الأربعاء، 25 مارس 2015

300

  
يستلهم التاريخ.. ويلوي ذراعه أيضا



تاريخ الحروب الفارسية اليونانية
خريطة توضح مواقع الصراع بين الفرس ودويلات اليونان
من المعروف أن اليونان لم تكن بلدا موحدا بمعنى الكلمة بل كانت دويلات مدن متناحرة ومتنافرة تصل لحد الحروب فيما بينها. ولقد كان هناك سببان رئيسان لإجبار هذه الدويلات على التوحد كبلد ذو قومية واحدة أولها الخطر الفارسي الكبير ومحاولته فتح الطريق عبر غزو اليونان نحو أوروبا، ثاني هذه الأسباب هو العمل البطولي الذي قام ليونيداس أحد ملوك اسبرطة، بغض النظر عن مدى الخيال الذي رأيناه بهذه الأفلام، فقد مثل صموده حتى الرمق الأخير رمزا وإلهاما للشعوب اليونانية نحو الاتحاد ونبذ صراعاتها جانبا
لقد استمر تاريخ الحروب اليونانية – الفارسية من عام 499 إلى 448 قبل الميلاد وقد بدأت بوادر النزاع حين نجح سايروس العظيم كسرى فارس كما كان يطلق عليه
في احتلال مملكة ميديس عام 554 ق.م. وكون بذلك امبراطورية ضخمة تمتد من افغانستان وايران وأجزاء من الهند شرقا ومصر وليبيا غربا إلى الممالك التي كانت تتواجد شرق بحر إيجة (تركيا حاليا) وهي تمثل بوابة طبيعية لأوروبا التي يحلم بفتحها كل حاكم فارسي أو ساساني. من أهم الممالك في شرق بحر إيجة مملكة أيونيا ومملكة ليديا كما نلاحظ بالخريطة الأولى) حيث قامت ثورة في أيونيا مضادة للفرس ولحكامهم المتعاونون بعد تدمير المتمردين لمدينة سارديس وحرقها عن بكرة أبيها وقد ساعدهم بذلك دويلة أثينا. ويقر كبار علماء التاريخ بأن هذا العمل كان يعتبر خطأ تاريخيا استراتيجيا، لأنهم أيقظوا المارد الفارسي عليهم وتحرشوا به. فقرر داريوس كسرى الفرس مهاجمة أثينا عقابا على فعلتهم تلك إلى جانب أن ذلك شكل ذريعة مناسبة لغزو اليونان فوقعت أولى المعارك الكبرى في هذه الحروب، معركة أثينا.
معركة ماراثون
وقعت بالتالي معركة ماراثون الشهيرة حين أرسل كسرى فارس درايوس الأول حملة بحرية ضد أثينا قدر تعدادها بثلاثين ألف مقاتل مقابل 8 آلاف يوناني (أثيني) فعمل القادة اليونيين خطة لإغراء االفرس للقتال بهذه المنطقة الضيقة (نفس فكرة معركة ثيرموبيلاي) وبالفعل هزم الفرس بعد ابتلاعهم الطعم وحاولوا الهروب لسفنهم مرة أخرى إلا أن المدافعين قرروا المخاطرة وسحق ما تبقى من فلولهم. وتبرز شهرة هذه المعركة حين أرسل اليونان رسولا لإبلاغ أثينا بالنصر وقطع المسافة البالغة 26 ميلا بكل سرعة وحين وصل أخذ يبشرهم “نايكي… نايكي…” أي النصر ولكنه لفظ أنفاسه الأخيرة ومات وبناء على هذه الواقعة أقيمت رياضة الماراثون ولا زالت تمارس ليومنا هذا بالألومبياد وألعاب القوى
التمهيد لمعركة ثيرموبيلاي (البوابات الساخنة) أو معركة ال300 اسبرطي كما يحلو للبعض تسميتها

قرر أحشويرس الأول Xerxes I تحريك جيش ضخم لم ير مثله من قبل قط، وقد اختلف المؤرخون حول تعداد هذا الجيش بالضبط فمنهم من قدره بالملايين ولكن معظهم استقر على أن عدده كان حوالي 300 ألف جندي. واختلف المؤرخون كذلك على السبب الرئيس لهذه الحملة الضخمة فمنهم من يقول أنه لغزو أوروبا عموما ولكن الأرجح هو رغبته بالانتقام من أثينا لمساندتها التمرد في أيونيا وهزيمتها لأبيه الكسرى داريوس في معركة ماراثون كما أسلفنا لحضراتكم قبل هذه الواقعة بعشر سنوات. ولا بد لنا من فهم شخصية أحشويرس حتى نفهم دوافعه وأسبابه للقيام بهذا العمل الكبير والجرئ. تقول الروايات أن ملوك الفرس يتم تدريبهم شتى أنواع العلوم والمعارف في صغرهم وأحشويرس هو الذي من أطلق عليه أسد مفترس (وليس ما ظهر بالقصة المصورة لفرانك ميلر والفيلم من قتل ليونيداس للذئب الضخم) وذلك بمكان ضيق ونجح بقتله فهو يتمتع بشجاعة كبيرة ولكن رغبة الانتقام لفشل والده الكسرى درايوس استحوذت عليه وكانت سببا في عدم نجاحه وخيبته الكبرى. وقد يستغرب البعض منا كيف نجح هذا الجيش الضخم بعبور هذه االممرات الضيقة نحو اليونان. الجواب يكمن بالعقول المصرية وتجاربها الناجحة حيث استعان المهنندسون الفرس بهذه الأفكار المصرية وصمموا انجازا عجيبا يجعل من الممكن عبور هذا الجيش الضخم من المضيق البحري في (هيلزبونت) الفاصل ما بين تركيا وأوروبا وذلك بجعل السفن البحرية أرضية كاملة للعبور أو جسور فعلية بتجميع ما يقرب من 700 سفينة وربطها مع بعض مع تثبيتها بإلقاء صواريها الثقيلة بقاع البحر لتكون جسرا متينا يعبر عليه جميع الأثقال والأوزان كما نلاحظ بهذا الرسم التوضيحي
فكان مجرد عبور الجيش الفارسي نحو شمال اليونان انجازا كبيرا وهذا ما صعق أثينا والدويلات الأخرى ذلك أن الخطر هذه المرة أصبح محدقا جدا وعلى أعتاب أبوابهم.
لقد نجح الفرس في زرع بذور الشقاق بينن هذه الدويلات اليونانية. فلو لاحظنا الخريطة الأولى سنجد أنه منقسمين ما بين متحالف مع الفرس كمقدوني (اللون الأصفر)ا ومحايد (اللون الرصاصي) والمستعدين لمواجهة الفرس أثينا واسبرطة جنوبا (اللون الأزرق) وهما الطرفان اللذين يتوجه نحوهما التهديد مباشرة
على الرغم من تحالفهما المفاجئ هذا ضد الخطر الداهم إلا أن لهذين الدويلتين تاريخا طويلا من الصراع والاستحواذ – لس مجاله هنا حتى لا نتشعب كثيرا – ولكنهم قرروا نسيان خلافاتهما وتوجيه جهودهم نحو الغزو المحتمل. تختلف أثينا عن اسبرطة أنها مدينة منفتحة وذات حضارة وثقافة عكس الثانية التي يعرف سمات الانغلاق وعدم المرونة والقسوة وهو مجتمع حربي بالدرجة الأولى وهذا أمر صحيح ذكر بالفيلم. ويتم تدريبهم منذ الصغر على القتل والبطش، وهو ما لم يذكره الفيلم، حيث يتدرب شبابهم ومنهم ليونيداس بالذات على قتل العبيد خلسة مع الحذر من انكشاف أمرهم فإذا انكشف أحدهم بهذه الفعلة النكراء يعاقب أشد أنواع العقاب. فهم يجيدون إلى جانب القتال فن الفر والهروب وعدم الانكشاف، وهذا الشئ لايذكره أي فيلم يمجد بالاسبرطيين عموما.
لقد برع اليونان في استخدام استراتيجية حربية متقنة ألا وهي استخدام الأرض والتضاريس Terrains التي تمنحهم يدا عليا في أية معركة يخوضونها على أراضيهم حتى لو كانوا لا يتمتعون بكثرة عددية مقابل أي جيش يواجههم وهذا الأمر تحقق في معركة ماراثون وكذلك في معركة سالاميس البحرية إلى جانب معركة البوابات الساخنة (ثيرموبيلاي)، ويعود السبب في عدم انهزامهم بسهولة أيضا إلى حسن اجادتهمم لاستخدام تسليحهم وعتادهم الذي شاهدناه بالفيلم المكون من الدرع الثقيل والرمح الطويل والسيوف الخفيفة.
معركة ثيرموبيلاي
لن أخوض بالجوانب التي تعرض لها الفيلم، ولكني سأتطرق لها من زاوية أخرى أوسع. موقع ثيرموبيلاي ويعني البوابات االساخنة هو موقع استراتيجي للدفاع عن أثينا من حيث أنه ممر وادي ضيق بعرض لا يسمح سوى ل18 رجلا بالعبور وعلى يمينه حافة جبلية شاهقة


مما يفسر العقلية العسكرية الفذة التي يتمتع بها القادة اليونان والسبب شاهدناه بالفيلم الذي لم يتعرض إلى أن هذه المعركة لها جانب آخر وهو المعركة البحرية الموازية حيث كان هناك اسطول بحري يوناني بقيادة ثيموستكليس القائد والسياسي الداهية الذي يعتبر بطلا حقيقيا في هذه الحرب المضنية، وهو قد عاصر معركة ماراثون واقتنع بأن الفرس سيقررون الثأر لا محالة. الاسطول اليوناني بقيادة ثيموستكليس، الذي عرف مكامن قوة الاسطول الفارسي الضخم، أجهض المخطط الفارسي الرامي إلى مفاجأة جيش ليونيداس ومهاجمتهم من الخلف، و نجح بلحق هزيمة نكراء به في معركة سالاميس وذلك بتضييق الخناق على الاسطول الفارسي الضخم الذي قدر بألف سفينة مستفيدا من تضاريس مضيق أرتميسيوم وترتب عليها بوادر انهزام الفرس، ثم فاجأ ثيموستكليس الاسطول الفارسي المتباعد بهجوم ليلي خاطف وهو وقت لم يعتاده أحد في حينها كهجوم، وتكفلت العواصف والأعاصير في بحر إيجة في اغراق 200 سفينة فارسية أخرى
حين دخل الفرس بقيادة أحشويرس ممرر ثيرموبيلاي الذي لا يوجد طريق آخر غيره نحو أثينا، كان يعلم أن هذا الممر يصعب القتال به وانتظر خروج جيش ليونيداس لأربعة أيام الذي تمسك بمكانه ولم يتحرك قيد أنملة فنفذ صبر أحشويرس باليوم الخامس وهجم وحدث ما حدث بالفيلم وبهذا الوقت بالذات، أي بعد وصول أنباء هزيمة اسطوله البحري، قرر الأخير الزج بوحداته الخاصة المسماة “الخالدون” Immortals وهي صفوة جيشه بثاني أيام معركة ثيرموبيلاي بعد اندحار اسطوله. انكشف جناح اليونانيين بعد وشاية إيفيلايتيس (الذي أصبح اسمه يعني باليونانية المعاصرة الكابوس) وكان ليونايديس يعلم بأمر هذا الممر الذي كلف به ألف مقاتل من مدينة فوشيا القريبة، ولكنهم تخلوا عن حماية موقعهم ظنا منهم أن الفرس سيهاجمون مدينتهم


فسهل على الفرس القضاء على ما تبقى من الجيش اليوناني. ولكن لا يعتقد أحد منا أن ليونيداس أصبح بطلا بسبب أنه بطل بحد ذاته أو بسببب رغبته الوطنية للدفاع عن وطنه حتى الرمق الأخير بل يكمن السبب الرئيس باقدامه على الصمود القاتل وابعاده باقي الجيش اليوناني عن أرض المعركة هو اعتقاده الديني المحض الذي صرحت العرافة له بهذا التنجيم الكارثي (وكذب المنجمون ولو صدقوا) بحكم أنه نابع من مجتمع ذو اعتقاد ديني صارم. إلا أن الأمر المخالف لأحداث الفيلم هو أنه لم ينسحب جميع اليونانيين ال7 آلاف بعد انكشاف جناح ليونيداس بل ظل معه ألف مقاتل من ثيسبيا Thespians. كما أن ال7 ألاف جندي المساندين للاسبرطيين لم يكونوا من الأركاديين فقط كما ذكر بالفيلم وهذا غير واقعي حيث أن عدد الأخيرين لم يتجاوز 1120 جندي فهؤلاء ال7 ألاف هم خليط من الدويلات اليونانية المختلفة.
وحاول الاسبرطيين استردداد جثة قائدهم فكانت لهم السهام بالمرصاد وذبحوا جميعا، ثم أمر أحشويرس بقطع رأس ليونيداس وتعليقه على قطعة خشبية وانسحب ثيمووستكليس بإسطوله لإعادةة التجمع، ثم استشار اليونان عرافتهم في مدينة ديلفي المقدسة وقرروا اخلاء مدينة أثينا من سكانها. ثم دمر الفرس مدينة أثينا بناءا على أوامر أحشويرس وجعلوها حطاما انتقاما لموقفهم السابق.
إلا أنه وخلال مدة وجيزة تمكن الاسطول اليوناني بقيادة ثيموستكليس، الذي عرف مكامن قوة الاسطول الفارسي الضخم، نجح بلحق هزيمة نكراء به في معركة سالاميس وترتب عليها بوادر انهزام الفرس، حيث كسرت شوكة الاسطول الفارسي وقضى على وجوده في بحر إيجة للأبد
فما كان من أحشويرس إلا أن قرر الفرار نحو آسيا الصغرى وأخذ معه مجموعة كبيرة من قواته تاركا قيادة ما تبقى من جيشه لقائده ماردونيوس الذي واجه تحالف اليونانيين في معركة كبرى حاسمة ووهي معركة بالاتايا التي قضت على الوجود الفارسي في بحر إيجة حيث لحقت الهزيمة الكبرى بالجيش الفارسي وقتل قائده ماردونيوس نفسه وقضي على كل ما تبقى من الجيش الفارسي في شبه جزيرة اليونان وكبدوا اسطولهم هزيمة أخرى في معركة ميكالي
بعد ذلك وحد فيليب المقدوني دويلات المدن اليونانية وقام ابنه الذي خلفه وهو الأسكندر الأول(وهو يسبق الأسكندر الكبير الشهير بمدة طويلة وليس بذات الشخص) بهزيمة الامبراطورية الفارسية بعد سلسة معارك متتالية وطردها من منطقة آسيا الصغرى تماما، وكانت بداية النهاية لامبراطورية الفرس عبدة النار التي ستطفأ فيما بعد على أيدي المسلمين في معارك ذي قار ثم القادسية وأخيرا المدائن
فيلم 300 والقصة المصورة لفرانك ميلر
فيلم (300) أنتج عام 2006 وقد قام بتأليف القصة فرانك ميلر بناء على قصته المصورة Comics بنفس العنوان التي صدر العدد الأول منها في مايو 1998 وكان بعنوان Honor الشرف وتتالت الأعداد بعناويين Duty الواجب ثم Glory المجد ثم Combat القتال وأخيرا Victory النصر. وقد نالت هذه القصة المصورة جائزة أحسن قصة مصورة محدودة من مهرجان آيزنر في عام 1999.لقد شاهد فرانك ميلر وهو صغير فيلم (300 اسبرطي) الذي أنتج عام 1962 وأبهرته هذه القصة البطولية وعاشت بذاكرته طول هذه المدة. يشترك ميلر أحيانا في كتابة سيناريوهات الأفلام التي يكتب قصصها المصورة وقد يشترك باخراجها كذلك كما شاهدنا بفيلمه السابق Sin City الذي لاقى نجاحا كبيرا في صالات العرض وسيفعل نفس الشئ في الجزء الثاني والثالث الذين سينتجان في أوائل العام 2008 وآخره.
في فيلم 300 يقدم لنا مخرجه زاك شنايدر الذي عرفناه كمخرج لفيلم الرعب Dawn of the Dead ، رؤية سينمائية يغلب عليها الطابع التقني ورسوم الكومبيوتر الثلاثية الأبعاد فخلت بشكل ظاهر للعيان من روح المشهد الواقعي وقد إلتزم بالحبكة التي ظهرت بقصة فرانك ميلر تماما ولم يخرج عليها سوى في بعض المشاهد التي حشرها لنا دون داعي وهي ولم تساهم بأي زيادة إيجابية للفيلم، وهي كل المشاهد الخاصة باسبرطة بعد ذهاب ليونداس للمعركة بما فيها مشاهد الملكة جورجو (زوجة ليونيداس) وقامت بدورها الممثلة البرييطانية (لينا هيدي) التي لم تقنعنا بدورها كثيرا، وأشكك بصدقية ما شاهدناه من عرضها بيع جسدها لأحد المستشارين مقابل موافقته بمجلس الدولة على ذهاب الجيش الاسبرطي لمساندة ليونيداس ضد الفرس خاصة ونحن نعلم أن اسبرطة ليست ديمقراطية مثل دويلة أثينا بل هي ذات نظام عسكري صارم كما أسلفنا. وعلى العكس من ذلك، كان جيرارد بااتلر متميزا بدور ليونيداس وأظهر تعابير مختلفة حسب ما تطلبه من المشهد حيث أقنعنا بتعبيرات فرح الانتصار والقلق العميق ومرارة الخيانة والشعور بالمجد، وقد منح أداؤه بعدا ايجابيا للفيلم. وتتمثل كذلك الجوانب الايجابية بالمونتاج Editing الرائع حيث أكسب قوة تراكمية للأحداث وكذلك منحت المسيقى التصويرية لتايلر بايتس ذات النغم الوناني الجميل بعدا شرقيا مناسبا وزادت من تعلق المشاهد بالأحداث.
لو أردنا عمل مقارنة بسيطة ببين القصة المصورة لفرانك ميلر والفيلم لوجدنا أن هناك تماثلا شبه تام بينهما والاستثناء هو فقط مشاهد الملكة في اسبرطة كما ذكرت آنفا، أي أن المخرج لم يظهر لنا رؤيته وأفكاره الخاصة بهذا العمل اطلاقا بل طبق تقريبا جميع أحداث قصة ميلر وأضاف مشاهد غير مقنعة ولم تحسن من الفيلم.
وتقريبا معظم أو 95 % من أشكال الشخصيات المشوهة متماثلة ما بين القصة والفيلم مثل شخصية إيفيالتيس الخائن حيث ظهر مشوها ومحدبا ووكذلك الفيل أو الوحش ذو القرن الذي أطلقه الفرس، وزاد المخرج على هذا التشويه تشويها حين أظهر القوات الخاصة للفرس “الخالدون” بمشوهي الوجه تماما. لا شك أن أعمال فرانك ميلر تعتمد على (فانتازيا) العنف بشكل رئيسي ويقتصر جمهوره، قبل انطلاق اعماله بالسينما، على البالغين في أميركا الذين كانوا يقبلون على مثل هذه القصص، إلا أن عدم وضع المخرج لأفكار أخرى تعمل على اعطاء مصداقية ومنطقية للأحداث ساهم بعدم النظر لهذا العمل سوى على أنه (للفرجة) والمتعة البصرية فقط دون مضمون، خاصة وأنه (أي الفيلم) أتى في وقت توتر متصاعد ضد طهران بسبب أزمة المفاعلات النووية فكان بمثابة رسالة سياسية وتصعيد اعلامي مضاد لإيران استنكره الرئيس الإيراني بنفسه. لا أنكر استمتاعي بهذه المتعة البصرية والبطولات الملحمية الاسطورية. وهو فيلم يدخلك في العصر الجديد للسينما حيث التقنيات التي تجعل من الأمور المستحيلة أمرا ممكنا، هذا في الغرب – أما السينما العربية فلا زالت بعيدة تماما عن استخدام مثل هذه الأدوات السينمائية الحديثة التي تساعد على اخراج أي منظور سينمائي مستهدف.
لا شك أي شخص يتمنى أن يكون مثل ليونيداس ولا يتمنى أن يكون بمثل موقفه وكثير من الشعوب تتمنى أن تكون مثل صلابة الاسبرطيين وصمودهم (وما أحوجنا نحن العرب لذلك) ولا تتمنى أن تواجه مثل هذا الموقف العصيب، أي أنك كفرد أو كشعب تستطيع التحكم باتجاه مصيرك عن طريق قرارك ولكن لا تستطيع التحكم بهذا المصير نفسه وهي تجربة تستحق الدراسة والتأمل خاصة حين يكون هناك قرار صارم بالوقوف بوجه قوى الطغيان والاستكبار ويجب علينا كأمة التعلم من تجارب الأمم التي امتلكت قرارها ثم قررت الصمود وعدم الرضوخ أوالاستسلام.

 تزمع هوليوود أن تترك التاريخ وشأنه. فيلم «300: صعود إمبراطورية»، الذي استولى على 137 مليون دولار عالميا (بينها 49 داخل أميركا الشمالية) منذ إطلاقه قبل أسبوع وحتى الآن، ليس آخر الحلقات السينمائية التي نرى فيها هوليوود تمضي إلى حكايات الرومان والإغريق بحثا عن الداكن والمختلف، كما عن المغامرة المبنية على أحداث وقعت لكن بمواد وعناصر بناء فانتازية محضة.سنة 1908 كان هناك أول اقتباس عن الملحمة الدينية «بن حور» حققها سيدني ألكوت، ثم أقدمت السينما على تقديم أول نسخها من «كوفاديس»، كان فيلما إيطاليا أخرجه إنريكو غواتزانو سنة 1913. وعندما قامت هوليوود بتحقيق ثاني نسخة من «بن حور» سنة 1925 (من إخراج لفرد نبلو وآخرين) كانت السينما العالمية التفتت أيضا إلى وقائع تاريخية أخرى ولو أنها لم تتعامل وأساطير ولا وقائع العالم القديم في حوض البحر المتوسط. البريطانيون سعوا لتقديم نسختهم المبكرة من «هنري الثامن»، التي أخرجها ويليام باركر سنة 1911 والفرنسيون تبعوا ذلك بنسخة مبكرة أيضا من «رتشارد الثالث» أنتجوها كأول فيلم مشترك مع الولايات المتحدة (أخرج الفيلم أندريه كالميت وجيمس كين في عام 1912) ثم كان هناك «جوديث وبثيوليا» و«مولد أمّـة» و«تعصّـب» وكلها لديفيد و. غريفيث كما أنجز سيسيل ب. د ميل نسخته من حكاية جوان دارك (تحت عنوان «جوان المرأة») وكل هذه الأفلام قبل منتصف العشرية الثانية من القرن العشرين.
* أربعة أهداف
* على عكس الأفلام التاريخية التي تدور في أوروبا الغربية والشمالية، بقيت تلك التي تقع ما آسيا وشرقي أوروبا وعلى محيط واسع يشمل أحيانا مصر إلى الجنوب وبلاد الفرس إلى الشرق، أكثر ملاءمة لاستخلاص أعمال تجنح للفانتازيا وتتعامل مباشرة مع خليط من الواقع والكثير من الأساطير. فناك الفتوحات الإغريقية، والأبطال الرومانيين والغزوات الفارسية والبيزنطية والمقدونية والتوسع الاحتلالي الذي ميّـز الكثير من القوميات والأجناس العنصرية في ذلك الحين. وهناك الشخصيات التي بقيت حيّـة لم يضمرها الزمن مثل هركوليس وسبارتاكوس وليونيديس وكليوباترة وأنطونيو وبل بعض الشخصيات التي لا إثبات لوجودها مثل ماشيستي، ذلك البطل المغوار الذي لم يوازيه قوّة، حسب الأساطير إلا هركوليس نفسه.
المدّ القريب من أفلام القتال التاريخية بدأ بـ«غلادياتور» لريدلي سكوت (2000) لكن السلسلة المذكورة لم تتوقّـف في أي عقد من العقود وإن بلغت في الستينات أوجها موزّعة بين أفلام أميركية (مثل «سبارتاكوس» لستانلي كوبريك و«سقوط الإمبراطورية الرومانية» لأنطوني مان، وأفلام إيطالية ركبت الموجة الناجحة حينها ونتج عنها عشرات الأفلام التي سميت بأفلام «السيوف والصنادل» (أو «السيوف والنعال») كون هذا كل ما تسلّـح به المشاة من القوى المتناحرة.
في عام 2006 قام زاك سنايدر بتحقيق فيلمه الشهير «300» وفي باله أربعة أهداف هي اقتباس الرسوم الغرافيكية الناجحة لفرانك ميلر التي طالما ردد إعجابه بها، وتحقيق فيلم ينتمي إلى ذلك النوع «الذي نشأت على حبّـه» كما قال، وتقديم عمل سينمائي يقطر نجاحا كبيرا. الرغبة الرابعة كانت دفع رسالة سياسية مقسّـما العمل بحدّة بين الأخيار الإغريقيين والأشرار الفارسيين وبصحبتهم، كما تصوّر، عرب وأفارقة وهنود.
وهو لم يكترث بالنقد الذي وُجّـه إليه من لدن النقاد الأميركيين كونه أنجز فيلما معاديا لشعب آخر، بل استفاد منه. كذلك لم يكترث لما أجمع عليه غالبية النقاد حول العنف الشديد في تنفيذ مشاهد القتال واستفاد منه أيضا. كلا النقدين صحيح لكن سنايدر (الذي حقق قبل ذلك أفلاما نال فيها من شعوب وأديان من تلك التي اختارها أعداء لأبطاله) وظف الضجّـة حولهما ليخدما الجو العام المناوئ للنظام الإيراني في أميركا والغرب، ورغبة فئة من الجمهور السائد بمشاهدة دماء تسيل ورقاب تقطع وأطراف تبتر على نحو متطرّف. هذه المناوأة ما زالت حاضرة، تبعا لما تقوم به إيران من مناورات سياسية متطرفة في خطورتها في هذا الجزء من العالم وسواه، وهي في بال الفيلم الجديد ولو أنه يتعامل معها هنا على نحو أقل عنصرية مما بدت عليه في الفيلم السابق.
* سهم طويل المدى
* بعد سبع سنوات انتقل زاك سنايدر من كرسي الإخراج إلى كرسي الإنتاج وحده ليقدّم هذا الجزء الثاني «300: صعود إمبراطورية»، وهو ليس جزءا ثانيا بمعنى كامل، فهو ليس تكملة لأحداث الفيلم السابق، بل أحداث دارت خلال الفترة ذاتها التي خاض فيها 300 إسبرطي الحرب ذودا عن مملكتهم اليونانية ضد جحافل الفرس. فبينما كانت المعارك دائرة على ذلك المضيق الساحلي، كان بحر إيجه وجواره مسرح معارك خاضتها مراكب القوّتين غير المتكافئتين. وكما انتصرت القلة الإغريقية في «300» على الغالبية الفارسية، تنتصر القوّة البحرية الإغريقية وهي قليلة العدد والعدة على المراكب الفارسية التي تجاوز عددها ألف مركب وسفينة حربية.
وسنايدر جلب مخرج أفلام دعايات إسرائيلي اسمه نعوم مورو ليتولّـى تنفيذ الفيلم تحت إشرافه هو ما نتج عنه فيلم ملتحم بعناصر الفيلم السابق كلها مع بضع حسنات لم تكن موجودة في الفيلم الأول، لجانب قصور تقني في طبيعته خلا منها الفيلم السابق أيضا.
«300: صعود إمبراطورية» يفتح جبهة جديدة للحكاية تحوم حول قيام الأثيني ثيميستوكليس (كما يؤديه الأسترالي سوليفان ستابلتون) بحشد ما تيسر له من قوات وسفن لصد الحملة البحرية الفارسية التي تقودها امرأة شرسة اسمها أرتيميسيا (إيفا غرين التي بدأت حياتها بالتمثيل تحت إدارة برناردو برتولوتشي في فيلمه «حالمون» سنة 2003)، وهي، كما يفيدنا مخرج الفيلم مورو في فلاشباك، شهدت الويلات منذ أن قام مسلّـحون يونانيون باغتصاب أمها وقتلها ووالدها وإخوتها أمام عينيها وهي صغيرة وبقيت أسيرة لدى مختطفيها يداومون الاعتداء عليها حتى قاموا بإلقائها في بعض الطرق ليلتقطها الملك الفارسي داريوش (إيغال ناوور) ويعلّـمها، بنفسه، فنون القتال. بعد دقيقة واحدة تفوّقت عليه.
لكن بداية الفيلم الفعلية تسبق هذا الشطر من المشاهد فبعد لقطات تمهيدية يأتي مصحوبا بتعليق صوتي مصدره الملكة اليونانية غوركو (لينا هيدي) يوجّـه المحارب الأثيني ثيميستوكليس سهما طويل المدى يصيب الملك داريوش في قلبه. في هذا المشهد المبكر بعض ذلك الجنوح في الخيال، فالمسافة بين مطلق السهم ومتلقيه، كما ينبئ الفيلم بصريا على الأقل، تزيد عن كيلومتر على الأقل، لكن المسافة الكبيرة لم تمنع السهم من الوصول إلى هدفه بدقّـة فقط، بل لم تمنع كذلك تحديق كل منهما بالآخر لبعض الوقت قبل أن يقوم ثيميستوكليس بإطلاق سهمه. حين يُـصاب داريوش يتلقاه ابنه إكزرسيز (الممثل البرازيلي رودريغو سانتورو) بين يديه ويحدّق في ثيميستوكليس الذي يبادله النظر.
استكمالا للقصّـة، يخلف إكزرسيز أباه وتؤيده أرتيميسيا التي تبناها داريوش وانقلبت، تبعا للمأساة التي شهدتها صغيرة، إلى عدو لقومها. إكزرسيز يكتشف بحيرة مسحورة يغطس فيها وحين يصعد منها هو رجل وُلد من جديد يمشي كما المومياء المصرية في الأفلام القديمة. لكنه سيحتل دورا ثانويا (حتى الجزء الثالث المقبل) إذ أن البطولة موزعة بين المقاتل الإغريقي ثيميستوكليس وقائدة الأسطول البحري أرتيميسيا. في الموقعة الأولى (وهذا ثابت في التاريخ) تمكّـنت البحرية اليونانية بقيادة ثيميستوكليس من إغراق ثلث مراكب الأسطول الفارسي الذي تألّـف من نحو 1200 سفينة (ولو أن الفيلم يتحدّث عن ثلاثة آلاف سفينة) وتكفلت عاصفة بحرية هوجاء بإغراق المزيد. لكن الموقعة الثانية (مما نراه على الشاشة على الأقل) كانت الغلبة فيها للبحرية الفارسية مما وضع ثيميستوكليس والمشاهدين أيضا أمام حتمية جولة أخيرة سينتصر فيها الإغريق.
* وحشية متبادلة
* بقدر ما يستوحي الفيلم من التاريخ، بقدر ما يستخدم حقّـه في لي ذراع الأحداث رغبة في تجسيد البطولة وإثارة المشاهد بصريا وحسيّا. المشكلة أن الفيلم لا يكتفي بلي ذراع الحقيقة بل بكسرها. يخوض ثيميستوكليس المعركة غير المتكافئة ويوصي رجاله: «مقدّمة السفن الفارسية قويّـة. اضربوها في الوسط». وهكذا كان. أرتيميسيا شهدت (لا تنس أن عيون الجميع ترى عن بعد كيلومترات) الموقعة رغم اعتراف الفيلم بالعواصف الهوجاء كما بسحاب داكن غطّى المكان. وهي انتقمت ولو من بعد حين، ففي الموقعة الثانية التي خسر فيها الإغريق معظم سفنهم تطلق ثلاثة سهام باتجاه أحد معاوني ثيميستوكليس، لكنها تطلقها جميعا كلها بتصويب أفقي. رغم ذلك ستقع على جسد المعاون هاوية من فوق. ليس فقط أن الأسهم لديها عيون ترى فيها ومحركات ذاتية طويلة الأمد بل يبدو أنها تستطيع أن ترتفع وهي ما زالت طائرة لكي تحط من فوق رغم أنها أطلقت باتجاه مسطّـح.
المعركة الأخيرة، تأتي بعد طن من الكلمات موزعة في خطب القائد ثيميستوكليس وفيها يلتقي هذا بأرتيميسيا للمرة الثانية (الأولى حين دعته للحديث في سلام محتمل وارتدت له زي السهرة الذي ينحسر عن صدرها) ويتلاحم معها في معركة أريد لها أن تكون، بتعريف المتحمّـسين، رهيبة. هذا في الوقت الذي كان الرجال من الجانبين يخوضان القتال. والقتال بالسيوف في هذا الفيلم لا يتطلّـب مهارة. المحارب له ضربتين في المتوسط. الأولى يهوي بها على سيف عدوّه والثانية على أي جزء من جسده. انتهى الأمر.
سياسيا، ما زال الفرس أعداء وبعضهم يرتدي الزي العربي. ولو بحثنا لوجدنا أن عدم الإلمام بتصاميم الملابس تبعا للحقائق هو الطاغي هنا. فالعباءات والعُـقل ذات اللون الأسود لم تكن منتشرة بين الفرس آنذاك لكن هذا ما يجعلهم مميزين أمام أعين المشاهدين ليفرقوا بين الأبطال والأشرار. إذا ما كان هذا مقبولا من ناحية بصرية بحتة، فإن الجديد هو نوع من الحياد حين يأتي الأمر إلى فعل القتل. الفيلم شرس كمقاتـليه جميعا وهو لا يزال يؤمن بالإثارة الحسيّـة فيلطخ الشاشة دما ويقطع الأجساد ويبقر البطون كما يحلو له. لكن القتل المصوّر هنا متبادل كذلك وحشيّـة المقاتلين من الطرفين.
* ترقّـب
* البعد الذي لم يتغيّـر كثيرا عن الفيلم السابق هو الميل للإعجاب بالقوّة المفرطة وبمجتمع لا يمكن له القبول بضعفاء بينهم. هذا كان مبدأ النازيين أيضا، وهو ما ورد في الفيلم السابق ويرد هناك مثال في مشهد يعجب فيه بطل الفيلم بتمارين قتال في معسكر إسبرطي حيث يتجمّـع مقاتلون حول محارب ويوسعونه ضربا مبرحا وركلا كما يسببون له جروحا واضحة وكل ذلك في سياق التدريب. البعد الماثل هو أنه ليس للضعفاء خبز في هذا المجتمع المعتد بنفسه والذي ينقله المشهد إلينا باعتزاز مماثل.
تكاد بعض اللحظات أن تتميّـز (مشهد لقاء ثيميستوكليس بأرتيميسيا) رغم أنها مصنوعة ومتكلّـفة كالفيلم بأسره. ما يمنعها من ذلك أن المعالجة بأسرها ميكانيكية ولا تكفي تلك اللحظات لكي تمنح الفيلم أي توازن. الفيلم عبارة عن كتل متراصّـة من خدع الدجيتال كما الفيلم السابق. القمر يبدو مثل جبل هيمالايا أو كما لو أنه نزل من السماء وحط على مقربة. إيقاف المشهد الدائر للحظة بتفعيلة غرافيكية بسيطة، لإبراز يد يتم قطعها أو كيس من الدم ينفجر على الشاشة عادة ما يتكرر. ولا بد أن فناني الكومبيوتر كانوا يفكّـرون بالأسماك عندما صمموا شرر النار وهي تسبح في الفضاء عابرة الشاشة في كل الاتجاهات وبأحجام أكبر من الواقع.
طبعا كل ما نراه من محيط للمشاهد مصطنع. مقدّمة المشاهد فقط لبعض البشر والباقي من نتاج الكومبيوتر غرافيكس. في الفيلم السابق هذه الناحية كانت مشغولة أفضل. كذلك كان تمثيل جيرارد باتلر في دور قائد الإسبرطة ليوناديس أفضل مما أدّاه ستابلتون هنا.
إذ يلتقي «300: صعود إمبراطورية» مع «300» في المنهج والأولويات، يختلف في أن للمرأة وجودا أقوى من السابق. ذلك الدور الممنوح لأرتيميسيا والآخر للملكة غورغو (لينا هيدي التي نسمع صوتها معلّـقة ولها حضور ولو قصير بصريا) هما كل هذا الحضور عددا، لكن الشخصيات أقوى والتنويعة القتالية في هذا الصدد مفيدة كونها بين رجل وامرأة وليس بين رجلين فقط.
الجمهور أقبل على هذا الفيلم كما بدأنا القول. لكن ذلك لا يؤكد بعد مدى نجاح الفيلم على نحو كامل. أولا لأن سعر التذكرة للفيلم ذي الأبعاد الثلاثة أعلى مما كان عليه سعر تذكرة فيلم «300» الذي عُرض بالشاشة المسطّحة وحدها، وثانيا لأن فيلم سنايدر السابق حقق في افتتاحه قرابة 79 مليون دولار داخل أميركا وحدها. بينما الأيام الثلاثة الأولى من هذا الجزء الثاني جمعت 45 مليونا أميركيا علما بأنه عرض على 400 شاشة زيادة على عدد الشاشات التي شهدها «300».
ومع أن الاستعداد جار لتقديم جزء ثالث، إلا أن كل شيء مبني على النتيجة النهائية لهذا العمل. ولا يمكن القول: إن سينما «السيوف والصناديل» الأخيرة حققت رواجا كاسحا يدفع على التفاؤل في السنوات الخمس الأخيرة ومن بين ما سقط بضراوة خلال هذه السنوات «غضب التايتنز» و«أسطورة هيركوليس» و«بومباي»

السبت، 14 مارس 2015

لها سرّ النحلة ... أمين الزاوي




بات محسوما في تاريخ الأدب العربي الحديث الموقع الذي تشغله الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية في مُجمل المتن الروائي العربي، سواء من حيث العوالمُ والدلالاتُ التي يعمل في حقلها الجنس السرديُّ التخييليّ، أو ألوانُ التعبير والصنعة التي ينضوي فيها، وبأدواتها يشكل انتماءهَ إلى هذا الفن، ويحُوز اعتبارَه الأدبي، خاصة. أمكَنه تحقيقُ هذا رغم عوائق التاريخ السياسية والثقافية المعلومة، وكذلك مع فُتُوّة التجربة الأدبية في هيئتها وبمراميها التحديثية، التي عبَرت في بيئات أخرى، عربية وأجنبية، مراحل معتبرة من تكوين ونضوج وتبلور منتظمة، واحتاجت إلى زمن غير يسير لتستقر في صورة تقاليد وأنماط قول ومستويات ومحتويات خطاب منتج اجتماعيا وثقافيا، وأدبيا، بالطبع.
2ـ والحقيقة آن الأوان، للقطع مع التصنيفات والأحكام النمطية والمستنسخة، كثيرا ما نظرت إلى محيط الثقافة العربية وآدابها في الجزائر بإشفاق وابتآس؛ النظرة إلى قاصرين ابتُلوا بالاستعمار، اغتصبَ هويتهم وأباد لغتهم العربية، لغتنا، ونحتاج أن نُعاملهم بحدب وقد استعادوا قُدراتهم، وأصبح التعبيرُ الأدبيّ، من بين تعبيراتٍ أخرى، ملءَ القلم واللسان، في مواجهة وأسوة ًبالتعبير الفرنسي الذي ساد بلُغة المستعمر، ومهاراتِ تكوينه وهيمنته أزيدَ من قرن، ويظل، مما يجعل لكل قول عربي حظوة وذا اعتبار في حد ذاته. تقويمٌ بمرتبة التبخيس هو زيادة على خَطَله، وتناقضه مع واقع صمود الثقافة العربية وآدابها في الجزائر والمهاجر العربية، وبتاريخها وتقاليدها المشتركة والمتداخلة مع محيطها المغاربي العربي الكبير، لا يمكن أن يقبل به أدباء هذا البلد، الذين ننسى موهبتهم الأصلية، على أي لسان جاءت وتدفقت، هي اليوم منسجمة مع اللغة العربية، ممتدة في نسيجها الأدبي الحديث بفنونه كلها، مجددة قولا ومعنى، فهي إذن عضو تام في الجسد العربي، فوجب التنويه، درْءا للّبس، ودفعا للبؤس.
3ـ أحسَبُ الروايةَ بالذات، وقبلها القصة القصيرة إلى حدما، هي المضمار القولي الذي تجلت فيه المؤهلاتُ الإبداعية للكاتب الجزائري معبَّأة ًلتصوير واقعه الاجتماعي والسياسي، وقبل ذلك إعادة رسم الصورة التاريخية للوطن ، في نوع من إعادة تأسيس الهوية وتجذير واستنبات الذات، بين فترتي الاستعمار ومسلسل الاستقلال. رواية تحركت وما تزال في أفق واقعية اجتماعية تاريخية ، مرآوية ونقدية، وعَمَد كُتابُها، في جانب مهم منها ، إلى استثمار المادة التاريخية وحلقاتها كمضمون تارةً، وكوعاءٍ تارةً أخرى، وطوراً كسياق رمزي وخلفية لنقد الواقع وتجديده. وبين هذه المقاربات، وضمنَها، كانت أساليبٌ وبنياتٌ فنية وسجلاتٌ لغوية، وأمزجةٌ وذهنياتٌ تتفاعلُ وتتضافرُ بحثا عن المثال أو النموذج، متقلبة بين التقليد لتراث روائي عربي، حديث، لاستدراك الزمن الضائع، ومساوقة لواقعها يُملي عليها تعبيرا بعينه وهي بذا تتطلع إلى كتابة الرواية ذات الخصوصية الجزائرية، وثالثا، وهو الأفق المفتوح الذي تمضي فيه التجارب بدرجات متفاوتة، ووفق مواهب متباينة وعديدة المطامح، تنزع إلى بلوغ تفرّد في الكتابة الروائية لا يبرح الواقع، ويحلق بخيال كاتبه بعيدا عن حدود وقيود حرب التحرير.
4ـ إن لتوصيفنا هذا، وحتى لا نوصم بأيّ ابتسار، تمظهرات شتى، ليس هنا مقام رسمها بتفصيل، إنما لا بأس من التذكير أن الطاهر وطار أنشأ وحده متنا متسقا ومطورا على امتداد عقود ثلاثة على الأقل( بدءا من رواية اللاز1974 وانتهاء برواية قصيدة في التذلل 2010) بعد أن استشفّ وطوّر ريادة عبد الحميد بن هدوقة( ريح الجنوب 1971)، واستطاع بصفة خاصة أن يستوعب الواقع الاجتماعي التاريخي المتواشج مع الثورة الجزائرية عبر شخصيات رمزية ونموذجية، وفي صيرورة التحول العام لهذا الواقع، بحس روائي لا يتنازل للعابر وإن تماسّ معه، ويترك دائما أفقا للذات تتنفس منه، وهي تكتوي بلواعجها، فجاءت أعماله ممثلة لزمنها، وسجلا سرديا منظم المعمار، محكوك الأدوات، مصقول اللغة، نافذ الرؤية ومُعتملا بإنسانيته، وجله مقابل لفيف من كتاب اصطفقت في أعمالهم أمواج حرب التحرير العاتية، العامرة بتاريخ المجاهدين، في مرحلة أولى، ثم ما ارتكن إلى التاريخ سردا وتمثيلا وتأويلا وتقويلا، فتراوح بينهما وهذا ضرب من الرواية، ومنها ما راح ينحى باللائمة ويسجل الخيبة من حصاد الثورة وتحولها إلى غنيمة، أضاعت حق الفرد والشعب معا، وبلعتها أوليغارشية وطغمة ومن والاهما، فمن جعل الرواية تغرف من الحرب الدموية(الأهلية)حيث هيمن الشبح الأصولي، في مواجهة العسكرتارية، وفي القلب حقوق الحرية والتفتح وقيم التجديد والحداثة والتمدن، وتعتبر هذه التيمة مع التسلط العسكري هي الجامع المشترك لأغلب نصوص الرواية الجزائرية في العقد الأخير، وفي الحاضر، أيضا، مكتوبة بالفرنسية والعربية، سواء بسواء.
5ـ هذه ، إن شئنا، هي البانوراما، ومن الطبيعي أن تنتأ أو تنزاح خطوط وبؤر، ساعية لتوليد أو تخصيب مشروع تجربة فردية في كتابة الرواية، علما بأن مجموع الأعمال، السائد منها والوافد المتكون، هي جزء من مشروع أدبي قيد التكوين دائما في أدب فَتيٍّ، ضمن الأدب الوطني، ومقلد ومجدد ما أمكن في آن ضمن الأدب العربي ككل، ونحن هنا نحتكم إلى النصوص، لا تعنينا الاعتبارات الذاتية وتورّماتها، ولا حتى بعض أسهم بورصة لا يحفل بها الأدب في 'بورصته' الاستثنائية. إن من المهم الانتباه إلى التكوينات الخصوصية، وتحديدا فرز الخاص من العام، والذي يقتدر على تطوير الجنس الأدبي، وإبراز موهبة كاتب ما في حقله، ترفد في الوقت نفسه التجربة الكلية وتمدد سياقها. هذا بعض ما يستوقف في النصوص الروائية للأديب أمين الزاوي، تتوفر كتابته عدّا وصوغا على ما يؤهلها للانفراد بعوالم ومواضيع وتمثيلات وطرائق تصوير وتكوين روائية، تجعلها في قلب التجربة الجماعية للسرد العربي الجديد في الأدب العربي بالجزائر، من جهة، ولامتلاكها ما هو حصر عليها وسمة تُعلم بها وتتميز، نعني أساسا : حكائيتها، أي اقترانها بالحكاية كجنس مخصوص، ثم شعريتها.
6ـ لأمين الزاوي قصص وروايات صدرت من مطلع الثمانينات وصُعُدا، من الأخيرة:' صهيل الجسد' 1985؛ 'سماء ثامنة' 1994؛'الرعشة' 2005) وأخيرا 'لها سر النحلة' ( الجزائر، منشورات ضفاف/ الاختلاف،2102) التي سنخصها بالقراءة والتحليل، جزء من منظومة عمل الكاتب، وآخر رسم في الخط البياني لكتابته السردية. وقد كنا وقفنا في كتابنا: 'تحولات النوع في الرواية العربية، بين مغرب ومشرق'(الرباط، دار الأمان، 2011) على ترسيمتها إلى جانب نصوص أخرى لكتاب صاعدين، وركزنا على' سماء ثامنة'، تبين لنا فيها ما يمكن التماس وجوهه وعناصره في العمل الجديد على نحو من زيادة في التبلور وتوكيد نهج الرؤية وخصائص التمثيل السردية والتخييلية، وتحديدا في ما يتصل بالمقترب الحكائي والمنظور الغرائبي، هما وجهان لعملة واحدة اسمها تغريب الواقع وتصعيد الواقعية أبعد من الاحتمال، وجعل التغريب بديلا لها ومن باب المفارقة، أقوى واقعية منها لو جاز ذلك. وبالطبع، فإنه نَسَقٌ متخلل في المواد والعناصر المؤلفة لمتن الحكي مجتمعا، تتضامن وتنفصل، وتتوازى كما تتصل، ويمكن أن تستقل وتنعزل، وهكذا، لكن تبقى سردية تنزع دائما إلى الإنشداد إلى جاذبية الواقع بالدرجة الأولى كلما تباعدت عنه، والعكس صحيح، أيضا، ومراوحتُها هذه هي خاصيتُها الأمّ، تُعد الطابعَ الغالبَ على كل أدب وطني نَزّاع إلى التجديد، ولكن حريصٍ على الإبلاغ والانتماء، بأيسر السبل وأقصرها، أي بالواقعية التقليدية، فأي توفيقية ومفارقة هذه؟!
7ـ في 'لها سرُّ النحلة' يسرد الزاوي قصة من المحيط الخبير به، في غرب الجزائر، عارف بتاريخه وتقاليده وبمخياله، خاصة. وهذا يمنح لرواياته طابعا محليا مفيدا، مثلما نلحظ عند سلفه الرائد الطاهر وطار في تصويره الناضج والحفيّ لبيئة مدينة قسنطينة، فالرواية تحتاج إلى مهاد صلب تنهض على أرضيته عالمها المؤسس من خارج مرئي وداخل منبثق بين هذا واحتمال الوجود المتخيل. حي اللاكدوك بمدينة وهران هو المكان والفضاء اللذان توجد فيهما القصة وتتشيّد ويتحرك أبطالها وتُنسج العلائقُ المختلفة وتُفصح وتُبطن الخطاباتُ المعبرة عن رؤية هذه الرواية. وهو حيٌّ هامشيٌّ، سيِّءُ السمعة باعتباره كان يؤوي ماخورا ويضم خمارات، نقيض الطهرانية والحشمة الدينيين، والمروَّجة إيديولوجيا على يد الأصوليين. أبطاله: محند(محمد) الملقب مومو، هو في الأصل طالب في قسم التاريخ، وعازف عود، يلتقي بطالبة مثله هي فاطي أو مريولا، قد أغراها' أملا في جمع بعض المال لمغادرة جهنم هذه البلاد[حلم جميع الشباب العربي] إلى جهنم جديدة في بلاد قد تكون أرحم بنا'(13). هما معا ينتقلان من الدراسة الجامعية إلى العمل في مطعم وحان بسيط بحي اللاكدوك المطل على البحر، يحمل إسم أرتور رامبو، بسبب إعجاب مالكه الأول بهذا الشاعر، حسب رواية خوسي المالك الحالي، اليهودي الأصل والمخنث، ويتميز المكان بزبائنه الذين هم 'من فئة الحالمين بتغيير العالم: شعراء دون كتب، أنبياء سلام بدون وحي..عشاق بخيبات وأحلام.. نقابيون..عمال.. وبعض المثقفين الذين ضاقت بهم المدينة..'(19) وبدل أن يرحل العشيقان عن وهران قررا: 'لا نغادر المكان يا مريولا، دون وهران سنصبح يتامى..'(20). ليعيشا قصتهما الواقعية والعجيبة معا، يؤثثها فضاء وخلفيات سوسيو ثقافية.
8ـ سيعيش العشيقان زمنا ويعملان في المطعم الحانة، هو يغني وهي نادل ومغنية وراقصة، وفجأة يقطع مومو الصلة بفضاء المخمورين والهامشيين، من وحي تعلق غامض ومسعى صوفي، بأحد أجداده الموريسكيين الفقيه أبو جمعة المغراوي الوهراني، فينقل عذوبة صوته ورقّة تكوينه حد التَّخنُّث إلى الالتحاق بمسجد قريب من الحان، سيصبح فيه مؤذنا وورعا، نقلة بلا مقدمات،(!) تبعده عن مريولا، ستحس بوحشة عظيمة إثر غيابه رغم أن علاقتهما عذرية تماما، وتدريجيا تبحث عن تعويض، تحويل عاطفي، في شخص رجل أنيق وغامض، ذي أبهة، من زبناء المحل، تصبح أخيرا خليلة له، وفي منزله الغامض، المشحون بالذكريات والحكايات، الحقيقية والكاذبة، الواقعية والأسطورية، ستعيش وتتعرف على دنيا أخرى بعضها موصولة بصاحبه، وأخرى بشخصيات من نسله وجوه يختلط فيها الواقعي بالعجائبي، والإنسي بالحيواني، وتتعدد فيها السجلات اللغوية والصوتية والخطابات الشعبية الشعبوية بالثقافة العالمة، ضمن مناخ عام تسبح فيه الظلال العجائبية، وتخترقه الدعاوى الإسلاموية الرائجة.
9ـ إلى حد الآن، تبدو الشخصيات نمطية، وأيقونية في رمزيتها الجلية، دالة على مدلولات ثاوية، مقتنصةَ المعنى بيُسر، ومبذولةً في الواقع، كما في نصوص جيل من كتاب العقدين، العقد الأخير خاصة في الجزائر، في بلاد شهدت حربها الثانية الدموية ذهب ضحيتها عشرات الآلاف، هذه المرة، في مواجهة بين 'الإسلامويين' والسلطة العسكرية الحاكمة، ونتيجة إجهاض مسلسل انتخابي معلوم (1982)، وعَدَا مسلسل العنف فقد أنجبت المواجهة تصادم تيارين أو أكثر، أبرزه الأصولي الذي يطرح ثقافة دينية وسلوكية وحُكمية بديلا عن الأوضاع القائمة، تعددت تسمياتُها وصفاتُها، واعتبرها جزء من الوعي الوطني والمفهوم الثقافي 'ظلامية' و'سلفية رجعية'، واتخذت ، أيضا، شكل تصفيات طالت مثقفين وأدباء، ومسًّاً خطيرا بالحريات الفردية، دون أن يعني هذا أن السلطة المواجهة كانت تحميها أو تضمنها. في هذا الخضم اندرجت روايات كتاب من جيل الوسط والصاعدين، ونحن لا نحصي، جيلالي خلاص، أمين الزاوي، بشير مفتي، حميد عبد القادر، حميدة عياشي، وانشغل الزاوي كثيرا بتسفيه الخطاب 'الأصولي'، ودحض تشكُلاته في ضرب من المناهضة السجالية داخل الرواية يأنف منه هذا الفن، أو عبر تقديم تمثيلات ونماذج/ شخصيات وذهنيات وسلوكات مضادة تعلن مناهضة الخطاب المذكور وتواجه هيمنته المتصاعدة في الحياة اليومية والثقافية، بل والسياسية، متوسلا شعرية الكتابة واستيهاماتها. ونعتبر 'لها سر النحلة' أقوى نصوص الزاوي تفعيلا أدبيا في هذا المنحى، ولو صحّ القول سردا حجاجيا، أيضا، ينبني على متواليات المعارضة والتضاد والبوح والكبح، والتصريح والتضمين، زيادة على القيم الإتيقية والفكرية والمبادئ الإيديولوجية المتصارعة، وفوق هذا وذاك بناء على رؤيتين متباينتين للعالم.
10ـ رؤية العالم الضمنية التي يمتح منها الروائي عادة مادته السردية وموضوعها، وعنها يصدر، ولا مناص من تحكيمها في القراءة المنتجة لعمله، ليست بالضرورة كتلة منسجمة، لا سيما في ثقافة ومسلكية مُتحوليْن، ومن هنا أهمية وقيمة وضع الرواية حول ماض انصرف، أي استقرت رؤية العالم فيه، وتوكيدنا غير مرة بأن الرواية لا تكتب عن الحاضر أو هي ضرب من التعليق أو التحقيق، شأن أدواتها التي تحتاج أن تكون مجربة وحين يعاد تجريبها فهي بصدد الشحذـ الحاصل أن رؤية العالم في '..لها سر النحلة' وهي تبغي الانتصار لإيديولوجية التقدم نراها تستخدم كل ما يحقق الغرض العاجل، وبصرف النظر عن مقدرته على تحقيق الانسجام لهذه الرؤية، وبحكم استنفار بضاعة سجالية (خبرة) متنافرة في أوراقها، جمعت، على غرار متون قديمة، من كل فن طرفا، متعجلة في مراميها، تحريضية في دعواها، رغم أنها مطروحة قولا أدبيا ، تحب أخيرا أن تستدرك، أن تعطي للرؤية إياها رُجحانا ينجيها من الخفة والإسفاف، ويمكنها من أن تنتج نسقا ولا تكون أمشاجا، وتتوفر على روح خلابة، مدهشة، فجنح بها صاحبها، إلى اعتماد النظام الشعري، الذي هو مصدر الحكاية ورحمها الأجناسي الأول، في نظرة الدارسين، جاعلا منها تشغل عربات متعددة في قطار الرواية، والنظام الثاني ينجم عن محتوى الحكاية كما عن روحها وسحرها فيأتي سندا لها، ومنطـــقا ثانيا ممـــثــلا في بنية الغريب والـــعــجيب، وجَماع الإثنين هو الذي يفترض أن ينتج النسق الحكائي ـ الروائي لهذا العمل بالذات.
11ـ لنشرح: يستهل الكتاب بمقطه عنوانه: 'أداء اليمين' يقسم فيه من يؤدي اليمين بأنه سيقول الحقيقة: 'كل الحقيقة حتى ولو كانت في عجبها وغرابتها تشبه الخيال أو الجنون'(9)؛ يقسم أنه سيقول: 'الحكاية دون تزوير أو كذب أو تحريف'(م.س)؛ يقسم أن:' لا أكذب عليكم'؛ وينتهي إلى أن:' اللسان ما فيه عظم [قابل للفلتان] وأن أعذب الشعر أكذبه'(ن). يتماهي التوقيع على اليمين بين ضمير المتكلم(أنا) وبين المؤلف، ولم لا السارد، ليزيد مرتبة في درجة التذبذب بين الحقيقة والخيال، الواقع والتخييل، لكأنما الرواية بمفهومها الثابت، وقواعدها الراسية هي الواقع أو شبهه، وهي الشكل العالِم، الجوهري، لاحتوائه ، مقابل الحكاية كانزياح عنها هي وقواعدها، شكل بسيط. وبالفعل، فنحن إذا احتكمنا إلى أطروحة الألمانيAndr' Jolles في أهم مبحث عن الحكاية بعد عمل بروب، (1972,Formes simples.Seuil نجده يقيم نظاما خاصا لكل من القصة القصيرة والحكاية، (في ضوء معالجة جاكوب غريم صاحب الحكايات الألمانية الشهيرة للأطفال والشعوب ؛ يتخذ بالنسبة للأولى صورة 'الإعداد' وذلك حين نذهب إلى العالم بشكل فني لنعطيه هيئة، ونصنع الانسجام في جزء منه، تكون وحدة عناصره معيّنة بخاصية مشتركة، وهي هيئة صلبة، خصوصية، ومتفردة، مقابل الثانية (الحكاية) التي ندخل العالم إليها في شكل حصرٍ عليه، وحين يتحول هذا العالم وفق هذا الشكل وبعد أن امتصه، فيسمى عندئذ 'إبداعا تلقائياّ'، فإنه يحافظ رغم التحول على حركيته، وطابعه المتجدد، وتعدديته. وعند Jolles، وهو ما يعنينا أساسا كامتداد للنظرية فإن هذا الحكم، النظام، قابل أن يُطبق على أشكال أخرى، بسيطة وعالمة، وبذا فهي تنطبق على الرواية وأيّ منوال حكائي آخر(185). يمكن استجلاء هذه الخطاطة بوضوح في رواية الزاوي، الذي كنّى عمله 'حكاية' وأصبغ عليه صفات الغرابة والكذب والخيال والجنون، انزياحا عن الصدق والواقعية، يؤكد في الآن التزامه تنكب صفات الكذب والزور والتحريف، ثم 'يحنث' في الأخير في قسمه، من باب اللعب بالكلمات والنوايا (الفنية) وآكدها وضعه تجنيس (رواية) على الغلاف، أليس كذلك؟'!.
12ـ تتوافق هذه البرمجة مع إعادة ترتيب للرواية بحيث يكون خطها السردي كالتالي: مومو رفيق لمريولا، يعيشان في حي مُهمّش بوهران، بعد أن انقطعا عن الجامعة، الطريق السّوي، ثم ينفصلان حين يتوب مومو ويتحول إلى مؤذن، وتصمد هي قليلا بحانة رامبو، قبل أن تنقطع زمنا إلى حياة وفراش الرجل الذي استهواها بغموضه، ثم تنفصل عنه لتذهب حيث لا ندري. تتحرك هاتان الشخصيتان في محيط اجتماعي متعارض القيم والرغبات، الخلاصُ فيه هو الإحباط موزعا بين الهجرة إلى الغرب، أو الهجرة إلى الله مع اجتياح المد الإسلاموي، في إطار مكان، مدينة وثقافة في الحاضر زمن الأفول مقابل ما كانت عليه في ماض معين، يفترض أنه يمثل الصعود، تماما كما أن حانة رامبو لمالكها الحالي هي وشمٌ في جسد الزمن الموريسكي وحنين إليه. إن هذا التشخيص السريع يظهر النص بصيغة رواية أطروحة، أو رواية أخلاقية، ويزكي هذا التصنيف إلى حد بعيد الحماس المعلن للمؤلف، والجهر بالمواقف والأحكام، واستخدام العبارات المسكوكة، الخ.. ظاهرة مستفحلة في الرواية العربية بالجزائر لا يكاد ينجو من نفضها نص بإطلاق، وتعبر، هي والغنائية الإنشائية المفرطة، علاوة على فهم مختزل لتوظيف الأدب في معركة تجديد الهوية وبناء الدولة الوطنية، عن تشوّش في طبيعة استخدام الأجناس الأدبية وماهيتها، التي تجعل من القول ضروريا، خصوصيا، متفردا، ودقيقا، كشكل عالِم، مصنوع، في الأصل، وله أن يتفرع ويتفتح بعد ذلك على الشكل البسيط، التلقائي. هذا ما عمد إليه الزاوي، بأن جعل الروائية تنضوي في إهاب الحكاية، تتعالق بها عناصرها. فتجد قصة مومو ومريولا وعالمهما مرجعها الأول في الفقيه ابو جمعة المغراوي الوهراني، الذي به تتميز وهران، والذي كان يؤمن بالباطن وينكر الظاهر، والذي أنقذ الموريسكيين، ومرجعها الثاني في يوغرطة البربري، ثم في رامبو، وهي مرجعيات صوفية ومؤسطرة وشعرية ونوستالجية، دمُها من فصيلة الحكاية (Le conte) التي ستصبح الشكل والمادة المستخدمتين بامتياز، حين تلفظ المادة الواقعية في الرواية أنفاسها، بالأحرى تستنفذ طاقتها. هل نقول لا بديل عنهما لكي ينقذ الكاتب روايته من ورطة الانعكاس والمباشرة، وحتى الخطابية، ويوفر لها البطانة الرمزية، والغموض اللازم القرين ببعض شخصياته، مثل الشيخ المغراوي، والزبون الوقور، وزوجته الراحل، وابنته وأخيها الشقيق، شبه الزوج، في صورة محبة سفاحية سبق للزاوي أن رصدها في 'قراءة ثامنة' باحتفالية جريئة. كيفما كان الحال، فإنه بمجرد ما ينقل ماريولا من حي اللاكدوك إلى بيت الزبون، إلا ويجعلها تلج عالما متحولا تسكنه الأسرار والرموز الخفية، وبالذات حكاية شميسة وما جرى لها بعد أن خطبت واضطرت لهجر أخيها، بانتقالها إلى فضاء الوحشة والصحو الدائم، ثم ما جرى لها مع القط الذي يصبح رفيقها وكليمَها قد تعلمت لغة القطط(!) ترويها مريولا، تارة، وتارة أخرى تندمج فيها، ومعها ننتقل إلى عوالم منبتة الصلة بالمحكي الروائي الأول، مليئة بالهلوسات، والمتناصات، وإلى حكاية ثالثة ترويها مريولا عن خالتها يامنة، تعرفنا عليها في الفصل الأول كطرف عائلي، لتعود شخصية أندروجينية (خنثى) بيولوجيا، ووضعا اجتماعيا وثقافيا: امرأة فقيه ومقرئ ومنافس للرجال، لا بأس فكل شيء غريب، في بلد يزعم فيه سائق تاكسي أنه سمع في الإذاعة الرسمية خبرا مفاده أن السماء تمطر ضفادع، ليعلق الكاتب(السارد) على المزعم: 'أيصدق العقل هذا الكلام؟ لقد أكلتنا الخرافة والدجل، الحكومة تكذب والناس غارقون في الخوف'(185) والكتاب ماذا يفعلون؟ هل يكتبون روايات يقلدون فيها الحكومة، أم يفضحونها، أم هم في المنزلة بين المنزلتين؟
13ـ دائما في المبحث المشار إليه، ينبهنا الدارس الألماني إلى مسألة في النباهة غاية، كجزء من السجال الذي دار بين غريم وأرنيم حول الحكاية واعتبار هذا الأخير بأن غريمه النقدي يقوم بالتحريف لدى روايته لحكايات الشعوب؛ مسألة عملية التحيين التي يمكن للحكاية أن تخضع لها، فيذهب إلى أنه كلما تحيّن شكل بسيط إلا قصد اتجاها قد يقوده إلى الثبات النهائي الذي نلفاه أخيرا في الشكل العالِم، (جولس187)، فيفقد بذا خصائص الوحدة، والدقة، والفرادة، المنوه بها أعلاه، نظرا إلى أن' كل تحيين يحرف عن الهدف الذي يريد الشكل البسيط أن يرسمه'(م.س). ليس التحيين مضمون العواقب دائما، ولنا أن نتساءل، من جانبنا، عن مدى قابليته لأن يمثل وحده نسقا في هذه الرواية، والحال، أنها تتكون من عناصر متنافرة يتعذر تعالقها في بنية واحدة، أم أن علينا أن ننظر إلى قابلية الازدواج بين شكلين كإمكانية تجريببية من قبل الكاتب لإنجاز نسق مفتقد، في الواقع أولا، قبل النص، وتصبح هجنة الشكل عندئذ جزءا من معناه...
14ـ الحقيقة أن الأندروجينية هي الطابع المهيمن على هذه الرواية، ممثلة بنيتها العميقة، وطافحة قبل ذلك في بنيتها السطحية، بالاصطلاح الغولدماني، لكي تكتمل الآلية المنهجية التي اعتمدنا رؤية العالم في مركزها. فكل شخصيات العمل ليست هي، ليست في مكانها، هي نصف نصف: مومو: شاب، رجل، وأصابعه ناعمة، وصوته رقيق، ولا يجرؤ على أي اتصال جنسي بمريولا؛ وهذه أنثى، ومغنية وتتنقل بين الزبائن، ولا أحد يطمع فيها، وهي تعيش تحت سقف شهيرا مالكة المطعم، والمودة وحدها تجمعها مع خوسي المشرف عليه، لأنه ببساطة مخنث ومثلي؛ وشميسة نصف إنسان ونصف حيوان، تتكلم لغة الآدميين والقطط، والقط كذلك، والمجتمع حانة وحي اللاكدوك وسكارى وغناء(ماخور سابق) وهو أيضا مسجد وبشرٌ بلباس الأفغان وأذان، ووهران لا جحيم ولا جنة، أو هما معا، ولا بقيت في ماضيها، وهل يعقل أن يكون ذا حاضرُها، وذروة هذه الطبيعة تصنعها شخصية يامنة المرأة ذات اللحية ومنافسة الرجال في التلاوة والفقه، وقبل ذلك بتبني فحولة عضو مصطنع. لا أحد، ولا شيء في مكانه، بما في ذلك اللغة التي يتبدل دورها من الإباحي إلى القدسي، إلى نزع القداسة ودواليك. من الطبيعي أن يأتي الشكل، بمعنى الجنس الأدبي العام مدموغا بهذا الطابع، أي بين نوعي الرواية والحكاية، مرة متساوقين، ومتعانقين، ومرة ثانية منفصلين، متباعدين، بل إن المؤلف، يبدو كأنه ينسي روايته، في لعبة التقطيع والمناصّات المشوشة، والاستيهامات، وحتى الرطانات اللَّغْوية(Phatique) قد استهوته حكاية يامنة فانصرف إليها كلا ليضيع خيط السرد، أم تراه ظل يبحث عنه من البداية، وما هذه الكتابة جزءا وكلا إلا بحث مسترسل، ذو طابع تجريبي، ولذلك ما تنفك تتمظهر بين الأنواع، وتتمرأى في تعدد الأشكال، يستهوي مؤلفَها شكلٌ ما قبل روائي، فيما هو يصر على اصطناع الرواية، لنقُل باستلهام تراثي، دون أن يستقر على أي منهما، ولن يستقر، إذ هناك فرق بين الهُجنة وبين التهجين الذي هو قصدي لا عاهة، وهو آلية يستخدمها الكاتب في سرده التخييلي ضمن نسق كلي، مثلما يعرف كيف يمتح من التراث فيشتغل السرد عندئذ وينضوي العمل في نظام متصل بالتقاليد وبصناعة الكاتب الشخصية، زواج الصنعة والموهبة، وذا بعض سر نجاح ' الزيني بركات' لجمال الغيطاني ورسوخها.
15ـ هذه قراءة جزء من كل، والكل هو النص المفتوح، المسترسل، لأمين الزاوي، منشغل به شخصيا، إبداعيا وأكاديميا، وهذا هم مشترك بيننا، وهو في الحقيقة شاغل جماعة حية من الكتاب العرب، بقدر ما تتلمذت على الموروث الروائي الكلاسيكي للرواية، بقدر ما تبغي بَصم هذا الجنس الأدبي، الكوني، بميسمها، ينسجم مع ثقافتها وذائقتها، ومعيشها، وتطلعاتها الإنسانية والحلمية، بل وأبعد نزعة وطموحا. وبين الرغبة والطموح يمتد طريق التمرين والتجريب اليقظ وحتى التجريب النزق، في سياق آداب وطنية حديثة، لطالما قلنا ونكرر بأنها في علاقتها بالأجناس الأدبية الحديثة، رغم كثير من المزاعم المشروعة، والمدعاة، ورغم فقاعات السوق والترهات، هي قيد التكوين ومزيد التأسيس والتبلور، بقوة ومثابرة لا تفتر/ متشبعة بالحساسيات الجديدة دون حدود أو قيود، في الحياة والكتابة على السواء، وكما لا يستسلم صُنّاعُها للسائد كذلك لا تستسلم كتابتهم، قد وضعت نصب عينيها إبداعا خلاقا ما ينفك يبحث عن بديل، بديل تجديدي أبدا، هو المعوّل عليه؛ أحسب أمين الزاوي قد نذر نفسه لهذا الدور، وبهذا الفهم، في مجال يجعله ندّا بين أقران قلائل موهوبين حقا(والموهوبون قليل)، ومتفردا فيهم، ولذلك وكما كتب الناشر على ظهر غلاف'..لها سر النحلة': 'ممنوع عدم قراءة هذه الرواية'!'.

حكايات إسبانية

شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في الع...