الأربعاء، 17 يوليو 2013

السيد دراكولا حفظه الله ...



كعادته كل يوم منذ سنوات لا تحصى ، أتت الساعة الموعودة وشعر بالجوع ، مد يده في سأم ورفع الغطاء الخشبي فوقه . ظهر نفس السقف المضجر المتهالك الذي تعود رؤيته منذ سنوات طوال ، حينما قرر التغيير وهاجر من شرق أوروبا حيث موطنه الأصلي وأتى إلى فرنسا . عندها نظر إلى السقف وشعر بأنه تحفة فنية . لكن الزمن يغير كل شيء ، إلا هو لم يتغير ، قرون طوال وهو في نفس الشكل ونفس العنفوان ، يحيا وحده معظم حياته ، حتى عندما صنع أتباع غادروه ولا يعلم أيهم مازال حياً وأيهم هلك . ليس منهم أحد في قوته لكي يتحمل الحياة عبر القرون ، ولكن ما فائدة كل هذه القوة ؟ لا حاجة لها فهو لا ند له ، وحتى بعد أن واجهه بعض الضحايا بذلك الاختراع الجديد الذي يسمى سلاح ناري . لا شيء يؤثر فيه ، لا شيء يقتله ، وقت الخطر هو وحش أو ذئب أو وطواط أو فأر ، أو حتى طيف لا يرى ، فمن ذا الذي يقدر عليه هو أمير الظلام .
خطا إلى خارج التابوت في تكاسل . تلك الهجرة اللعينة التي كان سببها الملل من الحياة . لولاها لظل في موطنه يعيش كما تعود ، كونت في ضيعته يخرج بالليل ليصطاد ضحاياه . وها هو الملل يعود فهل حان الوقت لهجرة جديدة ؟ عدل من ملابسه الحديثة في تثاقل . الشيء الوحيد الذي يتغير فيه هو ملابسه ، أين ملابس الأمس الرصينة الدالة على شخصيته الجبارة ؟ أجبر نفسه دائما على أن يحيا ويواجه العصور المختلفة ، يركب السيارات أحياناً أو يذهب إلى السينما ، هكذا وإلا كيف يحيا بينهم ويتحرك حولهم بدون أن يثير الشك . غادر المنزل وهو يتساءل عن نوعية ضحاياه اليوم ، يريد شيئاً جديداً ، دماءً جديدة ، ملّ الدماء الفرنسية بل والأوروبية كلها . يشتهي الدم الحار اليوم . وجد قدميه تقودانه إلى الحي اللاتيني ، فقد اشتاق إلى الشرقيين ودمائهم الحارة الشهية .
أخذ يخطو بحذر متجنباً المرايا التي لا تظهره ، باحثاً بعينيه عن صيد ثمين . كانوا يجلسون في المقاهي في جماعات ، ثم وقعت عيناه على أحدهم جالساً في هدوء يطالع صحيفة يمسكها باليد اليمنى بينما يده اليسرى ممسكة بسيجار . كانت رؤيته كفيلة بإقناع الكونت به وجعله ينبذ فكرة الدماء الحارة . كان رجلاً ضخماً مفرط السمنة ، له شعر رمادي مفروق في المنتصف ووجه متورد وسيم ممتلئ باللحم ويزينه لغد عظيم . مثل هذا الصيد لابد وأن به دماء تكفي الكونت اليوم ولن يحتاج أن يخرج ثانية بحثاً عن آخر . لم يهاجم شخصاً بمثل هذا الإغراء منذ فترة . وقع نظره على الصحيفة فوجدها مكتوبة باللغة العربية ، شرقي أيضاً؟ دماء شهية وحارة . لن يسمح له أن يغيب عن عينيه الليلة . فكر الكونت أن يتقرب من الرجل ولكنه تردد . نظرة منه وقعت على الجريدة وهو يمر بجانب الرجل السمين . وجد صورة هزلية له في الصفحة التي يقرأها الرجل ، وبدا له أن الرجل يتابع ذلك باهتمام . ترى ماذا يكتبون عنه؟ لم يستطع أن يغالب الفضول فوجد نفسه يجلس بدون استئذان على منضدة الشرقي . رفع الشرقي نظره مستطلعاً ثم وضح عليه الاستنكار . لم يكن تعوزه القدرة على السيطرة على الرجل بنظرة من عينيه العميقتين .
- هل لي أن أسألك عما تقرأ ؟
- جريدة مصرية
- ومن ذلك الشخص المخيف ؟
- ألا تعرفه ؟ إنه دراكيولا
تبسم باطنه وإن استمر في لعبته
- نعم سمعت عنه .
أقطب الآخر في دهشة فاستطرد الكونت :
- وماذا تقول عنه ؟ هل ظهر مصاصو دماء في بلادك ؟
قهقه الرجل السمين فجأة واهتز جسده مما حرك الرغبة ثانية في داخل الكونت ، ولكن الكونت انشغل بسبب ضحك الرجل فسأل :
- عم تضحك ؟
- عن النكتة التي قلتها
- وهل أنا قلت نكتة ؟
- نعم تسأل إن كانوا وجدوا مصاصي دماء في مصر
- هل هذه نكتة ؟
- نع
- كيف ؟
- لأن دراكيولا شخصية خرافية
اللعنة على السينما
- نعم نعم .. أعلم ذلك ، ولكن عم تتحدث الجريدة إذن ؟
- تقول أن مصاصي الدماء يعيشون في وضح النهار ويحكمون مصر
وضح النهار؟ هل هناك مصاص دماء يستطيع أن يرى الشمس؟ هذه معجزة . مصاص دماء يحكم ؟ ترى من الذي فعلها ؟ أكيد أحد تلامذته النجباء . ألهذا تركوه؟ ليحكموا ويروا الشمس؟ وهو . معلمهم وصانعهم وأحقهم بهذا المجد . ألم يكن كونت وتحت يده مقاطعة بأكملها؟ يتركوه للوحدة ويذهبون للمجد . وجد الآخر ينظر له في تساؤل . أي كنز ذلك الذي وجده؟
- ما هو اسم حاكمكم ؟ ومن أين أتى ؟
 ولم تهتم أنت بذلك ؟
 ربما كنت أعرفه
- وكيف تعرفه ؟ أنت حتى لا تتكلم العربية وهو مصري ولا أعتقد أنه عاش في فرنسا من قبل
مصري ؟ ليس أحد أتباعه إذن . ربما تابع لأحد التابعين ، ولكنه مجد مصاصي الدماء على أي حال . يجب أن يذهب إلى مصر ليعلم هذا الترياق الذي يحميه من الشمس وربما تولى الحكم وعاد إلى عهده الغابر .
- أريد أن أذهب إلى مصر
ضحك الآخر وقال بتهكم :
- اذهب
- وأنت معي ، ستكون رفيقي ودليلي
- أنا ؟ مستحيل.
- لم ؟ ألست مصرياً ؟
- بلى ولكن ....
- ولكن ماذا ؟
- أنا هارب من مصر ولو عدت لقبضوا علي .
- لماذا؟
بدا على الرجل الحيرة ثم قال :
- هناك قضايا ضدي في مصر وأحكاماً قضائية بسبب بعض المعاملات المالية
- لا أفهم
رد المصري بعد تردد صامت :
- تستطيع القول بأني أحد مصاصي الدماء المذكورين هنا .
مصاص دماء ؟ هذا مستحيل
- أنت مصاص دماء ؟
- هم يقولون ذلك
- ما معنى هم يقولون ؟ أأنت مصاص دماء أم لا ؟
بدت الدهشة على الآخر فرد في قلق :
- أنت تتحدث مثل المجانين
- لم ؟ أنت تقول مصاص دماء . أي تشرب الدماء . هل أنت مثلهم في مصر تعيش في الشمس ؟
- ما هذا التخريف ؟
- تخريف ؟
- أنت مجنون فعلاً . ابتعد عني
انشغل فيما سمع فلم يحاول أن يبقي المصري عندما قام بسرعة لا تناسب ضخامته وذهب ، ثم قام الكونت بعد ثوان يتبعه لا يدري لماذا . أهي الدماء أم الفضول ؟ سار وراءه حتى دخل الآخر أحد الأزقة فتبعه . خطواته ليس لها صوت كالعادة . شهوته تتغلب عليه ويقاومها طمعاً في مساعدة هذا السمين . توقف في منتصف الشارع تاركاً الآخر يسير ويبتعد . بلغ المصري نهاية الشارع فناداه دراكيولا وقد حزم أمره :
- أيها المصري .
قفز المصري في مكانه من الفزع واستدار إليه ، ما أن لمحه حتى ظهر على وجهه الغضب
- أتتبعني ؟ ماذا تريد ؟
- أريدك أن تأتي معي إلى مصر .
أخرج السمين سلاحاً نارياً وقال :
- أنت مجنون . اذهب وإلا قتلتك
في ومضة عين كان الكونت عنده وأنيابه في رقبته . لم يقاوم ، لم يصرخ . طار به الكونت في الهواء حتى فرغت دماؤه فتركه يقع وذهب منتشياً بتلك الدماء الشهية .
* * * * *
ساد الفزع السفينة مونبلييه القادمة من فرنسا إلى مصر . كل يوم في الصباح يتم الإبلاغ عن اختفاء شخص أو أكثر ، وما يلبثوا أن يجدوا المفقودين أمواتاً وفي رقبة كل منهم ثقبان ، قام القبطان بعمل دوريات حراسة في السفينة لوقف نزيف الدماء وطمأنة الركاب ، لكن الاختفاء والقتل لم يتوقفا . لوحظ أن كل القتلى من المصريين أو العرب وأن كلهم من أصحاب الأوزان الثقيلة . حاول القبطان بمساعدة ضابط بوليس سابق أن يربطوا بين القتلى ليجدوا الطريق إلى الجاني ولكن لم يفلحوا . وبعد عدة أيام وصلت السفينة إلى الإسكندرية . تم التحفظ على السفينة والركاب من قبل البوليس . لم يطأ أحد الركاب أو العاملين خارجها . الشيء الوحيد الذي غادر هو خفاش لمحه بعض الركاب يحلق خارج السفينة بعد أن رست . لم يعلم أحد من أين أتى من داخلها . ولم تسفر التحقيقات سوى عن وجود تابوت داخل إحدى المخازن المغلقة دائماً في السفينة . ولكن لمن التابوت وكيف أتى إلى السفينة لم يعلم أحد .
وأخيراً مصر . والآن أين مصاصي الدماء فيك؟ شعر بالجوع فأخذ يتجول بعد منتصف الليل بحثاً عن ضحية . كان الحي الذي يسير فيه فقيراً جداً تسوده رائحة عفنة ويعلو فيه نباح الكلاب التي لم تلبث أن صمتت خائفة عندما أتاها الكونت .
- قف مكانك
تطلع دراكيولا إلى مصدر الصوت الأجش . لم يفهم ما قاله الصوت . كان صاحب الصوت شاب قذر رث الهيئة يقف مترنحاً ، بجواره آخر على نفس الهيئة ونفس الترنح . كان بيد كل منهما مدية .
- أخرج ما معك
لم يرد الكونت على ما قيل ولم يحاول أن يخمن كثيراً ، أكيد يريدان السرقة . نظر إلى المدية في يد المتحدث وابتسم .
- قلت لك اخرج ما في جيبك
ها هما ضحيتان من ذوي الدماء الحارة ، ولكن أين اللحم والدهن ؟ لا يهم الآن . قرر أن يصبر عليهما حتى يرى ما سيفعلانه معه .
- أخرج ما في جيبه
تقدم منه الآخر يفتشه والكونت ما زال مبتسماً . بعد لحظات بدا على وجه اللص النصر وبأنه عثر علي شيء كبير . أخرج يده وبها فأر كبير الحجم . صرخ الاثنان وقد أفزعهما الفأر الذي قفز من يد اللص وعاد إلى ملابس سيده . لم يمنحهما الكونت الفرصة إذ قبض على رقبة أولهما وسحبه إليه وترك الآخر يهرب . كان ينوي أن ينتهي من الأول ثم يذهب إلى الثاني . ولكن ما أن امتص دم الأول حتى شعر بشيء غريب يسري في جسده . لأول مرة في حياته الدموية ينتابه شعور بالضعف والغثيان . ما هذه الدماء التي شربها؟ أي نوع من البشر ذلك الذي يحمل تلك الدماء؟ إنها بالماء أشبه. سيطر الضعف على جسده بفعل المخدر الذي كان سبباً في ترنح الضحية . ولكن هذا الدم العجيب . أهذا هو سر مصاصي الدماء هنا؟ هل يعيشون على تلك الدماء القذرة؟ لا. الحياة في الظلام أرحم . شعر بالضعف وبأنه يهوي . يجب أن يختبئ ، ولكن لا طاقة له على الجري ، لا قدرة على التحول ، لو سقط الآن ستقتله الشمس في الصباح ، وينتهي دراكيولا أبشع نهاية ، ولكن لا مهرب من الاستسلام ، لا يوجد سواه ، وليكن ما يكون . كان في سبيله إلى ظلام العقل حين لفح وجهه دفعة هواء ساخن ، فتح عينيه فوجد حصاناً . حصان؟ هو المطلوب . كانت هناك صرخات تأتي من خلف الحصان واضطراب واضح في حركة الحصان وكأنه خائف . حاول أن يعلم مصدر الصرخات ولكنه لم ير أمامه سوى منقذه . في محاولة أخيرة تشبث برقبة الحصان الذي صهل خوفاً وأخذ في التراجع . قفز نحوه قفزة أخيرة يائسة ، وأبرز أنيابه في رقبته فوقف الحصان على رجليه الخلفيتين وصهل بشدة وقد استمر الصراخ القادم من خلفه في التعالي . لم يدعه حتى انتهى منه وقد أخذت قوته في العودة تدريجياً . أرقد الحصان في هدوء وهو يشعر نحوه بامتنان ، ثم نظر إلى مصدر الصرخات فوجد شخص يشبه اللص الذي قتله وبيده شيء مثل السوط .. بينما الحصان مقيد إلى عربة مقلوبة معه .. بدأ الناس بسبب الصرخات في التجمع والظهور في الشرفات والرجل يشير إليه وإلى القتيل والحصان ويهذي بكلمات لم يفهمها . نظر الناس نحوه وتقدموا يريدون الفتك به ومنهم من يرفع عصا أو كرسياً أو سكيناً . الآن يستطيع التحول والهروب . ما أن هجموا عليه حتى اختفى من أمامهم . نظر إليهم وهو خلفهم بينما يبحثون عنه في حيرة . ما لبث أن فرد جناحيه وطار في الهواء باحثاً عن وكر يقضي فيه ليلته الأولى .
* * * * *
أي بشر هؤلاء الذين يعيشون في تلك الأحياء؟ وأي غباء الذي دفعه أن يأتي تلك البلاد التي تخلو من الدماء؟ أين مصاصو الدماء؟ وعلى من يعيشون؟ طوال الليل طاف في الأحياء ولم يجد سوى رجال ونساء من عينة اللص الذي كاد أن يهلكه . عندما يأس قرر أن يحلق بعيداً لعله يجد في مكان آخر من يروي ظمأه . ألا يوجد بشر في تلك البلاد؟ طاف كثيراً باحثاً حتى وجد حياً بدا أنه راقي بالنسبة لما رآه . وكان أول مكان يلفت انتباهه هو مطعم أسماك تحيط به السيارات الفارهة . نظر إلى داخل المطعم فوجدهم بالعشرات ، رجالاً ونساء ، من أصحاب الأجساد الصحيحة والدماء الحارة الشهية . قرر في وهج سعادته أن يستوطن المكان حتى حين . وحتى يجد غايته الأصلية ، تلاميذه الذين يحكمون البلاد . دخل المطعم بملابسه الفخمة وشكله النبيل .. كان الكونت ذو شعر أسود فاحم طويل . وجهه شديد البياض وعيناه زرقاوان ذات جفون شديدة الحمرة . ما أن دخل المطعم حتى انجذبت إليه الأنظار . جلس بجوار مائدة ضحية اليوم التي اختارها . أتاه النادل فاحتار ماذا يطلب . خاطب النادل بالفرنسية طالباً إخطبوط . ما أن سمعه جاره والمرأة التي معه يتحدث بالفرنسية حتى التفتا إليه . تبسمت المرأة وقالت :
- بون سوار
رد ابتسامتها بابتسامة وقال :
- بون سوار
وكأن الرجل أراد ألا يفوته الحوار بالفرنسية فقال :
- سامي مروان .. رجل أعمال
أومأ دراكيولا له برأسه محيياً وهو يتابع حركات المرأة ونظراتها الولهانة :
- أنا لي أعمال كثيرة جداً بفرنسا
- وأنا أسافر فرنسا مرتين شهرياً للتسوق
ابتسم الكونت ثانية وقال لها
- للتسوق فقط ؟
اتسعت ابتسامتها ورفعت كوب البيرة أمامها ورشفت منه رشفة رقيقة ، بينما قال زوجها الكهل
- هل أنت رجل أعمال ؟
- لا
- دبلوماسي ؟
- لا
- إذن ما عملك ؟
- مصاص دماء
ضحك الرجل وزوجته بشدة ، بينما تحول نظر دراكيولا عنهما إلى النادل الذي أتى بالطعام . فجأة عاد إليهما بنظره وسأل :
- أين يعيش حاكم الدولة ؟
- في العاصمة طبعاً
- أليست تلك هي العاصمة ؟
ردت المرأة
- تلك مدينة ساحلية . هل تريد أن تذهب إلى العاصمة ؟
- نعم
- نحن ذاهبان إليها
نظر إلى الزوج فوجده يبتسم وقال :
- نعم أنا لدي جلسة برلمان بعد غد
البرلمان . مؤكد به مصاصي الدماء الذين يبحث عنهم . ولكن ها هو واحد منهم ولا يبدو عليه مصاص دماء . شيء محير . ومازالت كلمات المصري السمين ترن في أذنه بأن دراكيولا شخصية خرافية وأن ما قاله عن مصاصي الدماء هو جنون . هل هناك مصاصي دماء أم لا ؟
- ألن تأكل ؟
تنبه على الصوت الناعم ووجدها مازالت تبتسم وتعض شفتها السفلية من حين إلى آخر . شعر برغبة في الانفراد بنفسه وهم بالمغادرة ناسياً سبب دخوله . طلب النادل ولكن البرلماني قفز في الهواء ، وأصر بكل ما يملك من فرنسية ركيكة أن يدفع الحساب . لم يفهم الكونت سلوكه ولكنه كان مشغولاً بأشياء أخرى فلم يعلق . هم بأن يغادرهما لكن الرجل تشبث به قائلاً :
- ألا تريد أن تذهب للقاهرة ؟
- بلى .
- إذن لتكن ضيفي اليوم في قصري ولنسافر غداً في الصباح سوياً .
تذكر أنه يحتاج بشدة للدماء خاصة النظيفة منها فقبل على الفور . نظر إلى المرأة فوجد علامات الفرح ونظرات الشوق تملأ عينيها . ولاح طيف أفكارها أمامه تمني نفسها بليلة بها كل المتع .
* * * * *
شتان ما بين ليلته الأولى في مصر وبين هذه الليلة . الرائحة العطنة والملابس الرثة والفقر البادي على كل شيء . أين هي من تلك الروائح الفرنسية والأناقة والثراء الفاحش ؟ تلك الدماء التي لا تمت للدماء بصلة . أين هي من دماء الزوجين الثريين الغنية الشهية ؟ مكث فترة في غرفة فخمة واقعة في الدور الأرضي بالقصر المنيف . يفكر في خطوته التالية بعد تلك الليلة . يسافر إلى العاصمة ويحسم الأمر . التقطت أذناه وقع أقدام تمشي بحذر في الدور الأعلى لابد أنها شيرين . كان يخطط ألا يهجم حتى تأتيه شيرين كما يتوقع . ينهيها ويصعد للزوج النائم . كانت الأقدام الحافية تتحرك على السلالم الآن . تقترب . إنها آتية نحوه لا شك . رأى ظل شيرين خلال زجاج الباب وفي ثانية كانت في الغرفة . كان باستطاعته أن يرى في الظلام شعرها الكستنائي وأنفها المستقيم وشفتيها المكتنزين والعينين بلونهما البندقي . كانت ترتدي روباً يغطيها بأكملها. ويغطي ما استطاع أن يراه في المطعم من صدر في لون اللبن ونهدين كأرنبين من العاج . أجفلت عندما وجدته واقفاً بجوار النافذة . شعر بدمائها مضطربة . برغبة نحوه تشتعل فيها . فجأة أتته فكرة . ابتسم داخله وقال " لم لا؟ "
- مدام ؟
اقتربت منه أكثر حتى وقفت أمامه تماماً . وضعت إصبعها على شفتيه وقالت في وجد :
- شششش
رفعت إصبعها عن شفتيه ووضعت شفتيها . كاد أن يتهور ويبدأ في وحشيته ولكنه عدل عندما وجد جسدها عارياً يلاصق جسده . أمسكت بيده ووضعتها على مؤخرتها . تملكته رغبة ماتت فيه منذ عشرين عاماً أو يزيد . حملها إلى الفراش وقد نسي كل همومه .
- دراك ..
كان هذا هو الاسم الذي ابتكره لنفسه
- شيري !
- أنا أحبك .
- أنا أيضاً .
- لا تتركني أبداً .
- سنضطر لذلك شيري .
- لا أنا أريد أن أحيا معك للأبد .
هل تعلمين معنى الأبد؟ هل هناك من يعلم معناها غيره؟
- للأبد ؟
- نعم للأبد . لقد منحتني ما لم أحصل على نصفه من جميع عشاقي . أنت رجل لن يتكرر في حياتي .
- أنت لك عشاق غيري ؟
ضحكت في دلال وقالت:
- ألم تر زوجي ؟
- عجوز ؟
- نعم عجوز بمعنى الكلمة .
- ولم تزوجته ؟
- عضو دائم بالبرلمان فمن يرفضه ؟
- نعم البرلمان .هل هو ذو نفوذ ؟
- وأي نفوذ . أنه يتصرف كملك
صمت قليلاً وحزم أمره . حانت لحظة الحسم .
- ما معنى عبارة أن مصر يحكمها مصاصي الدماء ؟
أشاحت بيدها في ضجر وقالت :
- أمازالوا يرددون تلك الجملة البله
- ما معناها
- أي أن الحكام والأغنياء في رأيهم يمصون دماء الشعب بسرقت
ملأته خيبة الأمل وتمنى لو كان استوضح الأمر من المصري السمين .
- فقط هذا ؟
- نعم أي أن الأغنياء يسرقون طعام الشعب فكأنهم يمصون دمه . ويدعون أنهم شعب مصاب بالأنيميا.
نعم سليني أنا عن أنيميا الشعب
- ياله من شعب مسكين .
قالت في غضب :
- إنهم شعب جاهل عفن .
ثم قالت في دلال :
- ما الذي جعلنا نتكلم في هذا . فلنفكر في أنفسنا
نعم فليفكر في نفسه . يحتاج إلى الدم . تردد بين أن ينفذ مخططه مع شيرين والذي أفشلته كلماتها ، أو يترك كل شيء ويعود لوحدته . نظر إلى جسدها الجميل وتردد .
- هل تريدينني ثانية ؟
قبلت رقبته وقالت
- أنا أريدك في كل لحظة وإلى الأبد .
- هل أنت جادة ؟
- نعم
- نستطيع أن نعيش معاً إلى الأبد .
ظهر على وجهها الذعر وقالت :
- كيف؟ لا تقل أن نتخلص منه .
- ليس هذا فقط
 ماذا أيضاً ؟
- في البداية أعطني رقبتك
أعطته رقبتها وهي تضحك في غنج . تشنج الجسد وماتت الضحكة عندما غرز نابيه في رقبتها . ظل هكذا حتى قبل الموت بقليل . بدت ضعيفة تحتضر وقالت في ضعف :
- دراك . ما هذا دراك؟
- اسمي دراكيولا
- دراك ......

جرح نفسه في معصمه وقال :
- والآن اشربي واحصلي على الخلود
عصر الجرح في فمها وما لبثت أن أمسكت هي بالمعصم لتحصل على المزيد . شد المعصم من فمها عندما وثق من تحولها . أخذت تتلوى لدقائق ثم سكنت . فتحت عينيها وابتسمت فقال :
- انظري إلى نفسك . لقد أصبحت أجمل بكثير
كانت بالفعل أصبحت أجمل ، وشعرها ازداد طولاً وأصبح جسدها أشد بياضاً وكأنما خلقت من النور . حسدها لأنها تستطيع أن ترى نفسها في المرآة .
- انظري في المرآة
قامت واستعرضت جسدها في المرآة ثم قالت :
- ولكن .. أين أنت ؟
- أنا ليس لي صورة
- لم ألاحظ هذا أبداً ..
- كيف تشعرين ؟
- كما لم أشعر من قبل
- صفي إحساسك لي
- أشعر بالقوة كأنني إله . بأن الحياة ليس بها حزن أو شقاء . ليس بها برد أو ظمأ . أشعر بأني لا أحتاج شيئاً
ثم نظرت إليه وقالت في خبث :
- سوى الدماء
أشار إلى أذنه وقال :
- هل تسمعين ؟
أرهفت السمع ثم قالت :
- زوجي العزيز
- سأذهب معك لأريك . ولتسرعي فالفجر قد اقترب
- ماذا ؟ هل الشمس تقتلنا مثل الأفلام ؟
- نعم وسننام في تابوت أيضاً . أسرعي
* * * * *
كان سامي مروان ممتلئ الجسم ذو رأس ضخم وشعر أشيب غزير ، يبدو للعيان مثل الملوك ولكن عندما دخل عليه الكونت وجده يرتدي ملابس داخلية عجيبة ، سروال ضيق ذو حبل وصديري يتدلى منه كرشه . كانت المفاجأة شديدة على الرجل عندما وجد ضيفه يدخل عليه ، ولكنها كانت أعظم عندما وجد زوجته عارية تماماً وتدخل مع الغريب . قبل أن ينطق بكلمة كان الكونت يخترق رقبته بأنيابه ، بعد لحظات رفع الكونت رأسه وقال ..
- دورك
أقبلت الزوجة تكمل ما بدأه الكونت . حتى إذا انتهت أخذت تضحك هي والكونت ثم حملها الكونت وطار بها مخترقاً زجاج الشرفة إلى الليل الرطيب .
* * * * *
- يا لها من قصة غريبة .
ليست غريبة لشخص كان يبحث عن مجد القرون السابقة
- أردت أن أعيد سطوتي .
- ولكنك تستطيع ذلك .
- لا يهم .
- فيم جئت إذ
- لا أعلم .
قالت في دلال :
- ربما لكي تلقاني .
ابتسم وقال:
- ألا تشعرين بالجوع ؟
 جداً .
- مهمتك منذ الآن أن تنتقي لنا الضحايا .
ضحكت في مرح وقالت
- ومهمتك أن تمتعني .
قال وهو يلعق أذنها
- حسناً . قولي لي من مصاص الدماء الذي سنتغذى به اليوم .
- أمازلت تصر على تلقيبهم بمصاصي الدماء بعد ما عرفت ؟
- نعم .. من كتب المقال على حق .. إنهم مصاصي دماء .. بل أنهم أسوأ
- هذا اعتراف منك أننا سيئان
- فقط دعينا نذهب إلى أحدهم
- حسناً.. عضو برلمان أيضاً أم مليونير أم وزير ؟
- أول من يخطر على بالك . كلهم دماؤهم شهية ويستحقون القتل
- حسناً هناك عضو زميل لزوجي يعيش في قصره بمفرده أو مع صديقاته
- هذا لك فأين نصيبي ؟
- سأرضى بالصديقة اليوم إذا وجدنا عنده .
- قد تكون مومس فقيرة .
- أو سيدة مجتمع أو زوجة مصاص دماء آخر . دعني أقودك في هذا

داعب شعرها وهو يقول :
- وبعد ذلك تأتي مهمتي
قبلت فمه وقالت في تأوه :
- فلنسرع إذن
* * * * *
- يبدو أننا أصبحنا مشهورين
- كيف ؟

أشارت إلى جريدة في أحد أكشاك الصحف . كانت الساعة الواحدة صباحاً مما أعطاهما فرصة للسير سوياً في الشوارع الخالية للمدينة ، ولم يكن هناك ضوء سوى من كشك الصحف ومقهى يتجمع بعض رواده أمام التلفاز .
- أنظر .
- ماذا تقول ؟
- تتحدث عن حوادث القتل الغامضة والغريبة لنواب البرلمان والوزراء ورجال الأعمال .
أخذ يراقب النظرات الفزعة على وجه صاحب الكشك وهو يأخذ ثمن الجريدة من شيرين وينظر إلى وجه دراكيولا . استطردت شيرين بعد أن غادرا .
- ويقولون أن هناك حوادث مماثلة حدثت على سفينة فرنسية أتت إلى مصر منذ شهر ، ويقولون أن القاتل واحد أتى على السفينة من فرنسا ويقتل بإحداث ثقبين في الرقبة .
قال في سخرية
- ألم يعلموا أن هناك قاتلين وليس واحداً .. كيف لم يميزوا بين أنيابك وأنيابي ؟
- لا تسخر فالموضوع جدي .. ولا تنس أني مختفية منذ أن مات زوجي .. أي أنهم يبحثون عني .
- ومم تخافين ؟ أنت مصاصة دماء ولن يستطيعوا الإيقاع بك
- يستطيعون .. أنا لست مثلك قوية أستطيع الهروب .. وقتلنا شخصيات ثقيلة سيثير علينا الجميع .. انهم النواب ورجال الحكم .
- كم قتلنا من مصاصي الدماء ؟
ثارت في وجهه لأول مرة منذ أن عرفها
- لا تطلق عليهم هذا اللقب وقل لي .. متى ستكف عنهم وتبحث عن آخرين
- آخرين ؟ تلك البلاد فيها نوعان فقط من البشر .. ملايين الفقراء الذين كادت دماء أحدهم أن تقتل دراكيولا العظيم ، أما النوع الآخر فهم زوجك وأنت سابقاً وكل النواب ورجال الحكم والمال .. لا بديل أمامنا .
- فلنرحل من هنا إذن
- لا
قالها بحزم وقوة أفزعتها .. نظرت إليه في ريبة وقالت :
- ولم البقاء؟ أم مازلت تأمل أن تجد أصحابك يحكمون البلاد؟
أثرت فيه لهجة تهكمها فقال :
- بل أن أريد أن يصبح الشعب من البشر ذوي الدماء الصحيحة . أريد أن أعيد لهم دماءهم المفقودة بأن أقتل من يمصون تلك الدماء .
ظهر الفزع على وجهها الأبيض وهي تدخل إلى الوكر الذي يستقر فيه تابوتها وبجانبه تابوت الكونت . قالت :
- أنت مجنون .
ضحك وهو يقول :
- لا تحاولي أن يصيبك غضبي يا شير
قالت وكأنها لم تسمعه :
- تريد أن تصبح بطلاً ؟ من وحش إلى بطل ؟
نزل في تابوته وهو يقول :
- ما زلت تعيشين في شخصيتك القديمة . أنت الآن مصاص دماء مركب . قلباً وقالباً
أتم جملته وضحك فقالت مغيظة :
- وأنت .. نبيل القلب ؟ ستحرر الشعب .. ثم ماذا ؟
قال وهو يغيب تحت غطاء التابوت
- سترين
** * * *
رغم أنه لم يكن يظهر على شاشات التلفاز . إلا أن المشاهدين سمعوا صوتاً آتياً من لا مكان . حتى المصورين الواقفين أمامه ويرونه كانوا في دهشة لعدم ظهوره على شاشات كاميراتهم . والجموع المحتشدة أمام شرفة القصر مصابة بالذهول مما رأته وتراه الآن . الخطبة الحماسية والحديث عن قرب وقوع السفاح الذي قتل كل رموز السياسة والأعمال في البلاد . بأنه الآن محاصر وغداً سيأتي خبر القبض عليه أو على جثته . فجأة حط طائر أسود على شرفة القصر .. قال البعض وطواط ولم يجد الآخرون الوقت للتخمين . وإذا به رجل في عباءة سوداء وفي لحظة انتهى كل شيء . أصبح زعيمهم ماضياً مثل البقية . انطلقت رصاصة من أحد الحراس . ظن الجميع أن القاتل انتهى . وإذا بالحراس يفرون . وانتصب أمامهم القاتل بلا رهبة سوى رهبتهم . شعر كل واحد منهم بأنه ينظر في عينيه هو بالذات . مد يده في جيبه وأخرج فأراً صغيراً . وضعه على الأرض فتحول إلى امرأة . صرخ كل من رأى المشهد فزعاً . ولفظ بعض من يعرفوها باسمها .. أخذ يتكلم بالفرنسية وهي تترجم :
- جئت إلى بلدكم لما قرأت أن مصاصي الدماء يحكمونكم .. وعندما علمت ما معنى مصاص دماء هنا .. قررت أن أخلصكم منهم جميعاً .. وأشهد بقدري العظيم .. أنا دراكيولا .. ( سمع صرخات فزعة من المحيطين عندما نطقت شيرين بكلماتها ) .. أنني لم أقتل بريئاً منذ أن أتيت إلى البلاد .. كل من قتلت كانوا مصاصي دماء من رجال الحكم والمال .. ولم أقتل فقيراً إلا لصاً هاجمني .. ومنه عرفت أن دماءكم فاسدة من سوء معيشتكم .. وأن دماء الآخرين شهية بما يسرقونه منكم .. وها أنا منحتكم فرصة لن تتاح مرة أخرى لكم .. بأن تستعيدوا آدميتكم .. وتقيموا دولة جديدة يملؤها العدل .. بأموال من سرقكم من اللصوص .. يحكمكم شخص عادل لا أطماع له .. ونواب يحمون حقوقكم لا يسرقونها .. ورجال أمن لكم لا عليكم .. اكتبوا قانونكم الذي تريدون .. ومن خرج عنه فأنا به كفيل .. سأحرص دائماً أن أكون بجانبكم حتى تصبحوا كما يفترض بكم أن تكونوا .. بشراً ..
سكت قليلاً ليرى أثر كلماته..فوجئ بتصفيق حاد وهتاف يحمل اسمه .. نظر إلى شيرين .. فوجدها فاغرة فمها .. بادلته النظر وقالت في صوت متحمس
- إنهم يريدونك أنت تكون زعيمهم الأبدي .
انتابته دهشة ممزوجة بالفرح .. الكونت دراكيولا يستعيد الماضي . ولكن ..... أشار إليهم ليكفوا عن الهتاف فصمتوا أجمعين .. هم بأن يتحدث ولكنه سمع أحدهم يهمس لنفسه : " هل يحكمنا ميت يعيش على الدماء؟ "
.. قفز من الشرفة وجلب القائل وحمله للشرفة قبل أن تطرف عينا أحدهم .. ارتفعت آهات الدهشة وآهة فزع من الرجل الواقف بجانبه في الشرفة ..
- هذا الرجل قال ما أريد قوله ولكنه لم تكن لديه الشجاعة ليقوله علناً .. وهذه كبرى عيوبكم .. أنا وحش ميت .. أعيش على الدماء بعيداً عن الشمس التي تقتلني .. أعيش في مكان لا يعلمه أحد .. الزعيم ليس عدلاً فقط ولكنه تواجد أيضاً ومشاركة .. حتى لغتنا مختلفة وجنسيتنا .. سأرضى بدور المشرف فقط وأعدكم ألا أتخلى عنكم أبداً .. ولتبدأوا منذ الغد باختيار حياتكم الجديدة .
ارتفع التصفيق ثانية فرفع يده محييا ثم استدار إلى داخل القصر .. سمع بعد دقيقة وهو بالداخل صوت رجل يرتفع بكلام والناس حول القصر يردون عليه بكلمة واحدة .. سأل شيرين التي كانت تبدو مستاءة من رفضه الحكم
- ماذا يقولون
- يدعون لك
- ماذا؟
- يقول الشيخ دعاء وهم يردون عليه بآمين
عاد دراكيولا فوجد رجلاً في ملابس دينية يرفع يديه إلى السماء ويهتف .. تولت شيرين ترجمة ما يقوله
- اللهم احفظه
- آمين
- اللهم امنع عنه أذى الشمس
- آمين
- اللهم مده بالدماء دائماً
- آمين
- اللهم شق له عندك نهراً من الدماء في الجنة
- آمين
- اللهم أعنه ووفقه على قتل الأعداء حتى يبقى لنا
- آمين
ثم سكت الشيخ وقال
- أيها الإخوة .. وأيتها الأخوات .. إن كنا نريد من سيادته أن يبقى معنا دائما فيجب أن نقدم له ما يلزمه .. ألا تجودون بدمائكم من أجل حريتكم ؟
ارتفع الهتاف بالموافقة فاستطرد الشيخ
- وليكن شعارنا " تبرع بدمك في سبيل حريتك "
ارتفعت الأصوات ثانية بالموافقة .. عندئذ ضحك دراكيولا من قلبه واستدار إلى شيرين ثم أخذها وطار .
محمد يحيى ذهني

رد اعتبار ... محمد صباح الحواصلي





اسمي الثلاثي عبد السميع فارس المنيني.. ولكن أولاد الحرام وأولهم معلمي أبو زكي, ينادوني (يا صبي..) أين الصبي عبده؟ روح يا صبي, تعال يا صبي, على الرغم من أن عمري خمس وعشرين سنة, خمس خمسات بعيون الشيطان. تقول أمي إنني ولدت أيام موسم الباذنجان في السنة التي انفكتْ الوحدة وراح فيها عبد الناصر عن البلد. أسكن أنا وأمي في غرفة على سطح بيت عربي بحارة (الديمجية), وفي البيت غرفتان أخريان. الأولى مؤجرة لعسكري اسمه مفلح ولا يأتي كثيرا إلى غرفته, والثانية مؤجرة لعامل مصبغة كهل يسعل كثيرا ويحب سماع الأغاني القديمة: أنا اللي استاهل – ضيعت مستقبل حياتي – عشقت روحك...

أعمل في بقالية (التقوى) لصاحبها شاكر الفرحان, المعروف بأبي زكي. كل يوم استيقظ الساعة الخامسة مع صوت ديك الجيران الذي يسبق التذكير والأذان الثلاثي من مئذنة جامع (التوبة) في حي العُقيبة.
أطعم الدجاجات في القن تحت دالية العنب الزيني التي أخذ اليباس يسري في لحائها.. وأخرج إلى فرن الخبز المشروح عند الجامع وأعود وأعد الشاي على وابور الكاز..
وأوقظ أمي, "يا مو.. يا يا مو.. قومي الفطور جاهز."
أمي – الله يحفظها ويعافيها – مع كل لقمة تسأل وتشكو وتطلب:
طعميت الدجاجات؟
ليش ما شطفت أرض الديار!
لا تنسى عشيه تجيب الجبنة المدقوقة ورش عليها حبة البركة..
آه يا ركبي..
أكتبْ مكتوبا لخالتك زهرة بالضيعة وقل لها - ولي على كسرتك - ما تجي تشوفي أختك الباركة في السرير, وروح كراج الباصات واعطية للشوفور هواش وقل له يستعجلها بالقدوم..
صب شاي.

أمي الله يعينها ويعيننا معها مصابة بالروماتيزم. آلامها من ذلك النوع الذي يباغت ويتشبث بمفاصلها المتورمة ولا يرحل عنها حتى آتي بجارتنا أم يسري الممرضة لتعطيها حقنة (الكورتيزون). كم أيقظني صراخها في أنصاف الليالي من شدة ألمها.. الألم لا يرحم.. والحال لا يرحم.. وخليها على الله.

أخرج من الدار حوالي السادسة والنصف صباحا. الصباح دائما يبدأ جميلا وكأنه يريد أن يفتح مع البشر صفحة جديدة. مع خروجي أسمع كل يوم من نافذة الجيران القرآن الكريم من الراديو, وجلبة أسرة حول مائدة الفطور. أسير عبر الطريق المخدد بالحفر المليئة بالوحل وروث الدواب. الطريق من الدار إلى الدكان في (الميسات) يأخذ حوالي نصف ساعة.. طبعا سيرا على الأقدام. في طريقي أتسلى بالنظر إلى زحام ساعة الصبح وضجيج السيارات وهي تعبر الشوارع العريضة. الناس كلهم مثلي ذاهبون إلى أعمالهم, مع فارق ليس بسيطا هو أنهم ينعمون بالدفء داخل سياراتهم المريحة, أو في السرفيسات أو الباصات, وأنا ينخرُ البردُ عظامي. ثمة ما يمدني في طريقي بكثير من الفرح ويشدني إلى الدفء ويجعلني أبدأ صباحا سعيدا, إنه محل فهمي بائع السحلب.
- صباح الخير عم فهمي.
- يا صباح النور بشيخ الشباب.. كيفك يا أبو فارس؟
- خليها على الله يا حجي..
- تعال دفي دمك بزبدية حليب.
أقبض على زبدية السحلب الساخنة براحتي الباردتين وأرشف منها بهناء وبخارها يتلوى مع دفع أنفاسي, أتلذذ بطعم السلحب الساخن وبنداء العم فهمي لي بأبي فارس.. اللقب الذي من حقي أن أسمعه من الجميع.. آه.. ما أحلى نداؤه لي بأبي فارس.. العم فهمي هو الوحيد من بين خلق الله كلهم الذي يكنيني بما أحب: أبو فارس.. ألستُ بكر المرحوم الحاج فارس المنيني.


عبده يتحدث عن كفاحه وحبِّه للقراءة

لا أدري لماذا يغتاظ الناس وعلى رأسهم معلمي أبو زكي عندما يعرفون أنني أقرأ كتبا!
صحيح أنى لم أتمم تعليمي وتركت المدرسة من الصف الخامس, ولم أحصل على (السرتفيكا), لكي اشتغل وأعيل أمي.
عملت, وسبَّعتُ الكارات كما يقولون, وجلتُ في الشوارع والحارات, بعت غزل البنات.. أشتري من معمل في حي "السمانة" 15 حبة غزل البنات بعشر فرنكات, أبيع الواحدة بفرنك فيكون ربحي خمس فرنكات, نعمة كريم. وبعت حلاوة سميد, وشعرت أنني قد أصبحت رجلا عندما استلمت عربة بوظة "آسيا" أجول بها شوارع دمشق من القصاع, للتجارة, ثم عائدا لشارع بغداد, من السادات, للقزازين, للدحداح, للأزبكية, لعين الكرش, فالسبع بحرات.. رحلة طويلة أنادي خلالها (بوظة آسيا.. تعا بُورِدْ..) في حين كنت أنا أذوب من سياط شمس تموز وآب. هذا في الصيف, أما في الشتاء فكانت محطتي الأولى في "البزورية" عند بائع مكسرات وقلوبات لا داعي لذكر اسمه. وشكرا لفاعل الخير الذي توسط لي أن أعمل عنده, والذي نال من دعاء أمي وثنائها ما يمكن أن يوزع على حارة بحالها - لكنني سرعان ما تركته بعد أن رابني منه لمساته الخشنة لفخذيّ. فتركت على أثرها دكانه و "البزورية" برمتها, وانتقلت إلى "سوق الحميدية" أبيع فيها جرابات رجالي على بسطة صغيرة.. كنت أنادي على بضاعتي بصوتي النحيل المميز الذي غالبا ما كان يضيع بين أصوات الرجال الثخينة. وكنت أشعر أن صوتي دائما ضائع وسط أصواتهم, فكان لا بد من أن أتعلم الحنكة فجعلتُ أدسُّ صوتي مباشرة بعد انتهاء نداء أحدهم.. ونجحت الطريقة.. وربحت ما فيه النصيب.. أكثر من خمس ليرات في اليوم كنت أعطيها لأمي ولا أبقي منها إلا بضع فرنكات في جيبي لكي اشتري بها كتباً من على البسطات التي تعرض كتبها المستعملة في مداخل المحلات المغلقة أيام الجمع والعطلات. من تلك البسطات قرأت للمنفلوطي ولم أفهم شيئا, ثم تعلمتُ كيف أفهم. وقرأتُ جبران ولم أفهم لزمن طويل, ثم تعلمتُ كيف أفهم. وقرأت مصطفى صادق الرافعي ولم أفهمْ شيئا إلى الآن.
أما الكتاب الذي أحببتُ فهو (كرم على درب) لميخائيل نعيمة. إلى الساعة وأنا ما أزال أقرأ بكرمٍ على درب, وأصطحبه معي أينما ذهبت.. وأحكي لرفاقي وزبائن المحل عن (كرم على درب), وحِكَم ودرر (كرم على درب).
وكان أجمل وقتٍ حكيت فيه عن الكتاب يوم حكيتُ لليلى, طالبة الفتوة ذات الشريطين الخضراوين على كل كتف. لا أدري كيف كان يخرج الكلام من فمي, وكأن غيري الذي يتكلم وأنا أنصت إليه, حتى قالت لي ليلى:
- يا ولد يا عبده شو هالكلام الحلو! أوعه تكون أنتَ ميخائيل نعيمة وأنا مو دريانة؟..
وضحكَتْ ليلى ضحكة تساوي كنوز الدنيا.. وجنَّ جنوني لصف أسنانها التي مثل اللؤلؤ, وضحكتُ أنا, وإن كنت متألما من ندائها لي (يا ولد).. فقلتُ لها:
- يا ليلى أنا لست ولدا..
فقالت لي كلاما أنساني ألمي:
- يا عبده, أنا لأنني أعزك أداعبُكَ.. أنا أعرفُ أنكَ زينة الشباب.
وضحكتْ عيناها ونقلتْ إليَّ ملايين المعاني التي فاقت كثيرا قدرة ميخائيل نعيمة وغيره على التعبير.. والتي ظللتُ أحملها إلى هذه اللحظة. وصار أن رحلتْ ليلى عن الحي, تماما كما يرحل كل شيء جميل يحبه بسطاء الناس, ولم أعد أراها إلا طيفا في خيالي.. ولم يبقَ لي إلا أنْ أنفِّس عن كربي بالغناء.. فغنيتها كثيرا.. ولا أذكر أنني أحببت في تلك الأيام الخوالي شيئا كما أحببت الأغاني والمواويل الحزينة وماهر العطار وعبد الحليم, وعدوية.
ليلى هي الوحيدة التي كانت تسمعني, وكنت أحس أنها تحب كلامي لدرجة أنني بدأت أغار من كلامي وكأنه غريمي. وذات مرة تحدثتُ مع نبيل, وهو زبون يأتي الدكان ليشتري سجائر فرط, وهو أيضا طالب فتوه وعلى كتفيه شريطين خضراوين. المهم.. حدثتُ نبيل عن (كرم على درب), وعن مارون عبود, وعن "موسم الهجرة إلى الشمال" تلك الرواية السودانية التي أطراها الناقد المصري رجاء النقاش – كنت أدس الأسماء في كلامي حتى يدرك مستمعي مقدار معرفتي.. وصدقوني لم أكن أفعل ذلك تشوفا, بل استصراخا لهم بألا ينادوني (يا ولد) ويدركوا قيمتي. وكنت أشعر أن كلامي (غريمي الذي عشقته ليلى ولم تعشقني) كان ينساب بنفس الدفق وأنا أحدثُ نبيلَ. لكن (نبيل) لم يأبه لكلامي.. ولم أتوقع أن أحدا في العالم يمكن أن يأبه لكلامي مثل ليلى التي راحت وتركت كلامي يجول في الأزقة والحواري ولهانا يبحث عن ليلاه أو عمن يتلقفة بنفس مقدار الحب والتقدير التي تلقفته ليلى. وما أن انتهيتُ حتى قال نبيل كلاما جارحاً لم أنسَ وقعه ما دمت حيا:
"لماذا لا تلتفت لشغلك وتدع القراءة لأصحابها؟" ألهب نبيل النار في جوفي, وصرت غابة تستعر فيها النيران, تحرق الأخضر واليابس, وتطول ألسنتها لتنال غيومَ السماء ونجومَها. قلت له:
- ومن قال لك إنني لست من أصحاب القراءة.. وهل تظن أن القراءة حكرا على طلاب المدارس؟ فهذا عباس محمود العقاد ترك المدرسة في الصف الخامس. وزكريا تامر- عامل الحدادة - خرج من المدرسة مثلما خرجت أنا. وهاك ياسين رفاعية كان فرانا, أيضا ترك المدرسة من الصف الخامس..
فقاطعني صراخ المعلم:
- يا ولد يا عبده..
فقال نبيل بخبث: كلم معلمك يناديك.
ورحل وهو يسخر مني.

* * * * *

صيف دمشق. وما أدراك ما صيف دمشق في آب اللهاب.
نهار طويل.. لزج, حار. وأنا أجوب الطرقات والأزقة المتربة الجافة العطشى تحت شمس لا ترحم. أصعد أدراجا وأنزل أخرى, والعرق ينز من بدني كرشح الماء في جدار عتيق. في آب اللهاب يهون كل شيء أمام الحرارة القاهرة للعزائم, الباعثة على الكآبة والانزواء والقرف من النفس.
سلطان الرغبة والعطش يسيطر على روحي وفكري ونفسي.. فيزيد من شوقي للماء والأماكن الرطبة كشوقي للاعتبار المفقود الذي لم أنعم به بعد من ناسي وزبائني ومعلمي أبو زكي.
ها هو النهار قد انتصف, وخفَّتْ أرجل الزبائن, بل كادت أن تنعدم في مثل هذا الوقت من كل يوم.. وكأنهم كلهم متآمرون معي على أن يغيبوا كي ألتمس الإنفراد في الظل والبرودة المغمورة برائحة الزيت البلدي والعطورات والصابون الغار في ظهيرة تلهب الأبدان وتلجئ كل ما يدب على الأرض إلى الفيء. المعلم, كعادته كل ظهيرة, ذهب إلى بيته ليأكل ويقيل, وأنا أراني بدافع رغبة سرية مبهمة أجرُّ قدماي ببطء وثبات إلى جوف المكان. أدمنت الطريق إلى مرامي الذي أخذ كالنبتة الوحشية يتنامى ويمتد في ذكورتي الجائعة.


المعلم أبو زكي يحكي عن ذهوله فيما رأى

أنا شاكر الفرحان, أبو زكي, صاحب بقالية (التقوى). كان بودي أن أسهب وأحكي عن نفسي وهمومي فليس هناك أمتع من أن يحكي المرء عن نفسه وما يقهرها ويفضي عن همومه.. لكنَّ المؤلف لا يريدني أن أتدخل أكثر من المقدار الذي خصصه لي في قصته القصيرة قائلا لي: "ابدأ يا شاكر بذكر ما حصل بعدما تركت البيت إلى الدكان قبل وقتك الاعتيادي ودهشتك وذهولك مما رأيت. أريدك أن تركز على ما رأيت. لمِّحْ ولا تصرِّح" قلت للمؤلف: "كما تريد.. وهل ما رأيت يصدق أو ينسى يا أستاذ!"
هادا يا سيدي من كثرة ما قرفتني عيشتي أم زكي من كلامها الدج الذي يجرح ويفتح في المشاعر خدودا وشروخا. رميت ملعقة السكب على مائدة الغداء منفعلا غاضبا فأصابت الرز ونثرته على الطاولة وعلى الأرض والأهم على فستانها المغسول جديد, ودفعت بالكرسي فوقع وأحدث قرقعة, فصرخت أم زكي غاضبة حانقة: "ليش كل هالزعفلة والنتورة, وعاملِّي فرخ البرمبو.. يا ليتك فالح بشي تاني مثل بقية الرجال", وخرجْتُ غاضبا وأنا أشتم وألعن الساعة التي حويت فيها أم زكي لأنني أعرف ما تقصد من إهانتها لي, وسرت على غير هدى, ولكن قدميَّ لا تعرفان طريقا إلا طريق الدكان, وليتني تهت أو انشقت الأرض وابتلعتني ولم أصل إلى الدكان في تلك الظهيرة القائظة الدبقة. وكأن قدميَّ كانتا تستعجلاني لأُتحف ناظريَّ بما لا عين رأت ولا أذن سمعت, وأذهل كما لم أذهل بحياتي قط. ولا أدري ما الذي جعلني أسكت عما رأيت ولا أنقضُّ على عبده.. وأقول له: "اخس عليك يا عبده!!" وأنهال عليه لعنا وضربا, وأدفع به خارج الدكان بلا رجعه! فعلا.. ما الذي جعلني أسكت؟ أهو الذهول الذي يعقد ألسنة الخلق وعقولهم ويجعلهم عاجزين عن أن يتصرفوا كما يمليه الموقف والعقل. أنا أعرف ما الذي أشلني وعقد لساني.. إنه الحظ العاثرعندما يمنح الله مخلوقا شيئاً يخطف امتداده الأنظار ويلهبها بالدهشة والذهول, ويحرم آخر من ثلاثة أربعاع تلك النعمة وامتدادها الأسطوري المدهش. بل, الأقهر من ذلك, أنني عندما انحبست أنفاس عبده وأحمرت أوداجه وخار متأوها وهو يستحلب اللذة خلال ثواني النشوة الأخيرة التي تشبه ذرى الأشياء وقممها العالية, انسحبت - أنا البدين الثقيل - على رؤوس أصابع قدمي وكأنه لا وزن لي, أحلق في سماء الخيبة والإنكسار, من مكاني حيث شاهدت ما كسَّرَ عيدان نفسي وأشعل النيران فيها. نعم, خرجت وكأن على رأسي الطير كي لا يشعر عبده أنني كنت أشهد طقس غيابه. أصبحت على مبعدة أمتار خارج الدكان, وقد بدوت للذين رأوني وكأنني تائه يضرب في الأرض دونما هدف. وما هي إلا لحظات حتى وقفت, وهدأت سريرتي قليلا, وامتلكت ناصية الحلم, بدليل أنني رددت تحية الأستاذ عبد العظيم الطويل, وهو زبون شأنه كبير.. وعليك السلام أستاذ عبد العظيم. سرت عائدا إلى المحل.. بطيء الخطا, وعندما مددت ناظري للدكان وجدت عبده أمام المحل هامدا ساكنا وكأنَّ كلانا لم يفعل شيئا.


عبده يختم القصة مندهشا

انتبه أيها القاريء الكريم.. إن المتحدث الآن هو عبده, صبي البقال.
إبدأ يا عبده.
حاضر تاج رأسي.
عندما رأيت معلمي أبو زكي قادما نحو الدكان قبل وقته بساعة على الأقل ذهلت وحمدت ربي أنني قد انتهيت من فعلتي منذ دقائق ولم يرني متلبسا بما لا يحمد عقباه. انتفض بدني من همدة الندم لحظة رؤيته وانتصبت واقفا وقد وجدت نفسي أفتح بكل همة صندوقا أتيت به من البزورية كان راكنا تحت شمع الموالد المعلق على واجهة المحل. فتحته وأنا أقول لأبي زكي الذي صار قربي:
"جلبت الهيل والحنة والفواكه المجففة وأكياس الحمام من البزورية هذا الصباح.. أين تريدني أن أفرزهم؟"
رفعت رأسي إليه لأنه على غير عادته تأخر في الرد علي, فهالني أن رأيته يتصفح كتابي الذي ركنته عند الصبح قرب الميزان وغطيته بالأكياس.. كان من المفروض أن ينهرني ويمنعني من إضاعة وقتي بجلب الكتب إلى الدكان.. ويا لعجبي! أبو زكي لم يفعل شيئا من هذا بل استمر يتصفح الكتاب متأملا صامتا وكأنه قديم عهد بالقراءة. أتريدون الحق.. أذهلني تصرف أبو زكي.. وكأن ثورة هبتْ على عقله وجرفت كل مواقفه السلبية نحو الكتب ونحوي. ولكنْ عليَّ ألا أتعجل في حكمي.. تراه استغرق بأسطر استأنسها وسرعان ما سينساها ويلتفت نحوي ويرمي الكتاب في خلقتي ويشتمني. ولكن ما حصل أدهشني.. فقد أغلق أبو زكي الكتاب بتؤده ووضعه على الطاولة وقال لي:
- الكتب غذاء العقل والروح.. أليس كذلك يا أبو فارس.
أبو فارس!! المعلم يناديني بأبي فارس!!
تلفتُ حولي فلم أجد أحدا. أنا المقصود إذا! طبعا أنا المقصود.. هل نسيت أنني أبو فارس على الرغم من أنني لم أسمعها من أحد اللهم إلا من العم فهمي بائح السحلب. أجيب المعلم أبو زكي بسعادة واضحة وأقول له الكثير عن الكتاب, وكأنني حنفية وانفتحت, وكان المعلم ينصت إليَّ وقد عقد جبينه فيما بدا لي أنه يحاول أن يفهم ما أقول. ما أروع الهيمنة! للمرة الأولى أشعر أنني مهيمن على معلمي أبو زكي. ها هو يستمع إليَّ كتلميذ صغير.. وها هو يعرف أن الناس في الفهم درجات.. وأن الله حق. ويمضي النهار, وأغلق الدكان, وأودع معلمي:
- تصبح على خير معلم..
- وأنت من أهل الخير.. بكّرْ غدا أبو فارس..
من أعماق قلبي أرد عليه:
- حاضر معلم سأكون هنا قبل الضوء.
ورحلنا, كل من طريق.
وأنا الآن أدفع نصف عمري ثمنا لكي أعرف ما الذي غير المعلم أبو زكي تجاهي. ولكن الذي لا أشك فيه أن كتابي الذي تركته قرب الميزان كان السبب.. كتاب ثخين, ومؤلفه كبير الشأن.
وتوته.. توته.. خلصت الحتوته. 

حكايات إسبانية

شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في الع...