمل والقارئ ضمن علاقة تماهٍ، وبُعْد يبحث هذا الأخير فيه عن القشعريرة كما البطل.
وعلى خطا (كايوا) هناك (لوي فاكس)، الذي يعتقد بأن «الحكاية الفانتازية [...] تريد أن تقدم لنا، نحن سكان العالم الواقعي الذي نحن فيه، أناساٍ مثلنا، فجأة في مواجهة الغامض»، ويتكلم عن التعبيرية الفانتازية في كتاب الفن والأدب الفانتازيان l’Art et la littérature fantastiques (1963) وكتاب غواية الغريب la Séduction de l’étrange (1965). فيقول: «على الفانتازي، كي يفرض نفسه، ليس فقط أن يقتحم بغتةً الواقعي، بل يجب على الواقعي أيضا أن يمد له يديه، ويرضى بإغوائه».
.jpg)
ج ـ المقاربة البنيوية
في كتابه مدخل إلى الأدب الفانتازي(2) (1970) يعرّف (تودوروف) الفانتازي على أنه «تردد يشعر به كائن لا يعرف إلا القوانين الطبيعية، في مواجهة حدث يبدو خارقا للطبيعة». يطرح تودوروف تحليلاً بنيوياً يأخذ بالحسبان ظواهر تدار عن طريق منظومة معينة ـ «ما يعني أن هناك صلات ضرورية لازمة، وليست اعتباطية بين الأقسام المكوِّنة لهذا النص» ـ ، عن طريق عدد محدود من الوحدات، وقواعد تنسيق هذه الوحدات، من خلال تحليل البنية التركيبية syntaxique، على حساب السيماتي [الدلالي]. وهناك برأيه ثلاثة شروط ضرورية للفانتازي: «الفانتازي يقوم بشكل أساسي على تردد القارئ ـ قارئ يتماهى بالشخصية الرئيسية ـ بخصوص طبيعة الحدث الغريب»؛ هذا التردد قد تحس به الشخصية، وبذلك يمكن للقارئ أن يتوحّد بها؛ وعلى القارئ أيضا أن يرفض كل تأويل ترميزي [أللّيغوري] أو شاعري.
د ـ مقاربات أخرى
في النقد المعاصر، ترى (إيرِن بسييرIrène Bessière) في كتابها: الحكاية الفانتازية. شاعرية الغامض le Récit fantastique. La poétique de l’ incertain (1974) أن الفانتازيا «تتلاعب بالواقع من حيث أنها تماهي بين الفريدِ وتمزّقِ الهوية، وبين تبدّي الشاذ وتبدي عدم التجانس، وهو يُرى منظماً دوماً، وحاملاً لمنطق سرّي أو مجهول».
ويرى (تشارل غريفل Charles Grivel) في كتابه: الفانتازيا ـ الخيال Fantastique ـ fiction (1992) أن «الفانتازيا هي منتهى نقاط علام. وأدعو فانتازي ما يجعلنا لن نتمكن بعدُ من القول: على غرار comme. هناك حيث يتوارى المعنى. والفانتازي يشير إلى أن هذا يستطيع أن يُنكر، وكيف et comment»؟
وأخيراً كتب (روجي بوزيتو Roger Bozzetto) في كتابه: (مناطق الفانتازيا Territoires des fantastiques 1998) أن «النص الفانتازي ينشئ نمطاً خاصاً للعلاقة مع العالم، ويجعله ملموساً. وظاهراً عن طريق وجود أشياء وأحداث و/أو حالات اعتيادية في العالم المتمثَّل، ومعها يبني مقلدات (لغوية وأيقونية) تتذرع بالبداهة، لكن الترابط المنطقي للعالم الاختباري «Empirique»، رغم استدعائه، يكون فيها خاضعاً للوجود المفترض لقوانين أخرى. وهذه تظل مكتَنفة بالأسرار، وبالتالي تبعث على القلق، لأن النص لا يسمح أبداً بالولوج إليها».
3ـ تاريخ الأدب الفانتازي
ظهر الأدب الفانتازي في نهاية القرن الثامن عشر في أوروبا، بفضل سياق ثقافي جديد؛ حيث فرض العلم نفسه في الإحساس بالعالم وفي تمثُّله. وولدت الفانتازيا من توتر بين الواقع، الذي يفيد كإطار للقص، والظواهر، التي لا يفسرها العلم. إنه يقع على الحدود بين العقلاني وغير العقلاني، بين الواقعي والمتخيل. إن القرابة بين العالم الموصوف وعالم القارئ تبعث على الرعب.
أـ الرواية الإنكليزية (القوطية [السوداء] Gothique: إرهاص للفانتازيا
حصلت القطيعة الأولى مع ظهور الرواية القوطية، التي سيطرت في الأدب الشعبي الإنكليزي في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. وفي تلك الفترة ظهر تذوق معين لجمالية الموت وأطلال الماضي. وتطلّبَ الأدبُ القوطي المعمارَ (القصر، الدير، الكنيسة، الزنزانة، مدفن قبو الكنيسة)، مناخاً أسود وشخصيات نمطية بشكل خاص (شابة شجاعة، وشخصية ذكرية سيئة). وافتتح هوراس والوبل Horace Walpole هذا الجنس عام 1764 برواية (قصر أوترانت le Château d’Otrante)، التي تطرح تيماته الرئيسة. غير أن أعمال (آن رادكليف Ann Radcliffe)، وخاصة (خفايا أودولف les Mystères d’Udolphe) (1794) هي التي بقيت أكثر شهرة. فرض ماثيو غرغوري لويس Matthew Gregory Lewis نفسه كخلَف جدير له مع (رواية الراهب le Moine) (1796).
في هذه الروايات يبدو اللجوءُ إلى الرعب إجراءً يهدف إلى إظهار المستغرَب [ما لا يصدَّق]، لكن فصلاً أخيراً يضيء السر بشكل عام. والعودة إلى الواقع تغيب تحديداً في الفانتازيا بالمعنى الدقيق؛ حيث تبقى الشخصيات والقارئ منهمكين بالتفسير، وموزعين بين الظواهر الخارقة للطبيعة ومجال العقل.
.jpg)
ب ـ العصر الذهبي للفانتازيا
الفانتازيا الفرنسية
ازدهرت الفانتازيا الفرنسية في الحقبة الرومانتيكية. ومن الغريب أن اثنتين من أوائل الروايات القوطية في اللغة الفرنسية أتتا من كتّاب أجانب، فاتيك Vathek (1786) لوليم بِكفورد William Beckford والمخطوط الذي عثر عليه في سرقسطة Manuscrit trouvé à Saragosse (1804 ـ 1805) لجان بوتوكي Jan Potocki. لقد تأثر المؤلفون الفرنسيون كثيراً بالأدب الألماني، وخاصة أشيم فون أرنيم Achim von Arnim (إيزابل المصرية Isabelle d’?gypte، 1811)، وهوفمان E. T. A. Hoffmann (إكسير الشيطان les ?lixirs du diable، 1816؛ والقط مور le Chat Murr، 1822)، مكتشفين أن الغرابة والرعب يمكن أن يخدما تماماً كحامل لخلق رومانتيكي.
وهكذا قدم شارل نودييه شهرةً للفانتازيا الفرنسية من خلال قصص موجهة أحياناً نحو الحلم (تريلبي أو عفريت أرجيل Trilby ou le Lutin d’Argail، 1822؛ الجنية المقطّعة la Fée aux miettes 1832)، وحيناً نحو الجنون (سمارا أو شياطين الليل Smarra ou les Démons de la nuit، 1821). وبروسبر ميرمه Prosper Mérimée (فينوس الجزيرة، 1837)، وجيرا ردي نيرفال Gérard de Nerval (بنات النار، 1854)، وتيوفيل غوتييه Théophile Gautier (قصة المومياء، 1858) واقتحموا كذلك هذا الجنس من خلال مواربة الحكايات والقصص. قصورٌ مسكونة بالأرواح، مواثيق مع الشيطان، لعنات من كل نوع تشكل ذخيرة لمواضيع مثيرة، وتغذت واستُخدمت من عدد من الكتاب المعاصرين.
العلم والفانتازيا
أخذت الفانتازيا زخماً جديداً مع الأمريكي (إدغار ألان بو)، الذي ترجم له (شارل بودلير) قصص غير عادية، خلال عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر، وكانت هذه القصص ـ وهي تستلهم الرواية القوطية الإنكليزية ـ منغمسةً في مناخ داكن ومظلم ومتابعة لإدغار آلان بو تغذت قصص النصف الثاني من القرن التاسع عشر من التقدم الحاصل في الأمراض النفسية، ومن الأبحاث ماوراء النفسية والفراديس الاصطناعية.
وفي الحقيقة تجدد هذا الجنس، في سبعينيات القرن التاسع عشر، عن طريق ميادين جديدة للبحث العلمي مثل الأمراض النفسية، والاهتمام بالأمراض العقلية والتنويم والمغناطيسية، والاكتشافات المتعلقة بالكهرباء وانتشار الضوء، وكذلك الملاحظات بخصوص ملامح للحياة في الكواكب البعيدة. وبهذا الصدد فقد لعبت قصة (هورلا le Horla (1887) لغي دو موباسان Maupassant) دوراً كبيراً، وهي تضع في المشهد راوياً هو ضحية الجنون.
وعلى هذا المنوال توضح قصة (الحالة الغريبة) للدكتور جكل والسيد هايد (1886) تأثر روبيرت لويس ستيفنسون بالاستلاب وبالازدواجية. أما قصص جول باربي دورفيلي Jules Barbey d’Aurevilly: (الشيطانيون Diaboliques، 1874)، وقصص أوغست فيليه دوليل آدم Auguste Villiers de L’Isle ـ Adam: (حكايات فظة Contes cruels، 1883)، وقصص جوريس كارل هويسمان Huysmans: (هناك Là ـ bas، 1891)، فهي تدل على جاذبية معينة نحو المصائب والمرض والشيطانية. وعلى صعيد آخر تجد حكاياتُ مصاصي الدماء والأشباح أسيادها المعترف بهم في شخص جوزيف شِريدان لوفانو Joseph Sheridan Le Fanu في قصص (كاميلا Camilla، 1872) وبرام ستوكر Bram Stoker (دراكيولا Dracula، 1897)، وفي قصص هنري جيمس Henry James (دورة اللولب Tour d’écrou، 1898).
ت ـ الفانتازيا في القرن العشرين
استمرت الفانتازيا في القرن العشرين، وإن كان ذلك بشكل متفرق. والتفت (فرانز كافكا) في بداياته صوب هذا الجنس، وبالتحديد في قصته (المسخ Métamorphose) (1915) التي تروي قصة رجل تحول إلى حشرة. أما (هوارد فيليب لوفكرافت Lovecraft)، المنافس الكبير لإدغار آلان بو، فهو مؤلف نحو ستين قصة فانتازية، منها: (نداء كتولهو l’Appel de Cthulhu) (1928)، و(في مهوى الزمن Dans l’abîme du temps )(1936). ونجد في أعمال جان ري Jean Ray أسطورة رعب هي (آخر حكايات كانتربوري les Derniers Contes de Canterbury، 1944).
وشهد أدب أمريكا اللاتينية ثلاثة وجوه رائدة للقصة الفانتازية. فقد عَرَفَ (خورخيه لويس بورخيس Jorge Luis Borges) شهرة مع كتابي (خيالات Fictions (1941) والألِف l’Aleph) (1949) اللذين أدرجاه ضمن تفكير ميتافيزيقي. أما مواطنه وصديقه (أدولفو بيوي كاساريس Adolfo Bioy Casares) فهو مؤلف الرواية الشهيرة (إبداع مورِل l’Invention de Morel) (1940) و(أنطولوجيا الأدب الفانتازي) الذي وضعه بالاشتراك مع زوجته (سيلفينا أوكامبو Silvina Ocampo) و(بورخيس). أخيراً القصاص الموهوب (خوليو كورتازار Julio Cort?zar) الذي تمزج قصصه القلق والواقع اليومي بمهارة (الرواد التلقائيون للطريق الكوني les Autonautes de la cosmoroute، 1984).
.jpg)
عن:
Microsoft ® Encarta ® 2007. © 1993 ـ 2006 Microsoft Corporation. Tous droits reserve.
(1) أو لوسيوس أبوليوس تيزيوس (Lucius Apuleius Theseus v. 125 ـ v. 200,) كاتب وفيلسوف روماني، درس الأدب في قرطاجة والفلسفة في أثينا والقانون في روما. وضع روايته التحولات أو الحمار الذهبي في 11 كتاب. وفيها تحول الشخصية الرئيسية، لوسيوس، إلى حمار عن طريق سحر عارض، وبعد حوادث عرضية عديدة استعادت شكلها البشري بفضل كاهنة الإلهة المصرية إيزيس التي أطعمته الزهور. المترجم
(2) صدرت ترجمته بعنوان «مدخل إلى الأدب العجائبي»، وقام بها الصديق بوعلام. دار شرقيات. القاهرة. 1994. وآثرنا التعريب بسبب الالتباس الذي يجده القارئ في كثير من الكتب والمقالات بين الفانتازي والـ merveilleux أو الغرائبي، وغالباً ما يتبادل المصطلحان كلمتي «غرائبي» و«عجائبي» في ترجمة هذين المصطلحين، لذلك نفضل تعريب «الفانتازيا» بوصفها جنساً أدبياً. المترجم
في سبيل تعريف لأدب الخيال العلمي جاك غوامار Jaques Goimard ـــ ت.د.إياس حسن
يُعنى بتعريف الخيال العلمي ثلاثةُ أنماط رئيسة من المستخدمين: 1- أولئك الذين لا يعرفون ما هو ويرجعون إلى التعريفات المعجمية؛ 2- هواة هذا الجنس الأدبي، الذين يكتبون ويقرؤون تعريفات مادحة définitions-éloges؛ 3- المؤرخون والمنظرون لهذا الجنس، وهم نوع من الطليعة المجاهدة التي تواجه بشكل دائم إشكالية التعريف، والجاهزة دوما لتنصب له كميناً على امتداد مسيره الغامض في غابة التناقضات.
وتقرن تعريفات المعاجم بين ثلاثة تعابير:
1- المعرَّف le défini (وهنا كلمة الخيال-العلمي).
2- المعرِّف définissant، وهو بشكل عام جملة محملة إلى حد ما بنعوت وبظروف [أحوال] تمثل مقداراً من الخصائص المحتواة في التعريف.
3- علاقة تكافؤ بين المعرَّف والمعرِّف. هنا تبدأ التشويشات بسبب أن المعاجم، كما الكلمات المتقاطعة، غالباً ما تكتفي بعلاقات شبه التكافؤ de quasi-équivalence التي تأخذ بالحسبان ألعاب الكلمات (الكلمات المتقاطعة) وبالاعتبارات الاشتقاقية (المعاجم) بامتلاكها على الأقل ميزة أن توقظ اهتمام الذين ليسوا على علم به، وأن تسهّل اندماج التصورات الحديثة في الثقافة الأساس.
إن التعريفات التي يقدمها الهواة (أو نوع من الهواة الملقبين بالمتحمسين fans) موسومة بشغف مشترك تجاه هذا الجنس، شغف يودّون بسطه على غير المبالين، وعلى الخصوم الحقيقيين أو المفترضين للخيال العلمي. ومن جهة أخرى، يمتلك الهواة ثقافةً، وفي أفضل الحالات كفاءةً حقيقيتين، تسمحان لهم باستشفاف انتماء كتاب أو فيلم إلى صف أعمال الخيال العلمي، و(إذا أمكن القول) بأن لا يستغربوا من دهشتهم. بإمكانهم كذلك أن يستشفّوا هذا الحكم أو ذاك كإعلان عن خصيصة للخيال العلمي، حتى لو وضعها التشديد، في لائحة خصائص الجنس، على الأكثر استساغة وأحياناً المعبِّرة بشكل أكثر سذاجة، (الخيال العلمي عقلاني أيضا كالعلم، فهو يتنبأ بالمستقبل تماماً كما الاستشراف، إلخ). وأخيراً فهم يستطيعون اعتماد موقف شخصي بخصوص الأجناس الثانوية sous-genres المتنافسة، وبخصوص المدارس التي تجدد بشكل دوري الاهتمام بالخيال العلمي. إنهم حوض توليد المؤلفين والمتخصصين(1).
ولا يحتاج المؤلفون إلى أن يقدموا التعريفات. وبقي "المتخصصون" (المؤرخون، المنظرون). وإلى هؤلاء يعود تحليل الأعمال والنماذج، وعليهم أن يستخلصوا منها قوائم بالخصائص المميزة أو المخالفة، وأن يسبروا حدود المجموعات أو المجموعات الثانوية التي صيغت بهذا الشكل، ويطرحوا تصنيفات ونظريات موحِّدة، إلخ. وهناك عملٌ يحتاج إلى التفرغ الكامل أمام أجيال الباحثين: فقد شغل تصنيفُ الكائنات الحية علماءَ الطبيعة على امتداد القرن (الثامن عشر) قبل أن يتم اكتشاف المبدأ الأساس؛ وبعد ذلك أصبح التصنيف شيئاً فشيئاً علماً بالتفاصيل، مع أن البيولوجيا، في اندفاعها، كانت تصوغ في سنوات عدة نظرية التطور ومبدأ وحدة الكائن الحي.
غير أن جهد علماء البيولوجيا على امتداد القرون، يجب ألاّ يحبِط، بسبب نجاحه المتأخر، أولئك الذين يحاولون اليوم طرح مشكلات مماثلة دون توفر عددٍ مماثل من الباحثين ومدةٍ مماثلة من الزمن. لنتذكر لينه(2) الذي طرح في منتصف القرن الثامن عشر ـ في منتصف المسافةـ قرينةً لتصنيف النباتات لم تكن الأفضل، لكنه سمح لمن أتى بعده، بعشرين أو ثلاثين سنة، أن يجدوا الأفضل وهم يقاربون الواقع عن كثب. لقد عثرت الفانتازيا fantastique على ما يمكن أن يعادل لينه، في شخص تزفيتان تودوروف(3) الذي بنى تعريفاً فائقاً لهذا الجنس، وهو يرفض أسلافه "الشرعيين" (كاستِكس Castex، فاكس Vax، كايوا(4) Caillois) قبل أن يحرّض معادين لتودورف، والذين نجح رفضُهم بمقدار ما كان كتابُه شديدَ الوضوح؛ وهناك أيضاً بالنسبة للفانتازيا من يقوم مقام جسيو وكاندول، فهم موجودون بيننا، ويسهل التعرف إلى بعض منهم، وإن لم ينتجوا عملهم الكبير إلى الآن.
وفيما يتعلق بالخيال العلمي فهو ما زال، من حيث الأساس، وقفاً على بلاغة المديح والجدال. وقادت تحفظات المؤسسة الجامعية الفرنسية، في معارضتها له، مشاركاتِ باحثين شديدي النشاط للعمل خصوصاً على الفانتازيا(5). لكن جبهة البحث في الفانتازيا كانت قد لامست الخيال العلمي (نفكر تحديدا بعمل روجي بوزيتو Roger Bozzetto) ويمكننا أن نقدر أن الحملة، عندما تنطلق، ستمضي بشكل أسرع مما كان سيحضِّر له [معادلو] لينه وجسيو وكاندول في الفانتازيا.
وهكذا فإن التعريف، بمجرد ما يتنقّى، يبدو كشقيق توأم للتصنيف. لنشدد بهذا الصدد على أن غرض التصنيفات الأدبية والفنية هو ترتيب، ليس الأعمال (إذ يحق للمؤلفين دوماً «مزجُ» الأجناس)، بل خصائص الأعمال. وهذا يطرح عدة فصائل من العمليات المتعاقبة.
1ـ وضع قائمة بخصائص الأعمال
ولتكن مجموعة الأعمال أ، ب، ج، د، هـ ... والتي أظهر لنا وصفُها مجموعةَ الخصائص: ألف، باء، جيم، دال، هاء. أن عدد الأعمال المدروسة متبدل: لقد وُضِعت نظريةُ التراجيديا ـ بما فيها تعريفهاـ بناء على نموذج وحيد تقريباً من قبل أرسطو (أوديب الملك) وهيجل (أنتيجون)؛ ويستخدم تودوروف نحو عشرين نموذجاً، ويضيف إليها ـ من أجل التحديد الدقيق للفانتازيا كما يتصورها ـ عدداً معيناً من النماذج المضادة(6).
والمعارضون لتودوروف ـ وهم يرون أن مدونته شديدة الحصرية ـ رفضوا نظريته بمساعدة نماذج من خارج مدونته. فالأنطولوجيات الجامعية للنصوص النقدية تقدم منها أكثر بكثير (بشكل عام حول الرواية، الشعر، التراجيديا، الكوميديا، إلخ)، إنما المدونة المثالية هي كامل الأعمال التي يمكن الوصول إليها (32 بالنسبة للتراجيديا الإغريقية، نحو 1000 بالنسبة للتراجيديا في الفترة الإليزابيثية، عدة آلاف بالنسبة للتراجيديا الإسبانية في القرن الذهبي(7)): نمط مثالي ومن البدهي أنه متعذر التنفيذ، ويمكن أن تحل محله عينة معقولة، ما يفترض دراسات مسبقة.
فيما يتعلق بالخصائص، يحصي تودوروف ما يزيد قليلاً عن ثلاثين منها في نحو عشرة فصول.
وحصل لنا أن رتبنا في بطاقات عملاً قديماً إلى حد ما حول الميلودراما(8)، وقد استخلصنا منه 75 خصيصة لهذا الجنس، تختلط فيها الفئات كافة. يجب الاعتراف أيضاً بأن نهجنا، الاختباري «Empirique» البحت، لم يكن يتوفر على الواقي الذي يشكله سَنَدٌ نظري بنّاء (مثلما كان علم اللغة بالنسبة لتودوروف)، وقد ضمنّاه طروحات متناقضة، منذ أن ظهرت في مصدرنا.
2- ترتيب الخصائص
يجب إذن أن تعاد دراسة المدونة لكشف التناقضات وتبديد سوء الفهم؛ وبعد ذلك ستكون الخصائص بعد إعادة صياغتها مرتبة تبعاً للتواترات المتناقصة، فالأكثر صياغة في الغالب تكون ذات الحظ الأوفر للظهور في التعريف النهائي.
هناك في الحقيقة، وباستقلال عن روح المنظومة، جمالية للتعريف: كل مفهوم مدروس بنجاح يجب أن يكون من الممكن تحديده بجملة واحدة، حتى لو أُثقِل بتضمينات بمقدار ما وضع أرسطو منها في تعريفه ـ المشهور جداً!ـ للتراجيديا. هذا الإيجاز يفترض منطلقين:
أ) التخلي عن بعض الخصائص الثانوية، ربما تُطرَح من الخصائص التي كان سيتم الاحتفاظ بها، وذلك لجعل الجملة سهلة الحفظ- لنحصل منها، بالمحصلة، على قول مأثور ينقش على الرخام و[يصلح للطباعة].
ب) إظهار علاقات كانت صامتة سابقاً، ويجب، في طور معين، أن تصاغ.
يمكن الاعتقاد أنه في هذه الحالة، يصبح من المتعذر تجنب تناول الدراسة مع إضافة الخصائص... ضاد، ظاء، غين، التي خمن الباحث وجودها مؤخراً، إلى الخصائص ألف، باء، جيم، دال، التي اعتُمدت في البداية. لكن الرياضيات التطبيقية، إذا ما لجأنا إليها، تسمح بدراسة "التجميعات عديدة الأطروحات groupements polythétique" التي تقرن الأعمال الرسمية [الشرعية] بأعمال أخرى تكون فيها الخصيصةُ الرئيسة (المعطاة بالتعريف) غائبةً بوضوح وببساطة. تلكم حالة خصوصية إلى حد ما. وهي ليست الوحيدة. إنها تدعونا للحذر: التعريف ليس قانوناً فيزيائياً، يطبَّق على جميع العناصر في مجموعة، وعليها فقط؛ إنه باقة مقطوفة بيد ماهرة إلى هذا الحد أو ذاك من قلب دغلٍ ملتبس إلى هذا الحد أو ذاك.
3- وظيفة التعريف
للتعريف إذن مهمة أن يكون شعبياً، بمعنى جمالي تسويقي في آن واحد: ما يُتصوَّر جيداً يُعلن بوضوح، وما يعلن بوضوح يصيب بشكل أفضل الهدف في مركزه (ولو متعدد الأطروحات polythétique). ومن الزاوية المعرفية، ليس للتعريف بالمعنى الدقيق قيمة الحقيقة de vérité، بل قيمة الاستخلاص de résumé (من مجموعة من الطروحات يمكن تبيانها).
ومع ذلك لا يجوز أن يكون التعريف مشوشاً. فهو ينجم عن تصنيف جيد ويستطيع أن يحرض على نظريات جيدة؛ وهو بتوضعه في مفترق استراتيجي، يستطيع بنفسه فقط –وهذا نادر- أن يبلور النظريات.
* * *
لن نتناول ثانية هنا المشكلة من أساسها. وسنغفل عن تقديم تعريفات الماضي للقارئ الحالي، التي قد يكفي وصلها طرفاً بطرف لملء حجم هائل. من بين هذه التعريفات، فإنني لا أحتسب إلا التي أنتجتها بنفسي، وخصوصاً من الأخير، المنشور في الطبعة الأحدث من موسوعة يونيفيرساليس(9) Encyclopoedia Universalis.
حاولنا أن نحتفظ فيه بتسمية الخيال العلمي للقصص الخيالية التي تقرن بين الخصيصتين التاليتين: 1- أثر غير مألوف extraordinaire يسبب عند القارئ/المشاهد اندهاشاً شديداً، هو مصدر قلق أو نشوة، لكن يدل قبل كل شيء على هزيمة أشكال يقين منجزة موروثة من التقاليد؛ 2- أثر تأسيس أو إعادة إحياء للمحتمل الواقعي، الذي اختل عند القارئ بصدمته بغير المألوف، يؤمّن له عنفاً أعظمياً من خلال إعداده المسبق، أو من خلال مصاحبته في ارتداداته على انسجام العالم الاختباري، الذي تؤمنه حتى هنا مجموعة غير منتظمة إلى حد ما من القوانين الفيزيائية، ومن القواعد الاجتماعية، ومن الضوابط الثقافية، ومن الصنيعات التكنولوجية؛ وفي نهاية هذه العملية سيكون نظام العالم قد أطيح به (بشكل تدريجي كما في نظرية أحجار الدومينو، أو دفعة واحدة) أو أُجبر على إعادة التركيب بشكل آخر من أجل أخذ الواقع الجديد بعين الاعتبار.
إنه تعريف طويل بالفعل، ولا يبدو شديد الصعوبة على التبسيط. وهذا هو الهدف الذي سنهتم به هنا، دون أن يكون عندنا أمل بملاحقته هذه المرة حتى في معاقله الأخيرة.
لنلاحظ بدايةً أن الصدمة مما هو غير مألوف مشتركة بين الخيال العلمي وبين الفانتازيا (وبشكل أكثر تعميماً بين الأجناس كافة التي تستخدم التأثير الغرائبي effet de merveilleux). أما إعادة بناء المحتمل [الواقعي] وتكييف نظام العالم مع الواقع الجديد؛ فهما أكثر خصوصية للخيال العلمي وحده ("الخيال العلمي هو فانتازيا ذات مسامير [أكثر إحكاماً]"، كما يقول ببساطة تيري براتشِت Prachett). ويمكن إذن الاعتقاد أننا أمام تعريف per genus et differentiam specificam (عن طريق جنسٍ، هو الأكثر قرباً، واختلافٍ مما يميز النوع)، كما يقول الأرسطيون. يبدو أن هذه السمة تعلن تفرّعاً يقود إلى أجناس أخرى، إلى أنواع أخرى، إلخ. لكن لنحتفظ برأينا حول هذه النقطة، والذي قد يكون جريئاً حتى الآن.
لنلاحظ بعد ذلك أن عنصري هذا التعريف متضادان: المحتمل يتراجع في المرحلة الأولى، وبعد ذلك يتقدم ثانية، وهو يستعير طرقاً جديدة. من هذا المنظور نكون قريبين جداً من عيب إضافي، يوشك تعريف الخيال العلمي أن يذوب في تعريف أكثر عمومية للقصة récit.

ما هو الحدث البوليسي الكلاسيكي؟ جريمة، هي في وقت واحد صادمة وغامضة، وتحرٍّ ناجح يحل السر الغامض، ويحضّر لعودة النظام الاجتماعي معدَّلاً بالاختفاء المزدوج للضحية وللقاتل.
ما هي التراجيديا الإغريقية، أوديب الملك أو أنتيجون؟ جريمة وعقوبة، وهذه مسبوقة أو غير مسبوقة بتحقيق ومحاكمة.
ما هي الكوميديا الكبرى على طريقة طرطوف؟ جريرة مضاعفة (مهرج وقور auguste مغفل، هي أورغون، يعرّض للخطر زوجاً من العشاق تحت تأثير بهلوان خبيث منافق clown blanc، يتلاعب به، هو طرطوف)، يتبعها عقاب مضاعف (المهرج الوقور وقد خاب أمله يرضى بقران العاشقين، والبهلوان الخبيث، وقد افتضح أمره، يُرسَل إلى السجن). ويمكن الإكثار من الأمثلة.
ليس إذن وجود حركتين متعاكستين هو الذي يجب أن يلفت انتباهنا، إنما طبيعة هاتين الحركتين: فقدٌ مفاجئ للمرجّح(10) vraisemblance، وإعادةُ بناء بعد الزلزال لمعقولية نفترض أنها قادرة على المقاومة في الهزة القادمة. فالعالم الاختباري "Empirique"، بصفته نقطة البدء لجميع التحولات، يخلي المكان لسلسلة من العوالم المتخيَلة من الدرجة الأولى (تنويع واحد)، ومن الدرجة الثانية (تنويعان)، إلخ. وإذا ما وُجدت قلة من القصص تقدم أكثر من تنوعين، فإن بعض الروايات الطويلة يستخدم منها الآلاف، وهي تحيل قراءها الولعين بالشروحات إلى ملاحق مطوّلة.
بهذا الشكل يرتبط تعريف الخيال العلمي بهذا القسم من الخطاب الذي أسمته البلاغة القديمة توصيفاً [واقعياً] description. والتوصيف بمقدار ما يكون طويلاً وصعبَ التفسير، يمارس الخديعة بخصوص قيم الحقيقة المقبولة في العالم الاختباري، ويكاد دوماً يبعث في القارئ مللاً يدفع إلى النوم، إلا إذا كانت مهارة النص في إنتاج تموجات ondoyances ملونة تصادف لدى القارئ عُصاباً استحواذياً قديماً يدفعه إلى البحث عن انسجامات في الشاذ. وباختصار، إن موقع المسامير هناك حيث نسي الكاتب تحديداً أن يضعها.
والخيال العلمي وقع في المطب، وعمل جهده للخروج منه في فترات مختلفة وبطرق متنوعة: توصيفاتٌ مسبقة للعالم التجريبي، معلومةٌ متأخرة، وحتى توضيح نهائي، ومعلومةٌ منتشرة في القصة يكشفها الحدث، إلخ. لكن فرصته التاريخية كانت في الاعتياد المتدرج الذي استلهمه الهواة عن طريق موضوعه، والذي انتهى إلى تشكيل عالم شبه اختباري ـ فيما خلا طارئ ثقافي، وقطع مفاجئ ممكن دوماًـ، وعالمٍ يلتزم من الناحية التقليدية بـ «التعليق [الإرجاء] الطوعي للشك»، هو كونسرفاتوار [المحافظ على] المحتمل في مملكة الفانتا.
(1) ظهرت هذه الوظيفة في الولايات المتحدة وبريطانيا خلال عقد العشرينيات من القرن العشرين، وفي فرنسا خلال الخمسينيات. وقد ركزت مجلة فيكشن Fiction ولفترة طويلة، على المعلومات والمساجلات حول هذه التيمة. ونجد توليفاً رائعاً في مقدمة سيرج لامان Lahman في أنطولوجيا Escales sur l`horizon (Fleuve Noir).
(2) Linné (كارل فون لينه أو لينيوس. 1707-1778). طبيب وعالم نبات سويدي وضع مجموعة المصطلحات التي تشير إلى الكائنات الحية كافة باستخدام اسمين من اللغة اللاتينية يدلان على النوع وعلى الجنس، مازالت صالحة حتى الآن. وضع عام 1735 تصنيفاً للنباتات يعتمد على اللواقح. وتم التخلي عنه فيما بعد لصالح طريقة جسيو Jussieu (Antoine Laurent) (1748-1836). وهو عالم نبات فرنسي، ابن أخ برنار جسيو، خلفه في وظيفة قيّم على حديقة النبات الملكية، وتابع= =منهجه في التصنيف (المنهج الطبيعي). وطبع بدءاً من عام 1763 تصنيفه بوضع الكائنات ضمن عائلات معتمداً على الخصائص الثابتة والمتغيرة.
أما كاندول Candolle (Augustin Pyrame de) (1778-1841). فهو عالم نبات سويسري، وضع تصنيفاً عام 1817مستنداً على جسيو، واعتمد فقط على الصفات الشكلية. أما الطريقة المتبعة حالياً فهي أكثر تعقيداً، وتقوم على العلاقات التطورية بين الأنواع.المترجم
(3) Introduction a la littérature fantastique, Seuil, 1970.
وقد صدرت ترجمته إلى العربية تحت عنوان: مدخل إلى الأدب العجائبي. ترجمة الصديق بو علام، دار شرقيات. القاهرة 1994.المترجم
(4) بخصوص مساهماتهم المقصودة هنا، راجع موضوع "الأدب الفانتازي [العجائبي]" في هذا الملف. المترجم
(5) إن مثال الـ CERLI (مركز الدراسات والأبحاث حول الأدب المتخيل) مفيد جدا. من سيكتب قصته؟
(6) يظهر الخيال العلمي، الذي تقدمه مجموعة شيكلي Sheckley، مصنفا بسبب ذلك بين دائرة الغرائبي.
(7) فترة الذروة للتاج الإسباني بين 1525-1660.المترجم.
(8) Paul Ginisty, Le Melodrame, Paris 1911.
(9) كاتب هذا البحث، غوامار، هو الذي حرر مادة "الخيال العلمي" في موسوعة يونيفيرساليس، 1997.المترجم
(10) هذه هي الكلمة التي استخدمها أرسطو. يفضل كوليريدج Coleridge أن يقول بأن القارئ يقبل أن "يعلّق طوعاً عدم تصديقه" كي يتذوق بشكل أفضل متعة النص. وهذا يشير إلى تواطؤ بين القارئ (الذي ليس فقط المهرج الوقور الأحمق auguste) والمؤلف (الذي ليس فقط المهرج الخبيث المنافق clown blanc).
الأحد، 7 سبتمبر 2014
أزهار الشر........... شارل بودلير
عن صاحب الأزهار:
شارل پيير بودلير (1821-1867) هو شاعر وناقد فني فرنسي، يعتبر من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم. حيث حُسب شعره على أنه متقدم ومتجاوز لشعر زمنه فلم يفهم جيدًا إلا بعد وفاته. بدأ بودلير كتابة قصائده النثرية عام 1857 عقب نشر ديوانه الشهير “أزهار الشر”، مدفوعا بالرغبة في شكل شعري يمكنه استيعاب العديد من تناقضات الحياة اليومية في المدن الكبري مثل باريس.
عاش بودلير في عصر نضح بمتغيرات عدة، وعج بأسماء لامعة في الفكر والفلسفة والعلوم والأدب (فريدريك نيتشه، هيجل، كانت، كارل ماركس، فكتور هوجو، فلوبير، أوغست كونت، داروين، شوبنهاور وغيرهم)، خلاله صقل شخصية الشاعر الفذ فيه ومارس حريته في قول وفعل ما يريد. هو الذي يتحدث في يومياته عن أن الروح تمر بحالات تكاد تكون فوق طبيعية، يتجلى أثناءها عمق الحياة بأكمله في أي مشهد يتاح للعين مهما كان عاديًا. إن النظر إلى عمق الحياة هي مهمة الشاعر الحقيقي. لكن الشاعر لا بد أن يكون إنسانا قبل كل شيء، بما يحمله هذا الإنسان بداخله من تناقضات صارخة. إن المواءمة بين الشرط الشعري والشرط الإنساني هي التي تصنع الشاعر الحقيقي أو ما يسميه بودلير “الداندي” نسبة إلى “الدانديزم” الذي يعرفه بودلير بأنه المعادلة الخيميائية التي بفضلها يلتحم الشاعر بالإنسان لإنجاب الكائن الأسمى: الداندي.. هذا الداندي عليه، حسب بودلير، أن يعيش ويموت أمام مرآة، وأن يكون عظيما في نظر نفسه قبل كل شيء إذ أن “الأمم لا تنجب العظماء إلا مرغمة. إذن لن يكون الرجل عظيمًا إلا إذا انتصر على أمته جمعاء”، كما أن الداندي عاشق للفن والجمال، ولكن ليس الجمال النمطي المكرس والقار. الجميل عند بودلير هو شيء ما متأجج وحزين، شيء ما يفسح المجال للتخمين، ويجعل من شروطه الغموض والندم، ويضيف إليهما شرط التعاسة.

* قال عن نفسه في أحد خطاباته عام 1814:
“أنا إنسان مريض، شنيع الطبائع، والذنب هنا هو ذنب أبوي. من جراهما يسري البلى في نسجي وتنحل عراي وترث قواي؛ ذلك من يولد لأم في السابعة والعشرين وأب طاعن في الثانية والستين. فتأمل يا صاح خمسة وثلاثين عامًا بين الاثنين. تقول إنك تدرس علم البنية والطبائع. فسل نفسك عما ترى في الثمرة الناتجة عن قران كهذا القران.
* قال فيه الشاعر الفرنسي آرثر رامبو:
“إن بودلير لهو أمير الشعراء.. إنه إله حقيقي للشعر”

تقديم الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان بول سارتر لديوان “أزهار الشر”:
موقف بودلير الأصلي هو موقف العاكف على نفسه يتأملها كنرسيس الأسطورة. فليس لديه شعور مباشر لا تخترقه نظرة مرهفة. نحن عندما نتأمل مثلاً شجرة أو بيتاً نستغرق في هذه الأشياء وننسى أنفسنا، أما بودلير فإنه لا ينسى نفسه أبداً. فهو يتأمل نفسه عندما يتأمل الأشياء، وهو ينظر إلى نفسه ليرى نفسه يُنظر. إنه يتأمل شعوره بالبيت وبالشجرة لذا لا يراها إلا أشد ضآلة وأقل وقعاً كما لو كان ينظر إليها من خلال عدسة مصغرة. فلا تدل إحداهما على الأخرى كما يدل السهم على الطريق أو الإشارة إلى الصفحة. وفكر بودلير لا يضيع أبداً في متاهاتها ولكن على العكس يرى أن المهمة المباشرة لها هي أن تعيد له شعوره بذاته. لقد كتب يقول: “ما يهم ما تستطيع أن تكون الحقيقة الموضوعة خارج نفسي إذا هي ساعدتني على أن أعيش وأن أشعر إني موجود ومن أنا”. وفي نفسه كان همّه ألا يظهر الأشياء إلا من خلال جدار سميك من الشعور الإنساني عندما يقول في كتابه “الفن الفلسفي”.
“ما هو الفن الخالص في المفهوم الحديث؟” “هو أن تخلق سحراً متلاحقاً يحتوي الموضوع والعلة معاً والعالم الخارجي للفنان والفنان نفسه، بشكل يستطيع معه إلقاء محاضرة بعنوان ضآلة الحقيقة في العالم الخارجي” ذرائع، انعكاسات، أطر الأشياء كلها لا قيمة لها مطلقاً بذاتها وليس لها من مهمة سوى أن تعطي الفنان فرصة تأمل نفسه وهو يراها. لبودلير مسافة جوهرية تفصله عن العالم ليست هي مسافتنا نحن فبينه وبين الأشياء تتدخل دائمًا نصف شفافية لزجة قليلاً معطرة كثيراً كأنها ارتجاف هواء الصيف الحار وهذا الشعور المراقب والذي يشعر بأنه مراقب وهو يقوم بأعماله العادية، يفقد الإنسان عفويته كالطفل الذي يلعب في ظل مراقبة الكبار. هذه العفوية التي كرهها بودلير بقدر ما ندم على حرمانه منها. هو لا يملكها مطلقاً فكل شيء عنده مزيّف لأنه مراقب فأتفه نزوة وأقل رغبة تولد مراقبة وحلولة الرموز. وإذا ما تذكرنا المعنى الذي أعطاه “هيجل” لكلمة مباشرة أدركنا أن تميز بودلير العميق يكمن في كونه الرجل الذي فقد المباشرية. ولكن كان لهذا التميز من قيمة بالنسبة لنا نحن الذين نراه من الخارج، فغنه وهو الذي ينظر إلى نفسه من الداخل لم يستطيع أن يمسك به مطلقاً. كان يفتش عن طبيعته أي خصائصه وكيانه، لكنه لم يدرك سوى توالي حالاته النفسية الرتيبة الطويلة التي جعلته يسخط عليها. كان يرى جيداً ماذا يصنع خصوصية الجنرال أو بيك وخصوصية أمه. فكيف إذنْ لم يتمتع بخصوصية شخصه هو. ذلك لأنه كان ضحية وهم طبيعي، بموجبه ينطبع داخل الإنسان على خارجه. وهذا غير موجود. وهذه الصفة المميزة التي تشير إليه دون الآخرين، لا اسم لها في لغته الداخلية. فهل يرى نفسه روحانياً أم مبتذلاً أم متميزاً؟ أو هل باستطاعته حتى أن يدرك حيويته وسعة ذكائه؟ هذا الذكاء الذي لا يحدّه سوى نفسه، وما لم يتدخل المخدر ليسرّع قليلاً من مجرى أفكاره فقد كان معتادًا على وتيرتها وكانت تعابير التشبيه تنقصه ليعرف كيف يتذوق سرعة جريانها. أما عن تفاصيل أفكاره وعواطفه المتوقعة والمعروفة حتى قبل أن تظهر والشفافة من كل النواحي فإنها تلوح له معروفة جداً، قد رآها من قبل ولها في نفسه ألفة لا رائحة لها ولا طعم. آتية من حياة سائبة. إن نفسه مملوئة بنفسه حتى الفيضان. لكن هذه النفس ليست سوى مزاج كابٍ فَقَدَ التماسك والمقاومة، حتى عجز عن الحكم والملاحظة دون ظلال ولا أنوار. إنه وعي ثرثار يرود نفسه بهمس متلاحق ويلتصق بنفسه التصاقاً يمنعه من قيادة نفسه ورؤيتها بوضوح. وهنا تبدأ المأساة البودليرية.تصوروا الشحرور الأبيض أصيب بالعمى ـ لأن النور المبهر إذا انعكس على العين يعادل العمى ـ فتسلطت عليه فكرة البياض المنتشر على جناحيه, يراه كل الشحارير و يحدثونه عنه وهو وحده لا يستطيع أن يراه, ووضوح بودلير الشهير ليس سوى مجهود لتعويض الخسارة. فالأمر يتعلق باستعادة نفسه وبما أن النظر تملّك فيجب أن يرى نفسه ولكن لكي يرى نفسه يجب أن يكون شخصين. إن بودلير يستطيع أن يرى يديه وذراعيه لأن العين مختلفة عن اليد لكن العين لا تستطيع أن ترى فنسها إنها تشعر بنفسها وتعيشها غير أنها لا تستطيع أن تتخذ المسافة الضرورية لكي تتذوق نفسها. وعبثاً ما يصرخ في أزهار الشر قائلاً:
وجهاً لوجه كئيباً واضحاً
يقف وقلبه مرآته

وهذه المواجهة ما تكاد خطوطها الأولى ترتسم حتى تتلاشى لأنه لا يملك سوى رأس واحد. وسينحصر مجهود بودلير في دفع المحاولة المجهضة من الازدواجية إلى نهايتها القصوى، والتي هي الضمير العاكس. وإذا تمتع مبدئيا ًبالوضوح فليس ذلك من أجل أن يقدم لنفسه حساباً عن أخطائه ولكن من أجل أن يصبح اثنين. وإذا أراد أن يكون اثنين فلكي يحقق من هذا الازدواج الامتلاك النهائي للأنا بواسطة الأنا وهكذا يضج منه وضوحه. فلم يكن سوى شاهد نفسه وسيحاول أن يكون جلادها لأن التعذيب يولد ازدواجية كاملة الاتحاد، فيه يستولي الجلاد على الضحية. وبما أنه لم ينجح في رؤية نفسه فلا أقل من أن ينبشها كما تنبش السكين الجرح آملاً من وراء ذلك أن يصل إلى الوحدة العميقة التي تكوّن حقيقة طبيعته:
أنا الجرح والسكين
أنا الضحية والجلاد
فهل هذا التنكيل بنفسه يقلدّ الامتلاك؟ إنه ينزع إلى خلق لحم تحت أصابعه، لحمه هو حتى يعرف أنه لحمه من خلال ما يشعر به من ألم. فأنْ تجعل إنساناً يتألم ذلك يساعدك على امتلاكه وخلقه كما يساعدك على القضاء عليه. والصلة التي تجمع بالتبادل الضحية والمحقق هي صلة جنسية. وعبثاً يحاول أن ينقل إلى حياته الشخصية هذه العلاقة التي لا معنى لها إلا بين أشخاص متمايزين. أن يحول إلى سكين وجدانه العاكس وإلى جرح وجدانه المستقبل في حين أنهما في الواقع واحد.لا يمكن أن يحب الإنسان نفسه ولا أن يكرهها ولا أن يعذب نفسه، فالضحية والجلاد يختفيان في عدم تمييز مطلق عندما يطالب الأول بالألم والثاني يمارسه بعمل إرادي وحيد. وبودلير أراد بعمل معاكس، لكنه يهدف إلى الغاية نفسها، أن يجعل من نفسه الشريك المتكتم بوجدانه المستقبل، ضد وجدانه العاكس. وعندما يكف عن جعل نفسه تستشهد فذلك لأنه يحاول أن يندهش من نفسه، وسيدّعي عفوية محيّرة، وسيتظاهر بالاستسلام إلى أكثر النزوات مجانية، لكي يضع نفسه فجأة أمام نفسه، كشيء معتم وغير منتظر، أو بتعبير آخر كشخص يختلف عن شخصه. فإذا نجح في هذا المسعى، فالمشكلة محلولة جزئياً وباستطاعته إذن أن يتمتع بشخصه. ولكنه هنا أيضاً لا يكوّن سوى شخص واحد مع الذي يريد أن يفاجئه، وأقل ما يقال أنه يحدس مشروعه حتى قبل أن يضعه. إنه يتوقع مفاجأته ويقيسها ويركض وراء اندهاشه الشخصي دون أن يستطيع أبداً إدراكه. فبودلير هو الرجل الذي اختار أن يرى نفسه كأنه شخص آخر ولم تكن حياته كلها سوى قصة هذا الفشل. وعلى الرغم من الخدع التي نسجت صورته في نظرنا إلى الأبد فإنه يعرف تماماً بأن نظرته الشهيرة ليست هي والشيء المنظور سوى واحد. وأنه لن يصل أبداً إلى امتلاك حقيقي لشخصه ولكنه يصل فقط إلى ذلك التذوّق الفاتر الذي يميز الوجدان العاكس.إنه يشعر بالضجر وهذا الضجر “تلك العاطفة العجيبة التي هي أصل كل أمراضه وكل نجاحاته البائسة” ليس حالة عارضة أو كما يدّعي هو أحياناً ثمرة عدم فضوله القرف: إنه “الضجر النقي من الحياة” الذي تكلم عنه “فاليري”، إنه الطعم الذي يملكه الإنسان لنفسه بالضرورة إنه طعم الوجود.
أنا غرفة انتظار عتيقة
مليئة بالورود الذابلة
يملؤها خليط عجيب
من أزياء فات زمانها
ولا يتنفس فيها عبير عطر مسكوب
إلا الرسوم النائحة
ولوحات بوشيه الشاحبة
هذه الرائحة الخفيفة التي تتصاعد من حق مفتوح إنك لا تكاد تشعر بها، لكنك تراها فهي حاضرة بكل هدوء وفظاعة، لأنها الرمز الأمثل لوجود الوجدان من أجل نفسه. فهل الضجر أيضاً شعور ميتافيزيقي.
هذا هو المنظر الداخلي لبودلير والمادة الأزلية التي صنعت منها أفراحه وغضبه وأحزانه. وها هو تناسخه الجديد: بعد أن سدّ عليه حدسه، بتفرده الصريح، المنافذ كلها، يدرك أنه وقف على كل إنسان. فسار في طريق الوضوح ليكشف عن طبيعته المتميزة وعن مجموع الملامح التي تستطيع أن تجعل منه الرجل الذي لا يمكن تعويضه. أما ما وجده في طريقه فلم يكن وجهه هو، لكنه الأنماط الغامضة للضمير الكوني. فالكبرياء والوضوح والسأم كلها واحدة في نظره. ففي داخله وعلى الرغم منه، يصل ضمير المجموع إلى ضمير الفرد ويتعارفان.
مختارات من “أزهار الشر”: 
القطرس
غالبًا ما يصطاد البحارة طلبًا للتسلية
طيور القطرس. هذه الطيور الكبيرة
التي تتبع بغير مبالاة السفينة المنسابة
فوق اللجج كأنها رفاق السفر
وما إن يضع البحارة ملك الفضاء هذا
على ألواح السفينة
حتى يتحول إلى أخرق خجل
يترك جناحيه الكبيرين الناصعين
يجرجران إلى جانبه كالمجاديف
بصورة تدعو للرثاء
يا له من أخرق تافه مضحك بشع
هذا المسافر المجنح الذي كان في غاية الجمال
فواحد يزعج منقاره بغليونه
وآخر يقلد وهو يعرج هذا المريض الذي كان يحلق
ما أشبه الشاعر بأمير الفضاء هذا
الذي كان يرود العاصفة ويهزأ بالرماة
إنه على الأرض منفيّ بين الغوغاء
وأجنحته الجبارة تعوقه عن مواصلة المسير.
العدوّ
شبابي لم يكن سوى زوبعة قاتمة
اخترقته هنا وهناك الشموس اللامعة
فقد عبث المطر والرعد ببستاني
فلم يبقيا فيه إلا القليل من الثمار الذهبية
وها إن أفكاري قد بلغت خريفها
ولا بد لي من استعمال الرفش والمسلفة
لأعيد تنظيم هذه المزارع التي غمرتها المياه
وحفرت فيها حفرًا واسعة كالقبور
من يدري إذا كانت هذه الأزهار الجديدة
التي كنت بها أحلم
ستجد في التربة المغسولة كالرمل
الغذاء الرمزي الذي يبعث فيها النشاط
أيها الألم إن الزمن يُبلي الحياة
والعدوّ الغامض الذي ينهش قلوبنا
على دمنا المسفوح ينمو ويقوى.
الرجل والبحر
أيها الإنسان الحر ستحب البحر دائمًا
فالبحر مرآتك تتأمل نفسك في انبساط أمواجه
غير المتناهية، في حين
أن روحك هاوية لا يقل عنه مرارة
ومن دواعي سرورك أن تغوص في أعماق صورتك
وتضمها بعينيك وذراعيك
وقلبك يلهو أحيانًا بخفقانه
وبصخب هذه الشكوى الوحشية المتمردة
فأنتما غامضان لا تبوحان
فيا أيها الرجل.. لم يستطع أحد أن يسبر أغوار نفسك
ويا أيها البحر.. لم يستطع أحد أن يعرف مقدار ثروتك
الدفينة في أعماقك
لحرصكما الشديد على كتمان أسراركما
ومع ذلك فإنكما تحتربان بلا شفقة ولا ندم
لأنكما تحبان كثيرًا الموت والمجازر
يا أيها المتحاربان الأزليان
والأخوان اللذان لا يعرفان الهدوء
بكاملها
زارني الشيطان يومًا في غرفتي العالية
محاولاً أن يضبطني متلبسًا بالخطيئة
فقال: أتوق أن تخبرني عن أحلى ما فيها
فبين كل المفاتن التي تصنع سحرها
ومن الأشياء الوردية والسوداء
التي تكوّن جسدها الفاتن
أي شيء هو الأجمل
أراك يا نفسي تجيبين كارهة
لا سبيل إلى المفاضلة فكل ما فيها بلسم
فعندما يلفني بسحره كل شيء فيها
أجدني أجهل الشيء الذي سحرني
إنها كالفجر تبهيني وكالليل تعزيني
والانسجام الذي يلف كل جسدها
بلغ من روعته أن عجز التحليل وقصّر
عن تعداد توافقاتها العديدة
فيا تغيُّر حواسي كلها الذائبة في واحدة
إن أنفاسها تصنع الموسيقى
وإن صوتها يصنع العطور.
الشبح
كالملائكة ذات العيون الوحشية
سأعود إلى مخدعك
وأتسلل إليك بغير جلبة مع ظلام الليل
وسأمنحك يا سمرائي
قبلاً باردة كالقمر
ومداعبات أفعوان يسعى حول وكره
وعندما يعود الصباح الكئيب
ستجدين مكاني فارغًا وسيستمر باردًا حتى المساء
وكما يحب بعضهم أن يسيطروا
بالحب على حياتك وشبابك
أنا أريد أن أسيطر بالرعب.
موت الفقراء
إنه الموت الذي يعزي واحسرتاه
وهو الذي يحملنا على الحياة
إنه غاية الحياة والأمل الوحيد
الذي يرفعنا ويبعث كالإكسير النشوة في نفوسنا
ويزوّدنا بالجرأة التي تجعلنا نتابع الطريق إلى النهاية
عبر الإعصار والثلج والجليد
هو الضوء المتموّج في آفاقنا السود
إنه الفندق الذائع الصيت
الذي يوفر الطعام والراحة والنوم
إنه الملاك الذي يحمل بين أصابعه السحرية
الرقاد ونعمة الأحلام السعيدة
ويسوي مضاجع الفقراء والعراة
هو مجد الآلهة ومخزن الغلال الرمزي
وكيس نقود الفقراء وموطنهم القديم
إنه الرواق المفتوح على الآفاق
المجهولة.
مترجمة عن الفرنسية
الأحد، 10 أغسطس 2014
المافيا
المافيا (المعروفة أيضا باسم كوزا نوسترا) هي منظمة إجرامية ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في جزيرة صقلية بإيطاليا. وهي تحالف حر بين عصابات إجرامية تجمعها بنية تنظيمية مشتركة وقواعد سلوكية موحدة.
كلمة مافيا ترجع إلى كلمة mafiusu باللهجة السيسيلية والتي بدورها تعود إلى كلمة شعبية عربية مهياص التي معناها عدواني وعنيف ومتشدق. واحتمال ثانٍ يقول أن الكلمة مشتقة من الكلمة العربية “مرفوض”.
لكن حسب الرواية الشعبية، التفسير الأكثر شيوعا يرجح تاريخ كلمة مافيا إلى القرن الثالث عشر مع الغزو الفرنسي لأراضي صقلية عام 1282م، حيث تكونت في هذه الجزيرة منظمة سرية لمكافحة الغزاة الفرنسيين كان شعارها : MorteAlla Francia Italia Anelia ويعني (موت الفرنسيين هو صرخة إيطاليا) فجاءت كلمة (مافيا MAFIA) من أول حرف من كلمات الشعار. وهناك وجهة نظر أخرى حيث يذكر بعض زعماء المافيا وعلى رأسهم جوبونانو أن بداية المافيا كانت تتويجاً للتمرد والعصيان الذي ظهر بصقلية عقب قيام أحد الغزاة الفرنسيين بخطف فتاة في ليلة زفافها، يوم إثنين من عام 1282م، مما أشعل نار الانتقام في صدور الإيطاليين والتي امتدت لهيبها من مدينة إلى أخرى، فقاموا بقتل عدد كبير من الفرنسيين في ذلك الوقت انتقاماً لشرفهم المذبوح في هذا اليوم المقدس لديهم، وكان شعارهم في ذلك الوقت هو الصرخة الهستيرية التي صارت ترددها أم الفتاة وهي تجري وتبكي في الشوارع كالمجنونة.
ومن أشهر فرق المافيا فرقة جزيرة صقلية بإيطاليا.

نشأت المافيا في وقت ما خلال منتصف القرن التاسع عشر في جزيرة صقلية. وأصبحت بحلول الربع الأخير من القرن التاسع عشر القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسيطرة في غربي صقلية، وكانت في بادئ الأمر في أعمال الحماية والابتزاز في منطقة بالرمو وما حولها من مزارع الليمون والبرتقال، وضمت بين طياتها بعض من أفراد الارستقراطية الحاكمة، حيث انقسم المجتمع في بداية الدولة الإيطالية الناشئة إلى الساسة وأصحاب الأراضي ودخلت المافيا بين هذين الفريقين كما كانت المحرك للعديد من أفراد الحكومة ورجال الأعمال، ويتبع أفرادها شفرة خاصة تمنع إفادة الشرطة بالجريمة.خلال الفترة الفاشية، هرب الكثير من أعضاء المافيا إلى الولايات المتحدة خشية الاضطهاد والسجن، من بينهمجوزيف بونانو الشهير ب (جو باناناز) والذي جاء ليسطر على فرع المافيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
تنطلق فكرة المافيا من العائلة التي هي نواة المافيا التي يرتبط أعضاؤها فعلياً في ما بينهم بالانتماء إلى أسرة واحدة بالقرابة أو الزواج أو عرى الصداقة الوثيقة. اعتمدت في عملها على إرسال خطابات إلى الأثرياء لمطالبتهم بدفع مبالغ مالية لتأمين حماية شخصية لهم من المجرمين الذين غالبا ما يكونون هم أنفسهم، وكان مصير الأشخاص الذين لا يستجيبون لمطالب المافيا التفجير أو الخطف والقتل. ومع ذلك اشتهرت المافيا في إيطاليا باحترام الإيطاليات، وعدم النظر إليهن بسوء[3].
بدأت الهياكل التنظيمية لجماعات المافيا، في صورة مجموعات، تعرف باسم (Cosche)، تكونت كل مجموعة من عشرين شخصاً لهم قانونهم ونظامهم الداخلي. يتخذ تنظيم تلك المجموعات تسلسلاً هرمياً، يتمثل بـ رئيس {كابو} أو الرأس، وهو الحاكم الفعلي الوحيد في العائلة وأقوى أفرادها ويمثل رأس السلطة الهرمية، وهو منفصل عن العمليات الفعلية بعدة طبقات من السلطة، يتلقى جزءاً من أرباح كل عملية يقوم بها أفراد الأسرة.

يختار الكابو بنفسه مستشارين اثنين مهمتهما إسداء النصائح القانونية من دون أن تكون لهما أي صفة تقريرية، التوسط في نزاعات الأسرة، الاهتمام بالجانب الاقتصادي {للأعمال}، ويكونان عادة من رجال العصابات غير المشهورين الذين يمكن الوثوق بهم. من ثم هنالك مساعد الرئيس، وعادة يعينه الرئيس بنفسه، وهو (الرجل الثاني) في العائلة، ويعدّ الكابتن المسؤول عن بقية {كباتن} العائلة تحت رئاسة الرئيس، ويتقدم للرئاسة في حالة سجن الرئيس.
يأتي بعد ذلك ملازمان (كابتنان) أو أكثر حسب كبر حجم العائلة وهما غالباً من أبناء الرئيس، يرشحهما الرجل الثاني ولكن في الأصل يختارهما الرئيس نفسه. عادة، الكابتن قائد مسؤول عن مجموعة، تتضمن العائلة في المتوسط من 4 إلى 6 مجموعات، تتكون كل واحدة من جنود يصل عددهم إلى 10. يدير الكابتن شؤون عائلاته الصغيرة، ولكن يجب أن يتبع الأوامر التي يضعها الرئيس، وأن يدفع له حصة من مكاسبه[3].

يلي الكباتن أعضاء عاملون من ضباط وجنود {مافيوزو} لا تكون لديهم أي علاقة مباشرة بالرئيس الأعلى، والجندي من أعضاء الأسرة {المصنوعين}، أي الذين لا ينتمون مباشرة إلى العائلة إنما يمكن أن يكونوا من أصل إيطالي أو صقلي. يبدأ الجنود بصفة منتسبين أو مساعدين أثبتوا أنفسهم، وغالباً ما يرشحهم الكابتن ليتم قبولهم لاحقاً في مجموعة الكابتن الذي رشحهم.
وهنالك مجموعة من المساعدين من الخارج، ليسوا أعضاءً في العائلة، إنما يقومون بمهام محددة، وبدور الوسيط أحياناً، أو يبيعون المخدرات لدرء الخطر عن الأعضاء الفعليين. لا يمكن أن يصل الأعضاء غير الإيطاليين إلى أكثر من ذلك بالنسبة إلى العائلة ويعمل كل منهم في مكانه من دون أي أمل في الترقية. يبقى الجندي جندياً، ولا يطمح الملازم في منصب الكابو إلا إذا كان إبناً له فالزعامة وراثية، والمراكز هي لمدى الحياة.
تراعى قواعد تسلسل القيادة بشكل حازم، وتدار الأموال بهذا التسلسل وبنسب معينة، ولا يسمح للعضو بأن يتعامل إلا مع القيادات التي تعلوه مباشرة من دون أن يعرف شيئاً بعد ذلك، كذلك يجهل بقية الضباط، وهذه القيادات تتعامل بدورها مع القيادات الأعلى وهكذا. بهذه الطريقة يستحيل على سلطات التحقيق أن تتبع خيطًا واحدًا لتصل إلى كشف القيادات العليا
يتبع أفراد المافيا قواعد وقوانين خاصة تشبه إلى حد بعيد التنظيم العسكري دقة وصرامة[3]، وتسعى في أهدافها البعيدة إلى خدمة القضية (العائلية) الواحدة. على رأس تلك القواعد تأتي (Omertà) أو قاعدة "الصمت" التي تمنع إفادة الشرطة بالجريمة أو مرتكبها. فقد جرت العادة بين سكان المدن الإيطالية ألا يشي أحد بما يعلم إلى السلطات، ولا يتحدث عمّا رأى بأم عينيه ولا ما سمع بأذنيه، لأن الثمن هو حياة الواشي أو حياة أقربائه. وتحرم تلك القاعدة - القانون على المنتمي إلى المافيا البوح بأسرار العائلة، مهما كانت الأسباب والظروف، وإلا تعرض للعقوبة الوحيدة للقتل، وبعد الصمت تأتي قضية "الشرف" التي حافظ عليها رجال المافيا الصقليون لعقود، حيث على رجل المافيا الحقيقي أن يحترم نساء بلاده، وألا ينظر إليهن بسوء.، وحين بدأت المافيا الصقلية العمل في مجال الدعارة وشبكات الرقيق الأبيض، ظلت قوانينها تمنع جلب الفتيات الإيطاليات مع استبعاد القاصرات، والزنجيات بسبب قناعة لدى المافيا بأنهن يلتقطن الأمراض الفتاكة بسرعة
بحلول القرن التاسع عشر اتسعت المافيا وتحولت إلى مجتمع قائم على الجريمة لا يحترم أي شكل من أشكال السلطة. رافق صعود المافيا في إيطاليا وقبل أن تنتشر في العالم تغيرات عديدة تزامنت مع انتقال أنشطتها من الريف إلى المدن، وهو ما تسبب بنشوب معارك بين المافيا الريفية، التي سعت إلى إبقاء الفلاحين في جهلهم وشقائهم لتواصل استغلالهم، والمافيا الجديدة، التي وجدت آفاقاً أرحب في تطوير حركتها الاقتصادية لتجني الأرباح من أسواق باليرمو الداخلية وعبر تهريب المخدرات إلى خارجها، وهو ما كان يتنافى مع قواعد المافيا الأم التي حرمت في البداية الإتجار بالمخدرات، إلا أن هذا الأخير تحوّل لاحقاً إلى مورد أساسي من موارد عائلات المافيا داخل صقلية وخارجها. تنوعت أنشطة جماعات المافيا منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا، وشملت إدارة مصانع ومطاعم ومتاجر وشركات تأمين ومصارف وفنادق وملاه كواجهة لأنشطة مربحة غير مشروعة في مجالات القمار وتهريب الخمور والمخدرات والدعارة والإقراض بفوائد (ربا) والابتزاز والاحتيال وسرقة السيارات، فضلاً عن الخطف والقتل
يطلق على المافيا الإيطالية (الصقلية) عبارة "La Cosa Nostra " باللغة الإيطالية بمعنى " الشيء أو الأمر الخاص بنا " تطورت جمعية سرية أخرى تدعى كامورا في سجون نابولي بإيطاليا. وانتشر نفوذها في بداية القرن التاسع عشر في المدينة والمناطق الريفية المجاورة. واكتسبت منظمة إجرامية أخرى هي أونوراتا سوسيتا (الجمعية المحترمة) نفوذًا في إقليم كالابريا الإيطالي حوالي عام 1900 م. وتعتقد الشرطة أن هذه المنظمات لا تزال موجودة. وهناك أمثلة كثيرة على تلك الأسر والجماعات. وفي إيطاليا، حارب بينيتو موسوليني المافيا بدون رحمة، بسجن الكثير من الرجال لمجرد الشك في انتمائهم للمافيا، ولم تقوى شوكة المافيا في إيطاليا مرة أخرى حتى استسلامها في الحرب العالمية الثانية. إلا أنه في الثمانينيات والتسعينيات، أدت سلسلة من حروب العصابات فيما بينهم إلى اغتيال الكثير من أعضاء المافيا البارزين، ركز جيل جديد من رجال المافيا على الأنشطة الإجرامية " للياقات البيضاء" بعكس الأنشطة الإجرامية التقليدية ونتيجة لهذا التغير، قامت الصحافة الإيطالية باستحداث عبارة " La Cosa Nuova" أو " الشيء الجديد"، بدلا من العبارة القديمة التي كان يطلقها المافيا الإيطالية على نفسها وهي " La Cosa Nostra " في إشارة إلى التجديدات الجديدة التي طرأت على المنظمة
وقد أبلغت الجهات القانونية الرسمية ـ لأول مرة ـ عام 1891 م عن وجود مافيا في أمريكا. ففي ذلك العام قتلت جماهير نيو أورليانز 11 شخصًا دون محاكمة، وذلك لاتهامهم بارتكاب جرائم قتل. ومنذ صدور قانون الحظر في العشرينيات من القرن العشرين أصبح الأمريكيون الذين ينحدرون من أصل إيطالي يسيطرون على كل الجرائم المنظمة في الولايات المتحدة. نمت المافيا بالولايات المتحدة الأمريكية في بدايات القرن العشرين بهجرة الصقليين، حتى قام مكتب التحقيقات الفيدرالي في السبعينات والثمانينات بتقليص نفوذ المافيا إلى حد ما. اليوم تظل المافيا الإيطالية-الأمريكية هي أقوى منظمات إجرامية بالولايات المتحدة الأمريكية وتستخدم هذه المكانة للسيطرة على غالبية أنشطة شيكاغو ونيويورك الإجرامية، كما أنها لا زالت تحتفظ بعلاقات بالمافيا الصقلية التي نشأت منها. حيث أن قوة المافيا في صقلية أكثر تكاملاً واستقراراً، حيث أن الفساد مستشري والحكومة المحلية هي تقريباً فرع من فروع المنظمة ذاتها، حيث لهم تأثير حتى على القضاء. بدأت المافيا نشاطاتها في أمريكا بالسيطرة على مدينة نيويورك، وتوسعت المافيا إلى أن أصبحت 26 أسرة عبر الولايات المتحدة الأمريكية، بالمركز في نيويورك، وبعد العديد من حروب العصابات، انتهى الأمر إلى سيطرة 5 عائلات على الأنشطة الإجرامية في نيو يورك : عائلات بونانو ،كولومبو، جامبينو، جينوفيز، لوتشيز
لقد استخدمت أمريكا الاتصالات الإيطالية بالمافيا الأمريكية خلال اجتياح إيطاليا وصقلية في الحرب العالمية الثانية عام 1943، فقد قام لاكي لوتشيانو وأعضاء آخرين في المافيا الذين اعتقلوا خلال هذا الوقت بأمريكا بمد المعلومات للاستخبارات الأمريكية، الذين استخدموا نفوذ لوتشيانو لتسهيل الطريق أمام القوات الأمريكية المتقدمة. وطبقاً لدكتور ألفرد. و. ماكوي، خبير تجارة المخدرات، فقد سمح للوتشيانو بإدارة شبكته من زنزانته جزاء مساعداته، وبعد الحرب تمت مكافأته بترحيله إلى إيطاليا، حيث استكمل نشاطاته هناك. فقد ذهب إلى صقلية عام 1946 لاستئناف نشاطه، وطبقاً لكتاب ماكوي الهام الذي صدر عام 1972 بعنوان " The politics of Heroin in South-East Asia" أو "سياسات الهروين في جنوب-شرق أسيا" ذهب لوتشيانو لإبرام اتحاد مع المافيا الكورسيكية ـ كورسيكا، مما أدى إلى تطور في شبكة التهريب العالمية للهروين، والذي كان يورد أساساً من تركيا ومقره في مرسيليا - وهو ما يطلق عليه " The French connection" أو " الحلقة الفرنسية " ومؤخراً، عندما بدأت تركيا في وقف إنتاجها للأفيون، استخدم اتصالاته مع المافيا الكورسيكية، لفتح حوار مع رجال المافيا الكورسيكية بالمهجر في جنوب فيتنام، فقد استغلوا الأوضاع الفوضوية في الحرب الفيتنامية لتأمين مورد لا ينضب وقاعدة توزيع في " المثلث الذهبي " والذي بعد فترة قصيرة بدأ في ضخ كميات كبيرة من الهيرويين الأسيوي إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وبلدان أخرى عبر العسكرية الأمريكية
تقترب أرباحها اليوم من ميزانيات الكثير من دول العالم. غير أن الجرائم المنظمة تغيرت طبيعتها في الفترة الأخيرة واتخذت شكلاً في غاية الدقة والتعقيد بسبب تعقيد النشاط الاقتصادي في العالم بشكل عام.وقد أصبحت المافيا وعالم الجريمة المنظمة محوراً للعديد من الأعمال السينمائية والأدبية وحيكت حولها الكثير من الحكايات والأساطير. وبرغم كل المحاولات المبذولة للقضاء عليها في الكثير من الدول، لا يزال تأثيرها القوي على الساحة السياسية والاقتصادية العالمية والإيطالية خاصة بشكل يقلق الساسة والشعوب على حد سواء. واليوم تستخدم كلمة المافيا مجازاً للدلالة على أقصى درجات الإجرام تنظيماً ووحشية مثل المافيا الروسية والمافيا اليابانية الياكوزا. وينتظم حوالي 6 آلاف إيطالي أمريكي يشاركون في الجريمة المنظمة في شبكة عصابات إقليمية تسمى العائلات وتشارك هذه المنظمات في العديد من النشاطات غير القانونية مثل المقامرة، والدعارة، وبيع المخدرات، والربا. ويقدر المسؤولون عن القانون أن هذه العائلات تكسب حوالي 50 مليار دولار أمريكي سنويًا من هذه النشاطات الإجرامية. ويعتقدون أنها أصبحت تمارس كثيرًا من الأنشطة المشروعة، بجانب أنشطتها غير القانونية ( غسيل الأموال )
العراب رواية ماريو بوزو، قدمت مؤخراً في أفلام من إخراج فرانسيس فورد كوبولا. جسد الفنان العالمي مارلون براندو شخصية دون فيتو كورليوني، وتعتبر هذه الثلاثية من أكثر الأفلام الروائية تأثيراً والتي جسدت وقدمت المافيا إلى الثقافة الأمريكية الشعبية والعالمية على حد سواء. عائلة كورليوني التي..قدمت في.الفيلم.هي.مزج.لقصص.عدة عائلات حقيقية من المافيا الأمريكية........
الأربعاء، 6 أغسطس 2014
الاثنين، 4 أغسطس 2014
زوربا اليوناني
هي رواية للكاتب نيكوس كازانتزاكيس. أنتجت هوليوود فيلما شهيرا أيضا مقتسبا من الرواية يحمل نفس العنوان وقام ببطولته الممثل "أنتوني كوين وحقق الفيلم شهرة كبيرة. تدور الرواية, عن قصة رجل مثقف, اسمه باسيل, غارق في الكتب يلتقي مصادفة برجل أميّ مدرسته الوحيدة هي الحياة وتجاربه فيها. سرعان ما تنشأ صداقة بين الرجلين ويتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا من أبيه الكثير من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها.
شخصية زوربا
زوربا هي شخصية حقيقية قابلها نيكوس في إحدى اسفاره, وقد اعجب به اعجابا شديدا, فكتب رواية باسمه. الملفت في رواية زوربا, هو قدرة نيكوس على وصف شخصية زوربا بشكل مطوّل ومفصّل وعميق, حتى انك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا الكون. المميز في زوربا هو انه يحب الحياة بكل أشكالها, لا يذكر الحزن, بل يذكر الفرح دائما في لحظات حزنه الشديد, أو سعادته الشديدة, يرقص رقصته المشهور, (رقصة زوربا).. في تلك الرقصة, يقفز إلى الأعلى لأمتار ويستغل كل ما هو حوله من بشر أو من أدوات وجمادات
يروي شخصية زوربا, شخص لقبه " الرئيس " وهو شخص يوناني يرغب في استثمار أمواله في مشروع ما, فيقنعه زوربا بأنه يستطيع استثمار أمواله في منجم للفحم, ولكن محاولات زوربا لصناعة مصعد ينقل الفحم من مكان لمكان, تبوء بالفشل, ولكن زوربا المفعم بالحياة لا ييأس يحتاج زوربا لأدوات من المدينة, فيأخذ كل أموال "الرئيس" ويذهب إلى المدينة, فيشعر بالتعب, يدخل إحدى الحانات, فتقترب منه "غانية" فيرفضها, فتشعره بانتقاص الرجولة, ولكن زوربا المفهم بالرجولة لا يقبل هذا التصرف, ويصرف كل امواله عليها, ويكتب رسالة إلى "الرئيس" أنه "دافع عن كل الرجولة في العالم"
من أجمل المشاهد في الرواية, هو مشهد قتل الأرملة، هذه الأرملة أحبها شاب صغير من القرية, ولكنها لم تعره اهتماما, فذهب وانتحر غرقا في البحر, اتهمها أهل القرية بأنها السبب في مقتله, فيحاوطونها لقتلها, ولا أحد يتجرأ عن الدفاع عنها إلا زوربا اليوناني, الذي يدافع عنها بكل قوتها إلا أن القس يباغته فجأة, فيمسكها من شعرها, ويلف شعرها على يده ويدق عنقها.
زوربا شخص أمّي لا يعترف بالكتب, وبالمقابل "الرئيس" صديقه شخص مليء بالكتب, ولطالما سخر زوربا من تلك الكتب، يقول: (كتبك تلك أبصق عليها, فليس كل ما هو موجود, موجود في كتبك)
ينفصلان في نهاية الرواية, ويصل خبر إلى الرئيس بأن زوربا قد مات.
مقتطفات من رواية زروبا(ليست حرفية)
الكون كبير جدا, أما قلب الإنسان فرغم أنه صغير, إلا أن قلب الإنسان يحوي الله فإياك أن تجرح قلب إنسان.
هل تستطيع أن تخبرني لماذا يموت الإنسان يا باسيل؟ مالذي تقوله كتبك عن هذا؟
إن الكتب لا تجيب مثل هذه الأسئلة وإنما تتناولها وتحاول تفسيرها...
أني أبصق على كتبك
عندما مات طفلي وكان صغيرا كدت أموت من الألم وبينما كان الآخرون يبكون بدأت بالرقص... نعم الرقص. وقال الآخرون عني : لقد جُنَّ زوربا. لو لم أكن رقصت لكنت متّ.

السيل العرم.......
بقايا مدينة مأرب التى عاش بها قوم سبأ
قال تعالى في
كتابه العزيز :
( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِم آيةٌ جَنَّتاَنِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْناَهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ) (سبأ: 15-16)
لقد كان السبئيون كما تدل الآية الكريمة يعيشون في منطقة مشهورة بجمالها، جنان وكروم، وكانت تقع على طرق التجارة، لقد كانت على مستوى متقدم جداً بالنسبة لغيرها من مدن ذلك الزمان.
كانت ظروف العيش في بلدة كهذه ممتازة، ولم يكن للقوم من جهد يبذلونه سوى( كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ) كما تقول الآية، إلا أنهم لم يفعلوا ذلك، بل نسبوا ما يملكونه لأنفسهم، لقد ظنوا أنهم أصحاب هذه البلدة، وأنهم هم الذين أوجدوا مافيها من الرخاء والازدهار، اختاروا الغرور والتكبر على الشكر والتواضع لله، وكما تقول الآية: ( فَأَعْرَضُوا... ).
لأنهم نسبوا كل ما أنعم الله به عليهم لأنفسهم، وأصرُّوا أنه من صنعهم، خسروا كل شيء... لقد أهلك سيلُ العَرِم كلَّ ما صنعت أيديهم.

يذكر القرآن أن العقاب الإلهي كان بإرسال (سَيْلَ العَرِمِ). وهذا التعبير القرآني يخبرنا كيف وقعت الواقعة، فكلمة "عَرِم" تعني الحاجز أو السد. يصف تعبير (سَيْلَ العَرِمِ ) السيل الذي جاء ليدمر هذا الحاجز، لقد حل المفسرون المسلمون موضوع الزمان والمكان على ضوء الألفاظ القرآنية التي وردت في وصف سيل العرم، يقول المودودي في تفسيره:
"كما استخدم في التعبير سيل العرم، فإن كلمة "عَرِم" مشتقة من كلمة "عريمين" المستخدمة في لهجة سكان جنوب الجزيرة، والتي تعني "السد، الحاجز"، وقد عثر على هذه الكلمة في أثناء الحفريات التي نفذت في جنوب اليمن باستعمالات كثيرة تفيد هذا المعنى، على سبيل المثال: استخدمت هذه الكلمة في الكتابات التي كانت تملى من قبل ملك اليمن الحبشي"أبرهة"، بعد تعمير وأصلاح سد مأرب في 542 و543 م لتعني السد "الحاجز" مرة أخرى. أذن فأن(سَيْلَ العَرِم) يعني "كارثة السيل التي حدثت بعد تحطم سد".
( وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) (سبأ: 16). أي: إن البلدة بكاملها قد غرقت بعد انهيار السد بسبب السيل، لقد تحطمت جميع أقنية الري التي حفرها السبئيون، وكذلك الحائط الذي أنشؤوه ببنائهم حواجز بين الجبال، ولم يعد لنظام الري أي وجود، وهكذا تحولت الجنان إلى أدغال، ولم يبقَ من الثمار شيء، سوى ثمار تشبه الكرز وأشجار قصيرة كثيرة الجذور. [4]
لقد أقر الكاتب وعالم الآثار المسيحي وورنر كيلر Werner Kellerصاحب كتاب "الكتاب المقدس كان صحيحاً" أن سيل العرم قد حدث كما ورد وصفه في القرآن الكريم، وأنه وقع في تلك المنطقة، وأن هلاك المنطقة بكاملها بسبب انهياره، إنما يبرهن على أن المثال الذي ورد في القرآن الكريم عن قوم الجنتين قد وقع فعلاً. [5]
بعد وقوع كارثة السد، بدأت أراضي المنطقة بالتصحر، وفقد قوم سبأ أهم مصادر الدخل لديهم مع اختفاء أراضيهم الزراعية، وهكذا كانت عاقبة القوم الذين أعرضوا عن الله وترفعوا عن شكره، وتفرق القوم بعد هذه الكارثة، وبدأ السبئيون يهجرون أراضيهم مهاجرين إلى شمالي الجزيرة، مكة وسوريا. [6]
يأتُي الحيز الزماني الذي شغلته هذه الكارثة بعد زمن العهد القديم والعهد الجديد، لذلك لم يرد ذكره إلا في القرآن الكريم.
تقف آثار مأرب المهجورة والتي كانت في يوم من الأيام موطناً للسبئيين، كآية من آيات العذاب تنذر أولئك الذين يكررون خطيئة القوم، لم يكن السبئيون هم القوم الوحيدين الذين أهلكهم السيل، ففي سورة الكهف يروي لنا القرآن الكريم قصة صاحب الجنتين، امتلك هذا الرجل جنتين خصبتين جميلتين تشبهان جنان قوم سبأ، إلا أنه ارتكب نفس خطيئتهم: أعرض عن الله، لقد ظن أن هذه النعمة من صنعه هو وهي له دون عن غيره:

(وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعْلنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَم تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلىَ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْها مُنقَلَباً * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي ولآ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً * وَلَولآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ إنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً * فَعَسى رَبِّي أَن يَؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً * أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ برَبِّي أَحَداً * وَلَم تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِراً * هُنَالِكَ الوَلايَةُ للهِ الحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً ) (الكهف: 32-44) .
كما نفهم من الآيات لم يكن صاحب الجنة ناكراً لوجود الله، بل على العكس فهو يتصور أنه حتى لو عاد إلى ربه فسيجد خيراً من هذه الجنة، لقد عزا كل ما هو فيه من النعم لما حققه من أعمال ناجحة قام بها وحده.
من الواضح أن هذا يصب تماماً في منحى الشرك بالله: محاولة نسب كل ما يخص الله إلى غيره، وفقدان الخشية من الله مع الاعتقاد بأن هذا الشريك لديه امتياز خاص، و "حظوة" عند الله.
وهذا ما فعله قوم سبأ، فكانت عاقبتهم أن غرقت بلادهم وجنانهم ليفهموا أنهم ليسوا أصحاب القوة، بل أنها نعمة أُسبغت عليهم فحسب...

أصبح السبئيون أصحاب أعظم حضارة قامت على الري بعد بنائهم سد مأرب بأحدث الوسائل التقنية، لقد سمحت لهم أرضهم الخصبة التي امتلكوها وسيطرتهم على الطرق التجارية، أن ينعموا بالرخاء والازدهار الذي طبع أسلوب حياتهم، ومع ذلك "أعرضوا عن الله" الذي يتوجب عليهم أن يكونوا ممتنين، شاكرين له ولأَنْعُمِه، لذلك انهار سدهم وأهلك "سيل العَرِم"كلَّ ما بنوه.
عاد اليوم السد السبئي المشهور مرة أخرى إلى ما كان عليه من إمكانات الري السابقة
يخبرنا القرآن الكريم أن ملكة سبأ وقومها كانوا "يعبدون الشمس مع الله" قبل أن تتّبع سليمان، وتوضح المعلومات التي تحملها هذه النقوش هذه الحقيقة، كما تشير إلى أنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر في معابدهم والتي يظهر أحدها في الأعلى.
الهوامش:
[1] "سبأ"، الموسوعة الإسلامية: العالم الإسلامي، تاريخ، جغرافية، إنثوغرافيا، وقاموس بيبلوغرافيا، المجلد 10، صفحة 268.
[2] هوميل، المكتشفات في أرض الإنجيل، فيلادلفيا 1903، صفحة 739
[3] "مأرب"، الموسوعة الإسلامية": العالم الإسلامي، تاريخ، جغرافية، إنثوغرافيا، وقاموس بيبلوغرافيا، المجلد 7، الصفحات 323-339.
[4] المودودي، تفهيم القرآن، سيلت 4، استنبول: إنسان ياينلاري، صفحة 517.
[5] وورنر كيلر، الإنجيل كتاريخ، إثبات كتاب الكتب، نيويورك: ويليام مورو، 1964، صفحة 207.
[6] الدليل الحديث للمسافرين إلى اليمن، صفحة 43.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)




.jpg)



