الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

زمن الزحفطون...أنور يونان


1 –

يقول البعض: هو "نوع" جديد من البشر... ولد من رحم اللغة في الخمسينات من القرن الماضي.

شاهدهم الأديب اللبناني الراحل سعيد تقي الدين يزحفون على بطونهم نحو أبواب القصر الجمهوري (حين كان لساكن ذلك القصر شأن في لبنان) فنحت لهم، من ذل الزحف وشره البطون، هذه الصورة "الجميلة" المعبرة : زحفطون.

.. مر نصف قرن على رحل سعيد تقي الدين.

نسي القوم، أو كادوا، ذلك الأديب الجميل وسخريته اللاذعة وهو يصف "رجرجة" مؤخرة الزحفطون في المناسبات "الوطنية"، وما أكثرها !..

(لحسن حظه؛ لا يحتاج الزحفطون لكعب عال كي يتقن تلك الرجرجة ويتفنن بتنويعها على نغمات طبالي القصر)

ونسوا كلمة زحفطون.

رغم هذا فقد تناسل هذا "النوع"، كما تتناسل الأرانب، بوتيرة سريعة لم تعرفها فصيلة أخرى من البشر... و"أعمروا" القارة العربية من خليجها إلى محيطها.

2 -

لنعترف، ونحن ننحني بـ"خشوع" أمام أجهزة القمع العربية وسادتها، أن هذه الأجهزة نجحت، نجاحا باهرا، في استنساخ الزحفطون، وأن التحول إلى جنس الزحفطون هذا لم يكن عسيرا على كثير من المواطنين "المغلوبين على أمرهم".

حين لا يكون أمامك من خيار سوى أن تجوع ويجوع أطفالك، أو أن تتحول إلى زحفطون. فليس من الصعب أن تدوس على عنفوانك وكرامتك وتختار "أهون الشرين".

في البلاد التي لا يمكن فيها لذبابة أن تتزوج إلا بعد الحصول على ثلاث موافقات أمنية، يكون الحديث عن الكرامة والعنفوان أقرب إلى المزاح الثقيل.. والسفيه.



3 –

كذلك لم يكن عسيرا، على أنظمة الاستبداد العربية، استنساخ هذا النوع من "البشر" في مؤسساتها الإعلامية.

كي تستمر هذه الأنظمة متربعة على عروشها يتوجب عليها أن تكذب لتخفي الحقائق عن شعوبها. وكما فعل هتلر وستالين؛ أسست وزارات للإعلام مهمتها غسل مخ المواطن. واخترعت، بالترغيب والترهيب، شخصيات "وهمية" لـ: قومي وعروبي ووطني وتقدمي واشتراكي.. الخ. قنـّعت بها وجه الزحفطون؛ لتتصدى للـ "مؤامرة" الصهيونية، الاميركية، الامبريالية .. وتحول أنظار المواطن عما تقوم به مافياتها من سرقة لقوت المواطن وخيرات الوطن .. وكرامة الأمة وعنفوانها.

4 –

إن كنا نفهم هشاشة "المواطنين المغلوبين على أمرهم" وأسباب تحولهم إلى جنس الزحفطون.

ونفهم أن تدافع أنظمة الاستبداد عن نفسها باستنساخ إعلاميين وكتاب وفنانين "مثقفين" من جنس الزحفطون.

فكيف لنا أن نفهم تحول "قاضي قضاة" أو "مفتي ديار" إلى هذا الجنس الخبيث !؟

كيف أمكن للمشاهد "الورع" أن يستمرئ، قبل عشرة أيام من اليوم، ذلك المشهد "الغير شكل" على شاشات التلفزيون، بمناسبة الاحتفال بمرور 60 عاما على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان!؟

كان مشهدا "رائعا حقا" رأينا فيه "مفتي ديار"، وسمعناه "يخترع" الصفات الديموقراطية "الحميدة" لرئيس دولة مستبد لا يزال يحكم، سعيدا ووحيدا، منذ ما يزيد عن عشرين عاما!

وكيف يمكن لهذا المشاهد "الورع" أن يصدق "قاضي قضاة" حزم أمره، في سبيل حفنة من الدولارات، على "شهادة زور" تشيد بـ"عدالة" نظام يعتقل الرأي ويغتال أبسط حقوق الإنسان المذكورة في الميثاق المحتفى به!؟

5 –

لم يتوقف نسل الزحفطون عن إنجاب هؤلاء الأذلاء؛ من مواطن مغلوب على أمره، إلى "مثقف" منافق، إلى مفتي ديار أو قاضي قضاة يقف على باب السلطان!

أنجب، أيضا، أنظمة حاكمة مستبدة، ومنافقة، "تتزحفط" على عتبات الباب العالي، دون أن تجرؤ على فتح فمها بقول كلمة حق.

بالأمس عين باراك أوباما، الرئيس الأميركي المنتخب، رام ايمانويل رئيسا لموظفي البيت الأبيض.

لو كان رام ايمانويل خدم في الجيش المصري في حرب ضد إسرائيل، لكانت إقالته من هذا المنصب الخطير من الأمور السهلة على إسرائيل، بالضغط الرسمي المعتاد، وإن احتاج الأمر بإقامة اللوبي اليهودي الدعوى على باراك أوباما الذي خرج عن القانون لأن القانون الأميركي لا يجيز لموظفي الدولة ازدواجية الولاء لدولة أخرى، فكيف إن كان الموظف يحتل مثل هذا المنصب الخطير !؟

أما حين يحمل رام ايمانويل الجنسية الإسرائيلية، وهو الذي خدم في الجيش الإسرائيلي، فلا مسؤول واحد، في دولة عربية ما، جرؤ على انتقاد تعيينه في هذا المنصب الذي تمر عبره شؤون الرئاسة، بما فيها السياسة الخارجية تجاه الدول العربية!

ولأن الزحفطون سيد الزمان العربي ، لم يجرؤ أحد من ذلك "اللوبي العربي"، الذي يدعون دعمهم له، على استشارة مكتب محاماة أميركي لدراسة هذا الأمر... فما بالك بتكليف ذلك المكتب برفع دعوى ضد الرئيس المنتخب أوباما بتهمة خرق القوانين الأميركية ؟؟

6 –

القارئة العزيزة، القارئ العزيز؛

في هذا الزمن الرديء، لا يبقى علينا سوى أن نتحسس رؤوسنا ثلاث مرات قبل النوم.

هو زمن الزحفطون !

الشهداء يعودون هذا الأسبوع..الطاهر وطار




عندما خرج من مركز البريد برسالة في يده, قال له الموظف, وهو يناوله إياها:
- جاءتك من الخارج, يا عمي العابد, من بلد بعيد جداً.
اتجه إلى ظل شجرة ليجلس على صخرة, وهو يتساءل:
- توجه لي أنا, العابد بن مسعود الشاوي الذي لم تربطه بالخارج صلة خلال الستين عامًا التي عاشها. رسالة من الخارج. من بلد بعيد جداً. من أعطى عنوان العابد بن مسعود الشاوي إلى الخارج حتى يكتب له? ترى من يفكر في الكتابة لي من الخارج?
فتح الرسالة, وانحنى عليها, وأغرقها في عينيه ولبث هناك متكوراً في برنسه الأبيض المتسخ. دار الظل وتركزت فوقه الشمس, ثم بدأت تتراجع أمام ظل الجدار وهو ما يزال في نفس الوضع.
أخيرًا, وبعد قرابة الأربع ساعات طوى الرسالة ووضعها في كيس صغير معلق بعنقه, ثم نهض متثاقلاً وراح يسير بخطوات وئيدة, مع الشارع المنحدر من طرف القرية, ليستأنف صعوده حتى الطرف الآخر:
- الله يعينك يا العابد.
قال له شيخ يصعد الشارع فوقف. حدق فيه مليًّا, ثم أشار إليه بأطراف أصابع يده:
- تعال. تعال.
تناول يده, وحدق في عينيه جيداً ثم فاجأه:
- ألم تفكر قط أن ابنك الشهيد قد يعود يوماً يدقّ الباب ثم يقتحمه ويتناولك بين أحضانه?
- أقسم بالله العلي العظيم, أن خيال ابني لم يفارق عيني قط منذ سبع سنوات, كلما وضع الغداء أو العشاء, رحت أبحث عنه يمنة وشمالاً, منتظرًا التحاقه بي. كلما انفتح الباب اهتز قلبي وقلت هو. كلما وقف أحد عند رأسي, انتظرت طلعته. لو يعود لنا الشيء العزيز الذي افتقدناه ونموت نحن, حياتنا بدونهم يا العابد يا - ابن أمي -, لا معنى لها.
- إنني أتحدث جدًّا يا المسعي.
- أو تراني أهزل. وهل المقام مقام هزل يا رجل? عندما يتعلق الأمر بالشهداء, يصبح في غاية من الجدية.
- تصور أن برقية أتتك الساعة تخبرك بمقدمه غداً أو بعد غد!?
- أفرح وأقيم الأعراس طبعاً.
- فكر جيداً.
- في الحقيقة, عودة متأخرة مثل هذه, تنُمُّ عنها مشاكل, مشاكل كبيرة, مشاكل عويصة. لو حدثت في السنتين الأوليين للاستقلال لكانت معقولة. أما بعد كل هذه السنوات, فالمسألة تتطلب تفكيراً جديداً قلت لك.
وداعاً, لدي أمور عاجلة يدعوني إنجازها إلى الذهاب بهذه السرعة.
- بلغني أنهم سيعودون كلهم. وداعاً.
ومر العابد في سبيل حاله, في حين ظل المِسعي واقفاً يتأمله وهو يتمتم:

- خفّ عقله. في طريق الجنون. الناس تسير إلى الأمام, وهو لما يزل مشدوداً إلى الماضي, يتحسر على ابنه, لو عاد مثلما عادت البقية, لما كان يفضل أي واحد بشيء. يعطونه رخصة سيارة أجرة, أو ينسونه تماماً. ابني أتى بحقه مضاعفاً. وها أنا أتقاضى منذ سبع سنوات مبلغاً ما كنت أحلم به قط. إذا ما أريد توزيع إعانة أو ملابس كان نصيبي الأول. وإذا ما شُرع في مد القروض للفلاحين كانت حصتي الأولى. وإذا ما وقفت أمام محكمة, طالبًا أو مطلوبًا حضر ولدي في القضية ليكسبني إياها. الحمد لله على ما تبقى, والله يرحم جميع الشهداء.
- الله يمسيك بالخير ياسي قدور.
- أهلاً بعمي العابد, أي قدر فرض عليك الدخول هنا هذا المساء. أهلاً. أهلاً. قازوزة - عمي العابد?
- لا. والله لا. أردت أن أسلم عليك لا غير. هذه مدة لم أرك.
- يبارك فيك. الخبزة الملعونة يا عمي العابد. ها أنت ترى (...). لا بد لنا من أن نعيش يا عمي العابد, وأن نعيّش الجيش المرتبط بنا من الأطفال والأقارب.
- إرادة الله يا ابني. هكذا كتب لكم أن تحلوا محلهم. عسى أن تكرهوا شيئاً. هذه المرة الثانية تطأ قدماي عتبة هذا المحل. المرة الأولى كانت سنة أربعين. طلبني - القائد - لينتزع مني الحصان الوحيد ليرسله إلى الحرب, وهذه المرة الثانية, جئت لأراك.
- مرحباً.
- أريد أن تعيد عليَّ قصة استشهاد ابني مصطفى كما حدثت.
- لو تعود في فرصة أخرى يا عمي العابد.
- لا. أطلب من فضلك أن تعيدها عليّ الآن.
- كنا قادمين من الأوراس, في طريقنا إلى الحدود نحمل بريد الولاية. كنا نسير جنباً إلى جنب, وبعد مدة لست أدري كيف سبقني مصطفى. لم يبق لنا لبلوغ الأسلاك الكهربائية إلاَّ مسيرة ساعة ونصف. وكانت الليلة مقمرة. رفعت رأسي لأطلب من مصطفى أن ينتظرني فوجدته جامداً في مكانه وهو يهتف:
- الله أكبر.
- ماذا هناك يا مصطفى?
- تحت رجلي لغم. قف مكانك.
- لكن لا بد من مساعدتك!
- لا تستطيع, لازم موقعك. انبطح لكي لا تتطاير عليك الشظايا.
ما أن انبطحت حتى حدث دوي أول وثان. ألقي مصطفى بنفسه في حفرة فانفجر اللغم الذي يقف عليه, حظه. كانت الحفرة أيضاً ملغمة. سارعت إليه لأجده قد فارق الحياة. كان صدره رحمه الله مفتوحًا. دفنته هناك يا عمي العابد وواصلت طريقي.
- دفنته تقول?
- أي نعم, بيدي هاتين, كم بكيت, كان أكثر من أخي يا عمي العابد.
- لو لم تكن الحكاية صادرة منك لما صدقتها أبداً.
انتفضَ قدور, وراح يصوب له نظرة جانبية, ليتأكد من مغزى كلامه هذا.
- ماذا تعني يا عمي العابد?
- مصطفى ولدي سيعود عما قريب في ظرف أسبوع!
- مصطفى يعود? ماذا تقول يا عمي العابد?!
- اسمع يا قدور ابني. حكايتك صحيحة, ولا مجال للشك فيها.
- طبعاً.
- ولكن أحلامي أيضاً صحيحة. لقد وقف مصطفى هذا الصباح, بعد صلاة الصبح, على رأسي, وقال لي بالحرف الواحد: أنا لم أمت. نجوت من اللغم بأعجوبة سأعود إليكم خلال عشرة أيام على الأكثر.
- ألم يقل لك شيئًا آخر?. 
- هذا ما قاله.
- الله يرحم الشهداء, يا عمي العابد. مصطفى ينعم الآن في جنة الخلد, فكر في نفسك يا عمي العابد. تناول مشروباً عمي العابد.
- كثر الله خيرك.
قصد الباب, وانحدر يواصل دبيبه مع الشارع.
- كيف أمسيت يا عمي العابد.
رفع إليه بصره: الشاب عبد الحميد, شيخ بلدية القرية.
- بخير. تعال, يا عبد الحميد يا ابني أريد أن أسألك.
- خير إن شاء الله يا عمي العابد.
- بصفتك شيخ بلدية القرية ومدير مدرستها, أردت أن أسألك.
- تفضل.
- ماذا يكون موقفك كشيخ بلدية لو يعود شهداء القرية كلهم أو على الأقل البعض منهم.
- لماذا هذا السؤال يا عمي العابد?.
وقال لنفسه, إذا ما عاد مصطفى ابنك, فسأنتقم لأبي, سأكل لحَمهُ بأسناني. في حين راح الشيخ العابد يؤكد لنفسه, لن أحدثه عن مصطفى فهو الذي اغتال أباه الخائن.
- مجرد سؤال خطر بذهني, وأرجوك أن تجيبني عنه بصراحة. بكل صراحة.
- الأمر بالنسبة لي بسيط, إنهم مسجلون في سجل الوفيات, وعليهم أن يثبتوا حياتهم من جديد. لن يتسنى لهم ذلك حتى تنتهي مدة انتخابي على الأقل.
- لكن الأمر يتعلق بشهداء.. بمجاهدين حقيقيين أعني.
- وإن كان.
- ماذا تعني?
- لن يلبثوا أسبوعًا, حتى يتزيفون, سيؤولون إلى ما آل إليه غيرهم.
- وإن عادوا بسلاحهم?!
- تتعداني المسألة إذ ذاك وتصبح متعلقة بالدولة. الأمر جد بسيط بالنسبة للقانون يا عمي العابد, ولكنه سيكون أكثر تعقيدًا بالنسبة لكم أنتم.
ومر في طريقه وهو متأكد من أن الشيخ العابد المسكين, في طريقه العاجل إلى الجنون. لقد أصبح يرى رؤى غريبة ويطرح أسئلة أشد غرابة منها. نظرته لا تعجب. جفناه مترهلان, وعضلات وجهه متصلبة, ويداه ترتجفان. إنه مريض.
واصل الشيخ العابد انحداره مع الشارع, منحني الظهر مطأطأ الرأس. القانون. مسألة الأموات بالنسبة إليه بسيطة, يعقد عليهم طريق إثبات حياتهم ويتركهم. إجابات شيخ البلدية واضحة وبسيطة, كأنما استعد لها من قبل. لقد تدرب في الأحياء. مارس العملية بالفعل في الأحياء. المكافحون بالنسبة إليه, شهداء كانوا أو غير شهداء, أموات يجب أن يظلوا يكافحون من أجل إثبات حياتهم.
ابن خائن.
سكان القرية كلهم يعرفون ذلك. لكنُّهم انتخبوه, انتخبوه بالإجماع, أنا بدوري صوّتُّ لفائدته.
ابن الخائن.
لكن ما ذنبه? ذنبه أنه احتل المنصب الذي كان يشغله أبوه قبل أن يُعدم.. على يد ولدي مصطفى. لم تكن حاجتنا إليه شديدة, فالقرية تتوفر على متعلمين غيره, مناضلين وجنودًا وأبناء الشهداء.. تصورنا الساذج, أنه كابن شيخ بلدية سابق, يكون أنجح من غيره. الاستسلام المطلق لموجة العفو العام عما سلف, هو الذي حملنا على انتخابه. لعل رغبتنا العامة, في طي صفحة الثورة هي التي جعلتنا نقدم على ذلك. إنني لأتساءل هل كنا نرفض الانتخاب على أبيه الخائن لو بقي على قيد الحياة? لقد فعلنا أكثر من ذلك. أسوأ منه.
- كيف حالك يا عمي العابد?
رفع بصره, وراح يحدق في الشخص الذي حيّاه, وهو يتجه إليه قبل أن يعرفه.
- أهذا أنت, سي المانع? كيف حالك? 
- بخير والله.
- أريد أن أتحدث إليك ياسي المانع.
- ولكنني مشغول, عندي اجتماع يا عمي العابد.
- دقيقة واحدة لا غير.
- ألا تستطيع تأجيل ذلك, تعال إلى مقر القسمة.
- كلمة واحدة.
- تفضل.
- أتعتقد أن كل الشهداء ميتون بالفعل?
- لا يا عمي العابد. إنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
- لا أقصد ذلك. أعني هل استشهدوا حقًّا.
- هناك من ذهب ضحية, وهناك من ذهب خوفًا وهناك من حتمت الظروف أن يحسب من الشهداء.
- لا أعني ذلك أيضاً. أعني أنهم ليسوا الآن على قيد الحياة, يأكلون الخبز ويمشون في الأسواق.
- الله أعلم.
- المسألة أكثر من هذا.
- ماذا?
- شهداء القرية كلهم سيعودون.
- أفي صحة جيدة أنت يا عمي العابد? عندي اجتماع.
- لا. المسألة جدية. مصطفى ابنى, ذلك الذي كان مركزه في منزلك قبل أن تهجر البادية إلى القرية, سيعود هذا الأسبوع.
اصفرّ وجه منسق القسمة, وشعر برغبة في الجلوس, أو على الأقل أن يشدّ ظهره إلى الجدار أو عمود الهاتف. لست أدري كيف بلغه أنني وشيت به إلى العدو, وأن كمينًا نصب له في منزلي, فلم يحضر. ظل العسكر متخفياً في منزلي شهراً ولم يحضر, آخر الأمر اضطررت للانتقال إلى القرية. أرسل لي رسالة يقول فيها: ستُغتال إن عاجلاً أم آجلاً, يا عديم الضمير, يا خائن وطنه. لحسن حظي أنه مات بعد شهر.
- من أين علمت ذلك يا عمي العابد?
قال مُتلعثماً, ففكر العابد لحظة وقال:
- وقف بعد صلاة الصبح عند رأسي, وقال لي: لم أستشهد, وسأعود إليكم في ظرف أيام. 
- أهذا حلم.
- لم أر حلماً كاذبًا طيلة عمري يا سي المانع. ابني سيعود في ظرف عشرة أيام.
- هل قال لك شيئاً آخر?.
- ذكر لي بعض الأمور وبعض الأسماء, لم أتذكرها مع الأسف.
- وهل ورد اسمي على لسانه?
- لا أخال ذلك.
- عندي اجتماع في مقر القسمة, مع منسق الاتحادية الذي ربما يكون مصحوباً بمراقب من العاصمة, فالمعذرة يا عمي العابد.
- حتى تقول لى.
- ماذا أيضاً?
- ماذا يكون موقفك كمنسق للقسمة, لو يعود كل شهداء القرية.
- آه أزور بهم كل المنجزات التي حققها الاستقلال, ثم أقدم لهم ملفات الانخراط في الحزب, مع التصريح بالالتزام للسلطة الثورية. وإذا كانت تتوفر فيهم الشروط والمقاييس لا بد أن تقبلهم اللجان كمشتركين على الأقل, وعندما يبرهنون على طاعتهم وإخلاصهم وتضحيتهم يرقون إلى خلايا المناضلين.
- هكذا!?
- وماذا تريد أكثر? كل الناس سواسية أمام القانون.
- حتى المقدسون? حتى أعز شيء نفتخر به?
- مرة أخرى يا عمي العابد نتم الحديث. إلى اللقاء.
- ضع في حسابك أنهم عائدون خلال هذا الأسبوع.
مرّ سي المانع في طريقه يحث الخطى, نحو مقر القسمة الواقع قرب البلدية, في حين واصل الشيخ العابد انحداره البطئ, وهو منشغل الفكر.
لست أدري ماذا يرددون في دقائق الصمت التي يقفونها ترحماً على أرواحهم, هل يقولون: تغمدكم الله برحمته الواسعة, أيها الأبطال الذين آثرتم الموت عن الحياة, لتسعدوا وطنكم وإخوانكم, وإن تضحيتكم ستكون قدوة لنا في مستقبل أيامنا وفي كل عمل نقدم عليه. أم يقولون أيها الرب إنك لطيف بعبادك, فلولا أنك أرحتنا منهم, لما تيسر لنا أن ننعم في هذه الحياة. حكمتك كبيرة واسعة, أيها الممجد, فلك منا الشكر والثناء. يقدم لهم ملفات الانخراط في الحزب, وتصاريح الالتزام, ثم يدرس وضعهم ليقبلهم كمشتركين. أردت أن أسأله وإذا ما كانوا ضباطاً سامين ومسؤولين كباراً. رؤساء مناصب وقادة ولايات, ومؤسسي الثورة, كيف يكون العمل معهم, إلاَّ أنه كان مستعجلاً.
آه. إن الغم يملأ قلبي, ويخنق روحي.
- طاب مساؤك عمي العابد.
واتجه إليه مباشرة, أمسكه من ذراعه وأوقفه.
- نزلت من السماء. انزع عني حيرتي يا ابني. لا أحد غيرك يستطيع.
- خير إن شاء الله.
- أنت الوحيد الذي أثق فيه في هذه القرية, ماضيك أصفي من الحليب, مجاهد بسلاحه من الأول إلى الآخر. أعتز بحاضرك. لم تطلّق أم أبنائك لتتزوج بابنة غني أو خائن. ولم ترض ببيع ضميرك بخمّارة, ولم تطلب قرشًا على حساب إخوانك, حارس في ضيعة التسيير الذاتي من يوم تكوينها إلى الآن. لم تشهد شهادة الزور مع أي خائن لينال بطاقة النضال, رغم الإغراءات الكبيرة من ملاك قريتنا يا ابني.
- تبالغ يا عمي العابد.
- ورأس ولدي لا. هذا هو الحق.
- قلت إنك محتار يا عمي العابد.
- أتدري ماذا قال لي شيخ البلدية?
- لا.
- على الشهداء إن بُعثوا للحياة أن يكافحوا من أجل حذف أسمائهم من سجل الأموات, طوال حياتهم.
- ابن خائن. ماذا تريد أن يقول أكثر?
- وهل تدري ما قاله منسق القسمة?
- لا والله.
- يقدم لهم ملفات طلب الانخراط, وبعد الدرس يقبلهم كمشتركين.
- اسمع يا عمي العابد. قلبي ممتلئ حتى الفيض, لا تزد عليه. يقول المثل: حيثما شاء الحي وجه رأس الميت. والحي هو القانون, هم الساهرون على تطبيقه, والميت هو, هو. - من هو?
- لا تحرجني يا عمي العابد, إنك تعرف أنك عشت الحقيقة من أول الثورة حتى اليوم. أين التضحية? أين الاخلاص? أين الحماس? أين الأخوة? أين تجند الجميع من أجل الصالح العام? كل شيء بالبطاقة اليوم يا عمي العابد!. الماضي الثوري لا بد من بطاقة تشهد عليه. النضال لا بد من بطاقة تثبته. حسن السيرة لا بُدّ له من بطاقة. الخيانة فقط, لم توضع لها بطاقة, نعرف كلنا الخائن ولكن لا نستطيع أن نواجهه لأن البطاقة هي الصح. حيثما شاء الحي وجَّه رأس الميت يا عمي العابد. هناك شيء يا عمي العابد, اسمه البيرقراطية. إنه آخر من ينتصر في نهاية الأمر.
- لكن يا ابني. هل عندنا شيء آخر نعتز به أقدس من مليون ونصف مليون شهيد? ماذا يبقي لنا أن كسرنا حرمتهم?
- آه, نسيت أن أعلمك, مصطفى ابني تعرفه?.
- وكيف لا. الله يرحم الشهداء. ولو أن عدم وجودهم في هذا الجو, رحمة في حد ذاته. - قلت لك إن مصطفى ولدي.
- أهاه, ماذا تقول عنه يا عمي العابد.?
- سيعود خلال هذا الاسبوع.
أطرق منسق قسمة قدماء المجاهدين, هل الشيخ العابد مريض? لا. أنه على أحسن ما يرام. ما هذا الكلام الذي يقوله? الشيخ العابد رجل ثقة, يزن كلامه قبل أن يخرجه. ابنه استشهد ببريد الولاية إلى خارج الحدود. كان قدور معه. قدور يقول إن لغمين انفجرا من تحته, وأنه دفنه. مسألة الدفن هذه لم أفكر فيها قبل اليوم. إنها تثير الشكوك, وتطرح المسألة من جديد. قرب الأسلاك الكهربائية الشائكة, ووسط مراكز العدو المنبثة هنا وهناك, ينفجر لغمان, ويكون لقدور الوقت الكافي لدفن مصطفى? تكون لديه الشجاعة الكافية حتى على انتظاره إن أصيب بجرح? هل أن مصطفى عائد حقًّا أم أن الشيخ العابد هزه الشوق إلى ابنه, فأراد أن يعرف كل التفاصيل عن موته? لقد اتبع أسلوبًا خطيرًا في التحقيق, إن كانت هذه نيته.
معنى كلامك كبير يا عمي العابد.
- كبير يا ابني. كبير جداً.
- ومن أين لك هذا؟
- علمت بذلك علم اليقين يا ابني.
- هل يعود من الآخرة أم من الدنيا؟
- لا تتورط مثلهم يا ابني. في كل مقابر الشهداء التي لا تخلو منها قرية أو دشرة, كتبت هذه العبارة: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون.
- عند ربهم يا عمي العابد.
- كل ميت يذهب عند ربه, لكن الله لم يخصّ كل الأموات بالحياة, إنك أعقل من أن تكفر يا ابني.
- المهم يا عمي العابد أن مسألة العودة مطروحة.
- مطروحة من يوم استشهادهم يا ابني.
- والقانون اعتدّ لهم عدتهم بعد, لا أدري ما العمل هل من الأفضل أن يعودوا فرادي أم جماعيًا?
- حسب ما هو مقدر لهذه الأمة يا ابني.
- قدر الأمة في القانون يا عمي العابد. الأمير عبد القادر - مثلاً - ظل شهيداً سبعة عشر سنة, وبقي بعد ذلك قرناً ونصفاً. لم يؤثر في مصير الأجيال ما فعلته بنفسها. بيدها. أنا أمامك. ألست شهيداً.
- إنني أكاد أسقط. رأسي يدور ركبتاي لا تقويان على حملي. لا تتحدث إليّ أكثر. وقبل أن يواصل الشيخ العابد انحداره في الشوق سمع منسق قسمة قدماء المشاهدين يقول له بصوت خافت:
- إن تمكنت من الاتصال به انصحه بعدم العودة إلى القرية. أرض الله فسيحة. قل له تدرب أولاً على الحياة في مكان آخر.
رغم امتلاء رأس الشيخ العابد, بشيء ثقيل كالرصاص ورغم خور قواه فإن التمييز لم يفارقه:
- لا أحد يرحب بعودتهم. لا المخلص ولا الانتهازي, لا المناضل, ولا الخائن. هؤلاء الناس ما بهم?
أية عربة ركبوا? هكذا أغلقوا الحلقة على أنفسهم بكل ما فيها, بخيرها وبشرها, بسخطهم - وبرضاهم - أي غول بلّد إحساسهم? العربة التي ركبوها, لا تسير. انفصلت عن بقية القطار, وظلت في النفق, إنهم لا يدركون ذلك. لن يدركوا إلاَّ عندما يقدم قطار آخر. ويصدم عربتهم ليدفعها أمامه.
- الشيخ العابد. وحّد الله. هل جرى لك مكروه?
واتجه إليه. رئيس وحدة الدرك بالقرية, يحمل في يده محفظة جلدية سوداء.
- انتظر يا ابني. أريد أن أسألك.
- عفوك يا الشيخ العابد, عندي مسألة عاجلة.
- لكن أريدك في كلمتين لا غير.
- تفضل, ولو أنني مستعجل. زوجات الشهداء هؤلاء أقلقننا كثيراً. يجري الآن شجار في منزل إحداهن بالعصى والخناجر, حولت منزلها إلى خمارة, وها هي النتيجة. أنذرناها أكثر من مرة لكنها لم ترعوِ.
- هذا هو الموضوع الذي أردت أن أطرقه معك.
- ماذا يا الشيخ العابد? هل لديك معلومات جديدة تضيفها. إن الملف كبير بعد.
- إنهم سيعودون.
- من هم?.
- الشهداء.
- يفعلون حسناً.
قال رئيس فرقة الدرك ثم أطرق يفكر. إذا ما عاد من يعرفني, فستكون المشكلة. لا أحد يعلم عن أسرى يوم المعركة التي استشهد فيها كل أعضاء فرقتنا. ما أن انطلقت الرصاصات الأولى, حتى رفعت يدي وركضت نحو العدو غير مبال بهتفات العودة خلفي. كنت حامي الفرقة بالمدفع الرشاش, وكان توقفي عن إطلاق النار يعني هلاكها. لم يستطيع أحدهم أن يلتحق بالمدفع الرشاش المحصن فسقطوا جميعاً.
تفاءل الشيخ العابد, وحدث نفسه: هو ذا الأول الذي يحبذ عودتهم, يا له من رجل طيب.
لقد كان مجاهداً حقيقياً ما في ذلك ريب. ثم رفع صوته:
- أجادّ فيما تقول يا ابني.
- اسمح لي يا الشيخ العابد أن أسألك بدوري. هل ترضى أنت أن يعود ابنك مصطفى رحمه الله وينتزع منك شرف أب الشهيد, ويضيع عنك كل الحقوق التي تترتب عنه: المنحة, رخصة سيارة الأجرة, السكن في أحسن مساكن القرية بكراء منخفض, الاحترام الذي توليه لك السلطات والشعب? حقاً أنك بدورك مناضل, سجنت وعذبت إبان الثورة, ولكن أي مناضل أو مجاهد, يتمتع بشرف أب الشهيد? فكر ملياً يا الشيخ العابد, كان عليهم أن ينضموا إلينا في يوم الاستقلال الأول, أما الآن فقد فات الفوت. فات الركب.
- ولكن إذا ما عادوا فعلاً, كلهم أو على الأقل بعضهم?
- المسألة بسيطة جداً يا الشيخ العابد. نسلح نساءهم, ونوكل الأمر إليهن.
ثقل رأسه أكثر, وشعر بالغصة, وبالمرارة في حلقه, وبالحرارة في عينيه, فتدافع إلى الأمام مع الشارع المنحدر.
العربة منفصلة نهائياً, ولا أحد يشعر بذلك. إننا نريد أن نستأنف حياتنا بدون جزء كبير منا بدون وضع أي حساب لهم.
في كل ساحة قرية تنتصب لوحة تحمل ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون هل نقدر ذلك حينما نفعله أم المسألة لا تتعدى كونها شكلية, تزين بها القرى, وينفق فيها جزء من ميزانية البلدية.
ألا نكون كمن يسكن جوار مقبرة, يفضل أن ترعى بقرته فوق القبور. لكثرة ما يشقّها ويطأها, ينسى أنها مقبرة, تضم رفاة أناس كانوا أحياء مثله, من بينهم أفراد كانوا أعزاء على قلبه. بل لعلنا, كمن يفتح مصنعاً للرخام بجانب مقبرة, لا ينظر إليها إلاَّ من زاوية القبور المبنية وغير المبنية.
آه. آلام رأسي وقلبي يضاعفها الجوع. لم أتعشّ اليوم.
حينما تطرح مسألة عودتهم, لا يخطر لنا أنهم أصحاب الحق الشرعيين وحدهم. فلولا استشهادهم, لظل كل ما كان على ما كان.
نعم. لو أردنا فعلاً تغيير ما كان مثلهم, لما كُنّا أحياء. لدفعنا بأنفسنا بقوة في المعركة, ولما ظللنا نتحايل على الموت بشكل أو بآخر.
رباه. إذا ما أدرك العائدون هذه الحقيقة, ألا يندمون على تضحيتهم?
رباه. إذا ما أدركت الأجيال القادمة هذه الحقيقة, أو تقدم على التضحية مرة أخرى?. آه رأسي آه, قلبي, ركبتاي, معدتي.
- كان الله في عونك يا عمي العابد.
انتفض واتجه لي مصدر الصوت ويده ممتدة لتمسك بصاحبه.
- مساء الخير يا ابني. انتظر, انتظر. عندي معك كلمة.
- خير إن شاء الله يا عمي العابد, لقد وصلك المتأخر من منحتك على ما أعتقد.
- هذا هو الموضوع الذي أريدك فيه.
- لماذا لا تأتي إلى القبّاضة البلدية صباح الغد?
- المسألة في الحقيقة لا تحتاج إلى حضوري. إنها عامة. مجرد سؤال أريد طرحه عنك.
- تفضل.
- إذا ما عادوا. ما يكون موقف الخزينة. أنت تعرف بصفتك مسؤول قباضتنا.
- من يعود يا عمي العابد?
- الشهداء الذين تدفع الخزينة منحة موتهم لذويهم.
- لكن هذا مستحيل يا عمي العابد.
- بلغني من مصدر مطلع بأن شهداء القرية كلهم أو على الأقل بعضهم سيعودون. لا تناقشني في هذا. أجبني فقط عن موقفك كرئيس القباضة, تخرج من يديك منح.
- هذه مسألة لم تخطر بذهن أحد قط يا عمي العابد. ولكن في انتظار أن يثبت العائد حياته أمام المحاكم, وهذه مسألة تتطلب إجراءات طويلة تستغرق عدة سنوات, نوقف المنحة رأساً.
- وما تم دفعه يا ابني?
- آه. هنا وجدتني أحتار. ولكن المسألة تبدو من وجهة النظر القانونية واضحة. لقد خرجت من الخزينة أموال بدون موجب, فلا أقل من مطالبة الخزينة للمعني, أو لورثته, بإعادة تلكم الاموال. وعلى ما يبدو لي شخصياً, فإن المسألة - وإن كانت قانونية - تبقي استمرار, خاضعة لمتصرف القباضة, ففي وسعه أن يقدم تقريراً, وقد يكون هذا التقرير واضحًا صريحًا. أو غامضًا مبهمًا, كما في وسعه أن لا يقدم أي تقرير ويكتفي بإشعار مرؤوسيه بأن المنحة سقطت قانونياً من صاحبها, وفي وسعه أن يقدم بنفسه قضية أمام العدالة. والله. المسألة مع أنها واضحة قانونياً, فإن لها أوجهاً كثيرة.
- أشكرك يا ابني. فهمت من كلامك أن عودتهم تطرح إعادة النظر في كثير من الأمور.
- آه هذا واضح, عودتهم مشكلة في الحقيقة.
على كل يبقي لهم الحق كقدماء مجاهدين وليس كشهداء.
بالإضافة إلى أن اللجنة الوطنية التي تمنح الشهادات البلدية عن الماضي الثوري قد أنهت أعمالها فإن عليهم ليكونوا ملفات الطلب, أن يحصلوا على أوراق عديدة, لا تتيسر لهم, إلاَّ إذا حصلوا على شهادة الحياة. من وجهة النظر القانونية البحتة, يمكن ألا يحصلوا على هذه الشهادة إطلاقاً. تصور أن المجتمع, وفي مقدمته ذووهم ينكرهم ويتجاهلهم أو حتى يرفع دعاوى ضدهم بصفتهم محتالين. أقصى ما يفعلونه هو أن يخضعوا للأمر الواقع ويظلوا هامشيين. سينتحر الشرفاء منهم ولا شك.
- ولكنهم كلهم شرفاء, يا ابني. إنهم أقدس شيء نعتز به.
- لا من عاد من القبر وأتى بالخير, يا عمي العابد.
تضايق الشيخ العابد, وواصل انحداره, في الشارع الذي بدأ يقترب من مركز القرية, ليستأنف صعوده إلى طرفها المقابل.
- مساء الخير أبي العابد.
اتجه إلى مصدر الصوت الذي كان قريباً منه, وتشبث بصاحبه وهو يتمتم:
- الخير والهناء يا ابني.
- أحدث لك مشكل يا أبي العابد.
- آه. هذا أنت يا - الكومينيست ?
- مرّ ذلكم الوقت يا أبي. الآن مسؤول الفرع النقابي لعمال السكك الحديدية لا غير. أتذكر يا أبي ما كان يقوله الضابط, وهو يعذبنا معًا.
- أذكر يا ابني.
- ما زلت أسمع ذلكم الكلام حتى الآن يا أبي.
- عذبوك أكثر منا. كانوا يدبّرون قتلك.
- قرر مسؤول القسمة أن يبعدني من الحزب والناس يا أبي العابد.
- ولكن لماذا?
- قلت إنك تذكر عبارات الضابط: الجرثومة الخطيرة في هذه الحركة.
- نعم.
- هذا ما يتردد الآن أيضاً.
- يطول الدهر, ويتقطع - الطفر - يا ابني. أريد أن أسألك.
- تفضل. خير إن شاء الله!
- إذا ما عاد الشهداء?
- أتعني كل الشهداء?
- نعم.
- يرتفع عدد السكان أكثر, وتتراكم المشاكل الاجتماعية.
- ولكن ليس من هذه الزاوية. أريد أن أقول, هل نقبلهم أم لا.
- ستوجد طريقة لقبولهم, يستدعون رأساً إلى مراكز التدريب, ويلبثون هناك عدة سنوات بدون سلاح وبدون أي اتصال بالخارج, ثم يشرع في إطلاق سراحهم, فرداً فرداً, بدءاً بالضباط السامين الذين تمنح لهم قروض هامة, أو يعينون رؤساء مديرين على الشركات التي تكون قد انتشرت أكثر يومها. ثم يأتي دور الجنود البسطاء, الذين يوزعون على مزارع التسير الذاتي التي تقتطع لهم بكل جدارة واستحقاق.
- أهذا موقفك يا ابني? إنك أنزه من أن تقول هذا الكلام.
- لكنك لم تسألني عن موقفى الشخصي يا أبي العابد لقد قلت هل نقبلهم أم لا.
وما موقفك?
- اسمح لي أن أحتفظ به يا أبي العابد. لا أستطيع أن أعلن عنه دون الاتصال بهم أولاً وقبل كل شيء.
- ولكن هل ترحب بعودتهم أعني?
- من الناحية النضالية, فحسب الأفكار التي يعودون بها. أما من الناحية الاجتماعية, فاسمح لي أيضاً أن أحتفظ برأيي الشخصي. أنا نقابي يا أبي العابد, والأمور مختلطة متداخلة, بحيث يصعب اتخاذ موقف ارتجالى هكذا.
شكر الشيخ العابد مسؤول الفرع النقابي, وواصل طريقه, مع المنحدر, وهو أشد حيرة من قبل.
هذا ليس سلطة, فلماذا لا يرحب بعودتهم. إنه لم يعلن عن معارضته. تحفظ مع ذلك. ثوري مخلص, أعرف عمله الثوري قبل أن يلقى عليه القبض وأشهد على صموده في المعتقل أمام العذاب الشديد. لماذا لم يتحمس لخبر عودتهم, ألأنه في شك من أنهم لن يعززوا صفه, كما يتوقع منهم? الله أكبر.
حتى الذين ضحوا بأرواحهم من أجل إسعادنا, نشكّ في موقفهم من القضايا الثورية.. أية أفكار يمكن أن يعودوا بها غير التي ذهبوا بها, غير التي ماتوا من أجلها?. إذا كنا نحن الأحياء, قد وقعنا في فخ الخونة والانتهازيين وغرقنا في متاع الحياة ولم ننتبه إلى أن العربة التي نركبها فصلت من القطار, فهؤلاء الأعزاء المقدسون بالإضافة إلى أنهم أخلصنا, لأنهم ضحوا أكثر منا, لم يلوثوا بمشاكل الحياة بعد.. إنهم القطار الذي يلج النفق ويدفع العربة المنفصلة أمامه.
لعل الاصطدام يخرج العربة, والقطار عن السكة. لعل القطار يأتي من الجانب الآخر ليعيد العربة إلى الخلف.
الله أكبر.
 حتى أنا بدأت أشك, بدأت أتفلسف في أعز وأقيم شيء نفتخر به. (الكومنيست) لعين, يريد أن يعرف أفكارهم أولاً, ليعلن عن موقفه.
- آه, ما تزال هنا يا أبي العابد?
- أهذا أنت يا (الكومنيست) ?
- نعم, نسيت أن أقول لك - فيما يتعلق بهم - يمكن أن نقبلهم بشكل آخر. مثلما قُبل المجاهدون والمناضلون العائدون من الجبال والسجون والمنافي الاستقلال, نقيم الأفراح والأعراس, والمهرجانات لاستقبالهم.
- لا. لا. إلاَّ هذا.
قاطعة الشيخ العابد في حنق, ثم ابتعد عنه وهو يتمتم.
- لا تحدثني أكثر أيها اللعين.
- أبي ما بك?
خاطبه ابنه وهو يمسك من ذراعه وسط القرية, مفترق الطرق.
- هذا أنت? من أين خرجت?
- من المنزل, كنت أبحث عنك, لم تعُد منذ غادرتنا هذا الصباح, أين كنت?
- لماذا تسأل عني? اسمع إذا ما عاد مصطفى أخوك ماذا تفعل?
- يعود مصطفى أخي?
- نعم يعود. يعود. إنه عائد هذا الاسبوع.
- وماذا تقول أنت يا أبي?
- اغرب عن وجهي .. الذنب ليس ذنبك, إنه ذنبي أنا, ذنبنا جميعاً. أخبر أمك وزوجتك وأبناءك.
خلص ذراعه من قبضة ابنه, ومرّ في طريقه, يردد: 
- لا بد أن أتحدث مع إمام المسجد, هو أدراهم. أدرانا جميعاً.
واتجه مباشرة نحو المسجد, انتظر الإمام حتى فرغ من صلاة العصر وأشار إليه بيده:
- أريد أن أتحدث إليك.
- ألم تكن تصلي معنا?
- لست متوضئاً. أريد أن تفتي لي.
- في أي أمر.
- تعلم أن ابني مصطفى لم يعد مع العائدين.
- استشهد.
- لنقل ذلك. زوجته التي فارقها بعد أربعة أشهر من الزواج انتظرت في بيتي حتى تأكدنا من استشهاده.
- وبعد ذلك?
- زوّجتها لأخيه الأصغر, وله منها أربعة أطفال.
- أو فعلتم هذا? أو أتيتم هذا الأمر? لا حول ولا قوة إلاَّ بالله!
- وماذا فيه يا سيدي الشيخ?
- حرام. كفر. زنى. أعوذ بالله.
- ماذا تقول?
- كيف تجرؤون على تزويج امرأة غير مطلقة.
- لكن زوجها ميت ولدينا وثائق موته وقد عقدنا عند القاضي.
- هذا كفر يا الشيخ العابد. كفر يا الشيخ العابد. كفر بالله ورسوله وبكتابه. ابنك شهيد, والشهيد غير ميت, إنه حي عند ربه يرزق. ألم تقرأ الآية المكتوبة في كل ساحات القرية?. وثيقة الموت هنا, تلاعب قانوني من أجل ترسيم أشياء لا معنى لها من حيث الشرع. عندما يكون الأمر يتعلق بزوجة شهيد, فلا بد من الطلاق. هذا زنى. أعوذ بالله, كنت أظنك أعقل مما يتكشف لي يا العابد, حتى الغيبة وإهمال بيت الزوجية لا تنطبق عليهم لأننا نعرف مقرهم. يا للكفر والإلحاد..
- وما العمل يا سيدي الشيخ?
- يقام الحد على الزاني والزانية.
- هكذا يا سيدي الشيخ?
- ويبقي الخيار للزوج الأول في الطلاق أو في إعادة زوجه إلى بيته. المسألة بالنسبة إليكم تتعدى حدود الزنى. إنها كفر بالقرآن الكريم وبآياته الصريحة. أو لا تعلمون أن حياة الشهداء تجمع عليها كل الأديان والنصارى ينتظرون إلى اليوم عودة المسيح لأنه شهيد. ينبغي أن تعلنوا إسلامكم من جديد وأن تكفروا وتتوبوا وتستغفروا, عله سبحانه وتعالى يقبل منكم.
مسألة الطلاق يبدو أنها أهون من مسألة الكفر هذه يا سيدي الشيخ.
- وكيف ذلك?
- الزوج الأول. ابني مصطفى سيعود هذا الأسبوع.
- إنك لما تزل تكفر يا رجل.
- ولكن.
- أو تظن ابنك المسيح أو المهدي, أستغفر الله. اخرج من المسجد أيها الكافر.
- ولكن سيعود. لقد..
- أخرج. جرمك من الكبائر.
غادر الشيخ العابد المسجد ذليلاً منكسر الروح, مطاطئ الرأس والقلب واتجه إلى أسفل, حيث تمتد سكة القطار.
بعد أن انفض الاجتماع في مقر القسمة, وبقي وحده شيخ البلدية عدوي اللدود, علاقتنا مقطوعة منذ ستة أشهر. لكن المسألة عاجلة, جد عاجلة. ترى إذا ما دعوته إلى اجتماع تنسيق هل يحضر, أم يعتذر كعادته?
ورفع سماعة الهاتف, طلب مسؤولي المنظمات الوطنية النقابة أولاً, ثم قدماء المجاهدين, ثم اتحاد النساء, الكشافة, ثم قائد وحدة الدرك, وتردد قليلاً ثم تجرأ على طلب شيخ البلدية.
- آلو البلدية?
- هنا الكاتب العام.
- أريد أن أتحدث إلى سي عبد الحميد المانع منسق القسمة هنا.
- انتظر قليلاً حتى أنظر ما إذا كان هنا.
- نعم.
- لا. خرج, ترى في أي أمر تطلبه.
- هناك تشويش كبير بصدد الحدوث, عندنا الآن في مقر القسمة اجتماع مع كامل السلطات المحلية لا بد من حضور سي عبد الحميد.
- آلو ها هو قادم. انتظر.
- آلو سي المانع.
- آلو سي عبد الحميد كيف الحال.
- بخير وأنت.
- يا سي عبد الحميد اتصلت بك لأدعوك إلى اجتماع سينعقد حالاً بمقر القسمة, رغم ان العلاقات بيننا منقطعة فإنني لا أنساك, لست مثلك.
- يا رجل لو قلت لي هذا الكلام من السابق لقضي الأمر. تعال, وسنرى. المصلحة العامة فوق كل اعتبار يا سي عبد الحميد, ونحن زيادة على كل شيء بيننا صلة دم.
فتح منسق القسمة الجلسة: ورحب كثيراً بشيخ البلدية وبقائد وحدة الدرك, ودخل الموضوع مباشرة.
- موضوع اجتماعنا هذا, هو التصدى لحركة تشويش كبرى تدبر في قريتنا, وربما في قرى أخرى, وأنا على يقين من أن لها صلة بالخارج, فأحد عناصر هذه الحركة الذي تم اكتشافه بعد, متصل بالخارج, ويتلقى رسائل من هنالك, وقد وردته واحدة اليوم فقط.
تقوم حركة التشويش الكبرى هذه على الرغم أن الشهداء الأبرار رحمهم الله سيعودون من الآخرة في ظرف قريب, وأن سبب عودتهم, هو إصلاح الأمور, التي يزعمون أننا عجزنا عن إصلاحها, أو أننا, نحن, السبب في إفسادها.
تصوروا جيداً ماذا يعني هذا الكلام. يعني عصيان مسلح يشترك فيه مليون ونصف من خيرة أبناء هذه الأمة, قصد قلب الأوضاع رأسًا على عقب.
طبعاً عودة الشهداء أمر مستحيل, ولكن من يدري فقد يكون هناك متمردون التحقوا بالجبل, كما أنه قد يكون هناك جيش كبير نزل من الخارج لاحتلال بلادنا التي دفعنا ثمناً باهظاً من أجل استقلالها وحريتها وعزتها.
إنني كمناضل ملتزم مع الثورة منذ سنة 1945 وكمسؤول انتخبت من طرف القاعدة, وأتمتع بثقة الاتحادية والمحافظة وقيادة الحزب في العاصمة, رأيت من واجبي . ومن اليقظة, أن أدعوكم لنضع حداً لهذه الحركة في مهدها.
لا بد من إلقاء القبض على الشيخ العابد, واستنطاقه وإشعار السلطات العليا في الحال.
- أنا متفق معك في هذا الاقتراح. لقد اتصل بي الشيخ العابد هذا المساء وقال لي كلاماً محيراً, خِلْتُ في الأول أن به مسا, لكن اتضح لي أن الرجل مشوش عن عمد. قال شيخ البلدية, فانبرت مسؤولة الاتحاد النسائي:
- لو تدرون ما يقال في البيوت. فعلاً لقد حدثت بلبلة كبيرة. والنساء كلهن في حيرة عظمى, يقال إن الشهداء سيعودون هذا الأسبوع مسلحين بالسيوف وبالمدافع وبالقنابل وبالرشاشات وفي يد كل منهم قائمة طويلة فيمن يجب أن يقتله. وأنهم لا يموتون مثلنا بالرصاص أو بالطعن أو حتى بالنار. يؤدون رسالتهم ثم يحملهم الله إليه مرة أخرى.
- ألم أقل لكم إن المسألة خطيرة. 
أكد منسق القسمة, فقال مسؤول الشبيبة.
- لم أعد أستطيع السيطرة على الشبان, تعرفون أنهم من قبل يحملون أفكاراً مستوردة من الخارج وهم ينتقدون المسؤولين بشدة.
- نعم. نعم.
قال منسق القسمة فواصل مسؤول الشبيبة:
- وقد أعلنوا موقفهم مع الشهداء أو بالأحرى مع التمرد. لقد أحسنت إذ دعوتنا لهذا الاجتماع يا سي المانع.
- نحن الكشافة لم يؤثر فينا هذا الهراء. وعلى أي حال, فقد قررنا أن نشكل فرق اليقظة لإعلام السلطة بكل غريب يدخل قريتنا, وبكل حركة مريبة.
- نحن مطمئنون إلى الكشافة.
قال منسق القسمة, ثم التفت إلى قدماء المجاهدين والفرع النقابي ينتظر موقفهما.
- هناك بلبلة حقاً, لكن الشيخ العابد المسكين برئ. إن ذكرى ابنه وضعف صحته فقط ما يدفعه إلى تصور أن ابنه سيعود هذا الاسبوع.
قال منسق قسمة قدماء المجاهدين فقاطعه شيخ البلدية:
- يقول جميع الشهداء. والرسالة التي تلقاها اليوم من الخارج? وأضاف منسق القسمة:
- يمكن أن نقول إن قدماء المجاهدين أو على الأقل مسؤولهم متواطئ مع حركة التشويش.
- ماذا تقول?
- اسكت لم أعطك الكلمة. وما موقف النقابة?
- تعلمون أن العمال لا يهتمون بمثل هذه الأمور, الشيخ العابد يجوز أن يكون مريضاً, كما يجوز أن يكون قد تلقى رسالة من ابنه. لعله كان يعالج في الخارج, ولنفرض أنه كان مصاباً بفقدان الذاكرة إثر حادث أو صدمة ثم استعاد ذاكرته. هذا شيء غير مستحيل الحدوث. وقد كانت الثورة ترسل المعطوبين إلى الخارج للعلاج.
- أنت معزول من الفرع النقابي باعتبارك متواطئاً مع الخارج, يا قائد وحدة الدرك نظراً إلى حركة التشويش السافرة, فإنه لا بد من إلقاء القبض على العابد بن مسعود الشاوي وعلى كل من مسؤول قدماء المجاهدين, ومسؤول الفرع النقابي.
- هذه مبالغة على ما يبدو لي. المسألة لم تصل حداً من الخطورة كما تتصورون, الشيخ العابد مريض ما في ذلك من شك, تبقي مسألة الرسالة هذه, فيمكن أن نستدعيه ونطلبها منه. لعلها كما قال مسؤول الفرع النقابي..
- والبلبلة التي حدثت وهلع النساء?
قالت مسؤولة النساء متحمسة, فرد عنها قائد وحدة الدرك وهو يبتسم:
- لن يقلل من المشاكل التي تحدث في القرية - كما تعرفين - يا خالتي عائشة, إلاَّ مثل هذه الدعايات من حين لآخر. لقد قتل هذا المساء فقط ثلاث نساء, زوجة شهيد, وفتاتان واحدة في السادسة عشر وأخرى في السابعة عشر.
- لا بد من إلقاء القبض على هؤلاء الثلاثة.
قال منسق القسمة, وأضاف شيخ البلدية:
- المسألة خطيرة, وسأشُعْرِ حالاً مسؤول الدائرة ولربما الوالى نفسه.
- كل ما أستطيع أن أفعله هو أن أستدعى الشيخ العابد, وأطلب الرسالة منه.
قال مسؤول الدرك, فأكد منسق القسمة:
- ينبغي أن يتم ذلك هذا المساء بالذات. الآن إن كان في إمكانك.
- سأخبركم بعد قليل بنتيجة التحقيق, اطمئنوا. 
أكد مسؤول الدرك, فقال شيخ البلدية:
- إنني وسي المانع في انتظارك هنا بالقسمة.
- الجلسة مرفوعة.
عندما خرج قائد وحدة الدرك, قابلته حركة غير عادية الناس, رجالاً وأطفالاً, وعجائز. يتراكضون إلى أسفل, نحو سكة القطار, وهم يهتفون:
- الشيخ العابد. الشيخ العابد.
ركض بدوره, وعند السكة وجد دركيين آخرين يقفان على رأس جثة الشيخ العابد ويبعدان الناس.
- لقد ألقي بنفسه أمام القطار.
قال السائق.
- رآه بعضهم, وهو يلوح بهذه الرسالة.
قال دركى, فتناول قائد الوحدة الرسالة وتمتم:
- إنها فعلاً.. سبحان الله العلى العظيم .

حكايات إسبانية

شبه الجزيرة الايبيرية التي سكنها الأوائل ممن عبروا الحاجز المائي الفاصل بين القارة الأوروبية وقارة أفريقيا عند جبل طارق، اشتهرت في الع...